إشكاليات واتجاهات البحوث في الجامعات الخليجية.. شبكة جامعة عجمان نموذجاً

::cck::3265::/cck::
::introtext::

منذ أن بدأ العصر التكنولوجي والمعلوماتي، وانتشار المعرفة والمعلومات، وتعددّ وظائف الاقتصاد وتشعبها، ازدادت الحاجة إلى البحث العلمي كرافد أساسي في عملية التنمية والتطوير والإبداع، وبرزت معها أهمية الجامعة كمؤسسة أكاديمية وبحثية في تطوير العلم والحياة، وكحاضنة للإبداع العلمي والاختراع، ومركز للبحث العلمي في التعلم والإبداع والتطوير من التنظير إلى التجريب إلى التطبيق. ومنذ خمسينات القرن الماضي ساهمت الجامعة في الدول المتقدمة في بلورة حقائق العلم، وتشجيع الإبداعات، وتطوير الاختراعات، وتنمية البحث العلمي، والمشاركة في صنع المستقبل. وهذا يعود إلى قدرة الجامعة على بناء رؤية تعليمية واضحة، وفلسفة بحثية ترتبط بحاجات المجتمع، وحركة العصر وثوراته الصناعية والتكنولوجية، باعتبارها مركزاً مهماً لتوليد الأفكار الجديدة استجابة للتحديات. فتحولت الجامعات من التقليدية إلى العصريّة، ومن الوظيفة التعليمية إلى الوظيفة البحثية والاستثمارية، استجابة لمنطق العصر، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولتأخذ بمبدأ أن الجامعة مركز للتعلم والإبداع والاختراع، وهكذا فإن نظام التعليم ارتبط بالاقتصاد وبتحديات العلم، لأن التنمية لا تنتهي بقيام المصنع، وإنما ترتبط بوجود مراكز للتعلم والبحث والاختراع ملائمة لثقافة المجتمعات وحاجاتها الاجتماعية والاقتصادية. ولا يمكن للدول التي تفتقر إلى القدرات الإبداعية أن تواجه تحديات العلم وثوراته بمنطق التعليم التقليدي دون أن يكون لها نظام مركب من التعليم والمعلومات والاستثمار.

::/introtext::
::fulltext::

منذ أن بدأ العصر التكنولوجي والمعلوماتي، وانتشار المعرفة والمعلومات، وتعددّ وظائف الاقتصاد وتشعبها، ازدادت الحاجة إلى البحث العلمي كرافد أساسي في عملية التنمية والتطوير والإبداع، وبرزت معها أهمية الجامعة كمؤسسة أكاديمية وبحثية في تطوير العلم والحياة، وكحاضنة للإبداع العلمي والاختراع، ومركز للبحث العلمي في التعلم والإبداع والتطوير من التنظير إلى التجريب إلى التطبيق. ومنذ خمسينات القرن الماضي ساهمت الجامعة في الدول المتقدمة في بلورة حقائق العلم، وتشجيع الإبداعات، وتطوير الاختراعات، وتنمية البحث العلمي، والمشاركة في صنع المستقبل. وهذا يعود إلى قدرة الجامعة على بناء رؤية تعليمية واضحة، وفلسفة بحثية ترتبط بحاجات المجتمع، وحركة العصر وثوراته الصناعية والتكنولوجية، باعتبارها مركزاً مهماً لتوليد الأفكار الجديدة استجابة للتحديات. فتحولت الجامعات من التقليدية إلى العصريّة، ومن الوظيفة التعليمية إلى الوظيفة البحثية والاستثمارية، استجابة لمنطق العصر، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولتأخذ بمبدأ أن الجامعة مركز للتعلم والإبداع والاختراع، وهكذا فإن نظام التعليم ارتبط بالاقتصاد وبتحديات العلم، لأن التنمية لا تنتهي بقيام المصنع، وإنما ترتبط بوجود مراكز للتعلم والبحث والاختراع ملائمة لثقافة المجتمعات وحاجاتها الاجتماعية والاقتصادية. ولا يمكن للدول التي تفتقر إلى القدرات الإبداعية أن تواجه تحديات العلم وثوراته بمنطق التعليم التقليدي دون أن يكون لها نظام مركب من التعليم والمعلومات والاستثمار.
إن البحث العلمي في الجامعات الرصينة شكل دعامة أساسية في تطوير البنى الصناعية والاقتصادية للدول، وفي تفجير الثورات الصناعية والتكنولوجية والمعلوماتية، وإيجاد بيئات الإبداع، وفتحت الجسور مع الشركات والمؤسسات تلاقحياَ، وهذا ما كان ليحدث لولا وجود مراكز بحوث داخل الجامعات كخزانات تفكير (Think Tanks) للجامعة والمجتمع، ووجود التمويل المادي الحقيقي لدعم البحوث وتنميتها باتجاه فتح آفاق المعرفة، وتأكيد ذاكرة المجتمع الحضارية، ودعم صناع القرار بالمعلومات، واستشراف آفاق المستقبل علمياً ومعرفياً.
وهكذا أصبحت الجامعة العصريّة بيئة إبداع حضارية ومعرفية تحتل موقعاً استراتيجياً في النظم الوطنية للابتكار والإبداع، وتساهم بشكل فعّال في نهضة الأمم، والتنمية والتصنيع، ومما ساعد على عصرنة الجامعة هو الثورة الكبيرة في تقانة المعلومات التي أدت إلى اختراع أنماط جديدة من الجامعات والتخصصات والبحوث، فنحن اليوم أمام نمط جديد للجامعة الرقمية، وجامعة المستقبل، وجامعات بلا أساتذة وبلا كتب، وجامعات عولمية لا ترتبط بالمكان والزمان وإنما بشبكة عنكبوتية!
في الجانب الآخر لا تزال الجامعات العربية تفتقد الكثير من مواصفات الجامعة العصرية وديناميكياتها وأساليبها الحديثة في التعليم والتعلم والإبداع، وتفتقر إلى رؤية قابلة للتطبيق في مجال التعليم والبحث العلمي والاختراع، مع فقدانها روح البحث العلمي، واختفاء المركز البحثي في حياتها، ونقص كبير في تمويل البحوث الأساسية إذا ما وجدت مما ساعد على تقويض نظام التعليم برمته، إذ إن نظاماً تعليمياً لا يتوقع من أساتذته الجامعيين أن يكونوا علماء وباحثين لا ينتج سوى خريجي جامعات من الطراز القديم والتقليدي. لهذا كان محقاً أحد الباحثين العرب وهو أنطوان زحلان عندما أشار إلى (أن الجامعات العربية عجزت عن أداء دورها بوصفها نظام إنذار مبكر لتنبيه المجتمع والحكومات إلى السياسات الراهنة العاجزة عن العمل بالطريقة السوية، ولم تزود الجامعات أساتذتها وطلبتها بالوسائل ليكونوا مبدعين، بل عزلوا عن الاقتصاد وهم تحت رحمة الموظفين البيروقراطيين والمعينين لأسباب سياسية ، ولا يديرهم أساتذة وباحثون ذو مكانة علمية مشهودة).
من هذا الواقع، بدأت في السنوات الأخيرة حركة نشطة لإنشاء مراكز البحوث داخل الجامعات العربية، وهي حركة وليدة بمقاييس الدول المتقدمة، لكنها تتجه عموماً إلى العصر ومتطلباته ومتغيراته لتثوير الواقع الراكد، وملبية بعض ضرورات الانفتاح الاقتصادي والمعرفي وحاجات المجتمع وأصحاب القرار. إلا أن هذه الحركة البحثية الجامعية لا تنفصل عن واقع البحث العلمي في الوطن العربي وبيئته العلمية، وهي حركة تقليدية ونمطية ومتخلفة لأسباب عديدة أبرزها:
1- ضعف نصيب البحث العلمي الذي لا يتعدى 0.002 في المائة من الناتج المحلي، مقابل ما يزيد عن 2 في المائة و 5 في المائة لمعظم الدول الصناعية، ويأتي الإنفاق على البحث والتطوير من مصادر حكومية بنسبة 89 في المائة، ولا تخصص القطاعات الإنتاجية والخدمية سوى 3 في المائة فقط من هذه المصادر، بينما تزيد هذه النسبة في الدول المتقدمة على 50 في المائة، وحسب الإحصائيات الأخيرة بلغ متوسط نسبة عدد الباحثين إلى عدد السكان عالمياً 974 باحثاَ متفرغاً أو شبه متفرغ لكل مليون نسمة (أي باحث واحد لكل ألف نسمة) وتتراوح النسبة في الدول المتقدمة بين (2 – 6 باحثين لكل ألف نسمة)، في حين تبلغ النسبة في الدول النامية 0.35 باحث لكل ألف نسمة، ويصل المعدل في الدول العربية إلى ما دون ثلث المعدل العالمي إذ تبلغ 0.30 باحث لكل نسمة، في حين إن هذه النسبة لـ (إسرائيل) تصل إلى معدل يعتبر من الأفضل عالمياً 5.4 باحث لكل ألف نسمة. أي خمسة عشر ضعف المعدل العربي العام.
2- غياب الاستراتيجية في البحث العلمي، وعدم وضوح الأهداف المرتبطة بحاجات المجتمع وظروفه وإمكاناته، لأن أي نشاط يبحث في الماضي والمستقبل يحتاج إلى أن يشارك في صياغته المسؤول وصانع القرار السياسي والمفكر المتأمل والمثقف، كذلك الاقتصادي الذي يعكس معنى البحث والتطوير استثمارياً، بالإضافة إلى المشتغلين بالبحث والمدركين إشكالاته وصعوباته وليس بالضرورة المدركين لعلاقته المعقدة بالنظام والدولة.
3- غياب الحريات العلمية، ومصادرة حق التفكير والتعبير والبحث الحر في ظل أنظمة سياسية تحكمها هواجس الأمن، والخوف من البحث العلمي، فتصبح الجامعة ومراكز البحوث عدواً يستهدف، فيغدو تخلف الجامعة وتحطيم قدراتها رسالة هذه الأنظمة، وهذه هي جذور أزمة البحث العلمي في الوطن العربي.
4- لا يمكن الحديث عن بحث علمي منتج وفاعل ومتراكم ومؤثر في بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية منفصلة عن العقل العلمي، ما لم يكن هناك نظام اجتماعي يستوعب التطوير والتحديث والتفاعل مع الآخر في سياق استراتيجية لتغيير الواقع وعصرنة العقل العربي في مجال الحياة والإدارة والسياسة والاقتصاد، لأن إشكالية البحث العلمي في الوطن العربي هي إشكالية مجتمعية قبل أن تكون مادية وإدارية.
الخليج وأزمة البحوث الجامعية
لا تختلف دول الخليج وجامعاتها عن النمط العربي في مجال البحث العلمي بتشريعاتها وتمويلها وأهدافها ودورها الاستراتيجي في بناء المجتمع والتنمية، إلا بوجود تطور في هذه الدول في مجال التنمية الاقتصادية والصناعية ووجود أكثرمن (8000) مصنع يتجاوز حجم الاستثمار فيها 80 مليار دولار، وتستخدم أحدث التقنيات، إلا أن حركة البحث عموماً لا تزال ضعيفة وغير ملبية لحاجات هذ التنمية الاقتصادية، ويوجز أسبابها أحد الباحثين الخليجيين بالنقاط التالية:
1- غياب التصور الواضح لأهمية البحث والتطوير كجزء من البنية التكنولوجية والعلمية اللازمة للتنمية الصناعية.
2- استمرار الاعتماد على الحكومات في هذا المجال، وغياب دور القطاع الخاص في هذه العملية.
3- عدم وجود التنسيق المطلوب بين مراكز البحوث والجامعات والفعاليات الصناعية.
4- غياب التشريعات المنظمة والمحفزة للبحث والتطوير في دول المجلس.
ما يتعلق بالجامعات الخليجية، فإن دورها لايزال ضعيفاًَ وهو مرتبط بآلية النظام الجامعي التقليدي الذي يفصل بين الجانب الأكاديمي والجانب البحثي، لأن الهدف المركزي لهذه الجامعات، وخاصة الخاصة، هو تخريج خريجين بلا ثقافة بحثية، بمعنى أنها أكاديمية في طابعها، وفي غالب الأحوال لا تؤدي إلى صناعة البحث، بل تخدم اتساع المعرفة في حقول علمية أكاديمية تم اكتشافها مسبقاً.
وتعاني الجامعات في دول الخليج من مشكلات عديدة أبرزها طبيعة أهداف الجامعة ورسالتها العلمية، وهي طبيعة تقليدية لا تحتكم للمعايير العلمية، وتفتقد الرؤية والاستراتيجية في بناء نظامها الجامعي، كما يختفي دور المفكر القيادي الجامعي الذي يؤسس لها استراتيجية واضحة لمسيرتها، فقد أضحت بعض الجامعات أداة من أدوات تكريس السلطة القائمة ونظامها التعليمي، الذي يعتمد على تخريج من يملأ الفراغ في مختلف مؤسسات المجتمع بحد أدنى من المعرفة التقليدية التي لم تراجع طيلة عقود، وعليه لا يمكن اعتبار معظم الجامعات الخليجية مؤسسات بحثية وإنما أكاديمية.
كما تفتقر الجامعة الخليجية إلى المركز البحثي بمعناه العلمي وإذا ما وجد فإنه مجرد ديكور يضفي وجاهة شكلية عليها، ولا يعطيها امتيازاً علمياً، كما أن هذه المراكز منفصلة عن الواقع الميداني، وحاجات المجتمع البشري، والتنمية الاقتصادية والصناعية لدول الخليج، بل إن بعض هذه الجامعات أصبحت عائقاً أمام البحث العلمي والإبداع والابتكار بتحطيم الطموح العلمي والروح الإبداعية لدى طلبتها والباحثين من الأساتذة.
شبكة جامعة عجمان وفلسفتها الأكاديمية والبحثية (نموذجاً)
من الإنصاف القول إن هناك اتجاهاً إيجابياً برز في بعض جامعات الدول الخليجية العربية في مجال البحث العلمي وتنميته وربطه بحاجات المجتمع، وهي تجارب قليلة ونادرة لا تزل في تجربتها الأولى، وتحتاج إلى دعم الجهات الحكومية والخاصة. ومن هذه الجامعات شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي شبكة جامعية أكاديمية وبحثية تطبيقية لها فلسفتها ورؤيتها المتجسدة في أبعادها الثلاثة: التعليم والمعلومات والاستثمار. وهدف الجامعة يتمثل في جامعة المستقبل اعتماداً على رؤيتها كنظام مفتوح يجمع بين بيئة الجامعة التقليدية وعناصر البيئة الافتراضية لإيجاد بيئة الإبداع من خلال معايير وضوابط تحقق الإتقان والجودة في الفكر والعمل، لأن دخول شبكة الجامعة إلى القرن الجديد يلزمها (تحقيق بيئة إبداع نوعية وغير نمطية في التعليم العالي .. ولا يمكن لتلك الرؤية أن تؤتي ثمارها إبداعاً وإبتكاراً إلا من خلال العمل الدؤوب والمتواصل للتفاعل الانتقائي ما بين الجامعة وسوق العمل ومجتمع الفعاليات).
ويشكل البحث العلمي في شبكة الجامعة عنصراً مهماً في فلسفتها ورؤيتها، وهي تلعب دوراً محورياً في الحوار العربي- الأوروبي من أجل التعاون، كما أنها ترأس الشبكة العربية الأوروبية للبحوث مثل منظمة اليونسكو والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) ومنظمة الصحة العالمية، ومثلما للجامعة فلسفتها الخاصة في التعليم، فإن لها رؤية جديدة في مجال البحث العلمي باعتباره نشاطاً رئيسياً يدعم الجانب الأكاديمي والتطبيقي، وهذا ما تجسّد في إنشاء مجلس للبحوث والمعلومات والتدريب عام 1988، ومارس نشاطه بفاعلية من خلال نشاطاته البحثية وتكوين فرق بحثية تجاوزت المائة للمساهمة في مسيرة إصلاح وتطوير التعليم، وتلبية حاجات المجتمع والسوق. إضافة إلى أن شبكة الجامعة وضعت معايير ومواصفات اختيار أعضاء هيئة التدريس ومنها (أن يكون باحثاً يسهم في تطوير مجال اختصاصه، ومدركاً لأنواع البحوث المختلفة من نظري إلى تطبيقي إلى تطويري إلى تناغمي).
ومنذ عامين بدأت شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا تقليداً علمياً وبحثياً متميزاً بإقامة تظاهرات البحوث سنوياً في موضوعات مختلفة ترتبط بالمكان والزمان، وتحاول الإجابة عن أسئلة الحاضر والمستقبل بخصوص إصلاح وتطوير التعليم، وهجرة العقول العربية، وإيجاد بيئات الإبداع والابتكار، ومشاريع جامعة المستقبل والجامعة الرقمية، واستشراف المستقبل في مجال الإدارة والإعلام والصيدلة والطب والحاسوب والقانون، ومشكلات الشباب الاجتماعية والتربوية. وقيمة هذه البحوث التي بلغت أكثرمن (90) موضوعاً و(480) باحثاً أكاديمياً يشتركون في (130) فريقاً بحثياً نابعة من كونها ترتبط بالواقع وإفرازاته، وتحاول تقديم حلول علمية للمشكلات محلياً وعربياً، وتعتمد على منهجيات ومدارس فكرية مختلفة، ومتناغمة مع فلسفة الجامعة ورؤيتها التي ترأس الشبكة العربية الأوروبية للبحوث.
وتأتي خطوات شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا في دولة الإمارات لتعكس نمط الجامعة العصرية في توفير بيئة الإبداع في جامعة المستقبل التي تسعى إلى أن تكون نموذجا لها في الدولة وفي المنطقة، كمؤسسة أكاديمية وبحثية وتطبيقية، وهي تلعب دوراً مهماً في الحوار العربي- الأوربي من أجل التعاون، كما أنها ترأس الشبكة العربية- الأوروبية للبحوث مثل منظمة اليونسكو والمنظمة العالمية للملكيّة الفكرية، ومنظمة الصحة العالمية، ولها مشاريع محلية ودولية كبيت الحكماء والنخب، ومراكز للبحث العلمي، وهيئات للإبداع، وآخرها مشروع كرسي الإعجاز القرآني الذي يستمد أهميته من أنه مشروع يتناغم مع العصر، وحوارات الحضارات، ويجيب عن أسئلة العصر، ويأتي استجابة لفهم الواقع الجديد برؤية العصر من خلال بيان جوانب الإعجاز البياني، والتشريعي، والأخلاقي، والتعبدي، والعقيدي، والتاريخي والتربوي، والنفسي، والعلمي في القرآن الكريم من خلال استحداث تخصص جديد حول (الإعجاز القرآني)، وإنشاء دراسات عليا ومركز بحوث في هذا المجال.
وما يثير الانتباه في هذا المشروع النهضوي الديني أنه يؤسس فكراً دينياً بلغة العصر، لا يصطدم بحضارات الآخر، وإنما يتفاعل معها من خلال الحوار الثقافي والأكاديمي، ويساهم في تقريب الوجهات والآراء باتجاه فهم الرسالة الإسلامية بمنطق الحوار الديمقراطي والإقناع، بمعنى تقديم الإعجاز القرآني في ضوء منهج أكاديمي عصري يمتاز بمعايير الجودة، وينطلق إلى بناء برامج أكاديمية وبحثية، تساهم في إغناء الفكر وعصريته، وتبني الجسور مع الآخر لتعرفّه بالحقيقة العلمية.
واستقراء لفلسفة الجامعة ورؤيتها للبحوث لابد من الإشارة هنا إلى الدور البارز للدكتور سعيد عبد الله سلمان رئيس شبكة الجامعة ومفكرها في وضع الاستراتيجيات للجامعة أكاديمياً وبحثياً، وجعلها جامعة أكاديمية وبحثية وتطبيقية ترتبط بالعصر، بعد أن كانت كلية جامعية عام 1988، و لتصبح واحدة من أبرز وأكبرالجامعات الإماراتية والعربية بفضل الأكاديمية والتربوية، وكوزير سابق، ورجل قانون ، ومفكر استراتيجي، إضافة لمكانته العربية كرئيس رابطة المؤسسات العربية الخاصة للتعليم العالي في الوطن العربي، ومكانته الدولية كرئيس للشبكة العربية- الأوروبية للبحوث، إضافة الى البيئة الصحيّة والمزدهرة التي تعمل بها الجامعات الإماراتية، ومنها شبكة جامعة عجمان، ودعمها المستمر من قبل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، ومساندة وزارة التعليم العالي لها واعتمادها الأكاديمي لجميع كلياتها.
ويمكن إيجاز رؤية شبكة الجامعة للبحوث من خلال فكر رئيسها ومؤسسها وهي:
 يشكل البحث العلمي في شبكة الجامعة عنصراً مهماً في فلسفتها ورؤيتها، ومثلما لشبكة الجامعة فلسفة خاصة في التعليم والمعلومات والاستثمار، فإن لها رؤية جديدة في مجال البحوث يعتمد على مثلث مهم هو: الرؤية والوضوح والجودة.
 التأكيد على أن أداة الباحث الفاعل في كتابة البحث العلمي هو استعمال المعلومة الدقيقة والموضوعية من خلال الحصر الوصفي والحصر الرقمي والتدوين والتوثيق.
 البحوث تحتاج إلى اعتمادات مالية لدعمها ونجاحها، ولكن رأس المال الحقيقي لمركز البحوث في شبكة الجامعة هو في الفكر والرؤية والوضوح والمعيارية والإدارة الفاعلة، والباحثين الفاعلين.
 التأكيد على أهمية التدوين والتوثيق كعملية تنشيط الذاكرة من خلال بناء مركز للمعلومات والأرشيف يكون ذاكرة للباحثين، وجسراً بين الماضي والحاضر والمستقبل.
 بناء استراتيجية للبحوث تقوم على أساس خدمة المجتمع، وبناء تقاليد بحثية علمية داخل مرجعيات وكيانات شبكة الجامعة.
 فلسفة بناء فرق البحث في شبكة الجامعة تعتمد على أن (رأي الجماعة مقدم على رأي الفرد في العمل المؤسسي) والبحثي لأن الإجماع هو الضمانة.
 إن أي مؤسسة تعليمية أو معلوماتية أو استثمارية من دون بحوث كالجسد بلا روح، ووسيلة العلم والعلماء للتمحيص والتمييز بين الصواب والخطأ هي البحوث، والبحث هو ملح الوطن.
 التشجيع على استخدام جميع المنهجيات العالمية التي يتعامل بها أو تمارسها الجامعات ومؤسسات البحث والمؤسسات الإنتاجية، والتلاقح بينها وبين منهجنا في البحث في إطار الرؤية الشاملة وثوابتها وآلياتها.
 تفعيل البحث العلمي لدى أعضاء هيئة التدريس وبخاصة البحوث التطبيقية والتناغمية، والالتزام باختيار الأستاذ وفق المعايير الخمسة لشبكة الجامعة، وإعطاء الأولوية للتدريس والبحث العلمي باعتبار الشبكة جامعة أكاديمية وبحثية.
إن توجهات شبكة جامعة عجمان إلى تنشيط البحث العلمي وتحليل الواقع برؤية علمية لتقديم الحلول لأصحاب القرار تؤكد نجاح رؤيتها ومسيرتها العلمية واقترابها من العصر، واشتراكها في صنع التنمية والتحديث والتطوير في دولة الإمارات، وهي بهذا الفعل ترسم ملامح مشروع نهضوي للدولة من خلال التعليم والتعلم والبحث العلمي، وهذا يستدعي من الجهات ذات العلاقة بالتطوير والتحديث الاستفادة من نتائج هذه البحوث في التخطيط وصنع الاستراتيجيات، لأن البحث العلمي لم يعد ترفاً فكرياً، وإنما هو عنصر مهم في بناء الحياة والإنسان، لأن الأمم المتقدمة التي سوقت لنا عصر التكنولوجيا والمعلومات والاختراعات كان ملحها البحث العلمي ومراكز البحوث. لهذا كان محقاً قول الدكتور سعيد عبد الله سلمان في صحيفة عربية بأن الذي انتصر في حرب الخليج هو الجامعات ومراكز البحوث والدول التي أنتجت براءات الاختراع.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3265::/cck::
::introtext::

منذ أن بدأ العصر التكنولوجي والمعلوماتي، وانتشار المعرفة والمعلومات، وتعددّ وظائف الاقتصاد وتشعبها، ازدادت الحاجة إلى البحث العلمي كرافد أساسي في عملية التنمية والتطوير والإبداع، وبرزت معها أهمية الجامعة كمؤسسة أكاديمية وبحثية في تطوير العلم والحياة، وكحاضنة للإبداع العلمي والاختراع، ومركز للبحث العلمي في التعلم والإبداع والتطوير من التنظير إلى التجريب إلى التطبيق. ومنذ خمسينات القرن الماضي ساهمت الجامعة في الدول المتقدمة في بلورة حقائق العلم، وتشجيع الإبداعات، وتطوير الاختراعات، وتنمية البحث العلمي، والمشاركة في صنع المستقبل. وهذا يعود إلى قدرة الجامعة على بناء رؤية تعليمية واضحة، وفلسفة بحثية ترتبط بحاجات المجتمع، وحركة العصر وثوراته الصناعية والتكنولوجية، باعتبارها مركزاً مهماً لتوليد الأفكار الجديدة استجابة للتحديات. فتحولت الجامعات من التقليدية إلى العصريّة، ومن الوظيفة التعليمية إلى الوظيفة البحثية والاستثمارية، استجابة لمنطق العصر، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولتأخذ بمبدأ أن الجامعة مركز للتعلم والإبداع والاختراع، وهكذا فإن نظام التعليم ارتبط بالاقتصاد وبتحديات العلم، لأن التنمية لا تنتهي بقيام المصنع، وإنما ترتبط بوجود مراكز للتعلم والبحث والاختراع ملائمة لثقافة المجتمعات وحاجاتها الاجتماعية والاقتصادية. ولا يمكن للدول التي تفتقر إلى القدرات الإبداعية أن تواجه تحديات العلم وثوراته بمنطق التعليم التقليدي دون أن يكون لها نظام مركب من التعليم والمعلومات والاستثمار.

::/introtext::
::fulltext::

منذ أن بدأ العصر التكنولوجي والمعلوماتي، وانتشار المعرفة والمعلومات، وتعددّ وظائف الاقتصاد وتشعبها، ازدادت الحاجة إلى البحث العلمي كرافد أساسي في عملية التنمية والتطوير والإبداع، وبرزت معها أهمية الجامعة كمؤسسة أكاديمية وبحثية في تطوير العلم والحياة، وكحاضنة للإبداع العلمي والاختراع، ومركز للبحث العلمي في التعلم والإبداع والتطوير من التنظير إلى التجريب إلى التطبيق. ومنذ خمسينات القرن الماضي ساهمت الجامعة في الدول المتقدمة في بلورة حقائق العلم، وتشجيع الإبداعات، وتطوير الاختراعات، وتنمية البحث العلمي، والمشاركة في صنع المستقبل. وهذا يعود إلى قدرة الجامعة على بناء رؤية تعليمية واضحة، وفلسفة بحثية ترتبط بحاجات المجتمع، وحركة العصر وثوراته الصناعية والتكنولوجية، باعتبارها مركزاً مهماً لتوليد الأفكار الجديدة استجابة للتحديات. فتحولت الجامعات من التقليدية إلى العصريّة، ومن الوظيفة التعليمية إلى الوظيفة البحثية والاستثمارية، استجابة لمنطق العصر، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولتأخذ بمبدأ أن الجامعة مركز للتعلم والإبداع والاختراع، وهكذا فإن نظام التعليم ارتبط بالاقتصاد وبتحديات العلم، لأن التنمية لا تنتهي بقيام المصنع، وإنما ترتبط بوجود مراكز للتعلم والبحث والاختراع ملائمة لثقافة المجتمعات وحاجاتها الاجتماعية والاقتصادية. ولا يمكن للدول التي تفتقر إلى القدرات الإبداعية أن تواجه تحديات العلم وثوراته بمنطق التعليم التقليدي دون أن يكون لها نظام مركب من التعليم والمعلومات والاستثمار.
إن البحث العلمي في الجامعات الرصينة شكل دعامة أساسية في تطوير البنى الصناعية والاقتصادية للدول، وفي تفجير الثورات الصناعية والتكنولوجية والمعلوماتية، وإيجاد بيئات الإبداع، وفتحت الجسور مع الشركات والمؤسسات تلاقحياَ، وهذا ما كان ليحدث لولا وجود مراكز بحوث داخل الجامعات كخزانات تفكير (Think Tanks) للجامعة والمجتمع، ووجود التمويل المادي الحقيقي لدعم البحوث وتنميتها باتجاه فتح آفاق المعرفة، وتأكيد ذاكرة المجتمع الحضارية، ودعم صناع القرار بالمعلومات، واستشراف آفاق المستقبل علمياً ومعرفياً.
وهكذا أصبحت الجامعة العصريّة بيئة إبداع حضارية ومعرفية تحتل موقعاً استراتيجياً في النظم الوطنية للابتكار والإبداع، وتساهم بشكل فعّال في نهضة الأمم، والتنمية والتصنيع، ومما ساعد على عصرنة الجامعة هو الثورة الكبيرة في تقانة المعلومات التي أدت إلى اختراع أنماط جديدة من الجامعات والتخصصات والبحوث، فنحن اليوم أمام نمط جديد للجامعة الرقمية، وجامعة المستقبل، وجامعات بلا أساتذة وبلا كتب، وجامعات عولمية لا ترتبط بالمكان والزمان وإنما بشبكة عنكبوتية!
في الجانب الآخر لا تزال الجامعات العربية تفتقد الكثير من مواصفات الجامعة العصرية وديناميكياتها وأساليبها الحديثة في التعليم والتعلم والإبداع، وتفتقر إلى رؤية قابلة للتطبيق في مجال التعليم والبحث العلمي والاختراع، مع فقدانها روح البحث العلمي، واختفاء المركز البحثي في حياتها، ونقص كبير في تمويل البحوث الأساسية إذا ما وجدت مما ساعد على تقويض نظام التعليم برمته، إذ إن نظاماً تعليمياً لا يتوقع من أساتذته الجامعيين أن يكونوا علماء وباحثين لا ينتج سوى خريجي جامعات من الطراز القديم والتقليدي. لهذا كان محقاً أحد الباحثين العرب وهو أنطوان زحلان عندما أشار إلى (أن الجامعات العربية عجزت عن أداء دورها بوصفها نظام إنذار مبكر لتنبيه المجتمع والحكومات إلى السياسات الراهنة العاجزة عن العمل بالطريقة السوية، ولم تزود الجامعات أساتذتها وطلبتها بالوسائل ليكونوا مبدعين، بل عزلوا عن الاقتصاد وهم تحت رحمة الموظفين البيروقراطيين والمعينين لأسباب سياسية ، ولا يديرهم أساتذة وباحثون ذو مكانة علمية مشهودة).
من هذا الواقع، بدأت في السنوات الأخيرة حركة نشطة لإنشاء مراكز البحوث داخل الجامعات العربية، وهي حركة وليدة بمقاييس الدول المتقدمة، لكنها تتجه عموماً إلى العصر ومتطلباته ومتغيراته لتثوير الواقع الراكد، وملبية بعض ضرورات الانفتاح الاقتصادي والمعرفي وحاجات المجتمع وأصحاب القرار. إلا أن هذه الحركة البحثية الجامعية لا تنفصل عن واقع البحث العلمي في الوطن العربي وبيئته العلمية، وهي حركة تقليدية ونمطية ومتخلفة لأسباب عديدة أبرزها:
1- ضعف نصيب البحث العلمي الذي لا يتعدى 0.002 في المائة من الناتج المحلي، مقابل ما يزيد عن 2 في المائة و 5 في المائة لمعظم الدول الصناعية، ويأتي الإنفاق على البحث والتطوير من مصادر حكومية بنسبة 89 في المائة، ولا تخصص القطاعات الإنتاجية والخدمية سوى 3 في المائة فقط من هذه المصادر، بينما تزيد هذه النسبة في الدول المتقدمة على 50 في المائة، وحسب الإحصائيات الأخيرة بلغ متوسط نسبة عدد الباحثين إلى عدد السكان عالمياً 974 باحثاَ متفرغاً أو شبه متفرغ لكل مليون نسمة (أي باحث واحد لكل ألف نسمة) وتتراوح النسبة في الدول المتقدمة بين (2 – 6 باحثين لكل ألف نسمة)، في حين تبلغ النسبة في الدول النامية 0.35 باحث لكل ألف نسمة، ويصل المعدل في الدول العربية إلى ما دون ثلث المعدل العالمي إذ تبلغ 0.30 باحث لكل نسمة، في حين إن هذه النسبة لـ (إسرائيل) تصل إلى معدل يعتبر من الأفضل عالمياً 5.4 باحث لكل ألف نسمة. أي خمسة عشر ضعف المعدل العربي العام.
2- غياب الاستراتيجية في البحث العلمي، وعدم وضوح الأهداف المرتبطة بحاجات المجتمع وظروفه وإمكاناته، لأن أي نشاط يبحث في الماضي والمستقبل يحتاج إلى أن يشارك في صياغته المسؤول وصانع القرار السياسي والمفكر المتأمل والمثقف، كذلك الاقتصادي الذي يعكس معنى البحث والتطوير استثمارياً، بالإضافة إلى المشتغلين بالبحث والمدركين إشكالاته وصعوباته وليس بالضرورة المدركين لعلاقته المعقدة بالنظام والدولة.
3- غياب الحريات العلمية، ومصادرة حق التفكير والتعبير والبحث الحر في ظل أنظمة سياسية تحكمها هواجس الأمن، والخوف من البحث العلمي، فتصبح الجامعة ومراكز البحوث عدواً يستهدف، فيغدو تخلف الجامعة وتحطيم قدراتها رسالة هذه الأنظمة، وهذه هي جذور أزمة البحث العلمي في الوطن العربي.
4- لا يمكن الحديث عن بحث علمي منتج وفاعل ومتراكم ومؤثر في بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية منفصلة عن العقل العلمي، ما لم يكن هناك نظام اجتماعي يستوعب التطوير والتحديث والتفاعل مع الآخر في سياق استراتيجية لتغيير الواقع وعصرنة العقل العربي في مجال الحياة والإدارة والسياسة والاقتصاد، لأن إشكالية البحث العلمي في الوطن العربي هي إشكالية مجتمعية قبل أن تكون مادية وإدارية.
الخليج وأزمة البحوث الجامعية
لا تختلف دول الخليج وجامعاتها عن النمط العربي في مجال البحث العلمي بتشريعاتها وتمويلها وأهدافها ودورها الاستراتيجي في بناء المجتمع والتنمية، إلا بوجود تطور في هذه الدول في مجال التنمية الاقتصادية والصناعية ووجود أكثرمن (8000) مصنع يتجاوز حجم الاستثمار فيها 80 مليار دولار، وتستخدم أحدث التقنيات، إلا أن حركة البحث عموماً لا تزال ضعيفة وغير ملبية لحاجات هذ التنمية الاقتصادية، ويوجز أسبابها أحد الباحثين الخليجيين بالنقاط التالية:
1- غياب التصور الواضح لأهمية البحث والتطوير كجزء من البنية التكنولوجية والعلمية اللازمة للتنمية الصناعية.
2- استمرار الاعتماد على الحكومات في هذا المجال، وغياب دور القطاع الخاص في هذه العملية.
3- عدم وجود التنسيق المطلوب بين مراكز البحوث والجامعات والفعاليات الصناعية.
4- غياب التشريعات المنظمة والمحفزة للبحث والتطوير في دول المجلس.
ما يتعلق بالجامعات الخليجية، فإن دورها لايزال ضعيفاًَ وهو مرتبط بآلية النظام الجامعي التقليدي الذي يفصل بين الجانب الأكاديمي والجانب البحثي، لأن الهدف المركزي لهذه الجامعات، وخاصة الخاصة، هو تخريج خريجين بلا ثقافة بحثية، بمعنى أنها أكاديمية في طابعها، وفي غالب الأحوال لا تؤدي إلى صناعة البحث، بل تخدم اتساع المعرفة في حقول علمية أكاديمية تم اكتشافها مسبقاً.
وتعاني الجامعات في دول الخليج من مشكلات عديدة أبرزها طبيعة أهداف الجامعة ورسالتها العلمية، وهي طبيعة تقليدية لا تحتكم للمعايير العلمية، وتفتقد الرؤية والاستراتيجية في بناء نظامها الجامعي، كما يختفي دور المفكر القيادي الجامعي الذي يؤسس لها استراتيجية واضحة لمسيرتها، فقد أضحت بعض الجامعات أداة من أدوات تكريس السلطة القائمة ونظامها التعليمي، الذي يعتمد على تخريج من يملأ الفراغ في مختلف مؤسسات المجتمع بحد أدنى من المعرفة التقليدية التي لم تراجع طيلة عقود، وعليه لا يمكن اعتبار معظم الجامعات الخليجية مؤسسات بحثية وإنما أكاديمية.
كما تفتقر الجامعة الخليجية إلى المركز البحثي بمعناه العلمي وإذا ما وجد فإنه مجرد ديكور يضفي وجاهة شكلية عليها، ولا يعطيها امتيازاً علمياً، كما أن هذه المراكز منفصلة عن الواقع الميداني، وحاجات المجتمع البشري، والتنمية الاقتصادية والصناعية لدول الخليج، بل إن بعض هذه الجامعات أصبحت عائقاً أمام البحث العلمي والإبداع والابتكار بتحطيم الطموح العلمي والروح الإبداعية لدى طلبتها والباحثين من الأساتذة.
شبكة جامعة عجمان وفلسفتها الأكاديمية والبحثية (نموذجاً)
من الإنصاف القول إن هناك اتجاهاً إيجابياً برز في بعض جامعات الدول الخليجية العربية في مجال البحث العلمي وتنميته وربطه بحاجات المجتمع، وهي تجارب قليلة ونادرة لا تزل في تجربتها الأولى، وتحتاج إلى دعم الجهات الحكومية والخاصة. ومن هذه الجامعات شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي شبكة جامعية أكاديمية وبحثية تطبيقية لها فلسفتها ورؤيتها المتجسدة في أبعادها الثلاثة: التعليم والمعلومات والاستثمار. وهدف الجامعة يتمثل في جامعة المستقبل اعتماداً على رؤيتها كنظام مفتوح يجمع بين بيئة الجامعة التقليدية وعناصر البيئة الافتراضية لإيجاد بيئة الإبداع من خلال معايير وضوابط تحقق الإتقان والجودة في الفكر والعمل، لأن دخول شبكة الجامعة إلى القرن الجديد يلزمها (تحقيق بيئة إبداع نوعية وغير نمطية في التعليم العالي .. ولا يمكن لتلك الرؤية أن تؤتي ثمارها إبداعاً وإبتكاراً إلا من خلال العمل الدؤوب والمتواصل للتفاعل الانتقائي ما بين الجامعة وسوق العمل ومجتمع الفعاليات).
ويشكل البحث العلمي في شبكة الجامعة عنصراً مهماً في فلسفتها ورؤيتها، وهي تلعب دوراً محورياً في الحوار العربي- الأوروبي من أجل التعاون، كما أنها ترأس الشبكة العربية الأوروبية للبحوث مثل منظمة اليونسكو والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) ومنظمة الصحة العالمية، ومثلما للجامعة فلسفتها الخاصة في التعليم، فإن لها رؤية جديدة في مجال البحث العلمي باعتباره نشاطاً رئيسياً يدعم الجانب الأكاديمي والتطبيقي، وهذا ما تجسّد في إنشاء مجلس للبحوث والمعلومات والتدريب عام 1988، ومارس نشاطه بفاعلية من خلال نشاطاته البحثية وتكوين فرق بحثية تجاوزت المائة للمساهمة في مسيرة إصلاح وتطوير التعليم، وتلبية حاجات المجتمع والسوق. إضافة إلى أن شبكة الجامعة وضعت معايير ومواصفات اختيار أعضاء هيئة التدريس ومنها (أن يكون باحثاً يسهم في تطوير مجال اختصاصه، ومدركاً لأنواع البحوث المختلفة من نظري إلى تطبيقي إلى تطويري إلى تناغمي).
ومنذ عامين بدأت شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا تقليداً علمياً وبحثياً متميزاً بإقامة تظاهرات البحوث سنوياً في موضوعات مختلفة ترتبط بالمكان والزمان، وتحاول الإجابة عن أسئلة الحاضر والمستقبل بخصوص إصلاح وتطوير التعليم، وهجرة العقول العربية، وإيجاد بيئات الإبداع والابتكار، ومشاريع جامعة المستقبل والجامعة الرقمية، واستشراف المستقبل في مجال الإدارة والإعلام والصيدلة والطب والحاسوب والقانون، ومشكلات الشباب الاجتماعية والتربوية. وقيمة هذه البحوث التي بلغت أكثرمن (90) موضوعاً و(480) باحثاً أكاديمياً يشتركون في (130) فريقاً بحثياً نابعة من كونها ترتبط بالواقع وإفرازاته، وتحاول تقديم حلول علمية للمشكلات محلياً وعربياً، وتعتمد على منهجيات ومدارس فكرية مختلفة، ومتناغمة مع فلسفة الجامعة ورؤيتها التي ترأس الشبكة العربية الأوروبية للبحوث.
وتأتي خطوات شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا في دولة الإمارات لتعكس نمط الجامعة العصرية في توفير بيئة الإبداع في جامعة المستقبل التي تسعى إلى أن تكون نموذجا لها في الدولة وفي المنطقة، كمؤسسة أكاديمية وبحثية وتطبيقية، وهي تلعب دوراً مهماً في الحوار العربي- الأوربي من أجل التعاون، كما أنها ترأس الشبكة العربية- الأوروبية للبحوث مثل منظمة اليونسكو والمنظمة العالمية للملكيّة الفكرية، ومنظمة الصحة العالمية، ولها مشاريع محلية ودولية كبيت الحكماء والنخب، ومراكز للبحث العلمي، وهيئات للإبداع، وآخرها مشروع كرسي الإعجاز القرآني الذي يستمد أهميته من أنه مشروع يتناغم مع العصر، وحوارات الحضارات، ويجيب عن أسئلة العصر، ويأتي استجابة لفهم الواقع الجديد برؤية العصر من خلال بيان جوانب الإعجاز البياني، والتشريعي، والأخلاقي، والتعبدي، والعقيدي، والتاريخي والتربوي، والنفسي، والعلمي في القرآن الكريم من خلال استحداث تخصص جديد حول (الإعجاز القرآني)، وإنشاء دراسات عليا ومركز بحوث في هذا المجال.
وما يثير الانتباه في هذا المشروع النهضوي الديني أنه يؤسس فكراً دينياً بلغة العصر، لا يصطدم بحضارات الآخر، وإنما يتفاعل معها من خلال الحوار الثقافي والأكاديمي، ويساهم في تقريب الوجهات والآراء باتجاه فهم الرسالة الإسلامية بمنطق الحوار الديمقراطي والإقناع، بمعنى تقديم الإعجاز القرآني في ضوء منهج أكاديمي عصري يمتاز بمعايير الجودة، وينطلق إلى بناء برامج أكاديمية وبحثية، تساهم في إغناء الفكر وعصريته، وتبني الجسور مع الآخر لتعرفّه بالحقيقة العلمية.
واستقراء لفلسفة الجامعة ورؤيتها للبحوث لابد من الإشارة هنا إلى الدور البارز للدكتور سعيد عبد الله سلمان رئيس شبكة الجامعة ومفكرها في وضع الاستراتيجيات للجامعة أكاديمياً وبحثياً، وجعلها جامعة أكاديمية وبحثية وتطبيقية ترتبط بالعصر، بعد أن كانت كلية جامعية عام 1988، و لتصبح واحدة من أبرز وأكبرالجامعات الإماراتية والعربية بفضل الأكاديمية والتربوية، وكوزير سابق، ورجل قانون ، ومفكر استراتيجي، إضافة لمكانته العربية كرئيس رابطة المؤسسات العربية الخاصة للتعليم العالي في الوطن العربي، ومكانته الدولية كرئيس للشبكة العربية- الأوروبية للبحوث، إضافة الى البيئة الصحيّة والمزدهرة التي تعمل بها الجامعات الإماراتية، ومنها شبكة جامعة عجمان، ودعمها المستمر من قبل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، ومساندة وزارة التعليم العالي لها واعتمادها الأكاديمي لجميع كلياتها.
ويمكن إيجاز رؤية شبكة الجامعة للبحوث من خلال فكر رئيسها ومؤسسها وهي:
 يشكل البحث العلمي في شبكة الجامعة عنصراً مهماً في فلسفتها ورؤيتها، ومثلما لشبكة الجامعة فلسفة خاصة في التعليم والمعلومات والاستثمار، فإن لها رؤية جديدة في مجال البحوث يعتمد على مثلث مهم هو: الرؤية والوضوح والجودة.
 التأكيد على أن أداة الباحث الفاعل في كتابة البحث العلمي هو استعمال المعلومة الدقيقة والموضوعية من خلال الحصر الوصفي والحصر الرقمي والتدوين والتوثيق.
 البحوث تحتاج إلى اعتمادات مالية لدعمها ونجاحها، ولكن رأس المال الحقيقي لمركز البحوث في شبكة الجامعة هو في الفكر والرؤية والوضوح والمعيارية والإدارة الفاعلة، والباحثين الفاعلين.
 التأكيد على أهمية التدوين والتوثيق كعملية تنشيط الذاكرة من خلال بناء مركز للمعلومات والأرشيف يكون ذاكرة للباحثين، وجسراً بين الماضي والحاضر والمستقبل.
 بناء استراتيجية للبحوث تقوم على أساس خدمة المجتمع، وبناء تقاليد بحثية علمية داخل مرجعيات وكيانات شبكة الجامعة.
 فلسفة بناء فرق البحث في شبكة الجامعة تعتمد على أن (رأي الجماعة مقدم على رأي الفرد في العمل المؤسسي) والبحثي لأن الإجماع هو الضمانة.
 إن أي مؤسسة تعليمية أو معلوماتية أو استثمارية من دون بحوث كالجسد بلا روح، ووسيلة العلم والعلماء للتمحيص والتمييز بين الصواب والخطأ هي البحوث، والبحث هو ملح الوطن.
 التشجيع على استخدام جميع المنهجيات العالمية التي يتعامل بها أو تمارسها الجامعات ومؤسسات البحث والمؤسسات الإنتاجية، والتلاقح بينها وبين منهجنا في البحث في إطار الرؤية الشاملة وثوابتها وآلياتها.
 تفعيل البحث العلمي لدى أعضاء هيئة التدريس وبخاصة البحوث التطبيقية والتناغمية، والالتزام باختيار الأستاذ وفق المعايير الخمسة لشبكة الجامعة، وإعطاء الأولوية للتدريس والبحث العلمي باعتبار الشبكة جامعة أكاديمية وبحثية.
إن توجهات شبكة جامعة عجمان إلى تنشيط البحث العلمي وتحليل الواقع برؤية علمية لتقديم الحلول لأصحاب القرار تؤكد نجاح رؤيتها ومسيرتها العلمية واقترابها من العصر، واشتراكها في صنع التنمية والتحديث والتطوير في دولة الإمارات، وهي بهذا الفعل ترسم ملامح مشروع نهضوي للدولة من خلال التعليم والتعلم والبحث العلمي، وهذا يستدعي من الجهات ذات العلاقة بالتطوير والتحديث الاستفادة من نتائج هذه البحوث في التخطيط وصنع الاستراتيجيات، لأن البحث العلمي لم يعد ترفاً فكرياً، وإنما هو عنصر مهم في بناء الحياة والإنسان، لأن الأمم المتقدمة التي سوقت لنا عصر التكنولوجيا والمعلومات والاختراعات كان ملحها البحث العلمي ومراكز البحوث. لهذا كان محقاً قول الدكتور سعيد عبد الله سلمان في صحيفة عربية بأن الذي انتصر في حرب الخليج هو الجامعات ومراكز البحوث والدول التي أنتجت براءات الاختراع.

::/fulltext::
::cck::3265::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *