التعليم العالي في العراق.. بين الواقع السياسي ومتطلبات العلم
::cck::3273::/cck::
::introtext::
لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذي تضطلع به الجامعة في تطور وزيادة وعي المجتمعات من الناحيتين الثقافية والعلمية.. ولذلك تهتم الدول المتقدمة بالجامعات وطلبتها لكي تبني مجتمعاً متعلماً وواعياً. وتعتمد العملية التعليمية بشكل عام على أربعة أركان متكاملة ومترابطة ينتج عنها في حال اكتمالها وتكاملها نجاح للعملية التعليمية برمتها، والعكس تماماً عند حصول تقصير في أحدها أو بعضها، وهذه الأركان هي الطالب والأستاذ والمؤسسة والمستلزمات. وسيشمل ما نذكره في هذه المقالة الجامعات العراقية الواقعة في مدن العراق كافة ما عدا الجامعات الواقعة في كردستان العراق التي انقطعنا عنها منذ كانت بيد سلطة صدام إلا أنها – أي الجامعات في كردستان العراق – شهدت تجربة خاصة منذ عام 1991.
::/introtext::
::fulltext::
لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذي تضطلع به الجامعة في تطور وزيادة وعي المجتمعات من الناحيتين الثقافية والعلمية.. ولذلك تهتم الدول المتقدمة بالجامعات وطلبتها لكي تبني مجتمعاً متعلماً وواعياً. وتعتمد العملية التعليمية بشكل عام على أربعة أركان متكاملة ومترابطة ينتج عنها في حال اكتمالها وتكاملها نجاح للعملية التعليمية برمتها، والعكس تماماً عند حصول تقصير في أحدها أو بعضها، وهذه الأركان هي الطالب والأستاذ والمؤسسة والمستلزمات. وسيشمل ما نذكره في هذه المقالة الجامعات العراقية الواقعة في مدن العراق كافة ما عدا الجامعات الواقعة في كردستان العراق التي انقطعنا عنها منذ كانت بيد سلطة صدام إلا أنها – أي الجامعات في كردستان العراق – شهدت تجربة خاصة منذ عام 1991.
1-الطالب
بصورة مختصرة فإن المستفيد الأول من العملية التعليمية هو الطالب الذي يتلقى المعلومات والأفكار ويصل في نهاية شوطه الدراسي إلى شهادة جامعية تؤهله للعمل المستقبلي.
لقد أدت الأزمات التي شهدها العراق إلى الإحساس باليأس لدى الطلبة وعدم ثقتهم واعتقادهم بأهمية الشهادة الجامعية، وينظر طلبة العراق ومنذ فترة طويلة إلى التعليم العالي نظرة متدنية لأن من درس في الفترات السابقة تساوى مع من لم يدرس، كما يعتبر البعض الآخر الجامعة مكاناً للهو أو لملء وقت الفراغ، وأصبح البعض يدرس في الجامعة كونها واجهة اجتماعية ليس إلا.
2-الأستاذ
الأستاذ من وجهة النظر العلمية هو الجزء المقدس في العملية التعليمية لأنه الأساس في نقل المعلومات والأفكار وتطورها وتطور العلم بشكل عام، ومع انتماء الأستاذ إلى المؤسسة التعليمية واعتباره جزءاً منها فإن أثره في تطور أو حتى بقاء التعليم العالي على حاله السابق يأخذ حيزاً مهماً، ولذلك فصلنا في مقالتنا هذه بين الأستاذ والمؤسسة التي ينتمي إليها. وبعيداً عن الظروف التي مر ويمر بها الأستاذ التي تحد من إمكانياته العلمية والتي سيمر ذكرها لاحقاً فإن دور الأستاذ في تأخر التعليم الجامعي في العراق أصبح واضحاً للعيان. فتغاضي الأستاذ عن المستوى المتدني لبعض الطلبة وعدم تشجيعه من أبدع وتفوق منهم والمساواة بغير وجه حق ما بين هذا وذاك من السابق ذكرهم، كان ولا يزال منتشراً بين الأوساط الجامعية وهو من العوامل المثبطة للعزيمة عند المثابرين.. إضافة لوجود مشكلات أخرى يعاني منها الطلبة ترجع في أصلها إلى عدم عدم المساواة أو إعطاء كل ذي حق حقه وهذه كمشكلة جامعية موجودة منذ عدة عقود وليست وليدة اليوم.
3-المؤسسة
نقصد بالمؤسسة هنا وزارة التعليم العالي أو ما يرتبط بها من جامعات ومراكز بحوث وهيئات، وترتبط بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية (20) جامعة موزعة على محافظات العراق المختلفة و(3) هيئات تعليمية هي هيئة التعليم التقني والهيئة العراقية للحاسوب والمعلوماتية والهيئة العراقية للتخصصات الطبية، فضلاً عن (3) مراكز للبحوث هي مركز البحوث النفسية ومركز بحوث السرطان ومركز كردستان للتكنولوجيا والبحث العلمي، وتشرف وزارة التعليم العالي في العراق على نوعين من الجامعات العامة والخاصة أي الكليات التابعة للحكومة والممولة من قبلها بالإضافة إلى الجامعات أو الكليات الخاصة ذات التمويل الذاتي التي تستحصل نفقات التدريس من الطالب.
وتعد المؤسسة من أهم مرتكزات التعليم الجامعي لكونها تقع على رأس الهرم في العملية التعليمية، فهي التي تفرض وتنفذ قانونها الذي ينطبق على جميع العاملين فيها من الوزير وحتى عمال الخدمة في الجامعات، كما تطبق تعليماتها وقوانينها على الطلبة أيضاً، وتعاني الجامعات العراقية منذ زمن بعيد من سوء الإدارة وعدم وجود قوانين جادة أوعدم تطبيقها بشكل جاد، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على مستوى التعليم.
4-المستلزمات
تعتبر مستلزمات التعليم من الأجهزة والمختبرات بالإضافة إلى الأبنية والأثاث من المرتكزات التي يقف نجاح التعليم عندها، وبعد سنوات من الحصار التقني والثقافي الذي ساهم به كل من نظام صدام والولايات المتحدة الأمريكية التي تنفذ الآن مشاريع جامعية مؤجلة من الناحية الفعلية وواضحة من الناحية الدعائية.. أجهزت فترة الحرب في 2003 وما تلاها من أعمال سرقة ونهب على بقايا المرافق العلمية، وذكر الدكتور طاهر خلف البكاء وهو أول وزير للتعليم العالي في العراق بعد زوال نظام صدام أن (84 في المائة) من الأبنية الجامعية سرقت ودمرت تماماً خلال الحرب وبعدها مما أدى إلى تعليق القبول في أكثر من 134 اختصاصاً علمياً في أقسام الدراسات العليا، وساهم تردي الوضع الأمني في تأخر عملية إعمار وتطوير الجامعات العراقية، فما هو موجود الآن من مستلزمات لا يتعدى المباني والكراسي ومختبرات تفتقر إلى أبسط متطلبات العمل من مواد أولية مختلفة، فيما لم تشهد مكتبات الجامعات أي تطور يذكر بعد عمليات السطو التي طالت أغلبها بعد الحرب، ويعاني وزراء التعليم العالي في العراق الذين تتابعوا على الوزارة من قلة المخصصات التي تمنح لهم، ولذلك لم تشهد مستلزمات التعليم تطوراً ملحوظاً خلال فترة الثلاث سنين الماضية، وبالتالي فإنها تشكل قصوراً في إتمام عملية التعليم، وأبرز مثال على ذلك، وهو الأقرب إلى اختصاصنا، ما تعانيه كلية الإعلام من افتقارها إلى أبسط متطلبات التعليم من كاميرات واستوديوهات إذاعية وتلفزيونية أو حتى كاميرات التصوير الفوتوغرافي فيتخرج طالب الاعلام وليس لديه أدنى فكرة عن العمل الإذاعي والتلفزيوني أو الصحفي بشكل عام.
محددات تطور التعليم العالي في العراق
انعكس الوضع الأمني المتردي في العراق بشكل عام وبغداد بشكل سلبي على تطور التعليم العالي، حيث لعب تردي الوضع الأمني دوراً كبيراً في تراجع مستوى التعليم، حيث تعزى جميع الأسباب التي حدّت من تطور العملية التعليمية في نهايتها إلى تردي الوضع الأمني، فتأخر الطالب أو تغيبه دون رادع من المؤسسة سببه الوضع الأمني، وكذلك تغيب الأستاذ. كما شهد العراق كثرة في العطل الرسمية وغير الرسمية وهي تعود كذلك إلى جملة من الأسباب أهمها تردي الوضع الأمني، كما تقلصت ساعات الدراسة في الجامعات العراقية للأسباب عينها.. وفيما بدا التساهل في تطبيق القوانين داخل المؤسسة مع الطلبة أو الأساتذة أو الموظفين يأخذ موقعه المهم في تأخر التعليم العالي في العراق، ومن الملاحظ أن هذه المحددات تركت آثاراً في مجمل أركان العملية التعليمية وهي الطالب والأستاذ والمستلزمات والمؤسسة ومن بين تلك المحددات التحزب في الجامعات والعنف الذي يطال كلاً من الطالب والأستاذ.
الجامعات العراقية بين النظام الشمولي والتعددية الحزبية
جمد نظام الحزب الواحد، الذي عاش في ظله طلبة العراق على مدى ثلاثين عاماً، الفكر، وجعل من الطلبة والأساتذة أبواقاً دعائية وجنوداً لحزب البعث وميليشيات لصدام تقاتل حالما يطلب منها ذلك، كما عمل صدام أيضاً على عسكرة الجامعة فأرسل الطلبة إلى ساحات التدريب في العطل الصيفية بدل إرسالهم إلى جامعات أخرى ومراكز بحوث وبعثات علمية جامعية ليزدادوا علماً ومعرفة. وبعد سقوط نظام البعث عقب الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 شهد العراق تعدداً حزبياً امتد أثره إلى كافة نواحي الحياة الاجتماعية في العراق، فبدا الأفراد يتكتلون مع الانتماءات الفكرية والطائفية التي يعتبرونها مرجعاً سياسياً وفكرياً وحتى طائفياً لهم مبرزين بذلك صراعات مختلفة بين تلك الجماعات التي تشكلت، ولم تكن الجامعات العراقية أقل نصيباً من بقية نواحي الحياة من ناحية الصراع الطائفي أو التعددي، إذا صح التعبير، فقد نشطت الحركات السياسية بين الطلبة، وأصبحت تسيطر على الجو الوطني بشكل مبالغ فيه مما حولها إلى مكان للنزاعات وفرض السيطرة الحزبية على أهم فئة في المجتمع وهي الطلبة الجامعيين، فقد شهدت الجامعات العراقية صراعات حزبية وطائفية بين الطلبة أنفسهم من جانب وبين الطلبة والأساتذة من جانب آخر.. وتطورت تلك الصراعات الفكرية إلى صراعات دموية سقط على أثرها عدد كبير من الطلبة والأساتذة قتلى.. وأبرز دليل على ذلك الأحداث التي شهدتها جامعة الموصل بعد تظاهرة لمجموعة من الطلبة ينتمون لاتجاه فكري وطائفي معين، أثارت (التظاهرة) حفيظة طلبة ينتمون إلى اتجاه فكري يتقاطع مع ذلك الاتجاه مما أدى إلى موجة من العنف في هذه الجامعة قتل على أثرها العديد من الطلبة، كما شهدت جامعة بغداد العام الماضي أحداثا مماثلة على خلفية مقتل أحد طلبة كلية الصيدلة وما شهدته جامعة البصرة عند حفل التخرج العام الماضي وما شهدته جامعة الأنبار وغيرها الكثير خير دليل على ذلك أيضاً.
ولذلك فقد أصبحت الجامعات العراقية مكاناً للتحزب وليس للتعليم مع اعتقادنا بأهمية انتماء الطلاب إلى اتجاهات فكرية تعبر عن تطلعاتهم، إلا أننا لا نشجع ذلك في هذا الوقت الذي يشهد فيه العراقيون وفي كافة مناحي الحياة شحناً طائفياً ووضعاً أمنياً متدهوراً.
العنف ضد الأساتذة
لم يقتصر العنف الذي تشهده الجامعات العراقية كما أسلفنا على العنف بين الطلبة، بل امتد ليطال الأساتذة، ولعل أهم ما أفرزه العنف الجامعي – إذا صح التعبير – هو العنف الموجه ضد الأساتذة، باعتبارهم ركناً أساسياً من أركان العملية التعليمية، فقد أشارت التقارير ومجريات الأحداث إلى مقتل (182) أستاذاً جامعياً خلال السنوات الثلاث السابقة، وهو رقم ومؤشر يدعونا إلى التوقف عند ما تفرزه عمليات القتل هذه من تداعيات على مستوى التعليم العالي في العراق، حيث أظهرت قوائم إحصائية وزعتها رابطة الأساتذة الجامعيين في العراق أسماء الأساتذة الذين تعرضوا للاغتيال أو الخطف أو التهديد وضمت القائمة 268 اسماً تعرض 182 منهم للقتل بينهم 150 من حملة شهادة الدكتوراه، ويحتل قسم كبير منهم مواقع مسؤولية أكاديمية متقدمة.
وتعود عمليات القتل أو الاغتيال التي طالت أساتذة الجامعات إلى عمليات تصفية تمارسها الجهات اللاعبة في العراق من أحزاب سياسية وجماعات تكفيرية فضلاً عن جهات دولية إقليمية تبتغي إرجاع العراقيين إلى الجهل، كما أشارت تقارير صحفية وجامعية، ولعل انعكاس عمليات الاغتيال تلك على مستوى التعليم الجامعي في العراق بدا واضحاً، حيث دعت تلك الأعمال إلى هجرة الأساتذة والعلماء من العراق إلى بلدان أخرى خوفاً على حياتهم وحياة عوائلهم ورغبة في التمتع بالأمن.. ومن بقي فهو مهدد لا يرتاح له بال ليتمكن من ممارسة دوره كأستاذ ومربي بأكمل وجه، ولذلك أصبحت الجامعات العراقية أماكن خطيرة لكل من الأستاذ والطالب على حد سواء.
إن العقول العراقية التي تغادر العراق الآن تضاف إلى عقول أخرى غادرت العراق إبان حكم صدام لظروف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو لانعدام ضمانات الحياة بصورها المختلفة كانتهاكات حقوق الإنسان وإهدار الحقوق والحريات بكل صورها وبحسب مجلة (الحقوق) التي تصدر في الكويت فقد غادر العراق ما بين عامي 1991 و1998 أكثر من (7350 )عالماً، تلقفتهم دول أوروبية، وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها , ومنهم ( 67 في المائة ) أساتذة جامعة و( 23 في المائة ) يعملون في مراكز أبحاث علمية ومن هذا العدد الضخم (83 في المائة) درسوا في جامعات أوروبية وأمريكية، أما الباقون فقد درسوا في جامعات عربية أو في أوروبا الشرقية، ويعمل من هؤلاء في اختصاصهم (85 في المائة).
الفساد الإداري والمالي والعلمي
رصد مكتب المفتش العام في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ( 345 ) قضية فساد إداري ومالي وعلمي خلال العام 2005 وبداية العام 2006 أحيل منها ( 24) قضية إلى لجنة النزاهة من ضمنها قضية واحدة تحوي (660) حالة تزوير لوثائق عدد من الطلبة الذين تم قبولهم في الجامعات والمعاهد العراقية.
الحلول أين تكمن؟
إن الارتباط الوثيق بين كل الأسباب أو المحددات التي ذكرناها سيجعل من الحلول التي نطرحها وثيقة الصلة ببعضها أيضاً، ومن خلال ما سبق ذكره فإن استقرار العراق من الناحيتين السياسية والأمنية يكون المفتاح الأول والرئيسي لحل مشكلة تدني مستوى التعليم، حيث سيفتح أبوابا أخرى من بينها احترام القانون وإعمار الجامعات العراقية كجامعات مؤهلة للتعليم على غرار الجامعات الموجودة في المنطقة على أقل تقدير كالجامعات المصرية والأردنية وغيرها.
كما تجدر الإشارة إلى أهمية الدور الذي يجب أن تلعبه وزارة التعليم العالي والمؤسسات التابعة لها من خلال وضع ضوابط صارمة لمجمل العملية التعليمية، كما نرى ضرورة تنشيط التبادل الثقافي والتقني العلمي بين الجامعات العراقية ونظيراتها في دول متقدمة في هذا الشأن لنقل التجارب والتنظيم والقوانين الجامعية الموجودة في تلك الدول، كما نؤكد على ضرورة أن تبتعد الجامعات العراقية عن أجواء التحزب في الوقت الحالي على أقل تقدير لكي نستبعد تنامي الصراعات داخلها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3273::/cck::
::introtext::
لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذي تضطلع به الجامعة في تطور وزيادة وعي المجتمعات من الناحيتين الثقافية والعلمية.. ولذلك تهتم الدول المتقدمة بالجامعات وطلبتها لكي تبني مجتمعاً متعلماً وواعياً. وتعتمد العملية التعليمية بشكل عام على أربعة أركان متكاملة ومترابطة ينتج عنها في حال اكتمالها وتكاملها نجاح للعملية التعليمية برمتها، والعكس تماماً عند حصول تقصير في أحدها أو بعضها، وهذه الأركان هي الطالب والأستاذ والمؤسسة والمستلزمات. وسيشمل ما نذكره في هذه المقالة الجامعات العراقية الواقعة في مدن العراق كافة ما عدا الجامعات الواقعة في كردستان العراق التي انقطعنا عنها منذ كانت بيد سلطة صدام إلا أنها – أي الجامعات في كردستان العراق – شهدت تجربة خاصة منذ عام 1991.
::/introtext::
::fulltext::
لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذي تضطلع به الجامعة في تطور وزيادة وعي المجتمعات من الناحيتين الثقافية والعلمية.. ولذلك تهتم الدول المتقدمة بالجامعات وطلبتها لكي تبني مجتمعاً متعلماً وواعياً. وتعتمد العملية التعليمية بشكل عام على أربعة أركان متكاملة ومترابطة ينتج عنها في حال اكتمالها وتكاملها نجاح للعملية التعليمية برمتها، والعكس تماماً عند حصول تقصير في أحدها أو بعضها، وهذه الأركان هي الطالب والأستاذ والمؤسسة والمستلزمات. وسيشمل ما نذكره في هذه المقالة الجامعات العراقية الواقعة في مدن العراق كافة ما عدا الجامعات الواقعة في كردستان العراق التي انقطعنا عنها منذ كانت بيد سلطة صدام إلا أنها – أي الجامعات في كردستان العراق – شهدت تجربة خاصة منذ عام 1991.
1-الطالب
بصورة مختصرة فإن المستفيد الأول من العملية التعليمية هو الطالب الذي يتلقى المعلومات والأفكار ويصل في نهاية شوطه الدراسي إلى شهادة جامعية تؤهله للعمل المستقبلي.
لقد أدت الأزمات التي شهدها العراق إلى الإحساس باليأس لدى الطلبة وعدم ثقتهم واعتقادهم بأهمية الشهادة الجامعية، وينظر طلبة العراق ومنذ فترة طويلة إلى التعليم العالي نظرة متدنية لأن من درس في الفترات السابقة تساوى مع من لم يدرس، كما يعتبر البعض الآخر الجامعة مكاناً للهو أو لملء وقت الفراغ، وأصبح البعض يدرس في الجامعة كونها واجهة اجتماعية ليس إلا.
2-الأستاذ
الأستاذ من وجهة النظر العلمية هو الجزء المقدس في العملية التعليمية لأنه الأساس في نقل المعلومات والأفكار وتطورها وتطور العلم بشكل عام، ومع انتماء الأستاذ إلى المؤسسة التعليمية واعتباره جزءاً منها فإن أثره في تطور أو حتى بقاء التعليم العالي على حاله السابق يأخذ حيزاً مهماً، ولذلك فصلنا في مقالتنا هذه بين الأستاذ والمؤسسة التي ينتمي إليها. وبعيداً عن الظروف التي مر ويمر بها الأستاذ التي تحد من إمكانياته العلمية والتي سيمر ذكرها لاحقاً فإن دور الأستاذ في تأخر التعليم الجامعي في العراق أصبح واضحاً للعيان. فتغاضي الأستاذ عن المستوى المتدني لبعض الطلبة وعدم تشجيعه من أبدع وتفوق منهم والمساواة بغير وجه حق ما بين هذا وذاك من السابق ذكرهم، كان ولا يزال منتشراً بين الأوساط الجامعية وهو من العوامل المثبطة للعزيمة عند المثابرين.. إضافة لوجود مشكلات أخرى يعاني منها الطلبة ترجع في أصلها إلى عدم عدم المساواة أو إعطاء كل ذي حق حقه وهذه كمشكلة جامعية موجودة منذ عدة عقود وليست وليدة اليوم.
3-المؤسسة
نقصد بالمؤسسة هنا وزارة التعليم العالي أو ما يرتبط بها من جامعات ومراكز بحوث وهيئات، وترتبط بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية (20) جامعة موزعة على محافظات العراق المختلفة و(3) هيئات تعليمية هي هيئة التعليم التقني والهيئة العراقية للحاسوب والمعلوماتية والهيئة العراقية للتخصصات الطبية، فضلاً عن (3) مراكز للبحوث هي مركز البحوث النفسية ومركز بحوث السرطان ومركز كردستان للتكنولوجيا والبحث العلمي، وتشرف وزارة التعليم العالي في العراق على نوعين من الجامعات العامة والخاصة أي الكليات التابعة للحكومة والممولة من قبلها بالإضافة إلى الجامعات أو الكليات الخاصة ذات التمويل الذاتي التي تستحصل نفقات التدريس من الطالب.
وتعد المؤسسة من أهم مرتكزات التعليم الجامعي لكونها تقع على رأس الهرم في العملية التعليمية، فهي التي تفرض وتنفذ قانونها الذي ينطبق على جميع العاملين فيها من الوزير وحتى عمال الخدمة في الجامعات، كما تطبق تعليماتها وقوانينها على الطلبة أيضاً، وتعاني الجامعات العراقية منذ زمن بعيد من سوء الإدارة وعدم وجود قوانين جادة أوعدم تطبيقها بشكل جاد، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على مستوى التعليم.
4-المستلزمات
تعتبر مستلزمات التعليم من الأجهزة والمختبرات بالإضافة إلى الأبنية والأثاث من المرتكزات التي يقف نجاح التعليم عندها، وبعد سنوات من الحصار التقني والثقافي الذي ساهم به كل من نظام صدام والولايات المتحدة الأمريكية التي تنفذ الآن مشاريع جامعية مؤجلة من الناحية الفعلية وواضحة من الناحية الدعائية.. أجهزت فترة الحرب في 2003 وما تلاها من أعمال سرقة ونهب على بقايا المرافق العلمية، وذكر الدكتور طاهر خلف البكاء وهو أول وزير للتعليم العالي في العراق بعد زوال نظام صدام أن (84 في المائة) من الأبنية الجامعية سرقت ودمرت تماماً خلال الحرب وبعدها مما أدى إلى تعليق القبول في أكثر من 134 اختصاصاً علمياً في أقسام الدراسات العليا، وساهم تردي الوضع الأمني في تأخر عملية إعمار وتطوير الجامعات العراقية، فما هو موجود الآن من مستلزمات لا يتعدى المباني والكراسي ومختبرات تفتقر إلى أبسط متطلبات العمل من مواد أولية مختلفة، فيما لم تشهد مكتبات الجامعات أي تطور يذكر بعد عمليات السطو التي طالت أغلبها بعد الحرب، ويعاني وزراء التعليم العالي في العراق الذين تتابعوا على الوزارة من قلة المخصصات التي تمنح لهم، ولذلك لم تشهد مستلزمات التعليم تطوراً ملحوظاً خلال فترة الثلاث سنين الماضية، وبالتالي فإنها تشكل قصوراً في إتمام عملية التعليم، وأبرز مثال على ذلك، وهو الأقرب إلى اختصاصنا، ما تعانيه كلية الإعلام من افتقارها إلى أبسط متطلبات التعليم من كاميرات واستوديوهات إذاعية وتلفزيونية أو حتى كاميرات التصوير الفوتوغرافي فيتخرج طالب الاعلام وليس لديه أدنى فكرة عن العمل الإذاعي والتلفزيوني أو الصحفي بشكل عام.
محددات تطور التعليم العالي في العراق
انعكس الوضع الأمني المتردي في العراق بشكل عام وبغداد بشكل سلبي على تطور التعليم العالي، حيث لعب تردي الوضع الأمني دوراً كبيراً في تراجع مستوى التعليم، حيث تعزى جميع الأسباب التي حدّت من تطور العملية التعليمية في نهايتها إلى تردي الوضع الأمني، فتأخر الطالب أو تغيبه دون رادع من المؤسسة سببه الوضع الأمني، وكذلك تغيب الأستاذ. كما شهد العراق كثرة في العطل الرسمية وغير الرسمية وهي تعود كذلك إلى جملة من الأسباب أهمها تردي الوضع الأمني، كما تقلصت ساعات الدراسة في الجامعات العراقية للأسباب عينها.. وفيما بدا التساهل في تطبيق القوانين داخل المؤسسة مع الطلبة أو الأساتذة أو الموظفين يأخذ موقعه المهم في تأخر التعليم العالي في العراق، ومن الملاحظ أن هذه المحددات تركت آثاراً في مجمل أركان العملية التعليمية وهي الطالب والأستاذ والمستلزمات والمؤسسة ومن بين تلك المحددات التحزب في الجامعات والعنف الذي يطال كلاً من الطالب والأستاذ.
الجامعات العراقية بين النظام الشمولي والتعددية الحزبية
جمد نظام الحزب الواحد، الذي عاش في ظله طلبة العراق على مدى ثلاثين عاماً، الفكر، وجعل من الطلبة والأساتذة أبواقاً دعائية وجنوداً لحزب البعث وميليشيات لصدام تقاتل حالما يطلب منها ذلك، كما عمل صدام أيضاً على عسكرة الجامعة فأرسل الطلبة إلى ساحات التدريب في العطل الصيفية بدل إرسالهم إلى جامعات أخرى ومراكز بحوث وبعثات علمية جامعية ليزدادوا علماً ومعرفة. وبعد سقوط نظام البعث عقب الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 شهد العراق تعدداً حزبياً امتد أثره إلى كافة نواحي الحياة الاجتماعية في العراق، فبدا الأفراد يتكتلون مع الانتماءات الفكرية والطائفية التي يعتبرونها مرجعاً سياسياً وفكرياً وحتى طائفياً لهم مبرزين بذلك صراعات مختلفة بين تلك الجماعات التي تشكلت، ولم تكن الجامعات العراقية أقل نصيباً من بقية نواحي الحياة من ناحية الصراع الطائفي أو التعددي، إذا صح التعبير، فقد نشطت الحركات السياسية بين الطلبة، وأصبحت تسيطر على الجو الوطني بشكل مبالغ فيه مما حولها إلى مكان للنزاعات وفرض السيطرة الحزبية على أهم فئة في المجتمع وهي الطلبة الجامعيين، فقد شهدت الجامعات العراقية صراعات حزبية وطائفية بين الطلبة أنفسهم من جانب وبين الطلبة والأساتذة من جانب آخر.. وتطورت تلك الصراعات الفكرية إلى صراعات دموية سقط على أثرها عدد كبير من الطلبة والأساتذة قتلى.. وأبرز دليل على ذلك الأحداث التي شهدتها جامعة الموصل بعد تظاهرة لمجموعة من الطلبة ينتمون لاتجاه فكري وطائفي معين، أثارت (التظاهرة) حفيظة طلبة ينتمون إلى اتجاه فكري يتقاطع مع ذلك الاتجاه مما أدى إلى موجة من العنف في هذه الجامعة قتل على أثرها العديد من الطلبة، كما شهدت جامعة بغداد العام الماضي أحداثا مماثلة على خلفية مقتل أحد طلبة كلية الصيدلة وما شهدته جامعة البصرة عند حفل التخرج العام الماضي وما شهدته جامعة الأنبار وغيرها الكثير خير دليل على ذلك أيضاً.
ولذلك فقد أصبحت الجامعات العراقية مكاناً للتحزب وليس للتعليم مع اعتقادنا بأهمية انتماء الطلاب إلى اتجاهات فكرية تعبر عن تطلعاتهم، إلا أننا لا نشجع ذلك في هذا الوقت الذي يشهد فيه العراقيون وفي كافة مناحي الحياة شحناً طائفياً ووضعاً أمنياً متدهوراً.
العنف ضد الأساتذة
لم يقتصر العنف الذي تشهده الجامعات العراقية كما أسلفنا على العنف بين الطلبة، بل امتد ليطال الأساتذة، ولعل أهم ما أفرزه العنف الجامعي – إذا صح التعبير – هو العنف الموجه ضد الأساتذة، باعتبارهم ركناً أساسياً من أركان العملية التعليمية، فقد أشارت التقارير ومجريات الأحداث إلى مقتل (182) أستاذاً جامعياً خلال السنوات الثلاث السابقة، وهو رقم ومؤشر يدعونا إلى التوقف عند ما تفرزه عمليات القتل هذه من تداعيات على مستوى التعليم العالي في العراق، حيث أظهرت قوائم إحصائية وزعتها رابطة الأساتذة الجامعيين في العراق أسماء الأساتذة الذين تعرضوا للاغتيال أو الخطف أو التهديد وضمت القائمة 268 اسماً تعرض 182 منهم للقتل بينهم 150 من حملة شهادة الدكتوراه، ويحتل قسم كبير منهم مواقع مسؤولية أكاديمية متقدمة.
وتعود عمليات القتل أو الاغتيال التي طالت أساتذة الجامعات إلى عمليات تصفية تمارسها الجهات اللاعبة في العراق من أحزاب سياسية وجماعات تكفيرية فضلاً عن جهات دولية إقليمية تبتغي إرجاع العراقيين إلى الجهل، كما أشارت تقارير صحفية وجامعية، ولعل انعكاس عمليات الاغتيال تلك على مستوى التعليم الجامعي في العراق بدا واضحاً، حيث دعت تلك الأعمال إلى هجرة الأساتذة والعلماء من العراق إلى بلدان أخرى خوفاً على حياتهم وحياة عوائلهم ورغبة في التمتع بالأمن.. ومن بقي فهو مهدد لا يرتاح له بال ليتمكن من ممارسة دوره كأستاذ ومربي بأكمل وجه، ولذلك أصبحت الجامعات العراقية أماكن خطيرة لكل من الأستاذ والطالب على حد سواء.
إن العقول العراقية التي تغادر العراق الآن تضاف إلى عقول أخرى غادرت العراق إبان حكم صدام لظروف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو لانعدام ضمانات الحياة بصورها المختلفة كانتهاكات حقوق الإنسان وإهدار الحقوق والحريات بكل صورها وبحسب مجلة (الحقوق) التي تصدر في الكويت فقد غادر العراق ما بين عامي 1991 و1998 أكثر من (7350 )عالماً، تلقفتهم دول أوروبية، وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها , ومنهم ( 67 في المائة ) أساتذة جامعة و( 23 في المائة ) يعملون في مراكز أبحاث علمية ومن هذا العدد الضخم (83 في المائة) درسوا في جامعات أوروبية وأمريكية، أما الباقون فقد درسوا في جامعات عربية أو في أوروبا الشرقية، ويعمل من هؤلاء في اختصاصهم (85 في المائة).
الفساد الإداري والمالي والعلمي
رصد مكتب المفتش العام في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ( 345 ) قضية فساد إداري ومالي وعلمي خلال العام 2005 وبداية العام 2006 أحيل منها ( 24) قضية إلى لجنة النزاهة من ضمنها قضية واحدة تحوي (660) حالة تزوير لوثائق عدد من الطلبة الذين تم قبولهم في الجامعات والمعاهد العراقية.
الحلول أين تكمن؟
إن الارتباط الوثيق بين كل الأسباب أو المحددات التي ذكرناها سيجعل من الحلول التي نطرحها وثيقة الصلة ببعضها أيضاً، ومن خلال ما سبق ذكره فإن استقرار العراق من الناحيتين السياسية والأمنية يكون المفتاح الأول والرئيسي لحل مشكلة تدني مستوى التعليم، حيث سيفتح أبوابا أخرى من بينها احترام القانون وإعمار الجامعات العراقية كجامعات مؤهلة للتعليم على غرار الجامعات الموجودة في المنطقة على أقل تقدير كالجامعات المصرية والأردنية وغيرها.
كما تجدر الإشارة إلى أهمية الدور الذي يجب أن تلعبه وزارة التعليم العالي والمؤسسات التابعة لها من خلال وضع ضوابط صارمة لمجمل العملية التعليمية، كما نرى ضرورة تنشيط التبادل الثقافي والتقني العلمي بين الجامعات العراقية ونظيراتها في دول متقدمة في هذا الشأن لنقل التجارب والتنظيم والقوانين الجامعية الموجودة في تلك الدول، كما نؤكد على ضرورة أن تبتعد الجامعات العراقية عن أجواء التحزب في الوقت الحالي على أقل تقدير لكي نستبعد تنامي الصراعات داخلها.
::/fulltext::
::cck::3273::/cck::
