ثقافة “الخواجة” في مؤسسات التعليم العالي الخليجي

::cck::3266::/cck::
::introtext::

لا ينفك أي مجتمع في العالم إلا ويناقش مسألة التعليم العالي من واقع بيئة المجتمع، وهو أمر منطقي تتطلبه مقتضيات التطور، باستثناء المجتمعات الخليجية التي تحاول أن تغرب نفسها، وتذهب لتستنجد بالآخرين لكي يحلوا لها مشكلاتها. أمور غريبة تحدث في منطقة الخليج، والغرابة فيها أنها تسلم مفاتيح التعليم العالي لكبريات الشركات العالمية لتسويقها وبيعها بأبخس الأثمان، وكذلك لوضع خطط جديدة لسياسات التعليم بثقافة مغايرة لا تمت لواقع البيئة الخليجية بصلة، وهو أمر ترفضه الدول الغربية بحكم مبادئها التي ترفض استيراد ثقافة الآخرين. ولكن هذه الدول التي آثرت ثقافة (الخواجة) على ابن البلد زاعمة أن الخواجة لديه المعجزة وملكة التغيير ليقيها من عثرات التخبط، ترى في السياسات التعليمية السابقة معيقة لحركة التغيير، وأنها متخلفة لدرجة الانهيار، وترى في الخواجة النعمة المسداة لديه مفاتيح التغيير التي تجرد الثقافة العربية من هويتها.

::/introtext::
::fulltext::

لا ينفك أي مجتمع في العالم إلا ويناقش مسألة التعليم العالي من واقع بيئة المجتمع، وهو أمر منطقي تتطلبه مقتضيات التطور، باستثناء المجتمعات الخليجية التي تحاول أن تغرب نفسها، وتذهب لتستنجد بالآخرين لكي يحلوا لها مشكلاتها. أمور غريبة تحدث في منطقة الخليج، والغرابة فيها أنها تسلم مفاتيح التعليم العالي لكبريات الشركات العالمية لتسويقها وبيعها بأبخس الأثمان، وكذلك لوضع خطط جديدة لسياسات التعليم بثقافة مغايرة لا تمت لواقع البيئة الخليجية بصلة، وهو أمر ترفضه الدول الغربية بحكم مبادئها التي ترفض استيراد ثقافة الآخرين. ولكن هذه الدول التي آثرت ثقافة (الخواجة) على ابن البلد زاعمة أن الخواجة لديه المعجزة وملكة التغيير ليقيها من عثرات التخبط، ترى في السياسات التعليمية السابقة معيقة لحركة التغيير، وأنها متخلفة لدرجة الانهيار، وترى في الخواجة النعمة المسداة لديه مفاتيح التغيير التي تجرد الثقافة العربية من هويتها.
لا نزايد على البعض في فهمنا لواقع المجتمع الخليجي، فهي مجتمعات متشابهة إلى حد ما، لديها مفاهيم غريبة وعجيبة، فهي من جانب تشعر بالرضا للآخر وتتقرب منه، ولديها من جانب آخر كمية من السخط –المبرر وغير المبرر- على الآخر وعلى الوضع الداخلي؛ ولهذا فإن قضية مناقشة مسألة التعليم بشكل عام بأسلوب مهني ومنطلق من واقع البيئة الوطنية، تعتبر أمراً حتمياً لا يحتاج إلى مجادلة أو نقاش، قبل أن نُحمل التعليم العالي مشكلات السياسات التعليمية الأخرى. لقد حدثت تغييرات كثيرة في خبايا التعليم العالي، والكل يسارع من أجل إرضاء السلطة التي هي مفتاح التغيير بالنسبة للغرب، ولهذا فإن التعليمات الواردة سوف تستقبل بالأحضان وبالتغيير الفوري من دون مراعاة لواقع المجتمع. وتظن بعض الجهات المشرفة على وضع السياسات للتعليم العالي أن الذين يحاربون هذا النهج هم في الواقع معيقون لحركة التغيير في المنطقة، وهم بالتالي منتمون لجماعات هنا أو هناك. هذه مغالطات تاريخية يجب تصحيحها ووضع الأطر في نصابها الحقيقي، المنطلق أساسا من بيئة المجتمع الخليجي، وعليهم أن يعيدوا حساباتهم بالنسبة للهيمنة الثقافية المستوردة بطريقة مشينة وغير قابلة للنقاش، وكأن المسألة أوامر عسكرية من خلال مصطلح (نفذ ثم ناقش). هذه الأساليب مرفوضة جملة وتفصيلاً، خاصة ونحن نعيش ضمن منظومة المجتمع المدني وعصر الحريات الإعلامية، ولسنا بحاجة إلى مفاهيم ديكتاتورية مستبدة يفرضها المشرعون الجدد مستخدمين في ذلك أداة غربية للتغيير القصري.
وستظل مشكلة التعليم العالي عالقة ولن تحل بالمفاهيم التي يطرحها الآخرون، وسيظل الأمر في سجال غير مهني، حتى يعود الجميع إلى جادة الطريق، ويختارون الحوار منهجاً وعقيدة. لقد دخلت بعض الجامعات الخليجية في حيرة من أمرها، بعد أن سُلمت مفاتيح القيادة للقادم من الغرب، وبالتالي تم تحويل مقررات العلوم الإنسانية التي تدرس باللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، ولا يخفى عليكم بأننا أصبحنا نخاف على أنفسنا من أنفسنا، خاصة من أولئك الذين يسعون لتفتيت تراثنا، عندما يقرر القادمون من الغرب وبمساعدة داخلية عمياء، إبدال اللغة العربية باللغة الإنجليزية بحكم أن الأولى لغة متخلفة وغير عصرية.
لقد شهدت المنطقة – ولا تزال تشهد – صراعات مريرة بين القوى السياسية في منطقة الخليج، وقد يحصرها البعض بين القوى الإسلامية والقوى التقدمية والليبرالية من جهة والقوى المحافظة من جهة أخرى، وهي صراعات نعتبرها صحية بمقدار الحفاظ على الهوية والثقافة العربية، ولكن أن يتعدى الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك بأن يغير أبناء الخليج تراثهم وهويتهم، مسألة نصنفها ضمن التنكر لثقافة البلد، ونعتبرها مصلحة وقتية سوف تنقضي بانقضاء الاستعمار الثقافي المؤقت. وكما يقال إن التاريخ يعيد نفسه كل مائة سنة، حيث شهدت بدايات القرن المنصرم ثورات كبيرة على الواقع العربي خاصة أولئك الذين درسوا في الغرب، وحاولوا كثيرا لكي يغيروا ثقافة المجتمع بعقلية غربية بحتة، إلا أنهم اصطدموا بعوائق كثيرة أهمها اللغة العربية التي نعتبرها كما يعتبرها الكثيرون من أبناء الدم الواحد صمام الأمان وقوة خارقة للوصول إلى عقول وقلوب الجميع. ومع مطلع القرن الواحد والعشرين عادت الحكاية والرواية من جديد، أبطالها هذه المرة بعض الجهات المختصة التي تشرف على مؤسسات التعليم العالي في دول مجلس التعاون الخليجي، الذين خلقوا مشكلة من العدم، وكأنهم يحاربون الجماعات الإسلامية على حساب قيم المجتمع، إننا نقول للطرفين أبعدوا مشكلاتكم عن المجتمع، لسنا بحاجة إلى أيديولوجيات غربية أو إسلامية جديدة، فالإسلام نعرفه كما تعرفونه، والأيديولوجيات الغربية نعرفها كما تعرفونها. وليكن معلوماً بأن الخليج صامد وعاشق للغته العربية أكثر من الذين يدّعون حمل راية الإسلام وحمل راية الأيديولوجية الغربية. فكفوا أيديكم عن أبناء الخليج ومشكلات تعليمه، ودعونا نتحاور للمصلحة العامة قبل أن نفقد هويتنا، ولن أجد أبلغ وصفا لهذه الحالة من حالة الغراب الذي فقد مشيته. ولسنا بحاجة إلى دعاة جدد للدين وللغرب على حد سواء، نحن بحاجة إلى إيقاظ الهمم ومعرفة نقاط الضعف ومحاولة حلها بما يتناسب وواقع المجتمع وكثرة العصر الذي نعيش ضمن إطاره.
نحن نعرف أننا لسنا من كوكب آخر، فنحن جزء من المنظومة العالمية، ولهذا فإننا نؤثر ونتأثر بالمعطيات التي تحيط بنا، وهذا نتاج طبيعي لتداخل الثقافات مع بعضها البعض، ولكن أن ألا نسلم مفاتيح ثقافتنا للغرب. وإذا أردنا أن نكون منصفين فإن قضية التعليم العالي بحاجة إلى مراجعة من قبل أبناء البلد الواحد الحريصين على ثقافتنا أولاً وقبل كل شيء، وكذلك من الخبرات الواسعة في العالم التي يمكن الاستعانة بها للاستشارة فقط، ليدرسوا المشكلات برمتها حتى تكون النتائج واضحة ومفيدة. إننا نعي بأن العالم يتحدث من حولنا باللغة الإنجليزية كلغة عالمية، وهو أمر طبيعي، ولكن أن نطالب مؤسسات التعليم العالي بتغيير سياساتها التعليمية برمتها فذلك أمر غير مقبول، فالثقافات الفرنسية والألمانية والفارسية والصينية واليابانية وغيرها من الثقافات الأخرى لاتزال تحترم نفسها، وتصر على التمسك بلغتها القومية داخلياً وخارجياً، إلا ثقافتنا نحن التي لا حول لها ولا قوة في ظل الإعصار الداخلي غير المنهجي من قبل المناطحين باللغة الإنجليزية بحكم أنهم درسوها وبالتالي اعتنقوا مبادئها وانسخلوا عن هويتهم وثقافة قرآنهم الكريم غير مبالين بالنتائج التي سوف تترتب على ذلك.
إننا نوجه رسالة صادقة للقيادات السياسية بأن تحافظ على ما تبقى من الهوية والثقافة العربية الأصيلة، فهي تحتضر بسبب السياسات المتأرجحة التي تظهر بين الحين والآخر، حيث ظهر المتشدقون الموالون للغرب المطالبون بتغيير ثقافة القرآن الكريم التي انطلقت من الجزيرة العربية إلى مختلف بقاع العالم. إن القراءات تتجه صوب الذهاب إلى تبني (ثقافة الخواجة)، وهي مسألة خطيرة جداً يجب تداركها قبل أن تتفاقم، ويظهر جيل جديد لا يأبه بهويته وثقافته وقيمه، ولا يهتم حتى بوطنيته. إن من يرى في الثقافة الغربية طوق نجاة للخروج من التخلف إلى التقدم يراهن على وهم مصطنع غير مبال بكم، تهمه مصلحته ويستنزف منكم الأموال الطائلة، ويذهب ويأتي آخر ليعيد حكاية الوهم من جديد.
إن التعليم العالي في منطقة الخليج بحاجة إلى وضع مقررات منهجية، حيث تقوم الجامعات الخليجية بتبني تدريس اللغتين العربية والإنجليزية والحاسوب لمدة عام كامل بكل طلاب الجامعة، وأن تكون الدراسة باللغتين: العربية في الكليات الإنسانية والإنجليزية في الكليات العلمية، وأن تظل مقررات اللغتين العربية والإنجليزية مرافقة مع الطالب حتى تخرجه في الجامعة، وبالتالي تكون الجامعات قد ساهمت إلى حد كبير في إيجاد البيئة الحقيقية للانطلاق نحو العالمية من منهج البيئة المحلية وليست مفروضة عليه من الآخر. كما أن هناك اعتبارات أخرى يجب الاهتمام بها وهي مشكلة التعليم العام، حيث تعتبر هذه المسألة مهمة جداً لتدارك الأخطاء مستقبلاً، ولا يمكن أن تناقش قضية التعليم العالي بعيداً عن التعليم العام وواقع وظروف المجتمع.
إن الخليج سيظل عربياً، وستظل لغتنا العربية هي صمام النجاح باعتبارها لغة القرآن الكريم، ولن يفلح المطالبون بالتغيير الجذري في مسعاهم لعدم وجود منهجية حقيقية منطلقة من واقع المجتمع. ورسالتي لهم لن تكونوا أفضل ممن تعلم في الغرب ولكنه آثر بيئته ودافع عن وطنيته، أكثر من أولئك الذين تعلموا لغة واحدة في الغرب هي لغة الانقلاب على الواقع الثقافي العربي بكيانه وكينونته. حفظ الله لغتنا العربية وحفظ خليجنا من التغييرات العشوائية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3266::/cck::
::introtext::

لا ينفك أي مجتمع في العالم إلا ويناقش مسألة التعليم العالي من واقع بيئة المجتمع، وهو أمر منطقي تتطلبه مقتضيات التطور، باستثناء المجتمعات الخليجية التي تحاول أن تغرب نفسها، وتذهب لتستنجد بالآخرين لكي يحلوا لها مشكلاتها. أمور غريبة تحدث في منطقة الخليج، والغرابة فيها أنها تسلم مفاتيح التعليم العالي لكبريات الشركات العالمية لتسويقها وبيعها بأبخس الأثمان، وكذلك لوضع خطط جديدة لسياسات التعليم بثقافة مغايرة لا تمت لواقع البيئة الخليجية بصلة، وهو أمر ترفضه الدول الغربية بحكم مبادئها التي ترفض استيراد ثقافة الآخرين. ولكن هذه الدول التي آثرت ثقافة (الخواجة) على ابن البلد زاعمة أن الخواجة لديه المعجزة وملكة التغيير ليقيها من عثرات التخبط، ترى في السياسات التعليمية السابقة معيقة لحركة التغيير، وأنها متخلفة لدرجة الانهيار، وترى في الخواجة النعمة المسداة لديه مفاتيح التغيير التي تجرد الثقافة العربية من هويتها.

::/introtext::
::fulltext::

لا ينفك أي مجتمع في العالم إلا ويناقش مسألة التعليم العالي من واقع بيئة المجتمع، وهو أمر منطقي تتطلبه مقتضيات التطور، باستثناء المجتمعات الخليجية التي تحاول أن تغرب نفسها، وتذهب لتستنجد بالآخرين لكي يحلوا لها مشكلاتها. أمور غريبة تحدث في منطقة الخليج، والغرابة فيها أنها تسلم مفاتيح التعليم العالي لكبريات الشركات العالمية لتسويقها وبيعها بأبخس الأثمان، وكذلك لوضع خطط جديدة لسياسات التعليم بثقافة مغايرة لا تمت لواقع البيئة الخليجية بصلة، وهو أمر ترفضه الدول الغربية بحكم مبادئها التي ترفض استيراد ثقافة الآخرين. ولكن هذه الدول التي آثرت ثقافة (الخواجة) على ابن البلد زاعمة أن الخواجة لديه المعجزة وملكة التغيير ليقيها من عثرات التخبط، ترى في السياسات التعليمية السابقة معيقة لحركة التغيير، وأنها متخلفة لدرجة الانهيار، وترى في الخواجة النعمة المسداة لديه مفاتيح التغيير التي تجرد الثقافة العربية من هويتها.
لا نزايد على البعض في فهمنا لواقع المجتمع الخليجي، فهي مجتمعات متشابهة إلى حد ما، لديها مفاهيم غريبة وعجيبة، فهي من جانب تشعر بالرضا للآخر وتتقرب منه، ولديها من جانب آخر كمية من السخط –المبرر وغير المبرر- على الآخر وعلى الوضع الداخلي؛ ولهذا فإن قضية مناقشة مسألة التعليم بشكل عام بأسلوب مهني ومنطلق من واقع البيئة الوطنية، تعتبر أمراً حتمياً لا يحتاج إلى مجادلة أو نقاش، قبل أن نُحمل التعليم العالي مشكلات السياسات التعليمية الأخرى. لقد حدثت تغييرات كثيرة في خبايا التعليم العالي، والكل يسارع من أجل إرضاء السلطة التي هي مفتاح التغيير بالنسبة للغرب، ولهذا فإن التعليمات الواردة سوف تستقبل بالأحضان وبالتغيير الفوري من دون مراعاة لواقع المجتمع. وتظن بعض الجهات المشرفة على وضع السياسات للتعليم العالي أن الذين يحاربون هذا النهج هم في الواقع معيقون لحركة التغيير في المنطقة، وهم بالتالي منتمون لجماعات هنا أو هناك. هذه مغالطات تاريخية يجب تصحيحها ووضع الأطر في نصابها الحقيقي، المنطلق أساسا من بيئة المجتمع الخليجي، وعليهم أن يعيدوا حساباتهم بالنسبة للهيمنة الثقافية المستوردة بطريقة مشينة وغير قابلة للنقاش، وكأن المسألة أوامر عسكرية من خلال مصطلح (نفذ ثم ناقش). هذه الأساليب مرفوضة جملة وتفصيلاً، خاصة ونحن نعيش ضمن منظومة المجتمع المدني وعصر الحريات الإعلامية، ولسنا بحاجة إلى مفاهيم ديكتاتورية مستبدة يفرضها المشرعون الجدد مستخدمين في ذلك أداة غربية للتغيير القصري.
وستظل مشكلة التعليم العالي عالقة ولن تحل بالمفاهيم التي يطرحها الآخرون، وسيظل الأمر في سجال غير مهني، حتى يعود الجميع إلى جادة الطريق، ويختارون الحوار منهجاً وعقيدة. لقد دخلت بعض الجامعات الخليجية في حيرة من أمرها، بعد أن سُلمت مفاتيح القيادة للقادم من الغرب، وبالتالي تم تحويل مقررات العلوم الإنسانية التي تدرس باللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، ولا يخفى عليكم بأننا أصبحنا نخاف على أنفسنا من أنفسنا، خاصة من أولئك الذين يسعون لتفتيت تراثنا، عندما يقرر القادمون من الغرب وبمساعدة داخلية عمياء، إبدال اللغة العربية باللغة الإنجليزية بحكم أن الأولى لغة متخلفة وغير عصرية.
لقد شهدت المنطقة – ولا تزال تشهد – صراعات مريرة بين القوى السياسية في منطقة الخليج، وقد يحصرها البعض بين القوى الإسلامية والقوى التقدمية والليبرالية من جهة والقوى المحافظة من جهة أخرى، وهي صراعات نعتبرها صحية بمقدار الحفاظ على الهوية والثقافة العربية، ولكن أن يتعدى الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك بأن يغير أبناء الخليج تراثهم وهويتهم، مسألة نصنفها ضمن التنكر لثقافة البلد، ونعتبرها مصلحة وقتية سوف تنقضي بانقضاء الاستعمار الثقافي المؤقت. وكما يقال إن التاريخ يعيد نفسه كل مائة سنة، حيث شهدت بدايات القرن المنصرم ثورات كبيرة على الواقع العربي خاصة أولئك الذين درسوا في الغرب، وحاولوا كثيرا لكي يغيروا ثقافة المجتمع بعقلية غربية بحتة، إلا أنهم اصطدموا بعوائق كثيرة أهمها اللغة العربية التي نعتبرها كما يعتبرها الكثيرون من أبناء الدم الواحد صمام الأمان وقوة خارقة للوصول إلى عقول وقلوب الجميع. ومع مطلع القرن الواحد والعشرين عادت الحكاية والرواية من جديد، أبطالها هذه المرة بعض الجهات المختصة التي تشرف على مؤسسات التعليم العالي في دول مجلس التعاون الخليجي، الذين خلقوا مشكلة من العدم، وكأنهم يحاربون الجماعات الإسلامية على حساب قيم المجتمع، إننا نقول للطرفين أبعدوا مشكلاتكم عن المجتمع، لسنا بحاجة إلى أيديولوجيات غربية أو إسلامية جديدة، فالإسلام نعرفه كما تعرفونه، والأيديولوجيات الغربية نعرفها كما تعرفونها. وليكن معلوماً بأن الخليج صامد وعاشق للغته العربية أكثر من الذين يدّعون حمل راية الإسلام وحمل راية الأيديولوجية الغربية. فكفوا أيديكم عن أبناء الخليج ومشكلات تعليمه، ودعونا نتحاور للمصلحة العامة قبل أن نفقد هويتنا، ولن أجد أبلغ وصفا لهذه الحالة من حالة الغراب الذي فقد مشيته. ولسنا بحاجة إلى دعاة جدد للدين وللغرب على حد سواء، نحن بحاجة إلى إيقاظ الهمم ومعرفة نقاط الضعف ومحاولة حلها بما يتناسب وواقع المجتمع وكثرة العصر الذي نعيش ضمن إطاره.
نحن نعرف أننا لسنا من كوكب آخر، فنحن جزء من المنظومة العالمية، ولهذا فإننا نؤثر ونتأثر بالمعطيات التي تحيط بنا، وهذا نتاج طبيعي لتداخل الثقافات مع بعضها البعض، ولكن أن ألا نسلم مفاتيح ثقافتنا للغرب. وإذا أردنا أن نكون منصفين فإن قضية التعليم العالي بحاجة إلى مراجعة من قبل أبناء البلد الواحد الحريصين على ثقافتنا أولاً وقبل كل شيء، وكذلك من الخبرات الواسعة في العالم التي يمكن الاستعانة بها للاستشارة فقط، ليدرسوا المشكلات برمتها حتى تكون النتائج واضحة ومفيدة. إننا نعي بأن العالم يتحدث من حولنا باللغة الإنجليزية كلغة عالمية، وهو أمر طبيعي، ولكن أن نطالب مؤسسات التعليم العالي بتغيير سياساتها التعليمية برمتها فذلك أمر غير مقبول، فالثقافات الفرنسية والألمانية والفارسية والصينية واليابانية وغيرها من الثقافات الأخرى لاتزال تحترم نفسها، وتصر على التمسك بلغتها القومية داخلياً وخارجياً، إلا ثقافتنا نحن التي لا حول لها ولا قوة في ظل الإعصار الداخلي غير المنهجي من قبل المناطحين باللغة الإنجليزية بحكم أنهم درسوها وبالتالي اعتنقوا مبادئها وانسخلوا عن هويتهم وثقافة قرآنهم الكريم غير مبالين بالنتائج التي سوف تترتب على ذلك.
إننا نوجه رسالة صادقة للقيادات السياسية بأن تحافظ على ما تبقى من الهوية والثقافة العربية الأصيلة، فهي تحتضر بسبب السياسات المتأرجحة التي تظهر بين الحين والآخر، حيث ظهر المتشدقون الموالون للغرب المطالبون بتغيير ثقافة القرآن الكريم التي انطلقت من الجزيرة العربية إلى مختلف بقاع العالم. إن القراءات تتجه صوب الذهاب إلى تبني (ثقافة الخواجة)، وهي مسألة خطيرة جداً يجب تداركها قبل أن تتفاقم، ويظهر جيل جديد لا يأبه بهويته وثقافته وقيمه، ولا يهتم حتى بوطنيته. إن من يرى في الثقافة الغربية طوق نجاة للخروج من التخلف إلى التقدم يراهن على وهم مصطنع غير مبال بكم، تهمه مصلحته ويستنزف منكم الأموال الطائلة، ويذهب ويأتي آخر ليعيد حكاية الوهم من جديد.
إن التعليم العالي في منطقة الخليج بحاجة إلى وضع مقررات منهجية، حيث تقوم الجامعات الخليجية بتبني تدريس اللغتين العربية والإنجليزية والحاسوب لمدة عام كامل بكل طلاب الجامعة، وأن تكون الدراسة باللغتين: العربية في الكليات الإنسانية والإنجليزية في الكليات العلمية، وأن تظل مقررات اللغتين العربية والإنجليزية مرافقة مع الطالب حتى تخرجه في الجامعة، وبالتالي تكون الجامعات قد ساهمت إلى حد كبير في إيجاد البيئة الحقيقية للانطلاق نحو العالمية من منهج البيئة المحلية وليست مفروضة عليه من الآخر. كما أن هناك اعتبارات أخرى يجب الاهتمام بها وهي مشكلة التعليم العام، حيث تعتبر هذه المسألة مهمة جداً لتدارك الأخطاء مستقبلاً، ولا يمكن أن تناقش قضية التعليم العالي بعيداً عن التعليم العام وواقع وظروف المجتمع.
إن الخليج سيظل عربياً، وستظل لغتنا العربية هي صمام النجاح باعتبارها لغة القرآن الكريم، ولن يفلح المطالبون بالتغيير الجذري في مسعاهم لعدم وجود منهجية حقيقية منطلقة من واقع المجتمع. ورسالتي لهم لن تكونوا أفضل ممن تعلم في الغرب ولكنه آثر بيئته ودافع عن وطنيته، أكثر من أولئك الذين تعلموا لغة واحدة في الغرب هي لغة الانقلاب على الواقع الثقافي العربي بكيانه وكينونته. حفظ الله لغتنا العربية وحفظ خليجنا من التغييرات العشوائية.

::/fulltext::
::cck::3266::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *