الأمن المائي.. قضية تؤرق الخليج العربي

::cck::3195::/cck::
::introtext::

((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) (سورة الأنبياء – آية 30)
في أوائل العام 1961 قال الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي (لقد حققنا في العقد الماضي خطوات وإنجازات علمية استثنائية بعضها ليست مشهدية ولا لافتة مثل الصعود إلى الفضاء غير أن ما أدركناه سيتضاءل كثيراً إن لم نجد طريقاً إلى الحصول على مياه عذبة من خلال البحار وبطريقة جد تنافسية وبتكلفة أقل).

::/introtext::
::fulltext::

((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) (سورة الأنبياء – آية 30)
في أوائل العام 1961 قال الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي (لقد حققنا في العقد الماضي خطوات وإنجازات علمية استثنائية بعضها ليست مشهدية ولا لافتة مثل الصعود إلى الفضاء غير أن ما أدركناه سيتضاءل كثيراً إن لم نجد طريقاً إلى الحصول على مياه عذبة من خلال البحار وبطريقة جد تنافسية وبتكلفة أقل).
والمؤكد أن أزمة المياه، التي كان يتحدث عنها الرئيس الأمريكي الراحل، لم تكن قد احتدمت في ستينات القرن الماضي، كما هي اليوم، ولم تكن أمريكا تشكو من نقص كميات المياه اللازمة لها غير أن قرون الاستشعار الإمبراطورية عند الولايات المتحدة كانت تضع يدها على واحدة من المشكلات التي ستلقي على كاهل البشرية لا سيما في المنطقة العربية عامة والخليج العربي خاصة بتبعات جسام وخاصة عند المنظّرين والمفكرين والقادة والحكام على السواء بسبب تأثرها بأزمة ندرة المياه.
وإذا كان الماء كما يقول رب العزة أصل كل شيء حي فمن دونه تضحي البشرية أمام كارثة محققة. والتساؤل الذي نطرحه في هذا المقال: هل أزمة نقص المياه مجرد قضية هامشية أم أنها قضية حياتية من جهة وقضية أمن قومي يعبر عنها بمصطلح الأمن المائي في كافة الربوع والنجوع العربية والخليجية؟ وما هي الأبعاد الآنية لأزمة المياه الخليجية وأنجح الطرق والآليات لمجابهتها؟
بداية نشير إلى أن منطقة الخليج العربي تعاني أزمة حقيقية بسبب شح المياه فيها، ويرجع ذلك لوقوع معظم دولها في منطقة صحراوية جافة؛ وبصورة عامة لا توجد هناك أنهار جارية وإنما يقتصر الأمر على السيول التي تسببها الأمطار المتساقطة على السلاسل الجبلية والتي تتسرب بدورها إلى الأرض لتشكل المياه السطحية، أما المياه الجوفية فيتفاوت معدلها من دولة لأخرى ومن منطقة إلى أخرى داخل الدولة نفسها.
ومن المعروف أن سكان الخليج العربي قد تضاعفوا خمس مرات خلال العقود الأربعة الماضية وهذا ما انعكس على ارتفاع الطلب على المياه من 6 مليارات متر مكعب عام 1980 إلى 29.7 مليار متر مكعب عام 1995. ومن خلال الأرقام المقارنة للعام المنصرم 2005 تبين أن هناك عجزاً في موارد المياه يقارب الستة مليارات متر مكعب، وأن سد هذا العجز سيؤدي إلى ضخ ما يزيد على 30 مليار متر مكعب من الموارد الجوفية مما سيترك أثاراً على التربة والبيئة.
فهل يعني ما تقدم وجود إشكالية مائية فقط؟ الحقيقة إن الأمر يتخطى هذا الإطار، وينتقل بنا إلى العنوان موضوع المقال أي الأمن القومي المائي.
وليس بجديد القول إن الصراع القادم في العالم وفي الشرق الأوسط هو صراع على نقطة المياه وليس على براميل النفط. ومن المؤكد كذلك أن وجود إسرائيل التي تعاني من أزمة مياه حقيقية قاتلة بالقرب من العالم يمثل حالة تضاد في المصالح المائية؛ ومع تغير نظام الحكم في العراق فإن الخوف من التلاعب بمقدرات المنطقة المائية أضحى اليوم هاجساً مخيفاً لبعض دول منطقة الخليج.. ماذا يعني هذا الحديث؟
نقول إن أحدث التقارير الدولية الصادرة عبر السنوات القليلة المنصرمة أشارت إلى وجود دور تركي – إسرائيلي بالمشاركة مع عدد من الشركات العالمية الكبرى لتقديم الدراسات المسحية حول تكاليف ووسائل وطرق العمل لبدء إقامة مشروع (قناة السلام) الذي يقوم بضخ المياه من دجلة والفرات إلى إسرائيل عبر أنابيب تحت البحر مقابل موارد مالية تتلقاها تركيا من إسرائيل، وأن مجموعة من هذه الشركات و(الكارتلات) في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا قد تعهدت بتمويل هذا المشروع.
ومما لا شك فيه أن دول الخليج كافة ليس لديها قطرة ماء إضافية حتى يعمد البعض إلى سرقة ما لديها بصورة علنية وهو ما يرسخ شعوراً حقيقياً بأن حرب المياه والجفاف هي الحرب القادمة التي تهدد الدول العربية والخليجية، حيث ستصبح نقطة المياه هي محور الصراع.
وفي هذا السياق يجدر بنا التوقف أمام تصريحات الدكتور عصمت عبدالمجيد الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية التي يقول فيها إن قضية المياه قنبلة موقوتة وترتبط بالأمن الغذائي ومن دون توفير المياه اللازمة سيكون الأمن القومي العربي مهدداً في العديد من جوانبه. كما يشير كذلك إلى أن الصراع على المياه لم يعد قضية اقتصادية أو تنموية فحسب، بل أصبح مسألة أمنية واستراتيجية، مؤكداً أن المياه في الوطن العربي لا سيما في منطقة الخليج تكتسب أهمية خاصة نظراً لطبيعة الموقع الاستراتيجي للأمة العربية، حيث تقع منابع حوالي 60 في المائة من الموارد المائية خارج الأراضي العربية مما يجعلها خاضعة لسيطرة دول غير عربية تستطيع أن تستخدم المياه كأداة ضغط سياسي أو اقتصادي، الأمر الذي يزيد المسألة تعقيداً نتيجة لما يعانيه الوطن العربي من فقر مائي قد يصل في وقت قريب إلى حد الخطر مع تزايد الكثافة السكانية وعمليات التنمية المتواصلة.
ومن بين أحدث الأصوات التي انطلقت الشهر قبل الماضي محذرة من استفحال الأزمة تلك التي دوت في العاصمة المكسيكية (مكسيكو سيتي) في أواخر شهر مايو الماضي، إذ توقع المشاركون هناك في (المنتدى العالمي الرابع للمياه) أن تندلع حرب حول المياه في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر في العالم، وأنه إذا لم يحدث اتفاق بين دول المنطقة حول هذا المورد الحيوي النادر فإن الكارثة قادمة لا محالة.
غير أن ما ورد بشأن منطقة الخليج العربي يستحق التوقف أمامه لا سيما مع الحديث عن المياه الجوفية التي تعد ورقة فاعلة في مواجهة الأزمة المائية لدول الخليج العربية.
فقد أطلق المنتدى الذي عقد تحت عنوان (وضع حد لاستعمال الموارد المائية الجوفية غير القابلة للتجديد) صيحة تحذير من خطورة الإفراط في استعمال المياه الجوفية، مؤكداً في بيانه الختامي أن كثيراً من الدول العربية تعاني من تهديد خطير لأمنها المائي نظراً لاعتمادها الكبير على مخزونات المياه الجوفية التي تتقاسمها مع دول مجاورة وقلة الأمطار التي تهطل فيها والتي تقدر بنحو 2300 مليار متر مكعب سنوياً. وتقدر حجم مخزونات المياه الجوفية في العالم العربي بنحو 7800 مليار متر مكعب يتجدد منها سنويا 42 مليار متر مكعب فقط يتم استعمال 35 مليار متر مكعب منها كل عام.
وتوقع المنتدى ألا يزيد حجم المياه الجوفية الموجودة في منطقة الخليج العربي عام 2015 على 7.25 مليار متر مكعب.
وفي هذا الإطار نشير إلى الدراسة التي قدمتها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عن المياه الجوفية في منطقة الخليج والتي كشفها العالم العربي الدكتور فاروق الباز الذي صرح بأن منطقة الجزيرة العربية وبالتحديد صحراء الربع الخالي تتربع على بحر هائل من المياه العذبة إلا أنه لم يحن الوقت بعد لاستخدامها نظراً لارتفاع تكاليف الاستخراج ووجود بدائل أقل تكلفة.
غير أن هذا الكنز المائي المطمور في باطن الأرض الخليجية يمكن أن يكون أداة في المستقبل لمواجهة التهديدات المائية الخارجية، كما في المشروعات التركية – الإسرائيلية؛ ويشدد عالم الجيولوجيا المصري الأصل والذي يرأس حالياً مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن في الولايات المتحدة على الأهمية الاستراتيجية لهذه الثروة المائية الهائلة، ويشير إلى التجربة الليبية (النهر العظيم) حيث قامت ليبيا ببناء قناة طولها يزيد على ألفي كيلومتر وقطرها أربعة أمتار لسحب المياه العذبة من وسط الصحراء إلى مناطق أخرى في البلاد تكلفة بلغت مليارات الدولارات.
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القول إنه عند الاحتياج المستقبلي تدرك دول الخليج أن هناك بديلا بخلاف المياه المحلاة، غير أن هذه الأخيرة تبقى الأرخص والأفضل خاصة في دول تنتج النفط والغاز بكميات وفيرة؛ وعليه فإن التساؤل الآني هل تحلية مياه البحر هي الحل الأمثل لدول الخليج لمعالجة ظاهرة ندرة المياه؟
في الواقع تشير الإحصائيات إلى أن عدد محطات التحلية في دول مجلس التعاون بلغ نحو 70 محطة، وتقوم دول المجلس مجتمعة بتحلية 18 في المائة من احتياجاتها المائية، وتنتج نحو 9 ملايين متر مكعب من المياه، وتستأثر بنحو 65 في المائة من الإنتاج العالمي للمياه المحلاة ويتفاوت اعتماد الدول الست على المياه المحلاة فتأتي دولة الإمارات في المقدمة تليها الكويت وقطر والبحرين والسعودية وسلطنة عُمان.
كما أنه من حسن حظ العرب في السنوات القليلة الماضية وجود عالم عربي هو الدكتور (شهاب قرعان) الذي أضحى اليوم أشهر من نار على علم في الولايات المتحدة الأمريكية في إطار عمليات تحلية مياه البحر لا سيما أنه مكتشف طريق تحلية المياه بطريقة (المكثف الكهربائي) وهي تقنية طورها هو وزميله مارك أندلمان في مقرهما بشركة (سنابل للمياه) بمنطقة جرين بروك في الولايات المتحدة، وهي جيل متطور جداً من تقنية إزالة الأيونات بطريقة المكثف الكهربائي تيسر تحلية المياه بكفاءة عالية ومن دون الحاجة إلى طاقة مرتفعة، وتطبيقاتها الواسعة تشمل تحلية المياه من المصادر الطبيعية ومياه البحار والمياه الملوثة.
ومعروف أن الحكومة الأمريكية اعتمدت هذه التقنية الجديدة في تقرير حديث لها وسمتها (خريطة الطريق لتحلية المياه في الولايات المتحدة) واعتمدتها كسبيل لتأمين المياه للأجيال الحالية والقادمة خصوصاً مع تزايد حالات الجفاف والتزايد السكاني في العالم، وأقرت الحكومة الأمريكية أيضاً بأن هذه التقنية هي التقنية البديلة الوحيدة لتحلية المياه بكفاءة زهيدة على المدى القريب.
وأخيراً يبقى القول ما الذي يجب على دول الخليج العربية عمله لمواجهة هذا التحدي الأمني والحياتي المتمثل في ندرة المياه من حولها؟
التساؤل يعود بنا إلى مقولة المفكر الأمريكي ورجل السلام الأشهر (ديل كارنيجي) صاحب المؤسسة الشهيرة للسلام والديمقراطية في الولايات المتحدة وفيها يقول (استفد من الشدائد) ولعل الإفادة الأولى تظهر من خلال أن أزمة المياه تشكل مدخلاً لتعاون دول الخليج وتكاتفها من أجل إيجاد مصادر جديدة، فالكل يتعاون من أجل حياة أفضل للمواطن الخليجي. وعليه يصبح من الضروري على الحكومات الخليجية والمؤسسات العلمية تخصيص نسب ملائمة من ميزانياتها لأغراض البحث والتطوير في مجالات المياه المختلفة.
وإذا كانت الحكومات الخليجية تقوم على المشروعات الأساسية الموكلة للدولة فإن القطاع الخاص يستطيع المشاركة في الاستثمار في تطوير تقنيات التحلية وتوفير متطلباتها وتصنيع قطع الغيار والمواد الكيميائية اللازمة لكافة المرافق المائية، ومن هنا تأتي أهمية مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار في تطوير تقنيات المياه والأجهزة الخاصة بمراقبة نوعية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي.
أضف إلى ذلك ضرورة خلق أو تخليق ما يسمى (الوعي المائي) وهو وعي مرتبط بالأمن القومي وذلك في نفوس شعوب دول المنطقة تجاه ترشيد استهلاك المياه العذبة المتوافرة سواء في الاستخدام الآدمي أو الزراعة أو بقية الأنشطة الصناعية الأخرى؛ فنقطة ماء مهدرة اليوم تكلف كثيراً في الغد إذا حاولنا استرجاعها بما يؤثر سلباً في مسيرة التنمية.
وفي ضوء الدراسة التي أعدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة عن مستقبل المياه في المنطقة العربية، والتي توقعت ظهور عجز مائي يقدر بحوالي 261 مليار متر مكعب عام 2030 نتساءل هل حان الوقت لإطلاق مشروع مائي للألفية الثالثة يأخذ في معطياته تشابك الخيوط وتداخل الخطوط بين الأمن القومي والأمن المائي؟
أظن أن واقع الحال يحتم علينا ذلك لا سيما في ضوء المشروعات غير البريئة والمؤامرات التي تحاك ضد المنطقة في بطون الليالي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3195::/cck::
::introtext::

((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) (سورة الأنبياء – آية 30)
في أوائل العام 1961 قال الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي (لقد حققنا في العقد الماضي خطوات وإنجازات علمية استثنائية بعضها ليست مشهدية ولا لافتة مثل الصعود إلى الفضاء غير أن ما أدركناه سيتضاءل كثيراً إن لم نجد طريقاً إلى الحصول على مياه عذبة من خلال البحار وبطريقة جد تنافسية وبتكلفة أقل).

::/introtext::
::fulltext::

((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) (سورة الأنبياء – آية 30)
في أوائل العام 1961 قال الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي (لقد حققنا في العقد الماضي خطوات وإنجازات علمية استثنائية بعضها ليست مشهدية ولا لافتة مثل الصعود إلى الفضاء غير أن ما أدركناه سيتضاءل كثيراً إن لم نجد طريقاً إلى الحصول على مياه عذبة من خلال البحار وبطريقة جد تنافسية وبتكلفة أقل).
والمؤكد أن أزمة المياه، التي كان يتحدث عنها الرئيس الأمريكي الراحل، لم تكن قد احتدمت في ستينات القرن الماضي، كما هي اليوم، ولم تكن أمريكا تشكو من نقص كميات المياه اللازمة لها غير أن قرون الاستشعار الإمبراطورية عند الولايات المتحدة كانت تضع يدها على واحدة من المشكلات التي ستلقي على كاهل البشرية لا سيما في المنطقة العربية عامة والخليج العربي خاصة بتبعات جسام وخاصة عند المنظّرين والمفكرين والقادة والحكام على السواء بسبب تأثرها بأزمة ندرة المياه.
وإذا كان الماء كما يقول رب العزة أصل كل شيء حي فمن دونه تضحي البشرية أمام كارثة محققة. والتساؤل الذي نطرحه في هذا المقال: هل أزمة نقص المياه مجرد قضية هامشية أم أنها قضية حياتية من جهة وقضية أمن قومي يعبر عنها بمصطلح الأمن المائي في كافة الربوع والنجوع العربية والخليجية؟ وما هي الأبعاد الآنية لأزمة المياه الخليجية وأنجح الطرق والآليات لمجابهتها؟
بداية نشير إلى أن منطقة الخليج العربي تعاني أزمة حقيقية بسبب شح المياه فيها، ويرجع ذلك لوقوع معظم دولها في منطقة صحراوية جافة؛ وبصورة عامة لا توجد هناك أنهار جارية وإنما يقتصر الأمر على السيول التي تسببها الأمطار المتساقطة على السلاسل الجبلية والتي تتسرب بدورها إلى الأرض لتشكل المياه السطحية، أما المياه الجوفية فيتفاوت معدلها من دولة لأخرى ومن منطقة إلى أخرى داخل الدولة نفسها.
ومن المعروف أن سكان الخليج العربي قد تضاعفوا خمس مرات خلال العقود الأربعة الماضية وهذا ما انعكس على ارتفاع الطلب على المياه من 6 مليارات متر مكعب عام 1980 إلى 29.7 مليار متر مكعب عام 1995. ومن خلال الأرقام المقارنة للعام المنصرم 2005 تبين أن هناك عجزاً في موارد المياه يقارب الستة مليارات متر مكعب، وأن سد هذا العجز سيؤدي إلى ضخ ما يزيد على 30 مليار متر مكعب من الموارد الجوفية مما سيترك أثاراً على التربة والبيئة.
فهل يعني ما تقدم وجود إشكالية مائية فقط؟ الحقيقة إن الأمر يتخطى هذا الإطار، وينتقل بنا إلى العنوان موضوع المقال أي الأمن القومي المائي.
وليس بجديد القول إن الصراع القادم في العالم وفي الشرق الأوسط هو صراع على نقطة المياه وليس على براميل النفط. ومن المؤكد كذلك أن وجود إسرائيل التي تعاني من أزمة مياه حقيقية قاتلة بالقرب من العالم يمثل حالة تضاد في المصالح المائية؛ ومع تغير نظام الحكم في العراق فإن الخوف من التلاعب بمقدرات المنطقة المائية أضحى اليوم هاجساً مخيفاً لبعض دول منطقة الخليج.. ماذا يعني هذا الحديث؟
نقول إن أحدث التقارير الدولية الصادرة عبر السنوات القليلة المنصرمة أشارت إلى وجود دور تركي – إسرائيلي بالمشاركة مع عدد من الشركات العالمية الكبرى لتقديم الدراسات المسحية حول تكاليف ووسائل وطرق العمل لبدء إقامة مشروع (قناة السلام) الذي يقوم بضخ المياه من دجلة والفرات إلى إسرائيل عبر أنابيب تحت البحر مقابل موارد مالية تتلقاها تركيا من إسرائيل، وأن مجموعة من هذه الشركات و(الكارتلات) في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا قد تعهدت بتمويل هذا المشروع.
ومما لا شك فيه أن دول الخليج كافة ليس لديها قطرة ماء إضافية حتى يعمد البعض إلى سرقة ما لديها بصورة علنية وهو ما يرسخ شعوراً حقيقياً بأن حرب المياه والجفاف هي الحرب القادمة التي تهدد الدول العربية والخليجية، حيث ستصبح نقطة المياه هي محور الصراع.
وفي هذا السياق يجدر بنا التوقف أمام تصريحات الدكتور عصمت عبدالمجيد الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية التي يقول فيها إن قضية المياه قنبلة موقوتة وترتبط بالأمن الغذائي ومن دون توفير المياه اللازمة سيكون الأمن القومي العربي مهدداً في العديد من جوانبه. كما يشير كذلك إلى أن الصراع على المياه لم يعد قضية اقتصادية أو تنموية فحسب، بل أصبح مسألة أمنية واستراتيجية، مؤكداً أن المياه في الوطن العربي لا سيما في منطقة الخليج تكتسب أهمية خاصة نظراً لطبيعة الموقع الاستراتيجي للأمة العربية، حيث تقع منابع حوالي 60 في المائة من الموارد المائية خارج الأراضي العربية مما يجعلها خاضعة لسيطرة دول غير عربية تستطيع أن تستخدم المياه كأداة ضغط سياسي أو اقتصادي، الأمر الذي يزيد المسألة تعقيداً نتيجة لما يعانيه الوطن العربي من فقر مائي قد يصل في وقت قريب إلى حد الخطر مع تزايد الكثافة السكانية وعمليات التنمية المتواصلة.
ومن بين أحدث الأصوات التي انطلقت الشهر قبل الماضي محذرة من استفحال الأزمة تلك التي دوت في العاصمة المكسيكية (مكسيكو سيتي) في أواخر شهر مايو الماضي، إذ توقع المشاركون هناك في (المنتدى العالمي الرابع للمياه) أن تندلع حرب حول المياه في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر في العالم، وأنه إذا لم يحدث اتفاق بين دول المنطقة حول هذا المورد الحيوي النادر فإن الكارثة قادمة لا محالة.
غير أن ما ورد بشأن منطقة الخليج العربي يستحق التوقف أمامه لا سيما مع الحديث عن المياه الجوفية التي تعد ورقة فاعلة في مواجهة الأزمة المائية لدول الخليج العربية.
فقد أطلق المنتدى الذي عقد تحت عنوان (وضع حد لاستعمال الموارد المائية الجوفية غير القابلة للتجديد) صيحة تحذير من خطورة الإفراط في استعمال المياه الجوفية، مؤكداً في بيانه الختامي أن كثيراً من الدول العربية تعاني من تهديد خطير لأمنها المائي نظراً لاعتمادها الكبير على مخزونات المياه الجوفية التي تتقاسمها مع دول مجاورة وقلة الأمطار التي تهطل فيها والتي تقدر بنحو 2300 مليار متر مكعب سنوياً. وتقدر حجم مخزونات المياه الجوفية في العالم العربي بنحو 7800 مليار متر مكعب يتجدد منها سنويا 42 مليار متر مكعب فقط يتم استعمال 35 مليار متر مكعب منها كل عام.
وتوقع المنتدى ألا يزيد حجم المياه الجوفية الموجودة في منطقة الخليج العربي عام 2015 على 7.25 مليار متر مكعب.
وفي هذا الإطار نشير إلى الدراسة التي قدمتها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عن المياه الجوفية في منطقة الخليج والتي كشفها العالم العربي الدكتور فاروق الباز الذي صرح بأن منطقة الجزيرة العربية وبالتحديد صحراء الربع الخالي تتربع على بحر هائل من المياه العذبة إلا أنه لم يحن الوقت بعد لاستخدامها نظراً لارتفاع تكاليف الاستخراج ووجود بدائل أقل تكلفة.
غير أن هذا الكنز المائي المطمور في باطن الأرض الخليجية يمكن أن يكون أداة في المستقبل لمواجهة التهديدات المائية الخارجية، كما في المشروعات التركية – الإسرائيلية؛ ويشدد عالم الجيولوجيا المصري الأصل والذي يرأس حالياً مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن في الولايات المتحدة على الأهمية الاستراتيجية لهذه الثروة المائية الهائلة، ويشير إلى التجربة الليبية (النهر العظيم) حيث قامت ليبيا ببناء قناة طولها يزيد على ألفي كيلومتر وقطرها أربعة أمتار لسحب المياه العذبة من وسط الصحراء إلى مناطق أخرى في البلاد تكلفة بلغت مليارات الدولارات.
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القول إنه عند الاحتياج المستقبلي تدرك دول الخليج أن هناك بديلا بخلاف المياه المحلاة، غير أن هذه الأخيرة تبقى الأرخص والأفضل خاصة في دول تنتج النفط والغاز بكميات وفيرة؛ وعليه فإن التساؤل الآني هل تحلية مياه البحر هي الحل الأمثل لدول الخليج لمعالجة ظاهرة ندرة المياه؟
في الواقع تشير الإحصائيات إلى أن عدد محطات التحلية في دول مجلس التعاون بلغ نحو 70 محطة، وتقوم دول المجلس مجتمعة بتحلية 18 في المائة من احتياجاتها المائية، وتنتج نحو 9 ملايين متر مكعب من المياه، وتستأثر بنحو 65 في المائة من الإنتاج العالمي للمياه المحلاة ويتفاوت اعتماد الدول الست على المياه المحلاة فتأتي دولة الإمارات في المقدمة تليها الكويت وقطر والبحرين والسعودية وسلطنة عُمان.
كما أنه من حسن حظ العرب في السنوات القليلة الماضية وجود عالم عربي هو الدكتور (شهاب قرعان) الذي أضحى اليوم أشهر من نار على علم في الولايات المتحدة الأمريكية في إطار عمليات تحلية مياه البحر لا سيما أنه مكتشف طريق تحلية المياه بطريقة (المكثف الكهربائي) وهي تقنية طورها هو وزميله مارك أندلمان في مقرهما بشركة (سنابل للمياه) بمنطقة جرين بروك في الولايات المتحدة، وهي جيل متطور جداً من تقنية إزالة الأيونات بطريقة المكثف الكهربائي تيسر تحلية المياه بكفاءة عالية ومن دون الحاجة إلى طاقة مرتفعة، وتطبيقاتها الواسعة تشمل تحلية المياه من المصادر الطبيعية ومياه البحار والمياه الملوثة.
ومعروف أن الحكومة الأمريكية اعتمدت هذه التقنية الجديدة في تقرير حديث لها وسمتها (خريطة الطريق لتحلية المياه في الولايات المتحدة) واعتمدتها كسبيل لتأمين المياه للأجيال الحالية والقادمة خصوصاً مع تزايد حالات الجفاف والتزايد السكاني في العالم، وأقرت الحكومة الأمريكية أيضاً بأن هذه التقنية هي التقنية البديلة الوحيدة لتحلية المياه بكفاءة زهيدة على المدى القريب.
وأخيراً يبقى القول ما الذي يجب على دول الخليج العربية عمله لمواجهة هذا التحدي الأمني والحياتي المتمثل في ندرة المياه من حولها؟
التساؤل يعود بنا إلى مقولة المفكر الأمريكي ورجل السلام الأشهر (ديل كارنيجي) صاحب المؤسسة الشهيرة للسلام والديمقراطية في الولايات المتحدة وفيها يقول (استفد من الشدائد) ولعل الإفادة الأولى تظهر من خلال أن أزمة المياه تشكل مدخلاً لتعاون دول الخليج وتكاتفها من أجل إيجاد مصادر جديدة، فالكل يتعاون من أجل حياة أفضل للمواطن الخليجي. وعليه يصبح من الضروري على الحكومات الخليجية والمؤسسات العلمية تخصيص نسب ملائمة من ميزانياتها لأغراض البحث والتطوير في مجالات المياه المختلفة.
وإذا كانت الحكومات الخليجية تقوم على المشروعات الأساسية الموكلة للدولة فإن القطاع الخاص يستطيع المشاركة في الاستثمار في تطوير تقنيات التحلية وتوفير متطلباتها وتصنيع قطع الغيار والمواد الكيميائية اللازمة لكافة المرافق المائية، ومن هنا تأتي أهمية مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار في تطوير تقنيات المياه والأجهزة الخاصة بمراقبة نوعية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي.
أضف إلى ذلك ضرورة خلق أو تخليق ما يسمى (الوعي المائي) وهو وعي مرتبط بالأمن القومي وذلك في نفوس شعوب دول المنطقة تجاه ترشيد استهلاك المياه العذبة المتوافرة سواء في الاستخدام الآدمي أو الزراعة أو بقية الأنشطة الصناعية الأخرى؛ فنقطة ماء مهدرة اليوم تكلف كثيراً في الغد إذا حاولنا استرجاعها بما يؤثر سلباً في مسيرة التنمية.
وفي ضوء الدراسة التي أعدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة عن مستقبل المياه في المنطقة العربية، والتي توقعت ظهور عجز مائي يقدر بحوالي 261 مليار متر مكعب عام 2030 نتساءل هل حان الوقت لإطلاق مشروع مائي للألفية الثالثة يأخذ في معطياته تشابك الخيوط وتداخل الخطوط بين الأمن القومي والأمن المائي؟
أظن أن واقع الحال يحتم علينا ذلك لا سيما في ضوء المشروعات غير البريئة والمؤامرات التي تحاك ضد المنطقة في بطون الليالي.

::/fulltext::
::cck::3195::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *