العراق تحت قصف مدافع الإعلام الطائفي

::cck::3311::/cck::
::introtext::

لم تكن خطة الولايات المتحدة الأمريكية لاحتلال العراق في 9 نيسان عام 2003، خطة عسكرية سوقية بالمعنى المعروف للعسكريين، تتمحور في احتلال الأرض بالصواريخ والطائرات والجيوش والمدافع وأسلحة الدمار الجديدة، وإنما ارتبطت بأجندات المحتل وأهدافه المركزية في احتلال العقل العراقي، وتدمير ذاكرته الجماعية، ومكونات الدولة العراقية ونظامها الإداري والاجتماعي، واختراع الفوضى الجماعية من خلال تشجيع النهب والسرقة للوزارات والمتاحف والبنوك، وإطلاق فوضى الحريات الإعلامية، بحيث أصبح من حق الجميع من دون استثناء إصدار الصحف وإنشاء القنوات الفضائية والإذاعات من دون ترخيص.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن خطة الولايات المتحدة الأمريكية لاحتلال العراق في 9 نيسان عام 2003، خطة عسكرية سوقية بالمعنى المعروف للعسكريين، تتمحور في احتلال الأرض بالصواريخ والطائرات والجيوش والمدافع وأسلحة الدمار الجديدة، وإنما ارتبطت بأجندات المحتل وأهدافه المركزية في احتلال العقل العراقي، وتدمير ذاكرته الجماعية، ومكونات الدولة العراقية ونظامها الإداري والاجتماعي، واختراع الفوضى الجماعية من خلال تشجيع النهب والسرقة للوزارات والمتاحف والبنوك، وإطلاق فوضى الحريات الإعلامية، بحيث أصبح من حق الجميع من دون استثناء إصدار الصحف وإنشاء القنوات الفضائية والإذاعات من دون ترخيص.
وإذا كان احتلال العراق بالمنطق العسكري السوقي قد جرى في أيام وأسابيع قليلة، فإن احتلال العقل العراقي لم يكن بالمقاييس السياسية والنفسية والإعلامية والثقافية بمتناول المحتل رغم آلته الإعلامية الضخمة، وجهازه الدعائي المتطور، ومؤسساته الكبرى في مجال الإعلام والعلاقات العامة والحرب النفسية. لذلك كان المحتل حريصاً على تلازم الخطة العسكرية والإعلامية، قبل وبعد الحرب، واستثمارها لاختراق العقل والنفوس.
وكانت الخطة الأمريكية في مجال الإعلام والمعلومات والحرب النفسية تعتمد على تطبيق النظرية النفسية التي طبقت في الربع الأول من القرن العشرين القائمة على مبدأ (الذعر النفسي الكامل) لدعم وحدة العمليات النفسية المشتركة في البنتاجون وذلك من خلال:
* الاهتمام بالخبر الإعلامي كوسيلة مهمة في وسائل الإعلام أثناء الحرب.
* التركيز على (الخلفية النفسية) في وعي الناس لمعرفة مدى تقبلهم للمعلومات الدعائية، كالاهتمام بالجانب الانفعالي والعصبي عند الإنسان.
* إضعاف المعنويات بشن حرب معلوماتية – نفسية أساسها (الرعب النفسي) من خلال التركيز على القدرات العسكرية والتكنولوجية للولايات المتحدة الأمريكية، وإيجاد التصورات المرعبة للقوة العسكرية الضاربة في مجال الصواريخ بعيدة المدى أو التهديد بالقنابل النووية.
* اعتماد أسلوب (الإلهاء أو التحويل)، وهو مبدأ نفسي هدفه تغيير اتجاهات الرأي العام عن احتلال العراق، ومحاولة إلهائه بمواضيع مختلفة وثانوية غير صحيحة كاتهام العراق بعلاقته بالإرهاب ووجود أسلحة دمار شامل.
* إيجاد الشائعات السوداء ونشرها لإحداث انكسارات نفسية في المتلقي العراقي وتعطيل إرادة الصمود والمواجهة.
* كانت المعلومات الإعلامية تستهدف (الجهاز العصبي) لإحداث الانهيارات العصبية داخل القوات المسلحة العراقية، وتدمير العقل العراقي في محاولة شله عن القيام بواجباته الرئيسية كالتفكير المنظم.
* تضخيم الوقائع وتشويهها، خاصة في مجال الأخبار، والتي يراد منها مقاصد مختلفة، كخلط الأوراق أمام الجمهور العراقي، وإثارة القلق في داخله، وزرع اليأس والخوف في حاضره ومستقبله.
* الإغراق الإعلامي لخلط الأوراق، وتضليل الرأي العام وخداعه، وزيادة القلق داخل الشخصية العراقية.
* التركيز على دعاية التحريض المستندة إلى مبدأ (فرّق تسد) خاصة بين الطوائف والقوميات والأديان.
وباختصار كانت الدعاية الأمريكية متلازمة مع العمل العسكري، باعتبار أن (الدعاية نصف الحرب)، وكانت تستهدف بالدرجة الأولى تدمير شخصية المقاتل، وإبعاده عن ميدان المعركة، وتحقيق مبدأ نفسي هو القبول بحالة اليأس كواقع ميداني باعتباره حالة مزرية تعتمد على مبدأ الغربة مع الذات والآخرين، وتدمير الذات بفعل متناقض يمتزج به الوهم مع العاطفة. وقد ساعدها على ذلك استثمارها للعلم والنظرية النفسية للقيام بعمليات غسل الدماغ من خلال (المبالغة والخداع والتضليل).
بعد الاحتلال بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بوضع سيناريوهات إعلامية جديدة لاحتلال العقل العراقي، ومحاولة كسبه من خلال عمليات سياسية وإعلامية ونفسية تجسدت بالنقاط التالية:
1- إشاعة ثقافة الاحتلال من خلال أجهزة الإعلام المموّلة من المحتل.
2- تكريس مبدأ (حرية الإعلام العراقي) من خلال فتح قنوات التعبير وتشجيعها بما يحقق للمحتل مصالحه السياسية في إلهاء المواطن بموضوعات مختلفة وثانوية، وإبعاده عن التفكير بممارسات المحتل وأجندته السرية. لذلك كانت حرية التعبير في كثير من الأحيان تأخذ شكل صراعات ومنازعات حزبية وطائفية لا علاقة لها بمصلحة العراق.
3- إشاعة الفوضى الإعلامية في العراق من خلال إلغاء وزارة الإعلام، وعدم إصدارها للقوانين والتعليمات التي تنظم العملية الإعلامية، بل تركت الأمر للجميع أن يؤسس صحيفة أو فضائية وصلت إلى أكثر من (200) صحيفة وعشرات القنوات الفضائية والأرضية والإذاعات المسموعة. وكان الهدف المركزي هو خلط الأوراق، وإحداث الوقيعة بين فئات الشعب المختلفة لتحويل الصراع من مواجهة العدو المحتل إلى المواجهة الداخلية.
4- استعمال المال الأمريكي لاختراق الإعلام العراقي، وتعبئة المواطن باتجاه قبول المحتل، وتنفيذ خططه العسكرية والسياسية في العراق. وحسب المصادر الأمريكية فقد أنفق أكثر من 16 مليون دولار على الإعلانات في التلفزيون العراقي، واللوحات الإعلانية في الشوارع والساحات. وتطور الجيش الأمريكي في تقديم الدعم المادي لبعض وسائل الإعلام العراقية بنشر تقارير دعائية له، وحاول استخدامها للتأثير في الصحافة من جهة، ومحاربة الإعلام الوطني النزيه من جهة أخرى تحت منابر ونواد وروابط وجمعيات مشبوهة. كما كشف النقاب مؤخراً عن عملية تندرج تحت الشؤون الحربية النفسية في البنتاجون تتضمن خططاً لوضع رسائل موالية لأمريكا في وسائل الإعلام العراقية بميزانية تقدر بـ30 مليون دولار من قبل ثلاث شركات فازت بهذه العقود ومنها شركة (لنكولن جروب) التي اعترفت بتقديم مبالغ مالية سرية للصحفيين ووسائل الإعلام لنشر قصص صحفية مؤيدة لأمريكا في العراق.
حاول المحتل الأمريكي أن ينشئ بيئة إعلامية صراعيّة غير صحيّة، ويستثمرها لمصالحه السياسية وأجندته الخاصة، ويخترق وعي ومدركات المواطن من خلال استغلاله لحاجات الإنسان العراقي في ما يتعلق بحرية التعبير، وتعطشه للديمقراطية بعد سنوات من المركزية الشديدة للإعلام، وإغلاق منافذ حرية التعبير، وافتقاده إلى التعددية الحزبية والإعلامية. لذلك كان من حق المواطن العراقي أن تدهشه الحريات الإعلامية المستوردة مهما كانت صورها وأساليبها وأجندتها، ويمارسها بطرق عديدة بعضها مؤذية بحق الوطن وأخرى إيجابية للتعبير عن أفكاره وممارساته.
وما نراه اليوم في المشهد الإعلامي العراقي هو صورة مؤلمة لممارسات تحمل في ثناياها خطاباً إعلاميّاً مؤججاً ومبرمجاً لصالح الانتماء الطائفي والعرقي أكثر مما هو لمصلحة الوطن من خلال أكثر من صورة:
1- وقوع الإعلام العراقي في فخ المنازعات والصراعات السياسية والحزبية والطائفية والفئوية والقومية لأسباب ترتبط بخلفيات بعض الأحزاب وأجندتها الخارجية، وعدم استيعاب الكثير منها للفكرة الحزبية في العراق وممارسة الديمقراطية.
2- ظاهرة تعددية الأفكار التي ترتبط معظمها بمعالجات طائفية وقومية تقترب من الولاء إلى المذهب والعشيرة والقومية أكثر من اقترابها إلى الهم الوطني والولاء للوطن.
3- التنوع في وسائل الإعلام، وهو تنوع إيجابي إذا كان هذا التنوع يهدف إلى بناء الإنسان العراقي الجديد، وتوعيته بوحدة العراق ومخاطر التقسيم والاحتلال وأجندته السياسية، وتعميق الوحدة الوطنية، وإشاعة ثقافة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، ولكن هذا التنوع الإعلامي اتجه إلى مسارات تخدم المحتل وتلتقي بأجندته السياسية.
4- ظاهرة التمويل الإعلامي ومخاطره على مستقبل الإعلام العراقي واستقلاليته، خاصة إذا كان هذا التمويل خارجياً هدفه تحقيق أهداف سياسية ضد مصلحة الوطن، ولا غرابة أن بعض الصحف والفضائيات تم دعمها من قبل الاحتلال أو من دول مجاورة للعراق، بحيث أصبح التمويل امتيازاً لبقاء البعض على حساب صحف وطنية وقومية قاومت الاحتلال إعلامياً، ولكنها لم تستطع مقاومة البقاء لأسباب مادية.
5- انعكست الظروف السياسية وصراعات الأحزاب على الصحفيين العراقيين مادياً ومهنياً، فقد حدثت معارك واحتدامات بين الصحفيين تبعاً لانتماءاتهم السياسية والطائفية والقومية، هادفة إلى شق وحدة الصحفيين، الأمر الذي أدى إلى تشكيل منظمة صحفية رديفة لنقابة الصحافيين العراقيين تعمل تحت اسم (اتحاد الصحفيين العراقيين). وهذه الصراعات ساهمت في إضعاف وحدة الصحفيين ومؤسساتهم، ووقفت عائقاً أمام حل مشكلاتهم الحياتية والمهنيّة والأمنيّة، حيث لا وجود لحصانة تحميهم من الاغتيال أو الاعتقال أو القتل. وما حدث للصحفي محمد هارون أمين سر نقابة الصحفيين العراقيين مؤخراً من اغتيال بدم بارد لأسباب عقائدية وتصفية حسابات قديمة إلا تأكيد على وجود ثقافة (الثأر) في الوسط السياسي.
6- في ظل انعدام القانون والفوضى الأمنية وسيطرة الأحزاب وميليشياتها على الحياة السياسية، برزت ظاهرة التدخلات والاقتحامات المسلحة لبعض المؤسسات الإعلامية الخاصة والحكومية لأهداف ثأرية سياسية أو التحكم والهيمنة على الحياة الإعلامية.
فالمشهد الإعلامي العراقي المرتبط بالمشهد السياسي، أخذاً وعطاءً، هو مشهد مؤلم حاول المحتل تغذيته بخطاب إعلامي تحريضي يستند إلى فلسفة المحاصصة المذهبية والعرقية والدينية والإقصاء السياسي، حيث تكريس النظرية السيكولوجية (التنفيس) من خلال فتح قنوات التعبير وتشجيعها بما يحقق للمحتل مصالحه السياسية وأجندته السرية. فإذا كانت تفجيرات الفتنة الطائفية لقتل الأبرياء في صورة السيارات المفخخة تشكل جريمة بحق الشعب والوطن، فإن تفجيرات (الفتنة الإعلامية) التي تم تفخيخها داخل وسائل الإعلام العراقية وبالذات الفضائيات هي الأخرى جريمة بشعة لا تقل عن جريمة قتل العراقي بدم بارد، لأنها تحاول إيقاظ الفتنة والتحريض من خلال خطاب إعلامي مؤجج ومبرمج لمصلحة الانتماء الطائفي والقومي والعرقي، فنحن نشهد اليوم ظهور صحف حزبية ودينية ذات ولاءات طائفية تشيع ثقافة الولاء للطائفة، وصحف مستقلة وحزبية تبرر للمحتل وجوده وممارساته القمعية. والأخطر هو تسابق الأحزاب والطوائف والمذاهب على إنشاء إذاعات وفضائيات، معظمها تبشر بثقافة الطائفة وتلغي الآخر، تحت مبررات عديدة، مرة بتهميشها من المذهب الآخر، ومرة بتكفيرها من الطائفة الأخرى، لتضاف للمشهد الجديد فتنة حريق الإعلام الطائفي الأجنبي، ويصبح المشهد العراقي مشهداً إعلامياً صراعياً بين الطوائف والقوميات والأديان.
إن التعددية الإعلامية في التعبير، وتنوع الرسائل الإعلامية في المجتمع العراقي ضرورية، وهي حالة صحية وإنسانية، ولكن ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي تعمق لديه مفهوم التوافق الوطني، ووحدة الولاء للوطن قبل الولاء للمذهب والقبيلة والعرق. ومن المؤسف أن نجد الكثير من الفضائيات لا ترى العراق إلا من خلال تخندقها لطائفتها وقوميتها، ولا ترى الآخر إلا بمنظار ضيق وفئوي، بل إن بعضها يحاول تأجيج الصراعات الطائفية وتعميقها، والبعض الآخر يحرّض على العنف، دون الاقتراب من القواسم المشتركة وإيجابياتها. ومن المؤسف أن هذه الفضائيات تقف وراء تمويلها جهات خارجية ألوانها سياسية وطائفية وعرقية، ترتبط بأجندات مختلفة، ولها قواسم مشتركة، وتريد إشعال فتيل الحرب الأهلية.
موضوعياً، إن خطاب الإعلام العراقي لا يزال خطاباً تحريضياً وصراعياً، رغم تنوع رسائله ووسائله الإعلامية، وامتلاكه لحرية التعبير، ولكن هذه الحرية ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي، وتعميق مفهوم التوافق الوطني على قضايا الوطن وأمنه ووجوده، بدءاً من إنهاء الاحتلال، وإعادة بناء الوطن على أساس المواطنة والقانون واحترامه، وتعميق الولاء للوطن قبل الولاء للمذهب والقبيلة والعرق، ومحاربة الفساد والهدر في ثروات العراق، وإشاعة ثقافة التسامح والوحدة الوطنية، وتثقيف المواطن على ممارسة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، وتعميق القواسم المشتركة الإيجابية بين فئات الشعب في ما يتعلق بوحدة المصير والتضامن الاجتماعي ومحاربة الإرهاب الموجه للمدنيين ونبذ العنف بأشكاله كافة، والأهم من ذلك أن يكون الإعلام العراقي هو صوت العراق الحقيقي، وصوت الشعب العراقي بأقلياته القومية والمذهبية والدينية، وصوت الخلاص من الاحتلال الأجنبي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3311::/cck::
::introtext::

لم تكن خطة الولايات المتحدة الأمريكية لاحتلال العراق في 9 نيسان عام 2003، خطة عسكرية سوقية بالمعنى المعروف للعسكريين، تتمحور في احتلال الأرض بالصواريخ والطائرات والجيوش والمدافع وأسلحة الدمار الجديدة، وإنما ارتبطت بأجندات المحتل وأهدافه المركزية في احتلال العقل العراقي، وتدمير ذاكرته الجماعية، ومكونات الدولة العراقية ونظامها الإداري والاجتماعي، واختراع الفوضى الجماعية من خلال تشجيع النهب والسرقة للوزارات والمتاحف والبنوك، وإطلاق فوضى الحريات الإعلامية، بحيث أصبح من حق الجميع من دون استثناء إصدار الصحف وإنشاء القنوات الفضائية والإذاعات من دون ترخيص.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن خطة الولايات المتحدة الأمريكية لاحتلال العراق في 9 نيسان عام 2003، خطة عسكرية سوقية بالمعنى المعروف للعسكريين، تتمحور في احتلال الأرض بالصواريخ والطائرات والجيوش والمدافع وأسلحة الدمار الجديدة، وإنما ارتبطت بأجندات المحتل وأهدافه المركزية في احتلال العقل العراقي، وتدمير ذاكرته الجماعية، ومكونات الدولة العراقية ونظامها الإداري والاجتماعي، واختراع الفوضى الجماعية من خلال تشجيع النهب والسرقة للوزارات والمتاحف والبنوك، وإطلاق فوضى الحريات الإعلامية، بحيث أصبح من حق الجميع من دون استثناء إصدار الصحف وإنشاء القنوات الفضائية والإذاعات من دون ترخيص.
وإذا كان احتلال العراق بالمنطق العسكري السوقي قد جرى في أيام وأسابيع قليلة، فإن احتلال العقل العراقي لم يكن بالمقاييس السياسية والنفسية والإعلامية والثقافية بمتناول المحتل رغم آلته الإعلامية الضخمة، وجهازه الدعائي المتطور، ومؤسساته الكبرى في مجال الإعلام والعلاقات العامة والحرب النفسية. لذلك كان المحتل حريصاً على تلازم الخطة العسكرية والإعلامية، قبل وبعد الحرب، واستثمارها لاختراق العقل والنفوس.
وكانت الخطة الأمريكية في مجال الإعلام والمعلومات والحرب النفسية تعتمد على تطبيق النظرية النفسية التي طبقت في الربع الأول من القرن العشرين القائمة على مبدأ (الذعر النفسي الكامل) لدعم وحدة العمليات النفسية المشتركة في البنتاجون وذلك من خلال:
* الاهتمام بالخبر الإعلامي كوسيلة مهمة في وسائل الإعلام أثناء الحرب.
* التركيز على (الخلفية النفسية) في وعي الناس لمعرفة مدى تقبلهم للمعلومات الدعائية، كالاهتمام بالجانب الانفعالي والعصبي عند الإنسان.
* إضعاف المعنويات بشن حرب معلوماتية – نفسية أساسها (الرعب النفسي) من خلال التركيز على القدرات العسكرية والتكنولوجية للولايات المتحدة الأمريكية، وإيجاد التصورات المرعبة للقوة العسكرية الضاربة في مجال الصواريخ بعيدة المدى أو التهديد بالقنابل النووية.
* اعتماد أسلوب (الإلهاء أو التحويل)، وهو مبدأ نفسي هدفه تغيير اتجاهات الرأي العام عن احتلال العراق، ومحاولة إلهائه بمواضيع مختلفة وثانوية غير صحيحة كاتهام العراق بعلاقته بالإرهاب ووجود أسلحة دمار شامل.
* إيجاد الشائعات السوداء ونشرها لإحداث انكسارات نفسية في المتلقي العراقي وتعطيل إرادة الصمود والمواجهة.
* كانت المعلومات الإعلامية تستهدف (الجهاز العصبي) لإحداث الانهيارات العصبية داخل القوات المسلحة العراقية، وتدمير العقل العراقي في محاولة شله عن القيام بواجباته الرئيسية كالتفكير المنظم.
* تضخيم الوقائع وتشويهها، خاصة في مجال الأخبار، والتي يراد منها مقاصد مختلفة، كخلط الأوراق أمام الجمهور العراقي، وإثارة القلق في داخله، وزرع اليأس والخوف في حاضره ومستقبله.
* الإغراق الإعلامي لخلط الأوراق، وتضليل الرأي العام وخداعه، وزيادة القلق داخل الشخصية العراقية.
* التركيز على دعاية التحريض المستندة إلى مبدأ (فرّق تسد) خاصة بين الطوائف والقوميات والأديان.
وباختصار كانت الدعاية الأمريكية متلازمة مع العمل العسكري، باعتبار أن (الدعاية نصف الحرب)، وكانت تستهدف بالدرجة الأولى تدمير شخصية المقاتل، وإبعاده عن ميدان المعركة، وتحقيق مبدأ نفسي هو القبول بحالة اليأس كواقع ميداني باعتباره حالة مزرية تعتمد على مبدأ الغربة مع الذات والآخرين، وتدمير الذات بفعل متناقض يمتزج به الوهم مع العاطفة. وقد ساعدها على ذلك استثمارها للعلم والنظرية النفسية للقيام بعمليات غسل الدماغ من خلال (المبالغة والخداع والتضليل).
بعد الاحتلال بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بوضع سيناريوهات إعلامية جديدة لاحتلال العقل العراقي، ومحاولة كسبه من خلال عمليات سياسية وإعلامية ونفسية تجسدت بالنقاط التالية:
1- إشاعة ثقافة الاحتلال من خلال أجهزة الإعلام المموّلة من المحتل.
2- تكريس مبدأ (حرية الإعلام العراقي) من خلال فتح قنوات التعبير وتشجيعها بما يحقق للمحتل مصالحه السياسية في إلهاء المواطن بموضوعات مختلفة وثانوية، وإبعاده عن التفكير بممارسات المحتل وأجندته السرية. لذلك كانت حرية التعبير في كثير من الأحيان تأخذ شكل صراعات ومنازعات حزبية وطائفية لا علاقة لها بمصلحة العراق.
3- إشاعة الفوضى الإعلامية في العراق من خلال إلغاء وزارة الإعلام، وعدم إصدارها للقوانين والتعليمات التي تنظم العملية الإعلامية، بل تركت الأمر للجميع أن يؤسس صحيفة أو فضائية وصلت إلى أكثر من (200) صحيفة وعشرات القنوات الفضائية والأرضية والإذاعات المسموعة. وكان الهدف المركزي هو خلط الأوراق، وإحداث الوقيعة بين فئات الشعب المختلفة لتحويل الصراع من مواجهة العدو المحتل إلى المواجهة الداخلية.
4- استعمال المال الأمريكي لاختراق الإعلام العراقي، وتعبئة المواطن باتجاه قبول المحتل، وتنفيذ خططه العسكرية والسياسية في العراق. وحسب المصادر الأمريكية فقد أنفق أكثر من 16 مليون دولار على الإعلانات في التلفزيون العراقي، واللوحات الإعلانية في الشوارع والساحات. وتطور الجيش الأمريكي في تقديم الدعم المادي لبعض وسائل الإعلام العراقية بنشر تقارير دعائية له، وحاول استخدامها للتأثير في الصحافة من جهة، ومحاربة الإعلام الوطني النزيه من جهة أخرى تحت منابر ونواد وروابط وجمعيات مشبوهة. كما كشف النقاب مؤخراً عن عملية تندرج تحت الشؤون الحربية النفسية في البنتاجون تتضمن خططاً لوضع رسائل موالية لأمريكا في وسائل الإعلام العراقية بميزانية تقدر بـ30 مليون دولار من قبل ثلاث شركات فازت بهذه العقود ومنها شركة (لنكولن جروب) التي اعترفت بتقديم مبالغ مالية سرية للصحفيين ووسائل الإعلام لنشر قصص صحفية مؤيدة لأمريكا في العراق.
حاول المحتل الأمريكي أن ينشئ بيئة إعلامية صراعيّة غير صحيّة، ويستثمرها لمصالحه السياسية وأجندته الخاصة، ويخترق وعي ومدركات المواطن من خلال استغلاله لحاجات الإنسان العراقي في ما يتعلق بحرية التعبير، وتعطشه للديمقراطية بعد سنوات من المركزية الشديدة للإعلام، وإغلاق منافذ حرية التعبير، وافتقاده إلى التعددية الحزبية والإعلامية. لذلك كان من حق المواطن العراقي أن تدهشه الحريات الإعلامية المستوردة مهما كانت صورها وأساليبها وأجندتها، ويمارسها بطرق عديدة بعضها مؤذية بحق الوطن وأخرى إيجابية للتعبير عن أفكاره وممارساته.
وما نراه اليوم في المشهد الإعلامي العراقي هو صورة مؤلمة لممارسات تحمل في ثناياها خطاباً إعلاميّاً مؤججاً ومبرمجاً لصالح الانتماء الطائفي والعرقي أكثر مما هو لمصلحة الوطن من خلال أكثر من صورة:
1- وقوع الإعلام العراقي في فخ المنازعات والصراعات السياسية والحزبية والطائفية والفئوية والقومية لأسباب ترتبط بخلفيات بعض الأحزاب وأجندتها الخارجية، وعدم استيعاب الكثير منها للفكرة الحزبية في العراق وممارسة الديمقراطية.
2- ظاهرة تعددية الأفكار التي ترتبط معظمها بمعالجات طائفية وقومية تقترب من الولاء إلى المذهب والعشيرة والقومية أكثر من اقترابها إلى الهم الوطني والولاء للوطن.
3- التنوع في وسائل الإعلام، وهو تنوع إيجابي إذا كان هذا التنوع يهدف إلى بناء الإنسان العراقي الجديد، وتوعيته بوحدة العراق ومخاطر التقسيم والاحتلال وأجندته السياسية، وتعميق الوحدة الوطنية، وإشاعة ثقافة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، ولكن هذا التنوع الإعلامي اتجه إلى مسارات تخدم المحتل وتلتقي بأجندته السياسية.
4- ظاهرة التمويل الإعلامي ومخاطره على مستقبل الإعلام العراقي واستقلاليته، خاصة إذا كان هذا التمويل خارجياً هدفه تحقيق أهداف سياسية ضد مصلحة الوطن، ولا غرابة أن بعض الصحف والفضائيات تم دعمها من قبل الاحتلال أو من دول مجاورة للعراق، بحيث أصبح التمويل امتيازاً لبقاء البعض على حساب صحف وطنية وقومية قاومت الاحتلال إعلامياً، ولكنها لم تستطع مقاومة البقاء لأسباب مادية.
5- انعكست الظروف السياسية وصراعات الأحزاب على الصحفيين العراقيين مادياً ومهنياً، فقد حدثت معارك واحتدامات بين الصحفيين تبعاً لانتماءاتهم السياسية والطائفية والقومية، هادفة إلى شق وحدة الصحفيين، الأمر الذي أدى إلى تشكيل منظمة صحفية رديفة لنقابة الصحافيين العراقيين تعمل تحت اسم (اتحاد الصحفيين العراقيين). وهذه الصراعات ساهمت في إضعاف وحدة الصحفيين ومؤسساتهم، ووقفت عائقاً أمام حل مشكلاتهم الحياتية والمهنيّة والأمنيّة، حيث لا وجود لحصانة تحميهم من الاغتيال أو الاعتقال أو القتل. وما حدث للصحفي محمد هارون أمين سر نقابة الصحفيين العراقيين مؤخراً من اغتيال بدم بارد لأسباب عقائدية وتصفية حسابات قديمة إلا تأكيد على وجود ثقافة (الثأر) في الوسط السياسي.
6- في ظل انعدام القانون والفوضى الأمنية وسيطرة الأحزاب وميليشياتها على الحياة السياسية، برزت ظاهرة التدخلات والاقتحامات المسلحة لبعض المؤسسات الإعلامية الخاصة والحكومية لأهداف ثأرية سياسية أو التحكم والهيمنة على الحياة الإعلامية.
فالمشهد الإعلامي العراقي المرتبط بالمشهد السياسي، أخذاً وعطاءً، هو مشهد مؤلم حاول المحتل تغذيته بخطاب إعلامي تحريضي يستند إلى فلسفة المحاصصة المذهبية والعرقية والدينية والإقصاء السياسي، حيث تكريس النظرية السيكولوجية (التنفيس) من خلال فتح قنوات التعبير وتشجيعها بما يحقق للمحتل مصالحه السياسية وأجندته السرية. فإذا كانت تفجيرات الفتنة الطائفية لقتل الأبرياء في صورة السيارات المفخخة تشكل جريمة بحق الشعب والوطن، فإن تفجيرات (الفتنة الإعلامية) التي تم تفخيخها داخل وسائل الإعلام العراقية وبالذات الفضائيات هي الأخرى جريمة بشعة لا تقل عن جريمة قتل العراقي بدم بارد، لأنها تحاول إيقاظ الفتنة والتحريض من خلال خطاب إعلامي مؤجج ومبرمج لمصلحة الانتماء الطائفي والقومي والعرقي، فنحن نشهد اليوم ظهور صحف حزبية ودينية ذات ولاءات طائفية تشيع ثقافة الولاء للطائفة، وصحف مستقلة وحزبية تبرر للمحتل وجوده وممارساته القمعية. والأخطر هو تسابق الأحزاب والطوائف والمذاهب على إنشاء إذاعات وفضائيات، معظمها تبشر بثقافة الطائفة وتلغي الآخر، تحت مبررات عديدة، مرة بتهميشها من المذهب الآخر، ومرة بتكفيرها من الطائفة الأخرى، لتضاف للمشهد الجديد فتنة حريق الإعلام الطائفي الأجنبي، ويصبح المشهد العراقي مشهداً إعلامياً صراعياً بين الطوائف والقوميات والأديان.
إن التعددية الإعلامية في التعبير، وتنوع الرسائل الإعلامية في المجتمع العراقي ضرورية، وهي حالة صحية وإنسانية، ولكن ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي تعمق لديه مفهوم التوافق الوطني، ووحدة الولاء للوطن قبل الولاء للمذهب والقبيلة والعرق. ومن المؤسف أن نجد الكثير من الفضائيات لا ترى العراق إلا من خلال تخندقها لطائفتها وقوميتها، ولا ترى الآخر إلا بمنظار ضيق وفئوي، بل إن بعضها يحاول تأجيج الصراعات الطائفية وتعميقها، والبعض الآخر يحرّض على العنف، دون الاقتراب من القواسم المشتركة وإيجابياتها. ومن المؤسف أن هذه الفضائيات تقف وراء تمويلها جهات خارجية ألوانها سياسية وطائفية وعرقية، ترتبط بأجندات مختلفة، ولها قواسم مشتركة، وتريد إشعال فتيل الحرب الأهلية.
موضوعياً، إن خطاب الإعلام العراقي لا يزال خطاباً تحريضياً وصراعياً، رغم تنوع رسائله ووسائله الإعلامية، وامتلاكه لحرية التعبير، ولكن هذه الحرية ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي، وتعميق مفهوم التوافق الوطني على قضايا الوطن وأمنه ووجوده، بدءاً من إنهاء الاحتلال، وإعادة بناء الوطن على أساس المواطنة والقانون واحترامه، وتعميق الولاء للوطن قبل الولاء للمذهب والقبيلة والعرق، ومحاربة الفساد والهدر في ثروات العراق، وإشاعة ثقافة التسامح والوحدة الوطنية، وتثقيف المواطن على ممارسة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، وتعميق القواسم المشتركة الإيجابية بين فئات الشعب في ما يتعلق بوحدة المصير والتضامن الاجتماعي ومحاربة الإرهاب الموجه للمدنيين ونبذ العنف بأشكاله كافة، والأهم من ذلك أن يكون الإعلام العراقي هو صوت العراق الحقيقي، وصوت الشعب العراقي بأقلياته القومية والمذهبية والدينية، وصوت الخلاص من الاحتلال الأجنبي.

::/fulltext::
::cck::3311::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *