تتبدل الأولويات وتبقى المصالح صامدة
::cck::3288::/cck::
::introtext::
(إنه لأمر مقلق أن نرى بعضاً من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، تدخل في اتفاقيات ثنائية منفصلة مع قوى دولية، في المجالين الأمني والاقتصادي، إن هذه الاتفاقيات المنفصلة لا تتوافق مع روح البنود التأسيسية لمجلس التعاون الخليجي. إنها تضعف كثيراً، القوة التفاوضية الجماعية، ولا تقتصر على إضعاف التضامن بين دول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، بشكل عام، بل تضعف أيضاً كل دولة من أعضائه).
::/introtext::
::fulltext::
(إنه لأمر مقلق أن نرى بعضاً من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، تدخل في اتفاقيات ثنائية منفصلة مع قوى دولية، في المجالين الأمني والاقتصادي، إن هذه الاتفاقيات المنفصلة لا تتوافق مع روح البنود التأسيسية لمجلس التعاون الخليجي. إنها تضعف كثيراً، القوة التفاوضية الجماعية، ولا تقتصر على إضعاف التضامن بين دول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، بشكل عام، بل تضعف أيضاً كل دولة من أعضائه).
هذه نبذة من خطاب الأمير سعود الفيصل، وزير خارجية المملكة العربية السعودية في مؤتمر الحوار الخليجي الذي عقد في المنامة في مملكة البحرين في شهر ديسمبر 2003.
تعكس هذه الفقرة من ذلك الخطاب، الصدع القائم بين المملكة العربية السعودية وجاراتها في الخليج، التي تحاول الخروج من دائرة الهيمنة الإقليمية السعودية. وتصور هذه التوجهات إلى عقد التسعينات من القرن الماضي غير أن ابتعاد دول الخليج عن اتباع سياسة خارجية موحدة تحت قيادة المملكة العربية السعودية، تجسد بوضوح بعد الصدع الكبير الذي أصاب العلاقات بين المملكة وبين الولايات المتحدة الأمريكية، عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001. فعلى الرغم من التصريحات العامة والعلنية عن وجود علاقات صحية أمريكية – سعودية، فإن هناك مناخاً قوياً من عدم الثقة، واستمراراً للشكوك التي تساور الدولتين، عدا عن أن الكثيرين من أبناء الشعب السعودي ينظرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها العدو العالمي للإسلام، بينما يتهم آخرون في الولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية بأنها مهد انتشار التشدد الديني، ومأوى الإرهاب. وكانت المملكة العربية السعودية تهيمن لعقود زمنية خلت، على السياسات العربية الخليجية، وتتمتع بعلاقة خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن عدم الرضا المتزايد من جانب الولايات المتحدة عن بعض الجوانب، ومنها وتيرة الإصلاح السياسي في المملكة العربية السعودية، واحتضانها التشدد الديني، جعل عدداً من أفراد إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش يطرحون تساؤلات عن مدى مصداقية السعودية كحليف رئيسي يمكنه بسط الاستقرار والأمن في الخليج. وأقامت الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لهذه التطورات، علاقات اقتصادية وسياسية أقوى مع دول الخليج العربية الأخرى، وهي دولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وسلطنة عمان، ودولة الكويت.
يمكن أن يكون هناك تبدل رئيسي خلف هذه التطورات. ويمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت تتبع سياسة تماثل مبدأ سياسة (فرق تسد)، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي السياسة التي اتبعتها الإمبراطورية البريطانية من خلال إبرام اتفاقيات ثنائية مع دول الخليج، ورفض التعامل معها بشكل جماعي من خلال مجلس التعاون الخليجي. ومن شأن الصفقات الثنائية أن تضعف في المحصلة، مجلس التعاون الخليجي ككتلة إقليمية، وأن تعزز النفوذ الأمريكي في المنطقة.
يضاف إلى ذلك، أن هذه الصفقات سوف تبقي كل دولة خليجية تعتمد بشكل أساسي على الولايات المتحدة الأمريكية، وغير قادرة على اتخاذ سياسة خارجية لا تنسجم مع واشنطن. وغني عن القول إن المسالك المستقلة التي اتبعتها دول الخليج الأصغر، مثلت تحدياً للسيطرة السعودية، وأزاحت صورتها المرموقة والقوية في المنطقة.
ويعزز الترويج للإصلاحات تحت مظلة (مبادرة الشراكة الشرق الأوسطية)، وانسحاب جميع القوات الأمريكية من المملكة العربية السعودية، الآراء القائلة إن الولايات المتحدة الأمريكية تتبع سياسة إقليمية جديدة لم تعد تنظر بموجبها إلى السعودية كعنصر رئيسي في قضايا الأمن والدفاع الخليجية، وتشير إلى عملية إعادة تقييم واسعة النطاق للترتيبات السابقة. وفي غضون ذلك، فإن دول الخليج الأخرى تقترب أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، وتبتعد عن المملكة العربية السعودية، لسبب آخر أيضاً، وهو أن تلك الدول تنظر إلى العلاقات العسكرية الاقتصادية الوطيدة مع الولايات المتحدة كحاجز وقائي أمام الاستقواء الإيراني، وخاصة في ظل غياب العراق، الذي كان يمثل في السابق، قوة توازن مضادة حيال هاتين القوتين. كما أن مثل هذا التحالف الأقوى مع الولايات المتحدة الأمريكية يخفف من الحاجة إلى الإنفاق العسكري الضخم في دول الخليج الضعيفة عسكرياً، ويضمن لها هيبتها السياسية. ويضاف إلى ذلك أخيراً أن ظهور قيادات شابة وديناميكية ، وراغبة في إصلاح أنظمتها السياسية ومؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية، في دولة قطر ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة، جعل تلك الدول في موقف إيجابي أكبر مع الولايات المتحدة ألأمريكية. وليس معنى ذلك هو القول إن دول الخليج تعتبر أكثر ديمقراطية في نظر الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هذه الدول أثبتت أنها أكثر مصداقية واستقراراً وتقبلاً للتغير الديمقراطي والنفوذ الأمريكي، وهو ما قرّبها أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية.
وتواصل دولة قطر تحدي المملكة العربية السعودية من خلال رعايتها قناة (الجزيرة) التلفزيونية، بالإضافة إلى الحلول مكان المملكة في استضافة جزء كبير من القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة. كما أن مملكة البحرين وسلطنة عمان وقعتا اتفاقيتين ثنائيتين منفصلتين للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن تأخذا في الاعتبار الاعتراضات السعودية. ويضاف إلى ذلك أخيراً، أن دولة الإمارات العربية المتحدة، أعادت سنة 2005 طرح خلافها السابق مع المملكة العربية السعودية حول الحدود على طاولة المفاوضات، مطالبة بتسوية أفضل لذلك الخلاف. وتعزز هذه التطورات الأدلة التي تشير إلى أن الشكوك التي تعوق العلاقات الأمريكية – السعودية أدت إلى نشوء سياسة خارجية جديدة في منطقة الخليج، وهي سياسة تقوم على التنوع والتعدد. فلم يعد الاعتماد على قوة منفردة بشأن قضايا الاستقرار والأمن، حلاً مجدياً أو يعتمد عليه كسياسة إقليمية، سواء للولايات المتحدة الأمريكية أو لدول الخليج. وكلما اقتربت الولايات المتحدة ودول الخليج الأخرى أكثر بعضها من الآخر، فقللت بذلك، دون أن تلغي اعتمادها المشترك على المملكة العربية السعودية، كلما شعرت الأخيرة بحاجتها إلى البحث عن شراكة بديلة.
وبينما تشعر المملكة العربية السعودية بالقلق من إضعاف مكانتها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، والتحديات التي تواجهها سيطرتها في الخليج، فإن الرياض تتبع في الوقت الحالي، استراتيجية تحاول المملكة بموجبها الاحتفاظ بموقعها القيادي. وتحولت المملكة كخطوة أولى نحو تحقيق هذا الهدف إلى الشرق، بحثاً عن أسواق وتحالفات آسيوية جديدة. وتمثل الزيارة التاريخية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية، إلى الهند والصين في شهر يناير 2006، بداية لعملية تنويع في السياسة الخارجية السعودية، تسعى إلى تقليل الاعتماد على الغرب في مسائل الأمن والتنمية الاقتصادية. وسوف يفتح بذلك التعاون الاقتصادي السعودي مع آسيا، الباب أمام إقامة شراكات تقنية وسياسية وأمنية، بالإضافة إلى زيادة حجم التجارة والفرص الاستثمارية. وسوف تصبح المملكة العربية السعودية، نتيجة لهذه الخطوات، أقل اعتماداً على الولايات المتحدة الأمريكية في الجوانب الاقتصادية والعسكرية، وأكثر قدرة على التأثير الأحادي في الأحداث التي تجري في المنطقة.
لكن هذه التطورات الحديثة يجب ألا تفسر على أنها ابتعاد تام عن التحالف السعودي- الأمريكي بعيد المدى. فلاتزال الدولتان مستمرتين في تداخل مصالحهما في المجالين الاقتصادي والأمني. وعلى الرغم من الفوائد الاقتصادية المترتبة على التحالف السعودي – الآسيوي، إلا أن القوى الآسيوية ليست قادرة حتى الآن على الحلول مكان الولايات المتحدة الأمريكية في توفير الضمانات العسكرية للمملكة العربية السعودية. ويضاف إلى ذلك أن العلاقات الأمريكية-السعودية تكتسب مجدداً أهمية عبر قيام السعودية بدور محوري، في ضوء الأحداث الجارية في العراق، والأزمة مع إيران، كما أن نجاح الحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة يعتمد كثيراً على الدعم السياسي والدبلوماسي السعودي. لذلك يمكن القول ، إنه على الرغم من أن التغير في علاقات القوى، الذي يحفزه مناخ عدم الثقة وإدراك أهمية التنوع، قد أدى إلى تغير ميزان القوى في الخليج، إلا أنه لا يمكن الافتراض أن هذه التغيرات أسفرت عن تبدل رئيسي في القوى.
وبغض النظر عن التطورات التي شهدتها العلاقات الداخلية بين الأقطار الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، فإن الرغبة المشتركة في التكامل تبقى قوية. والحقيقة القائلة إن القوة التفاوضية الجماعية لأقطار المجلس هي أقوى من القدرات الفردية ليست خافية على قادة الدول الخليجية، ولهذا فقد أجريت اتصالات وزيارات عدة بين أولئك القادة خلال العام 2005 من أجل العمل على تقريب المصلحة المشتركة في العمل الجماعي ضمن مجلس التعاون الخليجي، من المصالح الفردية لأقطار المجلس. ولهذا، فإن من الإنصاف القول إن ما نشهده الآن، هو عملية تقييم مختلفة. ولا يعتبر وضع سياسة متكاملة أو تغيير القوى أمراً في متناول اليد في الوقت الحاضر. فالمملكة العربية السعودية تبقى هي الطرف الإقليمي الأساسي الأكثر تأثيراً، لكن دول الخليج لم تعد مهمشة في الظل، وقد أصبحت اليوم مصالحها واهتماماتها وسياساتها أكثر تأثيراً مما مضى في مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يعزز وضع هذا المجلس كتحالف يتعامل أعضاؤه على قدم المساواة.
قد يظن البعض خطأ أن السياسة الأمريكية الجديدة تقود المنطقة نحو تراجع تدريجي للأهمية الإقليمية للمملكة العربية السعودية. غير أنه ليس في استطاعة الولايات المتحدة أو دول الخليج أن تصمد في المنطقة من دون وجود دور لجار كبير وصاحب نفوذ، مثل المملكة العربية السعودية. وفي الوقت ذاته فإنه ليس من مصلحة الرياض أن تكون معزولة عن جيرانها، ولهذا فإن من المتوقع حدوث المزيد من التكامل والتعاون بينها وبين بقية دول الخليج. والتحالف السعودي- الأمريكي لم يكن يوماً قائماً على المعتقدات والمبادئ المشتركة، بل كان ولا يزال يقوم على المصالح المشتركة. وليس من المرجح لذلك أن يؤدي أي تحول أيديولوجي أو تغير في النظام إلى تغير في طبيعة العلاقات بين واشنطن والرياض، طالما ظلت المصالح هي القاعدة التي تستند إليها كل من الدولتين. وفي عالم يزداد اعتماده على نفط منطقة الشرق الأوسط، ومع ازدياد التنافس الدولي من أجل حماية المصالح الوطنية للدول الخارجية في إمدادات الطاقة من هذه المنطقة، فإن من الصعب أن تقبل واشنطن بالسماح للدولة التي تربض فوق 25 في المائة من الاحتياطيات النفطية العالمية المؤكدة، أن تخرج تماماً من المدار الأمريكي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3288::/cck::
::introtext::
(إنه لأمر مقلق أن نرى بعضاً من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، تدخل في اتفاقيات ثنائية منفصلة مع قوى دولية، في المجالين الأمني والاقتصادي، إن هذه الاتفاقيات المنفصلة لا تتوافق مع روح البنود التأسيسية لمجلس التعاون الخليجي. إنها تضعف كثيراً، القوة التفاوضية الجماعية، ولا تقتصر على إضعاف التضامن بين دول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، بشكل عام، بل تضعف أيضاً كل دولة من أعضائه).
::/introtext::
::fulltext::
(إنه لأمر مقلق أن نرى بعضاً من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، تدخل في اتفاقيات ثنائية منفصلة مع قوى دولية، في المجالين الأمني والاقتصادي، إن هذه الاتفاقيات المنفصلة لا تتوافق مع روح البنود التأسيسية لمجلس التعاون الخليجي. إنها تضعف كثيراً، القوة التفاوضية الجماعية، ولا تقتصر على إضعاف التضامن بين دول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، بشكل عام، بل تضعف أيضاً كل دولة من أعضائه).
هذه نبذة من خطاب الأمير سعود الفيصل، وزير خارجية المملكة العربية السعودية في مؤتمر الحوار الخليجي الذي عقد في المنامة في مملكة البحرين في شهر ديسمبر 2003.
تعكس هذه الفقرة من ذلك الخطاب، الصدع القائم بين المملكة العربية السعودية وجاراتها في الخليج، التي تحاول الخروج من دائرة الهيمنة الإقليمية السعودية. وتصور هذه التوجهات إلى عقد التسعينات من القرن الماضي غير أن ابتعاد دول الخليج عن اتباع سياسة خارجية موحدة تحت قيادة المملكة العربية السعودية، تجسد بوضوح بعد الصدع الكبير الذي أصاب العلاقات بين المملكة وبين الولايات المتحدة الأمريكية، عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001. فعلى الرغم من التصريحات العامة والعلنية عن وجود علاقات صحية أمريكية – سعودية، فإن هناك مناخاً قوياً من عدم الثقة، واستمراراً للشكوك التي تساور الدولتين، عدا عن أن الكثيرين من أبناء الشعب السعودي ينظرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها العدو العالمي للإسلام، بينما يتهم آخرون في الولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية بأنها مهد انتشار التشدد الديني، ومأوى الإرهاب. وكانت المملكة العربية السعودية تهيمن لعقود زمنية خلت، على السياسات العربية الخليجية، وتتمتع بعلاقة خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن عدم الرضا المتزايد من جانب الولايات المتحدة عن بعض الجوانب، ومنها وتيرة الإصلاح السياسي في المملكة العربية السعودية، واحتضانها التشدد الديني، جعل عدداً من أفراد إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش يطرحون تساؤلات عن مدى مصداقية السعودية كحليف رئيسي يمكنه بسط الاستقرار والأمن في الخليج. وأقامت الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لهذه التطورات، علاقات اقتصادية وسياسية أقوى مع دول الخليج العربية الأخرى، وهي دولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وسلطنة عمان، ودولة الكويت.
يمكن أن يكون هناك تبدل رئيسي خلف هذه التطورات. ويمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت تتبع سياسة تماثل مبدأ سياسة (فرق تسد)، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي السياسة التي اتبعتها الإمبراطورية البريطانية من خلال إبرام اتفاقيات ثنائية مع دول الخليج، ورفض التعامل معها بشكل جماعي من خلال مجلس التعاون الخليجي. ومن شأن الصفقات الثنائية أن تضعف في المحصلة، مجلس التعاون الخليجي ككتلة إقليمية، وأن تعزز النفوذ الأمريكي في المنطقة.
يضاف إلى ذلك، أن هذه الصفقات سوف تبقي كل دولة خليجية تعتمد بشكل أساسي على الولايات المتحدة الأمريكية، وغير قادرة على اتخاذ سياسة خارجية لا تنسجم مع واشنطن. وغني عن القول إن المسالك المستقلة التي اتبعتها دول الخليج الأصغر، مثلت تحدياً للسيطرة السعودية، وأزاحت صورتها المرموقة والقوية في المنطقة.
ويعزز الترويج للإصلاحات تحت مظلة (مبادرة الشراكة الشرق الأوسطية)، وانسحاب جميع القوات الأمريكية من المملكة العربية السعودية، الآراء القائلة إن الولايات المتحدة الأمريكية تتبع سياسة إقليمية جديدة لم تعد تنظر بموجبها إلى السعودية كعنصر رئيسي في قضايا الأمن والدفاع الخليجية، وتشير إلى عملية إعادة تقييم واسعة النطاق للترتيبات السابقة. وفي غضون ذلك، فإن دول الخليج الأخرى تقترب أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، وتبتعد عن المملكة العربية السعودية، لسبب آخر أيضاً، وهو أن تلك الدول تنظر إلى العلاقات العسكرية الاقتصادية الوطيدة مع الولايات المتحدة كحاجز وقائي أمام الاستقواء الإيراني، وخاصة في ظل غياب العراق، الذي كان يمثل في السابق، قوة توازن مضادة حيال هاتين القوتين. كما أن مثل هذا التحالف الأقوى مع الولايات المتحدة الأمريكية يخفف من الحاجة إلى الإنفاق العسكري الضخم في دول الخليج الضعيفة عسكرياً، ويضمن لها هيبتها السياسية. ويضاف إلى ذلك أخيراً أن ظهور قيادات شابة وديناميكية ، وراغبة في إصلاح أنظمتها السياسية ومؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية، في دولة قطر ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة، جعل تلك الدول في موقف إيجابي أكبر مع الولايات المتحدة ألأمريكية. وليس معنى ذلك هو القول إن دول الخليج تعتبر أكثر ديمقراطية في نظر الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هذه الدول أثبتت أنها أكثر مصداقية واستقراراً وتقبلاً للتغير الديمقراطي والنفوذ الأمريكي، وهو ما قرّبها أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية.
وتواصل دولة قطر تحدي المملكة العربية السعودية من خلال رعايتها قناة (الجزيرة) التلفزيونية، بالإضافة إلى الحلول مكان المملكة في استضافة جزء كبير من القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة. كما أن مملكة البحرين وسلطنة عمان وقعتا اتفاقيتين ثنائيتين منفصلتين للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن تأخذا في الاعتبار الاعتراضات السعودية. ويضاف إلى ذلك أخيراً، أن دولة الإمارات العربية المتحدة، أعادت سنة 2005 طرح خلافها السابق مع المملكة العربية السعودية حول الحدود على طاولة المفاوضات، مطالبة بتسوية أفضل لذلك الخلاف. وتعزز هذه التطورات الأدلة التي تشير إلى أن الشكوك التي تعوق العلاقات الأمريكية – السعودية أدت إلى نشوء سياسة خارجية جديدة في منطقة الخليج، وهي سياسة تقوم على التنوع والتعدد. فلم يعد الاعتماد على قوة منفردة بشأن قضايا الاستقرار والأمن، حلاً مجدياً أو يعتمد عليه كسياسة إقليمية، سواء للولايات المتحدة الأمريكية أو لدول الخليج. وكلما اقتربت الولايات المتحدة ودول الخليج الأخرى أكثر بعضها من الآخر، فقللت بذلك، دون أن تلغي اعتمادها المشترك على المملكة العربية السعودية، كلما شعرت الأخيرة بحاجتها إلى البحث عن شراكة بديلة.
وبينما تشعر المملكة العربية السعودية بالقلق من إضعاف مكانتها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، والتحديات التي تواجهها سيطرتها في الخليج، فإن الرياض تتبع في الوقت الحالي، استراتيجية تحاول المملكة بموجبها الاحتفاظ بموقعها القيادي. وتحولت المملكة كخطوة أولى نحو تحقيق هذا الهدف إلى الشرق، بحثاً عن أسواق وتحالفات آسيوية جديدة. وتمثل الزيارة التاريخية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية، إلى الهند والصين في شهر يناير 2006، بداية لعملية تنويع في السياسة الخارجية السعودية، تسعى إلى تقليل الاعتماد على الغرب في مسائل الأمن والتنمية الاقتصادية. وسوف يفتح بذلك التعاون الاقتصادي السعودي مع آسيا، الباب أمام إقامة شراكات تقنية وسياسية وأمنية، بالإضافة إلى زيادة حجم التجارة والفرص الاستثمارية. وسوف تصبح المملكة العربية السعودية، نتيجة لهذه الخطوات، أقل اعتماداً على الولايات المتحدة الأمريكية في الجوانب الاقتصادية والعسكرية، وأكثر قدرة على التأثير الأحادي في الأحداث التي تجري في المنطقة.
لكن هذه التطورات الحديثة يجب ألا تفسر على أنها ابتعاد تام عن التحالف السعودي- الأمريكي بعيد المدى. فلاتزال الدولتان مستمرتين في تداخل مصالحهما في المجالين الاقتصادي والأمني. وعلى الرغم من الفوائد الاقتصادية المترتبة على التحالف السعودي – الآسيوي، إلا أن القوى الآسيوية ليست قادرة حتى الآن على الحلول مكان الولايات المتحدة الأمريكية في توفير الضمانات العسكرية للمملكة العربية السعودية. ويضاف إلى ذلك أن العلاقات الأمريكية-السعودية تكتسب مجدداً أهمية عبر قيام السعودية بدور محوري، في ضوء الأحداث الجارية في العراق، والأزمة مع إيران، كما أن نجاح الحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة يعتمد كثيراً على الدعم السياسي والدبلوماسي السعودي. لذلك يمكن القول ، إنه على الرغم من أن التغير في علاقات القوى، الذي يحفزه مناخ عدم الثقة وإدراك أهمية التنوع، قد أدى إلى تغير ميزان القوى في الخليج، إلا أنه لا يمكن الافتراض أن هذه التغيرات أسفرت عن تبدل رئيسي في القوى.
وبغض النظر عن التطورات التي شهدتها العلاقات الداخلية بين الأقطار الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، فإن الرغبة المشتركة في التكامل تبقى قوية. والحقيقة القائلة إن القوة التفاوضية الجماعية لأقطار المجلس هي أقوى من القدرات الفردية ليست خافية على قادة الدول الخليجية، ولهذا فقد أجريت اتصالات وزيارات عدة بين أولئك القادة خلال العام 2005 من أجل العمل على تقريب المصلحة المشتركة في العمل الجماعي ضمن مجلس التعاون الخليجي، من المصالح الفردية لأقطار المجلس. ولهذا، فإن من الإنصاف القول إن ما نشهده الآن، هو عملية تقييم مختلفة. ولا يعتبر وضع سياسة متكاملة أو تغيير القوى أمراً في متناول اليد في الوقت الحاضر. فالمملكة العربية السعودية تبقى هي الطرف الإقليمي الأساسي الأكثر تأثيراً، لكن دول الخليج لم تعد مهمشة في الظل، وقد أصبحت اليوم مصالحها واهتماماتها وسياساتها أكثر تأثيراً مما مضى في مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يعزز وضع هذا المجلس كتحالف يتعامل أعضاؤه على قدم المساواة.
قد يظن البعض خطأ أن السياسة الأمريكية الجديدة تقود المنطقة نحو تراجع تدريجي للأهمية الإقليمية للمملكة العربية السعودية. غير أنه ليس في استطاعة الولايات المتحدة أو دول الخليج أن تصمد في المنطقة من دون وجود دور لجار كبير وصاحب نفوذ، مثل المملكة العربية السعودية. وفي الوقت ذاته فإنه ليس من مصلحة الرياض أن تكون معزولة عن جيرانها، ولهذا فإن من المتوقع حدوث المزيد من التكامل والتعاون بينها وبين بقية دول الخليج. والتحالف السعودي- الأمريكي لم يكن يوماً قائماً على المعتقدات والمبادئ المشتركة، بل كان ولا يزال يقوم على المصالح المشتركة. وليس من المرجح لذلك أن يؤدي أي تحول أيديولوجي أو تغير في النظام إلى تغير في طبيعة العلاقات بين واشنطن والرياض، طالما ظلت المصالح هي القاعدة التي تستند إليها كل من الدولتين. وفي عالم يزداد اعتماده على نفط منطقة الشرق الأوسط، ومع ازدياد التنافس الدولي من أجل حماية المصالح الوطنية للدول الخارجية في إمدادات الطاقة من هذه المنطقة، فإن من الصعب أن تقبل واشنطن بالسماح للدولة التي تربض فوق 25 في المائة من الاحتياطيات النفطية العالمية المؤكدة، أن تخرج تماماً من المدار الأمريكي.
::/fulltext::
::cck::3288::/cck::
