مجلس التعاون الخليجي.. وفرصة قيادة النظام الإقليمي
::cck::3451::/cck::
::introtext::
قبل نحو أربعة عشر قرناً بلغت جزيرة العرب أوج قوتها، باعتناق أغلب أهلها الإسلام دينا، وتوحدهم تحت رايته، وسعيهم إلى توصيل رسالته إلى البلاد المجاورة، لكن مركز الثقل انتقل من قلب الجزيرة إلى طرفيها البعيدين في دمشق أيام الخلافة الأموية، وبغداد أيام الخلافة العباسية، التي ترنحت بفعل ضربات التتار، وسقطت تحت سنابك خيولهم الجامحة في عام 1258 م، فخرجت جزيرة العرب برمتها من مركز دائرة التسيد الدولي إلى الهامش.
::/introtext::
::fulltext::
قبل نحو أربعة عشر قرناً بلغت جزيرة العرب أوج قوتها، باعتناق أغلب أهلها الإسلام دينا، وتوحدهم تحت رايته، وسعيهم إلى توصيل رسالته إلى البلاد المجاورة، لكن مركز الثقل انتقل من قلب الجزيرة إلى طرفيها البعيدين في دمشق أيام الخلافة الأموية، وبغداد أيام الخلافة العباسية، التي ترنحت بفعل ضربات التتار، وسقطت تحت سنابك خيولهم الجامحة في عام 1258 م، فخرجت جزيرة العرب برمتها من مركز دائرة التسيد الدولي إلى الهامش.
ومنذ ذلك الحين تراجعت المكانة السياسية الدولية للجزيرة العربية، وضعفت شوكتها، وبلغت أقصى درجة من الوهن حين ابتلعتها الدولة العثمانية الفتية، ومن بعدها الاستعمار الإنجليزي، الذي نزل إلى سواحل عدن عام 1839، وسيطر على الشريط الساحلي الغربي للخليج لإخضاع القراصنة العرب الذين أرهقوا الأساطيل الإنجليزية عقوداً عديدة.
لكن اكتشاف بحيرة عظيمة من النفط الخام مطمورة تحت تراب الخليج، نحت للمنطقة دوراً في السياسة الدولية، وإن كان يختلف كثيراً عن موقعها السابق كنقطة انطلاق للفتوحات الإسلامية. فالنفط وإن كان قد ساهم بشكل فعال في تحديث المنطقة، وربطها بالعالم الخارجي، أكثر من ذي قبل، فإنه لم يعد إليها مجدها القديم الزاخر كفاعل دولي كبير ومؤثر، بل على العكس زاد من الأطماع الدولية فيها، فتكالبت عليها الإمبراطوريات الكبرى في العالم الحديث والمعاصر، إما بشكل مباشر وسافر، أو تحت ظلال الشركات العملاقة، المختصة في التنقيب عن النفط واستخراجه وتكريره، وتسهيل تصديره إلى الأسواق الخارجية، وفي صناعات النفط بمختلف مشتقاته.
وهذه الأطماع هي التي جعلت الهاجس الأمني مسيطراً على التفكير السياسي للنخب الخليجية الحاكمة، الأمر الذي ظهر بجلاء لحظة إنشاء النظام الإقليمي للمنطقة، المتمثل في (مجلس التعاون لدول الخليج العربية). فالمجلس بني على ورطة أمنية، إذ رأى قادة دوله الست أن من الضروري أن يجمعوا شملهم، ويحمي كل منهم ظهر أخيه، بعد اجتياح الاتحاد السوفييتي المنهار لأفغانستان، في سعي لاهث للوصول إلى المياه الدافئة في المحيط الهندي وبحر العرب، من جهة، وفي الاقتراب من منابع النفط من جهة ثانية. وكذلك بعد إزاحة شاه إيران ورفع أتباع الخميني شعار (تصدير الثورة) ثم حربه مع العراق. زاد على ذلك وصول الأوضاع في لبنان إلى مستوى غاية في التردي مع اشتداد أوار الحرب الأهلية، وظهور بوادر لاحتمال اجتياح إسرائيل للبنان، وهو ما حدث بالفعل في 1982، واتضاح عجز النظام الإقليمي العربي عن وضع حد للحرب اللبنانية، خاصة بعد الانقسام الذي طاله بفعل رفض العرب إبرام مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل.
ولم تترجم دول الخليج العربية هذا الهاجس إلى فعل إيجابي خلاق، بل ارتضت بحالة من الانكماش والاكتفاء بالدفاع عن النفس، بدلاً من الهجوم السياسي على المحيط الإقليمي، أو السعي إلى تشكيل رقم يعتد به في السياسات الدولية. فلما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية باتفاق الطائف، واندحر السوفييت على الأرض الأفغانية في معركة دولية لم يكن المال الخليجي بعيداً عنها، وعاد العرب إلى مصر في قمة الرباط التي انعقدت عام 1989، وقبل هذا كله انتهت الحرب العراقية ـ الإيرانية بإنهاك (الخمينية)، اعتقدت دول الخليج العربية أن هناك لحظة تاريخية قد سنحت لتلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها خارج (الورطة الأمنية) وبالتالي تسعى إلى أن يكون لها دور إقليمي بحجم وزنها الاقتصادي كدول رئيسية مصدرة للنفط ، وتحوز أغلب احتياطيه على مستوى العالم أجمع.
لكن الغزو العراقي للكويت أعاد العجلة إلى الوراء، حيث وقعت منطقة الخليج في ورطة أمنية جديدة، بدت هذه المرة، هي الكبرى في تاريخ المنطقة قاطبة، خاصة بعد قدوم الجيوش الأجنبية لإخراج العراق من الكويت، والاستقرار في المنطقة باتخاذ قواعد فيها، زادت عقب حرب الخليج الثالثة التي انتهت باحتلال العراق في التاسع من إبريل عام 2003.
وباستثناء سعي المملكة العربية السعودية إلى لعب دور إقليمي، ودخولها في منافسة مع مصر في خمسينات وستينات القرن الماضي حول هذا الأمر، فإن منطقة الخليج، قبل قيام مجلس التعاون وبعده، لم تشكل مجتمعة فاعلاً إقليمياً، بل تفاعلت بحذر مع سياسات الأقطاب الرئيسية في النظام العربي، وهي مصر وسوريا والعراق أيام حكم صدام حسين، مكتفية في كثير من الأحيان بتقديم الدعم المالي لهذه الأقطاب، توزعت في الوقت نفسه على سياسة الأقطاب الرئيسية في النظام الدولي، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مع الاحتفاظ بعلاقات طيبة، لكن أقل درجة، مع الدول الكبرى في آسيا، مثل الصين والهند واليابان.
وهناك عامل رئيسي حال دون أن تشكل دول الخليج فاعلاً إقليمياً، ومن ثم دولياً، أولها وجود خلافات بين دول مجلس التعاون حول الحدود والأهداف وبعض الضغائن التاريخية البعيدة والقريبة. وثانيها وجود مخطط دولي محكم للسيطرة على المنطقة، بدأه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر، عقب استخدام دول الخليج النفط سلاحاً في معركة أكتوبر عام 1973. وثالثها عدم اكتمال عناصر القوة الشاملة لدول المنطقة مقارنة بدول أخرى داخل النظام الإقليمي العربي وجواره.
وفي قمة التعاون السادسة والعشرين التي استضافتها أبو ظبي في ديسمبر الماضي اتسع الاهتمام الإقليمي والدولي للمجلس، علاوة على اهتماماته الذاتية أو الداخلية، الأمر الذي يعكسه بجلاء البيان الختامي الصادر عن القمة، والذي تحدث عن المشروع النووي الإيراني، وضرورة أن تكون منطقة الشرق الأوسط برمتها خالية من أسلحة الدمار الشامل، وعن مستقبل العراق، وسبل رأب الصدع بين سوريا ولبنان، وإمكانية إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب. هذا التصور الإقليمي حدا بكتّاب وباحثين خليجيين أن يتحدثوا عن (حقبة خليجية) بعد تراجع دور المراكز العربية التقليدية نظراً لسقوط العراق في براثن الاحتلال، ووقوع سوريا تحت طائلة ضغوط دولية شديدة كفيلة بإصابة دورها الإقليمي بشلل شبه تام، في ظل حسابات دمشق المعقدة في رحلة بحثها عن مخرج من الورطة التي ترتبت على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وكذلك في ظل استمرار رغبة النظام الحاكم بمصر في الانكفاء على الداخل، والرضا بدور إقليمي محدود، ينصب أساساً على القضايا الحيوية التي تمس الأمن القومي المصري مباشرة، مثل القضية الفلسطينية والمشكلة السودانية.
ورأى هؤلاء الكتّاب والباحثون أنه ليس هناك ما يمنع أن يعطي العرب أجمعين دول مجلس التعاون الخليجي فرصتها التاريخية لقيادة النظام الإقليمي بعد أن أخفقت مصر الناصرية والعراق وسوريا البعثيتان في أداء هذا الدور على الوجه الأكمل. وبالتالي فإن هؤلاء يريدون من منطقة الخليج أن تخرج من دور (القابل) إلى (الفاعل) ومن (التابع الدولي) إلى (صاحب القرار المستقل) نسبياً.
لكن هذا التصور يظل حبيس الأدراج، أو مجرد أمنيات، إن لم تتوافر له عدة عناصر تنقله إلى الواقع المعيش، أولها أن تكون لدول الخليج المقومات البنائية التي تسمح لها بلعب هذا الدور لفترة طويلة، وبشكل أكثر فاعلية واستمرارية من ذي قبل. وثاني العناصر هو أن يسمح النظام الدولي لمنطقة تحوز الجزء الأكبر من الاحتياطي النفطي في العالم، ناهيك عن الغاز الطبيعي، بأن يكون لها قرار مستقل تماماً. أما العنصر الثالث فهو استعداد شعوب الخليج نفسها لتحمل تبعات قيادة نظام إقليمي مشبع بالمشكلات الداخلية، ومحط أطماع دولية، ومحل استراتيجيات عالمية، لا تريد له أن يشتد عوده. والعنصر الرابع هو مدى استعداد الدول العربية نفسها، خاصة المراكز التقليدية، للتعامل بإيجابية مع قيادة إقليمية خليجية.
إن الفاعلية الدولية، ليست كلاماً يقال، ولا تاريخاً تحبس فيه الدول منفصلة عن واقعها المرير، بل هي إرادة سياسية يتبعها سلوك إيجابي خلاق، تعبأ من أجله كل الطاقات والإمكانيات الداخلية، وتستثمر فيه كافة العلاقات والروابط الدولية، وإبداء استعداد كامل لدفع أي ثمن للمغامرة، وتحمل أي تبعات للمشاكسة. وهذه مسائل بديهية يجب أن تعيها دول الخليج العربية أو غيرها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3451::/cck::
::introtext::
قبل نحو أربعة عشر قرناً بلغت جزيرة العرب أوج قوتها، باعتناق أغلب أهلها الإسلام دينا، وتوحدهم تحت رايته، وسعيهم إلى توصيل رسالته إلى البلاد المجاورة، لكن مركز الثقل انتقل من قلب الجزيرة إلى طرفيها البعيدين في دمشق أيام الخلافة الأموية، وبغداد أيام الخلافة العباسية، التي ترنحت بفعل ضربات التتار، وسقطت تحت سنابك خيولهم الجامحة في عام 1258 م، فخرجت جزيرة العرب برمتها من مركز دائرة التسيد الدولي إلى الهامش.
::/introtext::
::fulltext::
قبل نحو أربعة عشر قرناً بلغت جزيرة العرب أوج قوتها، باعتناق أغلب أهلها الإسلام دينا، وتوحدهم تحت رايته، وسعيهم إلى توصيل رسالته إلى البلاد المجاورة، لكن مركز الثقل انتقل من قلب الجزيرة إلى طرفيها البعيدين في دمشق أيام الخلافة الأموية، وبغداد أيام الخلافة العباسية، التي ترنحت بفعل ضربات التتار، وسقطت تحت سنابك خيولهم الجامحة في عام 1258 م، فخرجت جزيرة العرب برمتها من مركز دائرة التسيد الدولي إلى الهامش.
ومنذ ذلك الحين تراجعت المكانة السياسية الدولية للجزيرة العربية، وضعفت شوكتها، وبلغت أقصى درجة من الوهن حين ابتلعتها الدولة العثمانية الفتية، ومن بعدها الاستعمار الإنجليزي، الذي نزل إلى سواحل عدن عام 1839، وسيطر على الشريط الساحلي الغربي للخليج لإخضاع القراصنة العرب الذين أرهقوا الأساطيل الإنجليزية عقوداً عديدة.
لكن اكتشاف بحيرة عظيمة من النفط الخام مطمورة تحت تراب الخليج، نحت للمنطقة دوراً في السياسة الدولية، وإن كان يختلف كثيراً عن موقعها السابق كنقطة انطلاق للفتوحات الإسلامية. فالنفط وإن كان قد ساهم بشكل فعال في تحديث المنطقة، وربطها بالعالم الخارجي، أكثر من ذي قبل، فإنه لم يعد إليها مجدها القديم الزاخر كفاعل دولي كبير ومؤثر، بل على العكس زاد من الأطماع الدولية فيها، فتكالبت عليها الإمبراطوريات الكبرى في العالم الحديث والمعاصر، إما بشكل مباشر وسافر، أو تحت ظلال الشركات العملاقة، المختصة في التنقيب عن النفط واستخراجه وتكريره، وتسهيل تصديره إلى الأسواق الخارجية، وفي صناعات النفط بمختلف مشتقاته.
وهذه الأطماع هي التي جعلت الهاجس الأمني مسيطراً على التفكير السياسي للنخب الخليجية الحاكمة، الأمر الذي ظهر بجلاء لحظة إنشاء النظام الإقليمي للمنطقة، المتمثل في (مجلس التعاون لدول الخليج العربية). فالمجلس بني على ورطة أمنية، إذ رأى قادة دوله الست أن من الضروري أن يجمعوا شملهم، ويحمي كل منهم ظهر أخيه، بعد اجتياح الاتحاد السوفييتي المنهار لأفغانستان، في سعي لاهث للوصول إلى المياه الدافئة في المحيط الهندي وبحر العرب، من جهة، وفي الاقتراب من منابع النفط من جهة ثانية. وكذلك بعد إزاحة شاه إيران ورفع أتباع الخميني شعار (تصدير الثورة) ثم حربه مع العراق. زاد على ذلك وصول الأوضاع في لبنان إلى مستوى غاية في التردي مع اشتداد أوار الحرب الأهلية، وظهور بوادر لاحتمال اجتياح إسرائيل للبنان، وهو ما حدث بالفعل في 1982، واتضاح عجز النظام الإقليمي العربي عن وضع حد للحرب اللبنانية، خاصة بعد الانقسام الذي طاله بفعل رفض العرب إبرام مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل.
ولم تترجم دول الخليج العربية هذا الهاجس إلى فعل إيجابي خلاق، بل ارتضت بحالة من الانكماش والاكتفاء بالدفاع عن النفس، بدلاً من الهجوم السياسي على المحيط الإقليمي، أو السعي إلى تشكيل رقم يعتد به في السياسات الدولية. فلما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية باتفاق الطائف، واندحر السوفييت على الأرض الأفغانية في معركة دولية لم يكن المال الخليجي بعيداً عنها، وعاد العرب إلى مصر في قمة الرباط التي انعقدت عام 1989، وقبل هذا كله انتهت الحرب العراقية ـ الإيرانية بإنهاك (الخمينية)، اعتقدت دول الخليج العربية أن هناك لحظة تاريخية قد سنحت لتلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها خارج (الورطة الأمنية) وبالتالي تسعى إلى أن يكون لها دور إقليمي بحجم وزنها الاقتصادي كدول رئيسية مصدرة للنفط ، وتحوز أغلب احتياطيه على مستوى العالم أجمع.
لكن الغزو العراقي للكويت أعاد العجلة إلى الوراء، حيث وقعت منطقة الخليج في ورطة أمنية جديدة، بدت هذه المرة، هي الكبرى في تاريخ المنطقة قاطبة، خاصة بعد قدوم الجيوش الأجنبية لإخراج العراق من الكويت، والاستقرار في المنطقة باتخاذ قواعد فيها، زادت عقب حرب الخليج الثالثة التي انتهت باحتلال العراق في التاسع من إبريل عام 2003.
وباستثناء سعي المملكة العربية السعودية إلى لعب دور إقليمي، ودخولها في منافسة مع مصر في خمسينات وستينات القرن الماضي حول هذا الأمر، فإن منطقة الخليج، قبل قيام مجلس التعاون وبعده، لم تشكل مجتمعة فاعلاً إقليمياً، بل تفاعلت بحذر مع سياسات الأقطاب الرئيسية في النظام العربي، وهي مصر وسوريا والعراق أيام حكم صدام حسين، مكتفية في كثير من الأحيان بتقديم الدعم المالي لهذه الأقطاب، توزعت في الوقت نفسه على سياسة الأقطاب الرئيسية في النظام الدولي، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مع الاحتفاظ بعلاقات طيبة، لكن أقل درجة، مع الدول الكبرى في آسيا، مثل الصين والهند واليابان.
وهناك عامل رئيسي حال دون أن تشكل دول الخليج فاعلاً إقليمياً، ومن ثم دولياً، أولها وجود خلافات بين دول مجلس التعاون حول الحدود والأهداف وبعض الضغائن التاريخية البعيدة والقريبة. وثانيها وجود مخطط دولي محكم للسيطرة على المنطقة، بدأه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر، عقب استخدام دول الخليج النفط سلاحاً في معركة أكتوبر عام 1973. وثالثها عدم اكتمال عناصر القوة الشاملة لدول المنطقة مقارنة بدول أخرى داخل النظام الإقليمي العربي وجواره.
وفي قمة التعاون السادسة والعشرين التي استضافتها أبو ظبي في ديسمبر الماضي اتسع الاهتمام الإقليمي والدولي للمجلس، علاوة على اهتماماته الذاتية أو الداخلية، الأمر الذي يعكسه بجلاء البيان الختامي الصادر عن القمة، والذي تحدث عن المشروع النووي الإيراني، وضرورة أن تكون منطقة الشرق الأوسط برمتها خالية من أسلحة الدمار الشامل، وعن مستقبل العراق، وسبل رأب الصدع بين سوريا ولبنان، وإمكانية إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب. هذا التصور الإقليمي حدا بكتّاب وباحثين خليجيين أن يتحدثوا عن (حقبة خليجية) بعد تراجع دور المراكز العربية التقليدية نظراً لسقوط العراق في براثن الاحتلال، ووقوع سوريا تحت طائلة ضغوط دولية شديدة كفيلة بإصابة دورها الإقليمي بشلل شبه تام، في ظل حسابات دمشق المعقدة في رحلة بحثها عن مخرج من الورطة التي ترتبت على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وكذلك في ظل استمرار رغبة النظام الحاكم بمصر في الانكفاء على الداخل، والرضا بدور إقليمي محدود، ينصب أساساً على القضايا الحيوية التي تمس الأمن القومي المصري مباشرة، مثل القضية الفلسطينية والمشكلة السودانية.
ورأى هؤلاء الكتّاب والباحثون أنه ليس هناك ما يمنع أن يعطي العرب أجمعين دول مجلس التعاون الخليجي فرصتها التاريخية لقيادة النظام الإقليمي بعد أن أخفقت مصر الناصرية والعراق وسوريا البعثيتان في أداء هذا الدور على الوجه الأكمل. وبالتالي فإن هؤلاء يريدون من منطقة الخليج أن تخرج من دور (القابل) إلى (الفاعل) ومن (التابع الدولي) إلى (صاحب القرار المستقل) نسبياً.
لكن هذا التصور يظل حبيس الأدراج، أو مجرد أمنيات، إن لم تتوافر له عدة عناصر تنقله إلى الواقع المعيش، أولها أن تكون لدول الخليج المقومات البنائية التي تسمح لها بلعب هذا الدور لفترة طويلة، وبشكل أكثر فاعلية واستمرارية من ذي قبل. وثاني العناصر هو أن يسمح النظام الدولي لمنطقة تحوز الجزء الأكبر من الاحتياطي النفطي في العالم، ناهيك عن الغاز الطبيعي، بأن يكون لها قرار مستقل تماماً. أما العنصر الثالث فهو استعداد شعوب الخليج نفسها لتحمل تبعات قيادة نظام إقليمي مشبع بالمشكلات الداخلية، ومحط أطماع دولية، ومحل استراتيجيات عالمية، لا تريد له أن يشتد عوده. والعنصر الرابع هو مدى استعداد الدول العربية نفسها، خاصة المراكز التقليدية، للتعامل بإيجابية مع قيادة إقليمية خليجية.
إن الفاعلية الدولية، ليست كلاماً يقال، ولا تاريخاً تحبس فيه الدول منفصلة عن واقعها المرير، بل هي إرادة سياسية يتبعها سلوك إيجابي خلاق، تعبأ من أجله كل الطاقات والإمكانيات الداخلية، وتستثمر فيه كافة العلاقات والروابط الدولية، وإبداء استعداد كامل لدفع أي ثمن للمغامرة، وتحمل أي تبعات للمشاكسة. وهذه مسائل بديهية يجب أن تعيها دول الخليج العربية أو غيرها.
::/fulltext::
::cck::3451::/cck::
