التلوث في بلاد الرافدين.. المسببات والأخطار
::cck::3298::/cck::
::introtext::
أصبحت بلاد مهد الحضارات تعاني من النخر والهدم وتهاوت بناها الارتكازية، وتحولت العاصمة الجميلة ذات العراقة الخالدة إلى ساحة معارك وقتال يومي وحرائق، تملأها الأسلاك الشائكة وتنتشر فيها القمامة والنفايات، وداست شوارعها الدبابات والآليات العسكرية، وتحولت جنات عدن إلى خرائب يسودها الدمار.
::/introtext::
::fulltext::
أصبحت بلاد مهد الحضارات تعاني من النخر والهدم وتهاوت بناها الارتكازية، وتحولت العاصمة الجميلة ذات العراقة الخالدة إلى ساحة معارك وقتال يومي وحرائق، تملأها الأسلاك الشائكة وتنتشر فيها القمامة والنفايات، وداست شوارعها الدبابات والآليات العسكرية، وتحولت جنات عدن إلى خرائب يسودها الدمار.
وما بين السعي إلى الديمقراطية والتحرر وتعزيز المفاهيم الجديدة، نسي الفرد العراقي في خضم انطلاقه من مدة الكبت الطويلة، أن الحرية لا تعني الانعتاق من القوانين والتعليمات والضوابط كما لا تعني تناسي أولويات السلامة الشخصية، وما بين هذا وذاك ضاعت البيئة وهدرت مواردها الطبيعية.
لقد عانت البيئة في العراق خلال السنوات الطويلة الماضية من الإهمال لعدة أسباب لا مجال لتناولها الآن إلا أن من أهمها هو أن القرار الفعال في صميم العمل البيئي الإصلاحي كان قراراً سياسياً على أعلى المستويات لطالما تعذر على السلطة البيئية اتخاذه بغية إصلاح واقع حال أو إدخال مفاهيم جديدة، وتدنت كفاءة البنى الارتكازية للمجتمع العراقي عاماً بعد آخر، في الوقت الذي كانت فيه أعداد النفوس تتزايد على مر الأيام إلى حد بلغت فيه في مطلع القرن الحادي والعشرين أربعة أمثال ما كانت عليه في الثمانينات من القرن الماضي (لمزيد من المعلومات انظر بطاقة المعلومات رقم-1)، مع هجرة عشوائية ملحوظة إلى مراكز المدن وفي مقدمتها بغداد والبصرة والموصل وذلك بسبب اختلال العمليات التنموية بين الريف والمناطق الحضرية. وتشير الإحصائيات الرسمية في هذا المجال إلى أن نسبة السكان الحضر إلى مجموع السكان في عقد الستينات من القرن الماضي تتراوح ما بين 40-45 في المائة، في حين ارتفعت في عام 2000 لتقترب من 80 في المائة، وهي نسبة عالية جداً وتسبب ضغطاً متزايداً على البنى الارتكازية من محطات معالجة الصرف الصحي ومحطات تصفية مياه الشرب وغيرها، التي بقيت على نفس كفاءتها التصميمية لعقد الثمانينات من القرن الماضي.
من جانب ثانٍ، لم يكن هناك تخطيط بيئي بالمعنى الصحيح خلال فترة الحكم السابق لا سيما أن السياسة العامة لحماية البيئة لم تكن معروفة أو معلنة (ولا تزال كذلك إلى يومنا الحاضر)، فليس واضحاً ما هي المناطق التي يحميها القانون من الزحف العمراني أو الصناعي، كما أن الكثير من المنشآت الصناعية والمعسكرات كانت قد شيدت في مناطق زراعية خصبة مما هدد مستوى الإنتاج الزراعي في العراق وقلصه إلى درجة كبيرة، والقانون البيئي الذي حمل الرقم 76 لسنة 1986 والذي عدل إلى القانون رقم 3 لسنة 1997 لم يكن قانوناً لحماية البيئة بالمعنى المعروف علمياً اليوم، بقدر ما كان قانوناً لتأسيس الجهة المركزية المسؤولة عن حماية البيئة، ومفاهيمه تعود إلى عقد السبعينات، ويخلو من أي مفاهيم عن التنمية المستدامة أو مواصفات الإدارة البيئية السليمة. هذا فضلاً عن غياب التشريعات البيئية المساعدة وفي مقدمتها نظم حماية الهواء والمياه ومحددات نوعية الوقود ومواصفات الانبعاث وغير ذلك.
بطاقة معلومات رقم-1
معلومات حول الخصائص السكانية في العراق
يمر سكان العراق –كما هي الحال في العديد من الدول النامية- بحالة تزايد سكاني متسارع منذ عام 1960 حين كان مجموع تعداد نفوس العراق يبلغ 6,8 مليون نسمة فقط وارتفع ليبلغ 11 مليوناً في عام 1975 ثم 18,7 مليون فرد في عام 1991 ووصل إلى 21,8 في عام 1998، ومن المتوقع له أن يصل إلى 34,1 مليون بضوء تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 2015، في حين يشير تقرير للأمم المتحدة عن مستقبل عدد سكان العالم إلى أن إجمالي عدد سكان العراق التقديري كان قد بلغ نحو 22,9 مليون فرد في عام 2000 ثم ارتفع ليبلغ 24,5 مليون فرد في عام 2003. ويبلغ معدل الخصوبة الإجمالي نحو 6,5.
وكان المعدل السنوي للنمو السكاني خلال الفترة 1975-1998 نحو 3 في المائة وبلغ نحو 3.4 في المائة للسنوات1990-1999 ويقدر له أن ينخفض إلى 2,7 في المائة للفترة المقبلة ولغاية عام 2015، والمعلوم أن نسبة 3 في المائة كمعدل سكاني للنمو كافية لمضاعفة عدد السكان خلال فترة 20 عاماً.
وتبلغ الكثافة السكانية في العراق 436 شخصاً/ألف هكتار وهي كثافة منخفضة نسبياً بالمقارنة مع بعض الدول المجاورة، ففي لبنان مثلاً تبلغ 2899 شخصاً/ألف هكتار، وسوريا 679 شخصاً/ألف هكتار، إلا أنها تقترب في الأردن من 439 شخصاً /ألف هكتار.
ويبلغ معدل الخصوبة في العراق 6,2 وهو مقارب لمعدلات الدول المجاورة إذ يبلغ في سوريا 6,5 وفي الأردن 5.8 وفي لبنان 3.6، بينما تشير منظمة اليونسيف إلى المعدلات التالية وفق تقديرات عام 1997: العراق 5.3، سوريا 4.1، الأردن 5.2، ولبنان 2.8، وهذه المعدلات تعتبر عالية نسبياً إذا علمنا أن معدل الخصوبة الإجمالي لعموم العالم يبلغ 2.8، وللدول النامية فقط 3.1، ولعموم منطقة الشرق الأوسط 4.4.
من جانب آخر عانت المؤسسة البيئية الرئيسية في العراق خلال السنوات الماضية ومنذ تأسيسها من شح الموارد المالية والأجهزة والمستلزمات ووسائط النقل ويعود ذلك إلى عدم صواب النظرة إلى البيئة وعدم ارتباطها مؤسسياً الارتباط الصحيح وصاحب ذلك تسرب العناصر الكفؤة إلى خارج العراق أو التحول إلى وظائف أخرى مما أضعف الرقابة البيئية إلى درجة كبيرة.
وأدى مجمل هذه العوامل إلى عدد من الظواهر السلبية في البيئة العراقية منها:
أولاً- تردي نوعية الهواء:
يعاني هواء المناطق الحضرية في العراق من تدهور كبير في نوعيته، وهناك عدة أسباب أدت إلى هذه النتيجة لعل في مقدمتها سوء نوعيات الوقود المستهلك وكثرة وجود المصادر الملوثة للهواء في داخل المدن مثل محطات توليد الكهرباء والكثير من المصادر الصناعية، كما تتداخل العديد من المناطق الصناعية الحرفية مع المناطق السكنية مما يعرض السكان إلى أخطار كثيرة.
وقد استعمل في العراق الكازولين الحاوي على الرصاص بكثرة وقوداً للسيارات لسنوات طويلة مما سبب ارتفاع تراكيز هذا العنصر السام في البيئة وفي السلسلة الغذائية، وأثبت العديد من البحوث هذه الحقيقة، إذ شخص بعض الباحثين تراكيز تجاوزت 2 ملغم رصاص/غم من الترسبات الغبارية على أرصفة بعض شوارع العاصمة إلا أن المعدل العام قد ينخفض إلى حدود الميكروغرام/غم من التربة، كما شخص الرصاص بتراكيز لا يستهان بها مترسبة على أوراق النباتات البرية المتكاثرة على الطرق الخارجية.
وتشتهر أجواء العراق بالتلوث بالغبار لأيام عديدة خلال العام بحكم كونه محاطاً بمناطق صحراوية شاسعة، مصحوبة بكثرة سير وسائط النقل خارج الطرق المعبدة، وقد ازدادت هذه الظاهرة بدرجة كبيرة بعد اجتياح العراق من قبل قوات التحالف، إذ تسببت حركة الآليات والمعدات العسكرية يتلف القشرة السطحية للتربة الصحراوية، فتكون بذلك دقائق الرمال والتراب عرضة للتطاير السريع حال توفر الظروف المناخية، شهدت أجواء العراق خلال العام المنصرم 2005 أجواء ملوثة بالغبار بشكل لم يسبق له مثيل ومنها العاصفة الغبارية التي غطت العراق يومي 8 و9 آب، و(كما توضحها الصورة الفضائية رقم-1 التي التقطتها أقمار المراقبة الفضائية التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة).
ومن المعلوم أن هناك الكثير من التأثيرات السلبية على الإنسان والبيئة والبنى الارتكازية تنتج عن مثل هذه الأجواء المغبرة، ففضلاً عن التأثيرات التنفسية الضارة بالإنسان والتأثيرات النفسية، فإن كثرة العواصف الغبارية تعرقل انسياب الحركة الطبيعية لوسائط النقل، كما تزيد من حوادث السيارات والطائرات بالإضافة إلى ما ينجم عنها من تأثيرات تتآكل بموجبها المعادن وسطوح الاتصال الكهربائي وما إلى ذلك.
ثانياً- نوعية المياه السطحية والجوفية:
يعتمد المجتمع العراقي في غالبية شرائحه على المياه السطحية لنهري دجلة والفرات مصدراً لمياه الشرب ومياه الاستخدامات المنزلية والصناعية والزراعية، ولكن مع تفاقم أزمة شح المياه في السنوات القليلة الماضية لوحظ تحول نحو الاعتماد على المياه الجوفية في العديد من المناطق الوسطى والجنوبية حيث كانت مجموع كميات المصادر المائية الداخلية هي في حدود 3400 كيلومتر مكعب وفق تسجيلات السبعينات، في حين كانت حصة الفرد تبلغ في عام 1990 نحو مليون و800 ألف متر مكعب إلا أن هذه الكمية تناقصت بدرجة كبيرة في السنوات الماضية مما أثر في الكميات المجهزة للمواطنين آنذاك وساعد على ذلك تناقص كفاءة المجمعات والمشاريع المائية أو عدم كفايتها من حيث العدد بعد تزايد أعداد السكان.
وتوضح (بطاقة المعلومات رقم-2) بعض المعطيات الأساسية في هذا المجال، ويمكن القول بصفة عامة إن قطاع خدمات المياه في العراق يعاني من عدم كفاية مشاريع تنقية المياه، فضلاً عن تلوث المياه الجوفية بعدد من الملوثات وفي مقدمتها النترات والأملاح وفي العديد من الحالات ظهور المواد الغرينية والطينية.
(بطاقة معلومات رقم-2)
أعداد السكان المجهزين بمياه صالحة للشرب في العراق
يشير تقرير التنمية البشرية لعام 1993 الذي يصدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نسبة الأشخاص الذين كانوا يجهزون بمياه مأمونة في العراق للمدة (1988-1993) كانت 93 في المائة من المجموع العام للسكان بمعنى آخر فإن هذه النسبة تعني أن ما مجموعه 1,260,000 شخص كانوا غير مجهزين بمياه معقمة، ولو أن هناك من يرى أن تعداد السكان المحرومين من هذه الخدمة كان أكثر من ذلك بكثير، كما يشير التقرير نفسه والصادر في عام 1995 إلى أن تعداد السكان الذين كانوا محرومين من المياه المأمونة في عام 1995 بلغ نحو 4,4 مليون نسمة. واليوم نعتقد بأن النسب قد تكون منطبقة على الواقع حالياً إن لم تكن قد انخفضت بسبب تقادم المحطات والمجمعات وتقادم الشبكات مع زيادة عدد النفوس على مدى السنوات الماضية، إذ إن تطوير وتوسيع البنى الارتكازية بأكملها لم يكونا يسيران وفق المطلوب في سنوات فرض الحصار الاقتصادي، فضلاً عن تعرض العديد من المشاريع والمجمعات المائية إلى النهب والتخريب في الأجزاء الميكانيكية والكهربائية وذلك إبان سقوط النظام والأيام التي تلته، كما تعرّض الكثير من مختبرات السيطرة النوعية إلى المستوى نفسه من النهب والسرقة والتخريب، فكان من نتائج ذلك انخفاض نسب الأفراد المجهزين بالماء الصالح للشرب من جهة وتردي نوعية المياه المجهزة من جهة ثانية.
من جانب ثانٍ، تتعرض المصادر المائية في العراق إلى التلوث بمياه الصرف الصحي المعالجة جزئياً والمصرفة إلى الأنهار، حيث توجد في العراق حالياً 30 محطة لمعالجة مياه المجاري ذات طاقات تصميمية متباينة لكنها جميعاً تعمل دون حدود الكفاءة المقبولة، في حال كانت تعمل، في حين تخلو بعض المحافظات منها، وقد أدت عمليات نهب المنشآت التي حدثت في الأيام التي تلت سقوط النظام السابق إلى تعطيل عمل محطة الرستمية التي تخدم نصف سكان مدينة بغداد تقريباً، مما أدى إلى استمرار ضخ مياه الصرف الصحي الفجة (غير المعالجة) بحجم نحو 1500 مليون متر مكعب يومياً إلى نهر دجلة.
ويسبب تصريف المياه الصناعية الناتجة عن المعامل والمجمعات الصناعية الكبرى تلوثاً بالغ الأثر في المصادر المائية أيضاً وهو ما سنمر عليه في النقطة التالية بشيء من التفصيل.
يمكن إيجاز أسباب التدهور النوعي في نوعية المياه وفق ما يلي:
1-رداءة المصدر المائي وتعرضه إلى التلوث من مصادر عديدة، مع ضعف في الرقابة والمتابعة البيئية في المحافظات، مما يعني تحميل المشاريع والمجمعات المائية أعباء كبيرة، ويحد من كفاءتها.
2-تدني كفاءة المشاريع والمجمعات المائية والشبكات لاسيما إذا علمنا أن الكثير منها قد مضت على إنشائه مدة زمنية طويلة جعلته اليوم خارج العمر التشغيلي له.
3- يحتاج العديد من المشاريع والمجمعات المائية إلى الأدوات الاحتياطية أو إلى معدات جديدة ومواد تعقيم ويصعب توفيرها بسبب الوضع الاقتصادي العام للدولة.
4-تسرب الكوادر الكفؤة خارج نطاق مديريات المياه في بغداد والمحافظات، وإحلال كوادر غير كفؤة للعمل في مجالات تقنية تحتاج إلى خبرة كافية، مما ينتج عنه ضعف التزامهم بمتطلبات التشغيل والتعقيم الصحيح.
5-كثرة النضوحات من الشبكات مما يسبب تسرب كميات من المياه المعقمة من جهة، كما يسبب دخول المياه الجوفية أو مياه الصرف الصحي إلى شبكات مياه الشرب.
6-الاستعمال غير الرشيد من قبل المواطنين، والذي يصل في أحيان كثيرة إلى الهدر في مياه الشرب المعقمة.
ومما تقدم يمكن بصورة عامة إجمال الأخطار التي ستتعرض إليها الموارد المائية في العراق خلال السنوات المقبلة بما يلي:
1-الأخطار الناتجة عن تنفيذ خطط السيطرة على موارد المياه من قبل دولة المنبع تركيا.
2-تزايد الطلب على المياه والمترافق مع تزايد أعداد السكان، وما يصاحبها من حاجة ملحة إلى توسيع الزراعة وتطوير الصناعة، فضلاً عن أوجه التنمية الأخرى.
3-احتمال تزايد حالات الجفاف في المنطقة وتناقص المعدلات السنوية العامة للأمطار.
4-احتمالات تردي نوعية المياه بسبب عدم مواكبة التطور في كفاءة وحدات معالجة المياه مع النمو السكاني والتنمية الصناعية والزراعية.
5-بسبب شح مياه الأنهار، والاحتمالات المترتبة عليها مثل تزايد تراكيز الملوحة، فلا بد أن هذه الأخطار ستهدد الثروة السمكية في العراق.
ثالثاً -مشكلة النشاط الصناعي والبيئة:
لا شك في أن المشكلة بين الصناعة والبيئة هي حالة مشخصة ومعروفة للجميع وتعد من أقدم أشكال الملاحظات البيئية وبغية التعرف إلى بعض المصطلحات الواردة فيما يلي يرجى مراجعة بطاقة المعلومات رقم-3.
يقدر عدد هذه المشاريع المؤثرة في البيئة المائية في العراق بنحو137 مصنعاً أو نشاطاً إنتاجياً ذا طاقة إنتاجية عالية، والتي يمكن إيجازها حسب القطاع الصناعي بما يلي:
أ-معامل الصناعات الغذائية: ومن أهمها صناعة الزيوت النباتية وتعليب الفواكه والخضر، ومجازر اللحوم الحمراء والبيضاء وصناعات السكر والألبان والمشروبات الكحولية، وتسبب تلوث المياه بمواد متطلبة للأوكسجين الحيوي.
ب-معامل غسل الأصواف: وتسبب تلوث المياه بالعوالق الصلبة والمواد الدهنية وزيادة الطلب على الأوكسجين.
ج-معامل الغزل والنسيج الصوفي والدباغة : وتتسبب في تلوث مياه الأنهار بالمواد الملونة ومعادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة فضلاً عن تصريف مواد متطلبة للأوكسجين الحيوي والكيميائي العاليين.
د- مواقع استخراج النفط والخامات المعدنية: وتتركز في محافظات التأميم ونينوى والبصرة والأنبار وتسبب تلوث مياه الأنهار بمواد عالقة ومركبات مختلفة منها معدنية ومنها غير معدنية أو مواد هيدروكربونية.
هـ-الصناعات الكيميائية والبتروكيمياوية والدوائية والأسمدة: وتتسبب في تلوث المياه بمواد كيميائية مختلفة البعض منها شديد السمية على الإنسان والأحياء المائية وذو قابلية للتراكم الحيوي كالزئبق وأملاح المعادن والمركبات العضوية وحسب نوع الصناعة.
و-الطلاء المعدني للمعادن: وهي متفرقة وغير محددة في العراق وبعضها ذو طاقة إنتاجية قليلة ويعود إلى القطاع الخاص، وتتسبب هذه الصناعة بتلوث المياه بالمعادن الثقيلة السامة كالنيكل والكروم السداسي الخطر على الصحة.
ز-الصناعات الورقية: وتتركز في البصرة وتسبب تلوث المياه بالمواد الحامضية أو القاعدية وحسب نوع العمليات الإنتاجية.
ح-محطات توليد الطاقة الكهربائية: وتتسبب في التلوث الحراري في المياه ورفع تركيز الملوحة، وتنتشر في مواقع مختلفة في العراق.
يضاف إلى ما تقدم عدد من المشاريع الكبرى المؤثرة في نوعية الهواء ومنها معامل الأسمنت والإسفلت والطابوق وغيرها فضلاً عن عدد كبير من معامل تقطيع الحجر والرخام وغيرها.
(بطاقة معلومات رقم-3)
المصطلحات الأساسية في تلوث المياه
الدالة الحامضية pH، وهي مؤشر أساسي على حامضية أو قاعدية المياه ويكون محصوراً ما بين 1-14، وينبغي أن يكون الرقم المقبول هو (7) (متعادل) وما زاد عنه يعتبر التصريف قاعدي، وما انخفض عن هذا الرقم يكون التصريف حامضياً، وهو أخطر على البيئة المائية من القاعدي.
الاحتياج الحيوي (أو البايوكيميائي) للأوكسجين (BOD)، وهو قياس لمدى حاجة النموذج إلى كميات من غاز الأوكسجين الذائب في الماء لسد حاجة الأحياء المجهرية لتكسير المواد العضوية، وبذلك فهو دليل غير مباشر على محتوى نموذج الماء من المواد العضوية القابلة للتحلل الحيوي تحت تأثير البكتيريا.
الاحتياج الكيميائي للأوكسجين (COD)، وهو قياس لمدى حاجة النموذج إلى كميات من غاز الأوكسجين الذائب في الماء واللازم لأكسدة المواد الكيميائية القابلة للتأكسد، وبذلك فهو دليل مباشر على محتوى نموذج الماء من المواد الكيميائية القابلة للتأكسد.
مجموعة الجذور مثل الفوسفات PO4 والنترات NO3، وهي مجموعة الأملاح المحتوية على الفوسفور أو النتروجين في تركيبها، وعند تصريفها إلى النهر فإنها تشجع نمو النباتات المائية، وتسبب مشكلات متفرقة أخرى.
الكبريتات SO4، مجموعة من الأملاح المختلفة بعضها قد يكون طبيعي المنشأ وناتجاً عن التكوينات الطبيعية للتربة.
الكلوريدات Cl، وهي مجموعة الأملاح الكلوريدية السائدة في المياه والتي تسبب الملوحة للمياه ومعظمها طبيعي المنشأ يزداد تركيزاً بالتبخر.
مجموعة الأملاح الذائبة، ويرمز لها بالرمز (TDS)، وهي تعبير عن الملوحة الكلية الناتجة عن وجود مختلف أنواع الأملاح وأغلبها ذات منشأ طبيعي.
مجموعة المواد الصلبة العالقة، ويرمز لها بالرمز (TSS) ويقصد بها دقائق الطمي والغرين وغيرها من الدقائق العالقة في الماء وأغلبها ذات منشأ طبيعي ولكن قد تزداد بفعل بعض الصناعات.
الزيوت والشحوم Oil & grease، وهي مخلفات ناتجة عن بعض الصناعات أو الحوادث العرضية للأنشطة التي تستعمل الزيوت المعدنية في عملياتها الإنتاجية.
المعادن الثقيلة: مثل الخارصين والحديد والنحاس والرصاص وغيرها.
وتتصف مشكلة التلوث الصناعي في العراق بما يلي من الخصائص والسمات البيئية التي تسبب تردي نوعية البيئة المائية:
1- عدم مطابقة مواقع الغالبية العظمى من الصناعات والمجمعات الصناعية ومحطات توليد الطاقة ومصافي النفط لشروط الموقع الصحيحة من الناحية البيئية : ويحتاج الأمر في هذا المجال إلى إجراء دراسات تقدير الأثر البيئي لتقييم الأخطار الناتجة عن هذه الصناعات على البيئة والصحة العامة، وهي إجراءات غير معمول بها إلى حد الوقت الحاضر.
2- قدم العمليات الصناعية أو خلوها من وسائل معالجة التلوث: وتشمل الكثير من الأنشطة الإنتاجية الكبرى وكذلك الأنشطة الصغيرة، مما يؤدي إلى ارتفاع تراكيز الملوثات الناتجة عنها وضخامة كمياتها، وكان مجموع الكميات المصرفة من القطاعين الحكومي والمختلط يقدر بحدود 245 مليون متر مكعب/سنة في التسعينات من القرن الماضي، تضاف إليها كميات أخرى غير محسوبة من المياه المصرفة من قطاعات صناعية حرفية، إلا أن العديد من المعطيات والأرقام قد تغيرت مؤخراً بسبب أحداث التخريب، ويذكر أن نهر دجلة يستلم كميات كبيرة جداً من المياه الصناعية كانت تقدر في عقد التسعينات بحوالي 18969 متراً مكعباً/ساعة وهو ما يقارب 163 مليون متر مكعب/سنة، منها نسبة 92 في المائة تتجاوز الحدود المسموح بها بينما نسبة 8 في المائة فقط هي ضمن الحدود المسموح بها.
أما نهر الفرات فيستلم كميات من مياه الفضلات الصناعية تبلغ 4735 متراً مكعباً ساعة بما يساوي 41 مليون متر مكعب/سنة منها نسبة 21 في المائة فقط مطابقة للمواصفات، أما الكميات المصرفة إلى شط العرب فهي أقل من ذلك، مع العلم أن هذه الأرقام هي لفترة مطلع التسعينات. يضاف إلى ما تقدم أن الكميات المصرفة إلى المجاري لابد أن تصل بدورها إلى نهري دجلة والفرات أو شط العرب لاحقاً، وغالباً ما تكون معالجة جزئياً فقط.
3- افتقار بعض المشاريع الصناعية الرئيسية إلى التكنولوجيا الملائمة للبيئة في جزء أو كل العملية الإنتاجية في منشأة ما، والمقصود بالتكنولوجيا الملائمة للبيئة وفق المفهوم العلمي الحديث هي جميع العمليات الصناعية أو الزراعية أو الخدمية أو منتجاتها أو تقنياتها التي تمتلك واحدة أو أكثر من الخصائص التالية: أن يتخلف عنها تأثير بيئي ضئيل من خلال ما تمتلكه من منظومات سيطرة أو معالجة كفؤة أو عمليات إنتاجية نظيفة، وأن تستخدم أقل قدر من الطاقة لأعلى إنتاج، وأن تستخدم المواد المعادة ولا نقصد بها إبدال التقنيات القائمة بتقنيات جديدة ذات تكاليف باهضة بل تحويل بعض مراحل العمليات الإنتاجية أو وسائل المعالجة الخاصة بحماية البيئة بما يؤدي إلى الإقلال من خطر التلوث الناجم عنها إلى أدنى حد ممكن أو اعتماد طرق إنتاج جديدة في صناعات ملوثة للبيئة، مثل صناعات الورق والأسمدة أو الأصباغ والغزل والنسيج وغيرها، والاعتماد على موارد معادة (أسلوب تدوير المخلفات).
ويمكن التوصل إلى تنفيذ العديد من فقرات أو خطوط التكنولوجيا الملائمة للبيئة محلياً في حالة توفر الدافع والحافز وتفهم مفهوم حماية البيئة بكامل أبعادها، أي بعبارة أخرى إن كوادرنا الوطنية غير مدربة على تطوير تكنولوجيات حماية البيئة خلال المراحل الدراسية التخصصية أو على خطط تدوير وإعادة استخدام المخلفات باعتبارها مواد أولية، كما يتعذر اكتساب الخبرة والمهارة فيما بعد ممارسة الحياة العملية، بسبب ضعف دور الحوافز المخصصة لهذا الجانب، وقد تكون هنالك بعض الحالات الاستثنائية المعدودة.
4- عدم اعتماد طرق تدوير المخلفات الصناعية: وهذا الموضوع له أهمية بالغة للكثير من الصناعات في العراق من جانب اقتصادي بالإضافة إلى الجوانب البيئية، وهو على الرغم من اتباعه في بعض الصناعات، إلا أن ما نقصده في هذا المجال هو الارتقاء بهذه الممارسة بشكل أكبر لكي تتحول إلى سياسة بيئية شاملة وملزمة، وقد يلاحظ في صناعات محددة لكنه نابع من دافع إنتاجي (للحصول على مواد أولية بكلفة زهيدة) بدرجة رئيسية وليس دافعاً بيئياً. وهناك اليوم الكثير من (الضائعات) الغازية والمواد السائلة ذات القيمة العالية التي تهدر لتتحول إلى ملوثات في الهواء أو في الأنهار أو التربة، مسببة أضراراً بالبيئة، ولعل في مقدمتها ضائعات صناعة الأسمنت التي تنبعث إلى الهواء بكميات قد تصل إلى حد 10 في المائة من الإنتاج، ورغم ذلك فإن أغلب مرسبات الغبار في مصانع الأسمنت في العراق تعاني من الكثير من المشكلات، وبعضها متوقف عن العمل منذ فترة بعيدة، ويعاني البعض الآخر من انخفاض في الكفاءة، وقد جرت عدة محاولات لاتباع تدوير المخلفات الورقية والزجاجية من قبل وزارة الصناعة إلا أن هذه الممارسات فشلت بعد فترة وجيزة من بدء العمل بها، في بعض جوانبها على الأقل، بسبب تدني درجة الوعي البيئي لدى المواطنين، بينما لا يزال التدوير يعد عملية أساسية ومتبعة بكفاءة عالية في البعض الآخر من القطاعات الصناعية مثل تدوير المخلفات السليلوزية لصناعة السكر بأنواعه وتدوير المخلفات البروتينية وغيرها.
رابعاً-مشكلة النظم البيئية الطبيعية والتنوع الإحيائي
عانت النظم البيئية الطبيعية في العراق من الإهمال المتناهي فلم تسع الجهات البيئية في زمن النظام السابق إلى النظر إلى هذا الأمر من وجهة النظر الصحيحة، وجرى التركيز على البيئة الحضرية وفي جوانبها الهندسية الصرف أو الخدمية والعمرانية، لذلك لم يسع العراق إلى إقامة محميات وطنية ذات نطاق واسع وبقوانين حماية رصينة، كما تم القضاء على الكثير من الأراضي الطبيعية وتحويلها إلى مجمعات صناعية، وكان لغياب التشريعات الصحيحة لتنظيم صيد الطيور والأسماك أثره البالغ في تفاقم الأوضاع البيئية للثروة الإحيائية في العراق، فتوالى انقراض الكثير من الأنواع الحيوانية والنباتية من البيئة من دون إبداء خطوات جادة لوقف ذلك، بل قام النظام السابق بتجفيف الأهوار التي تعد موقعاً أساسياً لتكاثر العديد من أنواع الطيور والثروات الإحيائية التي تهاجر إليه صاعدة من الخليج العربي بل وقد يكون الموطن الوحيد لأنواع معينة وعديدة منها (لمزيد من المعلومات يرجى مراجعة بطاقة المعلومات رقم -4) .
واليوم فقد تمت استعادة الحياة في النظام البيئي الطبيعي للأهوار وإن كان بشكل جزئي لكنه ماضٍ في التحسن، فبعد زوال النظام السابق هدمت السدود في الأسبوع الثالث من نيسان 2003، وأمكن إدخال الماء آنذاك من شمال شط العرب إلى (هور الحمار)، وأوضحت الصور الفضائية الملتقطة في مارس 2004 أي بعد نحو عام واحد، أن نسبة الاستعادة قد بلغت 40 في المائة كمعدل وهناك فروق ما بين منطقة وأخرى.
وباعتبار الأهوار منطقة جذب سياحي وبيئي وعلمي فإنها تحتاج إلى وضع الضوابط والأسس اللازمة لحماية بيئتها الطبيعية والعمل على تنمية مواردها تنمية مستدامة.
(بطاقة معلومات رقم-4)
الأهوار العراقية
تقع الأهوار في المنطقة الجنوبية من العراق عند ملتقى نهري دجلة والفرات، بين خطي العرض 30 درجة و30 درجة شمالاً، وخطي الطول 46 درجة و48 درجة غرباً، ويرفدها بالمياه نهري دجلة والفرات وعدد من الأفرع الصغيرة.
ويمكن تقسيم الأهوار إلى ثلاث مناطق رئيسية هي هور القرنة (أو الأهوار الوسطى) وهور الحمار وهور الحويزة المشترك مع إيران. (شكل 10-1) وهناك أهوار أخرى صغيرة، إلا أنها ذات أهمية طبيعية وبيئية خاصة مثل هور أبو زرك الواقع إلى الشرق من مدينة الناصرية. وأكبر هذه المسطحات المائية هو (هور الحمار) الذي تبلغ مساحته نحو 2000 كيلومتر مربع ويستلم مياهه من نهر الفرات، ويصرفها إلى شط العرب، في حين يستلم هور الحويزة مياهه من الجانب الإيراني من نهر الكرخة بدرجة رئيسية ومن نهري الطيب والدويرج الموسميين بدرجة أدنى، ويستلم من الجانب العراقي من نهر الكحلاء، والمشرح ومن النهر الذي كان يعرف بتاج المعارك وجميعها تتفرع من دجلة في محافظة ميسان.
وتحتاج الأهوار لغرض استعادتها بصورة طبيعية إلى نحو 25 مليار متر مكعب سنوياً لمعادلة الفقدان عن طريق التبخر بسبب حرارة الطقس، وتقدر الكميات المتدفقة إلى العراق في نهر دجلة بنحو 40-44 مليار متر مكعب سنوياً، وفي نهر الفرات 13-14 مليار متر مكعب، وتشير الكثير من الدراسات إلى وجود نقص في الخبرات العالمية في مجال إعادة تأهيل البيئة الطبيعة في الأهوار بسبب ندرة مثل هذه التجارب.
أكبر المدن في الأهوار هي مدينة الجبايش ومدينة (الحمار) والتي يقطنها نحو 4000 شخص تقريباً وتضم نحو 500-600 مسكن.
إن ما تقدم من معلومات لا يمثل إلى النزر اليسير من المشكلات البيئية القائمة حالياً في العراق، وإذا ما أخذنا في الاعتبار استمرار الصدامات المسلحة وحركة القطعات العسكرية وشح الموارد المالية اللازمة لحماية البيئة وعدم توافر الكوادر الكفؤة بالعدد الكافي، فإن حجم المشكلة لابد أن يتوقع له أن يتعاظم ويزداد، ولا يمكن التوصل إلى علاج ناجع ما لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بالتوصل حالة إلى مقبولة من السلام وبدء عملية البناء، مع إدراكنا الكامل بأنها حصيلة توافر عدد كبير من الإجراءات والخطوات الخارجة على إرادة السلطة البيئية:
1-إيقاف العمليات العسكرية والصدامات المسلحة وتسوية الخلافات للتوصل إلى حالة السلام والاستقرار المنشود.
2-تخصيص الموارد المالية اللازمة للمشاريع البيئية العاجلة ووضع جدول زمني للأولويات.
3-إعادة النظر بالتشريعات البيئية في العراق، وتحديثها واستكمالها بإصدار الفقرات التشريعية غير الصادرة إلى حد الآن، مثل تشريعات حماية الهواء، ومواصفات الانبعاث وغيرها.
4-انضمام العراق إلى الاتفاقيات البيئية متعددة الأطراف بغية الحصول على خبرات جديدة ومصادر تمويل للمشاريع المستقبلية التي تتماشى وأهداف الاتفاقيات.
5-تحويل النظرة التقليدية إلى البيئة لدى صناع القرار إلى نظرة ذات طبيعة حديثة تعتمد على مفاهيم التنمية المستدامة.
6-رفع مستوى الوعي البيئي لدى المواطن من خلال تنشيط عمليات التوعية البيئية وادخال مفاهيم التربية البيئية الحديثة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3298::/cck::
::introtext::
أصبحت بلاد مهد الحضارات تعاني من النخر والهدم وتهاوت بناها الارتكازية، وتحولت العاصمة الجميلة ذات العراقة الخالدة إلى ساحة معارك وقتال يومي وحرائق، تملأها الأسلاك الشائكة وتنتشر فيها القمامة والنفايات، وداست شوارعها الدبابات والآليات العسكرية، وتحولت جنات عدن إلى خرائب يسودها الدمار.
::/introtext::
::fulltext::
أصبحت بلاد مهد الحضارات تعاني من النخر والهدم وتهاوت بناها الارتكازية، وتحولت العاصمة الجميلة ذات العراقة الخالدة إلى ساحة معارك وقتال يومي وحرائق، تملأها الأسلاك الشائكة وتنتشر فيها القمامة والنفايات، وداست شوارعها الدبابات والآليات العسكرية، وتحولت جنات عدن إلى خرائب يسودها الدمار.
وما بين السعي إلى الديمقراطية والتحرر وتعزيز المفاهيم الجديدة، نسي الفرد العراقي في خضم انطلاقه من مدة الكبت الطويلة، أن الحرية لا تعني الانعتاق من القوانين والتعليمات والضوابط كما لا تعني تناسي أولويات السلامة الشخصية، وما بين هذا وذاك ضاعت البيئة وهدرت مواردها الطبيعية.
لقد عانت البيئة في العراق خلال السنوات الطويلة الماضية من الإهمال لعدة أسباب لا مجال لتناولها الآن إلا أن من أهمها هو أن القرار الفعال في صميم العمل البيئي الإصلاحي كان قراراً سياسياً على أعلى المستويات لطالما تعذر على السلطة البيئية اتخاذه بغية إصلاح واقع حال أو إدخال مفاهيم جديدة، وتدنت كفاءة البنى الارتكازية للمجتمع العراقي عاماً بعد آخر، في الوقت الذي كانت فيه أعداد النفوس تتزايد على مر الأيام إلى حد بلغت فيه في مطلع القرن الحادي والعشرين أربعة أمثال ما كانت عليه في الثمانينات من القرن الماضي (لمزيد من المعلومات انظر بطاقة المعلومات رقم-1)، مع هجرة عشوائية ملحوظة إلى مراكز المدن وفي مقدمتها بغداد والبصرة والموصل وذلك بسبب اختلال العمليات التنموية بين الريف والمناطق الحضرية. وتشير الإحصائيات الرسمية في هذا المجال إلى أن نسبة السكان الحضر إلى مجموع السكان في عقد الستينات من القرن الماضي تتراوح ما بين 40-45 في المائة، في حين ارتفعت في عام 2000 لتقترب من 80 في المائة، وهي نسبة عالية جداً وتسبب ضغطاً متزايداً على البنى الارتكازية من محطات معالجة الصرف الصحي ومحطات تصفية مياه الشرب وغيرها، التي بقيت على نفس كفاءتها التصميمية لعقد الثمانينات من القرن الماضي.
من جانب ثانٍ، لم يكن هناك تخطيط بيئي بالمعنى الصحيح خلال فترة الحكم السابق لا سيما أن السياسة العامة لحماية البيئة لم تكن معروفة أو معلنة (ولا تزال كذلك إلى يومنا الحاضر)، فليس واضحاً ما هي المناطق التي يحميها القانون من الزحف العمراني أو الصناعي، كما أن الكثير من المنشآت الصناعية والمعسكرات كانت قد شيدت في مناطق زراعية خصبة مما هدد مستوى الإنتاج الزراعي في العراق وقلصه إلى درجة كبيرة، والقانون البيئي الذي حمل الرقم 76 لسنة 1986 والذي عدل إلى القانون رقم 3 لسنة 1997 لم يكن قانوناً لحماية البيئة بالمعنى المعروف علمياً اليوم، بقدر ما كان قانوناً لتأسيس الجهة المركزية المسؤولة عن حماية البيئة، ومفاهيمه تعود إلى عقد السبعينات، ويخلو من أي مفاهيم عن التنمية المستدامة أو مواصفات الإدارة البيئية السليمة. هذا فضلاً عن غياب التشريعات البيئية المساعدة وفي مقدمتها نظم حماية الهواء والمياه ومحددات نوعية الوقود ومواصفات الانبعاث وغير ذلك.
بطاقة معلومات رقم-1
معلومات حول الخصائص السكانية في العراق
يمر سكان العراق –كما هي الحال في العديد من الدول النامية- بحالة تزايد سكاني متسارع منذ عام 1960 حين كان مجموع تعداد نفوس العراق يبلغ 6,8 مليون نسمة فقط وارتفع ليبلغ 11 مليوناً في عام 1975 ثم 18,7 مليون فرد في عام 1991 ووصل إلى 21,8 في عام 1998، ومن المتوقع له أن يصل إلى 34,1 مليون بضوء تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 2015، في حين يشير تقرير للأمم المتحدة عن مستقبل عدد سكان العالم إلى أن إجمالي عدد سكان العراق التقديري كان قد بلغ نحو 22,9 مليون فرد في عام 2000 ثم ارتفع ليبلغ 24,5 مليون فرد في عام 2003. ويبلغ معدل الخصوبة الإجمالي نحو 6,5.
وكان المعدل السنوي للنمو السكاني خلال الفترة 1975-1998 نحو 3 في المائة وبلغ نحو 3.4 في المائة للسنوات1990-1999 ويقدر له أن ينخفض إلى 2,7 في المائة للفترة المقبلة ولغاية عام 2015، والمعلوم أن نسبة 3 في المائة كمعدل سكاني للنمو كافية لمضاعفة عدد السكان خلال فترة 20 عاماً.
وتبلغ الكثافة السكانية في العراق 436 شخصاً/ألف هكتار وهي كثافة منخفضة نسبياً بالمقارنة مع بعض الدول المجاورة، ففي لبنان مثلاً تبلغ 2899 شخصاً/ألف هكتار، وسوريا 679 شخصاً/ألف هكتار، إلا أنها تقترب في الأردن من 439 شخصاً /ألف هكتار.
ويبلغ معدل الخصوبة في العراق 6,2 وهو مقارب لمعدلات الدول المجاورة إذ يبلغ في سوريا 6,5 وفي الأردن 5.8 وفي لبنان 3.6، بينما تشير منظمة اليونسيف إلى المعدلات التالية وفق تقديرات عام 1997: العراق 5.3، سوريا 4.1، الأردن 5.2، ولبنان 2.8، وهذه المعدلات تعتبر عالية نسبياً إذا علمنا أن معدل الخصوبة الإجمالي لعموم العالم يبلغ 2.8، وللدول النامية فقط 3.1، ولعموم منطقة الشرق الأوسط 4.4.
من جانب آخر عانت المؤسسة البيئية الرئيسية في العراق خلال السنوات الماضية ومنذ تأسيسها من شح الموارد المالية والأجهزة والمستلزمات ووسائط النقل ويعود ذلك إلى عدم صواب النظرة إلى البيئة وعدم ارتباطها مؤسسياً الارتباط الصحيح وصاحب ذلك تسرب العناصر الكفؤة إلى خارج العراق أو التحول إلى وظائف أخرى مما أضعف الرقابة البيئية إلى درجة كبيرة.
وأدى مجمل هذه العوامل إلى عدد من الظواهر السلبية في البيئة العراقية منها:
أولاً- تردي نوعية الهواء:
يعاني هواء المناطق الحضرية في العراق من تدهور كبير في نوعيته، وهناك عدة أسباب أدت إلى هذه النتيجة لعل في مقدمتها سوء نوعيات الوقود المستهلك وكثرة وجود المصادر الملوثة للهواء في داخل المدن مثل محطات توليد الكهرباء والكثير من المصادر الصناعية، كما تتداخل العديد من المناطق الصناعية الحرفية مع المناطق السكنية مما يعرض السكان إلى أخطار كثيرة.
وقد استعمل في العراق الكازولين الحاوي على الرصاص بكثرة وقوداً للسيارات لسنوات طويلة مما سبب ارتفاع تراكيز هذا العنصر السام في البيئة وفي السلسلة الغذائية، وأثبت العديد من البحوث هذه الحقيقة، إذ شخص بعض الباحثين تراكيز تجاوزت 2 ملغم رصاص/غم من الترسبات الغبارية على أرصفة بعض شوارع العاصمة إلا أن المعدل العام قد ينخفض إلى حدود الميكروغرام/غم من التربة، كما شخص الرصاص بتراكيز لا يستهان بها مترسبة على أوراق النباتات البرية المتكاثرة على الطرق الخارجية.
وتشتهر أجواء العراق بالتلوث بالغبار لأيام عديدة خلال العام بحكم كونه محاطاً بمناطق صحراوية شاسعة، مصحوبة بكثرة سير وسائط النقل خارج الطرق المعبدة، وقد ازدادت هذه الظاهرة بدرجة كبيرة بعد اجتياح العراق من قبل قوات التحالف، إذ تسببت حركة الآليات والمعدات العسكرية يتلف القشرة السطحية للتربة الصحراوية، فتكون بذلك دقائق الرمال والتراب عرضة للتطاير السريع حال توفر الظروف المناخية، شهدت أجواء العراق خلال العام المنصرم 2005 أجواء ملوثة بالغبار بشكل لم يسبق له مثيل ومنها العاصفة الغبارية التي غطت العراق يومي 8 و9 آب، و(كما توضحها الصورة الفضائية رقم-1 التي التقطتها أقمار المراقبة الفضائية التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة).
ومن المعلوم أن هناك الكثير من التأثيرات السلبية على الإنسان والبيئة والبنى الارتكازية تنتج عن مثل هذه الأجواء المغبرة، ففضلاً عن التأثيرات التنفسية الضارة بالإنسان والتأثيرات النفسية، فإن كثرة العواصف الغبارية تعرقل انسياب الحركة الطبيعية لوسائط النقل، كما تزيد من حوادث السيارات والطائرات بالإضافة إلى ما ينجم عنها من تأثيرات تتآكل بموجبها المعادن وسطوح الاتصال الكهربائي وما إلى ذلك.
ثانياً- نوعية المياه السطحية والجوفية:
يعتمد المجتمع العراقي في غالبية شرائحه على المياه السطحية لنهري دجلة والفرات مصدراً لمياه الشرب ومياه الاستخدامات المنزلية والصناعية والزراعية، ولكن مع تفاقم أزمة شح المياه في السنوات القليلة الماضية لوحظ تحول نحو الاعتماد على المياه الجوفية في العديد من المناطق الوسطى والجنوبية حيث كانت مجموع كميات المصادر المائية الداخلية هي في حدود 3400 كيلومتر مكعب وفق تسجيلات السبعينات، في حين كانت حصة الفرد تبلغ في عام 1990 نحو مليون و800 ألف متر مكعب إلا أن هذه الكمية تناقصت بدرجة كبيرة في السنوات الماضية مما أثر في الكميات المجهزة للمواطنين آنذاك وساعد على ذلك تناقص كفاءة المجمعات والمشاريع المائية أو عدم كفايتها من حيث العدد بعد تزايد أعداد السكان.
وتوضح (بطاقة المعلومات رقم-2) بعض المعطيات الأساسية في هذا المجال، ويمكن القول بصفة عامة إن قطاع خدمات المياه في العراق يعاني من عدم كفاية مشاريع تنقية المياه، فضلاً عن تلوث المياه الجوفية بعدد من الملوثات وفي مقدمتها النترات والأملاح وفي العديد من الحالات ظهور المواد الغرينية والطينية.
(بطاقة معلومات رقم-2)
أعداد السكان المجهزين بمياه صالحة للشرب في العراق
يشير تقرير التنمية البشرية لعام 1993 الذي يصدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نسبة الأشخاص الذين كانوا يجهزون بمياه مأمونة في العراق للمدة (1988-1993) كانت 93 في المائة من المجموع العام للسكان بمعنى آخر فإن هذه النسبة تعني أن ما مجموعه 1,260,000 شخص كانوا غير مجهزين بمياه معقمة، ولو أن هناك من يرى أن تعداد السكان المحرومين من هذه الخدمة كان أكثر من ذلك بكثير، كما يشير التقرير نفسه والصادر في عام 1995 إلى أن تعداد السكان الذين كانوا محرومين من المياه المأمونة في عام 1995 بلغ نحو 4,4 مليون نسمة. واليوم نعتقد بأن النسب قد تكون منطبقة على الواقع حالياً إن لم تكن قد انخفضت بسبب تقادم المحطات والمجمعات وتقادم الشبكات مع زيادة عدد النفوس على مدى السنوات الماضية، إذ إن تطوير وتوسيع البنى الارتكازية بأكملها لم يكونا يسيران وفق المطلوب في سنوات فرض الحصار الاقتصادي، فضلاً عن تعرض العديد من المشاريع والمجمعات المائية إلى النهب والتخريب في الأجزاء الميكانيكية والكهربائية وذلك إبان سقوط النظام والأيام التي تلته، كما تعرّض الكثير من مختبرات السيطرة النوعية إلى المستوى نفسه من النهب والسرقة والتخريب، فكان من نتائج ذلك انخفاض نسب الأفراد المجهزين بالماء الصالح للشرب من جهة وتردي نوعية المياه المجهزة من جهة ثانية.
من جانب ثانٍ، تتعرض المصادر المائية في العراق إلى التلوث بمياه الصرف الصحي المعالجة جزئياً والمصرفة إلى الأنهار، حيث توجد في العراق حالياً 30 محطة لمعالجة مياه المجاري ذات طاقات تصميمية متباينة لكنها جميعاً تعمل دون حدود الكفاءة المقبولة، في حال كانت تعمل، في حين تخلو بعض المحافظات منها، وقد أدت عمليات نهب المنشآت التي حدثت في الأيام التي تلت سقوط النظام السابق إلى تعطيل عمل محطة الرستمية التي تخدم نصف سكان مدينة بغداد تقريباً، مما أدى إلى استمرار ضخ مياه الصرف الصحي الفجة (غير المعالجة) بحجم نحو 1500 مليون متر مكعب يومياً إلى نهر دجلة.
ويسبب تصريف المياه الصناعية الناتجة عن المعامل والمجمعات الصناعية الكبرى تلوثاً بالغ الأثر في المصادر المائية أيضاً وهو ما سنمر عليه في النقطة التالية بشيء من التفصيل.
يمكن إيجاز أسباب التدهور النوعي في نوعية المياه وفق ما يلي:
1-رداءة المصدر المائي وتعرضه إلى التلوث من مصادر عديدة، مع ضعف في الرقابة والمتابعة البيئية في المحافظات، مما يعني تحميل المشاريع والمجمعات المائية أعباء كبيرة، ويحد من كفاءتها.
2-تدني كفاءة المشاريع والمجمعات المائية والشبكات لاسيما إذا علمنا أن الكثير منها قد مضت على إنشائه مدة زمنية طويلة جعلته اليوم خارج العمر التشغيلي له.
3- يحتاج العديد من المشاريع والمجمعات المائية إلى الأدوات الاحتياطية أو إلى معدات جديدة ومواد تعقيم ويصعب توفيرها بسبب الوضع الاقتصادي العام للدولة.
4-تسرب الكوادر الكفؤة خارج نطاق مديريات المياه في بغداد والمحافظات، وإحلال كوادر غير كفؤة للعمل في مجالات تقنية تحتاج إلى خبرة كافية، مما ينتج عنه ضعف التزامهم بمتطلبات التشغيل والتعقيم الصحيح.
5-كثرة النضوحات من الشبكات مما يسبب تسرب كميات من المياه المعقمة من جهة، كما يسبب دخول المياه الجوفية أو مياه الصرف الصحي إلى شبكات مياه الشرب.
6-الاستعمال غير الرشيد من قبل المواطنين، والذي يصل في أحيان كثيرة إلى الهدر في مياه الشرب المعقمة.
ومما تقدم يمكن بصورة عامة إجمال الأخطار التي ستتعرض إليها الموارد المائية في العراق خلال السنوات المقبلة بما يلي:
1-الأخطار الناتجة عن تنفيذ خطط السيطرة على موارد المياه من قبل دولة المنبع تركيا.
2-تزايد الطلب على المياه والمترافق مع تزايد أعداد السكان، وما يصاحبها من حاجة ملحة إلى توسيع الزراعة وتطوير الصناعة، فضلاً عن أوجه التنمية الأخرى.
3-احتمال تزايد حالات الجفاف في المنطقة وتناقص المعدلات السنوية العامة للأمطار.
4-احتمالات تردي نوعية المياه بسبب عدم مواكبة التطور في كفاءة وحدات معالجة المياه مع النمو السكاني والتنمية الصناعية والزراعية.
5-بسبب شح مياه الأنهار، والاحتمالات المترتبة عليها مثل تزايد تراكيز الملوحة، فلا بد أن هذه الأخطار ستهدد الثروة السمكية في العراق.
ثالثاً -مشكلة النشاط الصناعي والبيئة:
لا شك في أن المشكلة بين الصناعة والبيئة هي حالة مشخصة ومعروفة للجميع وتعد من أقدم أشكال الملاحظات البيئية وبغية التعرف إلى بعض المصطلحات الواردة فيما يلي يرجى مراجعة بطاقة المعلومات رقم-3.
يقدر عدد هذه المشاريع المؤثرة في البيئة المائية في العراق بنحو137 مصنعاً أو نشاطاً إنتاجياً ذا طاقة إنتاجية عالية، والتي يمكن إيجازها حسب القطاع الصناعي بما يلي:
أ-معامل الصناعات الغذائية: ومن أهمها صناعة الزيوت النباتية وتعليب الفواكه والخضر، ومجازر اللحوم الحمراء والبيضاء وصناعات السكر والألبان والمشروبات الكحولية، وتسبب تلوث المياه بمواد متطلبة للأوكسجين الحيوي.
ب-معامل غسل الأصواف: وتسبب تلوث المياه بالعوالق الصلبة والمواد الدهنية وزيادة الطلب على الأوكسجين.
ج-معامل الغزل والنسيج الصوفي والدباغة : وتتسبب في تلوث مياه الأنهار بالمواد الملونة ومعادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة فضلاً عن تصريف مواد متطلبة للأوكسجين الحيوي والكيميائي العاليين.
د- مواقع استخراج النفط والخامات المعدنية: وتتركز في محافظات التأميم ونينوى والبصرة والأنبار وتسبب تلوث مياه الأنهار بمواد عالقة ومركبات مختلفة منها معدنية ومنها غير معدنية أو مواد هيدروكربونية.
هـ-الصناعات الكيميائية والبتروكيمياوية والدوائية والأسمدة: وتتسبب في تلوث المياه بمواد كيميائية مختلفة البعض منها شديد السمية على الإنسان والأحياء المائية وذو قابلية للتراكم الحيوي كالزئبق وأملاح المعادن والمركبات العضوية وحسب نوع الصناعة.
و-الطلاء المعدني للمعادن: وهي متفرقة وغير محددة في العراق وبعضها ذو طاقة إنتاجية قليلة ويعود إلى القطاع الخاص، وتتسبب هذه الصناعة بتلوث المياه بالمعادن الثقيلة السامة كالنيكل والكروم السداسي الخطر على الصحة.
ز-الصناعات الورقية: وتتركز في البصرة وتسبب تلوث المياه بالمواد الحامضية أو القاعدية وحسب نوع العمليات الإنتاجية.
ح-محطات توليد الطاقة الكهربائية: وتتسبب في التلوث الحراري في المياه ورفع تركيز الملوحة، وتنتشر في مواقع مختلفة في العراق.
يضاف إلى ما تقدم عدد من المشاريع الكبرى المؤثرة في نوعية الهواء ومنها معامل الأسمنت والإسفلت والطابوق وغيرها فضلاً عن عدد كبير من معامل تقطيع الحجر والرخام وغيرها.
(بطاقة معلومات رقم-3)
المصطلحات الأساسية في تلوث المياه
الدالة الحامضية pH، وهي مؤشر أساسي على حامضية أو قاعدية المياه ويكون محصوراً ما بين 1-14، وينبغي أن يكون الرقم المقبول هو (7) (متعادل) وما زاد عنه يعتبر التصريف قاعدي، وما انخفض عن هذا الرقم يكون التصريف حامضياً، وهو أخطر على البيئة المائية من القاعدي.
الاحتياج الحيوي (أو البايوكيميائي) للأوكسجين (BOD)، وهو قياس لمدى حاجة النموذج إلى كميات من غاز الأوكسجين الذائب في الماء لسد حاجة الأحياء المجهرية لتكسير المواد العضوية، وبذلك فهو دليل غير مباشر على محتوى نموذج الماء من المواد العضوية القابلة للتحلل الحيوي تحت تأثير البكتيريا.
الاحتياج الكيميائي للأوكسجين (COD)، وهو قياس لمدى حاجة النموذج إلى كميات من غاز الأوكسجين الذائب في الماء واللازم لأكسدة المواد الكيميائية القابلة للتأكسد، وبذلك فهو دليل مباشر على محتوى نموذج الماء من المواد الكيميائية القابلة للتأكسد.
مجموعة الجذور مثل الفوسفات PO4 والنترات NO3، وهي مجموعة الأملاح المحتوية على الفوسفور أو النتروجين في تركيبها، وعند تصريفها إلى النهر فإنها تشجع نمو النباتات المائية، وتسبب مشكلات متفرقة أخرى.
الكبريتات SO4، مجموعة من الأملاح المختلفة بعضها قد يكون طبيعي المنشأ وناتجاً عن التكوينات الطبيعية للتربة.
الكلوريدات Cl، وهي مجموعة الأملاح الكلوريدية السائدة في المياه والتي تسبب الملوحة للمياه ومعظمها طبيعي المنشأ يزداد تركيزاً بالتبخر.
مجموعة الأملاح الذائبة، ويرمز لها بالرمز (TDS)، وهي تعبير عن الملوحة الكلية الناتجة عن وجود مختلف أنواع الأملاح وأغلبها ذات منشأ طبيعي.
مجموعة المواد الصلبة العالقة، ويرمز لها بالرمز (TSS) ويقصد بها دقائق الطمي والغرين وغيرها من الدقائق العالقة في الماء وأغلبها ذات منشأ طبيعي ولكن قد تزداد بفعل بعض الصناعات.
الزيوت والشحوم Oil & grease، وهي مخلفات ناتجة عن بعض الصناعات أو الحوادث العرضية للأنشطة التي تستعمل الزيوت المعدنية في عملياتها الإنتاجية.
المعادن الثقيلة: مثل الخارصين والحديد والنحاس والرصاص وغيرها.
وتتصف مشكلة التلوث الصناعي في العراق بما يلي من الخصائص والسمات البيئية التي تسبب تردي نوعية البيئة المائية:
1- عدم مطابقة مواقع الغالبية العظمى من الصناعات والمجمعات الصناعية ومحطات توليد الطاقة ومصافي النفط لشروط الموقع الصحيحة من الناحية البيئية : ويحتاج الأمر في هذا المجال إلى إجراء دراسات تقدير الأثر البيئي لتقييم الأخطار الناتجة عن هذه الصناعات على البيئة والصحة العامة، وهي إجراءات غير معمول بها إلى حد الوقت الحاضر.
2- قدم العمليات الصناعية أو خلوها من وسائل معالجة التلوث: وتشمل الكثير من الأنشطة الإنتاجية الكبرى وكذلك الأنشطة الصغيرة، مما يؤدي إلى ارتفاع تراكيز الملوثات الناتجة عنها وضخامة كمياتها، وكان مجموع الكميات المصرفة من القطاعين الحكومي والمختلط يقدر بحدود 245 مليون متر مكعب/سنة في التسعينات من القرن الماضي، تضاف إليها كميات أخرى غير محسوبة من المياه المصرفة من قطاعات صناعية حرفية، إلا أن العديد من المعطيات والأرقام قد تغيرت مؤخراً بسبب أحداث التخريب، ويذكر أن نهر دجلة يستلم كميات كبيرة جداً من المياه الصناعية كانت تقدر في عقد التسعينات بحوالي 18969 متراً مكعباً/ساعة وهو ما يقارب 163 مليون متر مكعب/سنة، منها نسبة 92 في المائة تتجاوز الحدود المسموح بها بينما نسبة 8 في المائة فقط هي ضمن الحدود المسموح بها.
أما نهر الفرات فيستلم كميات من مياه الفضلات الصناعية تبلغ 4735 متراً مكعباً ساعة بما يساوي 41 مليون متر مكعب/سنة منها نسبة 21 في المائة فقط مطابقة للمواصفات، أما الكميات المصرفة إلى شط العرب فهي أقل من ذلك، مع العلم أن هذه الأرقام هي لفترة مطلع التسعينات. يضاف إلى ما تقدم أن الكميات المصرفة إلى المجاري لابد أن تصل بدورها إلى نهري دجلة والفرات أو شط العرب لاحقاً، وغالباً ما تكون معالجة جزئياً فقط.
3- افتقار بعض المشاريع الصناعية الرئيسية إلى التكنولوجيا الملائمة للبيئة في جزء أو كل العملية الإنتاجية في منشأة ما، والمقصود بالتكنولوجيا الملائمة للبيئة وفق المفهوم العلمي الحديث هي جميع العمليات الصناعية أو الزراعية أو الخدمية أو منتجاتها أو تقنياتها التي تمتلك واحدة أو أكثر من الخصائص التالية: أن يتخلف عنها تأثير بيئي ضئيل من خلال ما تمتلكه من منظومات سيطرة أو معالجة كفؤة أو عمليات إنتاجية نظيفة، وأن تستخدم أقل قدر من الطاقة لأعلى إنتاج، وأن تستخدم المواد المعادة ولا نقصد بها إبدال التقنيات القائمة بتقنيات جديدة ذات تكاليف باهضة بل تحويل بعض مراحل العمليات الإنتاجية أو وسائل المعالجة الخاصة بحماية البيئة بما يؤدي إلى الإقلال من خطر التلوث الناجم عنها إلى أدنى حد ممكن أو اعتماد طرق إنتاج جديدة في صناعات ملوثة للبيئة، مثل صناعات الورق والأسمدة أو الأصباغ والغزل والنسيج وغيرها، والاعتماد على موارد معادة (أسلوب تدوير المخلفات).
ويمكن التوصل إلى تنفيذ العديد من فقرات أو خطوط التكنولوجيا الملائمة للبيئة محلياً في حالة توفر الدافع والحافز وتفهم مفهوم حماية البيئة بكامل أبعادها، أي بعبارة أخرى إن كوادرنا الوطنية غير مدربة على تطوير تكنولوجيات حماية البيئة خلال المراحل الدراسية التخصصية أو على خطط تدوير وإعادة استخدام المخلفات باعتبارها مواد أولية، كما يتعذر اكتساب الخبرة والمهارة فيما بعد ممارسة الحياة العملية، بسبب ضعف دور الحوافز المخصصة لهذا الجانب، وقد تكون هنالك بعض الحالات الاستثنائية المعدودة.
4- عدم اعتماد طرق تدوير المخلفات الصناعية: وهذا الموضوع له أهمية بالغة للكثير من الصناعات في العراق من جانب اقتصادي بالإضافة إلى الجوانب البيئية، وهو على الرغم من اتباعه في بعض الصناعات، إلا أن ما نقصده في هذا المجال هو الارتقاء بهذه الممارسة بشكل أكبر لكي تتحول إلى سياسة بيئية شاملة وملزمة، وقد يلاحظ في صناعات محددة لكنه نابع من دافع إنتاجي (للحصول على مواد أولية بكلفة زهيدة) بدرجة رئيسية وليس دافعاً بيئياً. وهناك اليوم الكثير من (الضائعات) الغازية والمواد السائلة ذات القيمة العالية التي تهدر لتتحول إلى ملوثات في الهواء أو في الأنهار أو التربة، مسببة أضراراً بالبيئة، ولعل في مقدمتها ضائعات صناعة الأسمنت التي تنبعث إلى الهواء بكميات قد تصل إلى حد 10 في المائة من الإنتاج، ورغم ذلك فإن أغلب مرسبات الغبار في مصانع الأسمنت في العراق تعاني من الكثير من المشكلات، وبعضها متوقف عن العمل منذ فترة بعيدة، ويعاني البعض الآخر من انخفاض في الكفاءة، وقد جرت عدة محاولات لاتباع تدوير المخلفات الورقية والزجاجية من قبل وزارة الصناعة إلا أن هذه الممارسات فشلت بعد فترة وجيزة من بدء العمل بها، في بعض جوانبها على الأقل، بسبب تدني درجة الوعي البيئي لدى المواطنين، بينما لا يزال التدوير يعد عملية أساسية ومتبعة بكفاءة عالية في البعض الآخر من القطاعات الصناعية مثل تدوير المخلفات السليلوزية لصناعة السكر بأنواعه وتدوير المخلفات البروتينية وغيرها.
رابعاً-مشكلة النظم البيئية الطبيعية والتنوع الإحيائي
عانت النظم البيئية الطبيعية في العراق من الإهمال المتناهي فلم تسع الجهات البيئية في زمن النظام السابق إلى النظر إلى هذا الأمر من وجهة النظر الصحيحة، وجرى التركيز على البيئة الحضرية وفي جوانبها الهندسية الصرف أو الخدمية والعمرانية، لذلك لم يسع العراق إلى إقامة محميات وطنية ذات نطاق واسع وبقوانين حماية رصينة، كما تم القضاء على الكثير من الأراضي الطبيعية وتحويلها إلى مجمعات صناعية، وكان لغياب التشريعات الصحيحة لتنظيم صيد الطيور والأسماك أثره البالغ في تفاقم الأوضاع البيئية للثروة الإحيائية في العراق، فتوالى انقراض الكثير من الأنواع الحيوانية والنباتية من البيئة من دون إبداء خطوات جادة لوقف ذلك، بل قام النظام السابق بتجفيف الأهوار التي تعد موقعاً أساسياً لتكاثر العديد من أنواع الطيور والثروات الإحيائية التي تهاجر إليه صاعدة من الخليج العربي بل وقد يكون الموطن الوحيد لأنواع معينة وعديدة منها (لمزيد من المعلومات يرجى مراجعة بطاقة المعلومات رقم -4) .
واليوم فقد تمت استعادة الحياة في النظام البيئي الطبيعي للأهوار وإن كان بشكل جزئي لكنه ماضٍ في التحسن، فبعد زوال النظام السابق هدمت السدود في الأسبوع الثالث من نيسان 2003، وأمكن إدخال الماء آنذاك من شمال شط العرب إلى (هور الحمار)، وأوضحت الصور الفضائية الملتقطة في مارس 2004 أي بعد نحو عام واحد، أن نسبة الاستعادة قد بلغت 40 في المائة كمعدل وهناك فروق ما بين منطقة وأخرى.
وباعتبار الأهوار منطقة جذب سياحي وبيئي وعلمي فإنها تحتاج إلى وضع الضوابط والأسس اللازمة لحماية بيئتها الطبيعية والعمل على تنمية مواردها تنمية مستدامة.
(بطاقة معلومات رقم-4)
الأهوار العراقية
تقع الأهوار في المنطقة الجنوبية من العراق عند ملتقى نهري دجلة والفرات، بين خطي العرض 30 درجة و30 درجة شمالاً، وخطي الطول 46 درجة و48 درجة غرباً، ويرفدها بالمياه نهري دجلة والفرات وعدد من الأفرع الصغيرة.
ويمكن تقسيم الأهوار إلى ثلاث مناطق رئيسية هي هور القرنة (أو الأهوار الوسطى) وهور الحمار وهور الحويزة المشترك مع إيران. (شكل 10-1) وهناك أهوار أخرى صغيرة، إلا أنها ذات أهمية طبيعية وبيئية خاصة مثل هور أبو زرك الواقع إلى الشرق من مدينة الناصرية. وأكبر هذه المسطحات المائية هو (هور الحمار) الذي تبلغ مساحته نحو 2000 كيلومتر مربع ويستلم مياهه من نهر الفرات، ويصرفها إلى شط العرب، في حين يستلم هور الحويزة مياهه من الجانب الإيراني من نهر الكرخة بدرجة رئيسية ومن نهري الطيب والدويرج الموسميين بدرجة أدنى، ويستلم من الجانب العراقي من نهر الكحلاء، والمشرح ومن النهر الذي كان يعرف بتاج المعارك وجميعها تتفرع من دجلة في محافظة ميسان.
وتحتاج الأهوار لغرض استعادتها بصورة طبيعية إلى نحو 25 مليار متر مكعب سنوياً لمعادلة الفقدان عن طريق التبخر بسبب حرارة الطقس، وتقدر الكميات المتدفقة إلى العراق في نهر دجلة بنحو 40-44 مليار متر مكعب سنوياً، وفي نهر الفرات 13-14 مليار متر مكعب، وتشير الكثير من الدراسات إلى وجود نقص في الخبرات العالمية في مجال إعادة تأهيل البيئة الطبيعة في الأهوار بسبب ندرة مثل هذه التجارب.
أكبر المدن في الأهوار هي مدينة الجبايش ومدينة (الحمار) والتي يقطنها نحو 4000 شخص تقريباً وتضم نحو 500-600 مسكن.
إن ما تقدم من معلومات لا يمثل إلى النزر اليسير من المشكلات البيئية القائمة حالياً في العراق، وإذا ما أخذنا في الاعتبار استمرار الصدامات المسلحة وحركة القطعات العسكرية وشح الموارد المالية اللازمة لحماية البيئة وعدم توافر الكوادر الكفؤة بالعدد الكافي، فإن حجم المشكلة لابد أن يتوقع له أن يتعاظم ويزداد، ولا يمكن التوصل إلى علاج ناجع ما لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بالتوصل حالة إلى مقبولة من السلام وبدء عملية البناء، مع إدراكنا الكامل بأنها حصيلة توافر عدد كبير من الإجراءات والخطوات الخارجة على إرادة السلطة البيئية:
1-إيقاف العمليات العسكرية والصدامات المسلحة وتسوية الخلافات للتوصل إلى حالة السلام والاستقرار المنشود.
2-تخصيص الموارد المالية اللازمة للمشاريع البيئية العاجلة ووضع جدول زمني للأولويات.
3-إعادة النظر بالتشريعات البيئية في العراق، وتحديثها واستكمالها بإصدار الفقرات التشريعية غير الصادرة إلى حد الآن، مثل تشريعات حماية الهواء، ومواصفات الانبعاث وغيرها.
4-انضمام العراق إلى الاتفاقيات البيئية متعددة الأطراف بغية الحصول على خبرات جديدة ومصادر تمويل للمشاريع المستقبلية التي تتماشى وأهداف الاتفاقيات.
5-تحويل النظرة التقليدية إلى البيئة لدى صناع القرار إلى نظرة ذات طبيعة حديثة تعتمد على مفاهيم التنمية المستدامة.
6-رفع مستوى الوعي البيئي لدى المواطن من خلال تنشيط عمليات التوعية البيئية وادخال مفاهيم التربية البيئية الحديثة.
::/fulltext::
::cck::3298::/cck::
