البرنامج النووي الإيراني وأمن الخليج
::cck::3216::/cck::
::introtext::
فجّر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في التاسع من أبريل 2006 بإعلانه تخصيب بلاده لليورانيوم مفاجأة مدوية على الصعيدين الإقليمي والدولي في ظل ضغوط دولية كانت تقودها الولايات المتحدة لإجبار إيران على الامتثال للقواعد التي تحددها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووقف عملياتها لتخصيب اليورانيوم، إلا أن إيران لم تلق لهم بالاً، واستمرت في عملياتها مراهنة على كسب الوقت حتى كانت مفاجأة نجاد المتوقعة من جانب الخبراء في المجال النووي، وقد أحدثت هذه المفاجأة ردود أفعال متنوعة بين الغضب والتوتر والترقب والحذر، فالولايات المتحدة تملكها الغضب، وبات التوتر هو السمة الغالبة للعلاقات الأمريكية-الإيرانية، إذ تسعى واشنطن بكل السبل إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي الذي يهدد أمن ربيبتها إسرائيل في المنطقة، لذا فإن السعي الأمريكي يدور في اتجاه فرض عقوبات رادعة ضد طهران قد تصل إلى استخدام القوة طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو ما ترفضه كل من الصين وروسيا اللتين دعتا إلى تعليق الموقف حتى صدور تقرير المدير العام للوكالة الدولية للط
::/introtext::
::fulltext::
فجّر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في التاسع من أبريل 2006 بإعلانه تخصيب بلاده لليورانيوم مفاجأة مدوية على الصعيدين الإقليمي والدولي في ظل ضغوط دولية كانت تقودها الولايات المتحدة لإجبار إيران على الامتثال للقواعد التي تحددها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووقف عملياتها لتخصيب اليورانيوم، إلا أن إيران لم تلق لهم بالاً، واستمرت في عملياتها مراهنة على كسب الوقت حتى كانت مفاجأة نجاد المتوقعة من جانب الخبراء في المجال النووي، وقد أحدثت هذه المفاجأة ردود أفعال متنوعة بين الغضب والتوتر والترقب والحذر، فالولايات المتحدة تملكها الغضب، وبات التوتر هو السمة الغالبة للعلاقات الأمريكية-الإيرانية، إذ تسعى واشنطن بكل السبل إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي الذي يهدد أمن ربيبتها إسرائيل في المنطقة، لذا فإن السعي الأمريكي يدور في اتجاه فرض عقوبات رادعة ضد طهران قد تصل إلى استخدام القوة طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو ما ترفضه كل من الصين وروسيا اللتين دعتا إلى تعليق الموقف حتى صدور تقرير المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي بشأن أنشطة إيران لتخصيب اليورانيوم.
وأحدثت مفاجأة إيران انقساماً على مستوى الرأي العام العربي عامة والخليجي خاصة، حيث كان هناك تفاوت واضح بين التأييد والرفض لإعلان إيران تخصيب اليورانيوم، فالمؤيدون بنوا مواقفهم استنادا إلى حقائق عديدة منها، أن إيران لم تمتلك أسلحة نووية بعد، فكل ما فعلته إيران هو تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.5 في المائة وهذه النسبة لا تمكنها بأي حال من الأحوال من إنتاج القنبلة الذرية، كما أن مفاعل إيران النووي (بوشهر) لا يمكن استخدامه وسيلة لتهديد الدول المشاطئة له على الجانب الآخر من الخليج، لكنه قد يسبب أخطاراً في حالة حدوث تسرب إشعاعي منه أو تعرضه للعدوان الخارجي، وأكثر من ذلك سعي إيران إلى طمأنة دول الخليج العربية، بأن البرنامج الإيراني لا يشكل تهديداً لها، وفي هذا الإطار جاءت زيارة الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني والذي يرأس حالياً مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران، للكويت ولقاءه الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح، ورئيس مجلس الأمة الكويتي جاسم الخرافي في 17 إبريل 2006، في محاولة من جانبه لتبديد مخاوف الدول الخليجية الست من أثر إعلان بلاده تخصيب اليورانيوم، وفي الوقت نفسه محاولة تحييدهم إذا أرادت الولايات المتحدة الحرب.
كما تستند مواقف الرأي العام المؤيدة لإيران على أساس أنه من حق أية دولة أن تبذل ما في وسعها لضمان أمنها واستقرارها، خاصة في ظل وجود قوى نووية تحيط بها وهي الهند وباكستان وإسرائيل. هذا فضلا عن وجود فتاوى دينية سابقة صادرة عن مؤسسات عربية دينية موثوق بها (لجنة الفتوى في الأزهر الشريف) تجيز للمسلمين امتلاك السلاح النووي كشرط أساسي لتحقيق ما يسمى (توازن الردع النووي) وللخروج من أسر القوة العظمى التي لا تقهر.
إلا أن قطاعات أخرى من الرأي العام أبدت اعتراضها على احتمالات امتلاك إيران للسلاح النووي على أساس أن ذلك يضع دول الخليج العربية بين شقي الرحى في حالة نشوب المواجهة المحتملة بين الطرفين المتصارعين إيران من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر، وما يرتبه ذلك من تداعيات تطال أمن الخليج. ولعل ما يعبر عن هذا القلق الخليجي ما كتبه الكاتب الصحفي طارق الحميد، رئيس تحرير جريدة (الشرق الأوسط) في عدد الجريدة بتاريخ 20/4/2006 بقوله: (مشكلة إيران أنها خطيرة من دون طاقة نووية، فإيران في لبنان، وفي العراق، وأصابعها في البحرين، وتحتل ثلاث جزر إماراتية، وأنفاسها في الشام، وباتت قبلة (حماس) ولو بالابتسامات، وعلى أراضيها بعض من قيادات القاعدة، إيران أكبر من أن يتجاهلها السياسي، وأخطر من أن يركن إليها مريدو الاستقرار) موضحاً براجماتية إيران في التعامل مع ملفات المنطقة، فبالأمس القريب فتحت أجواءها للأمريكيين في الحرب على أفغانستان، والتزمت الصمت الإيجابي في العدوان الأمريكي على العراق، وهي في الوقت نفسه الذي تدين فيه المحتل الأمريكي، نجدها تقوم بفتح سفارات وقنصليات في العراق تحت سلطة الاحتلال لتستفيد من الفرصة القائمة لتثبيت نفوذها في العراق، كما أن زعماء المسلمين السنة في العالم العربي عامة يخشون من أن تكون إيران راغبة في تطويق نفوذ السنة لحساب هيمنة الشيعة على المنطقة العربية، ولعل التعبيرالشائع في أوساط الرأي العام العربي إزاء هذا الموقف ما قاله الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن معبراً عن تخوفه من طموح إيراني نحو فرض هيمنة شيعية تامة على المنطقة العربية، ويشاركه التخوف نفسه عصام العريان القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
وبعيداً عن المواقف الانفعالية للرأي العام العربي والخليجي، فإن دول مجلس التعاون الخليجي لم تنف مخاوفها ورفضها للبرنامج النووي الإيراني، فقد أعلنت ذلك مرارا في مناسبات عديدة، حيث أكدت ذلك بيانات القمم الخليجية المتلاحقة سواء بشكل غير مباشر، أو بالنص صراحة على إيران مثلما حدث في قمة الدوحة عام 1996، حيث أشار بيانها الختامي إلى قلق دول المجلس من سعي إيران المتواصل لاقتناء وبناء ترسانات من أسلحة الدمار الشامل. وانتهاء بقمة أبوظبي الخليجية المنعقدة في 19 ديسمبر 2005، حيث أعرب زعماء دول المجلس عن قلقهم إزاء البرنامج النووي الإيراني.
كما أن تصريحات المسؤولين في هذه الدول لا تخلو من إشارة إلى ذلك، حيث أكد الشيخ محمد الصباح وزير الخارجية الكويتي عقب إعلان إيران تخصيب اليورانيوم على ضرورة إخضاع البرنامج النووي الإيراني لضوابط الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن قبل أعلن عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أن البرنامج النووي الإيراني ليس له ما يبرره خاصة في ظل المطالبة الإقليمية بجعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. كما أوضح وزير خارجية الإمارات السابق راشد النعيمي أن دول الخليج تشعر بقلق بالغ بخصوص مفاعل (بوشهر) النووي الإيراني، مؤكدا أنه إذا حدث خطأ هناك فسيلحق ذلك أضراراً بالغة بدول الخليج. والحاصل أن هناك موقفاً واضحاً وعليه إجماع من دول الخليج بشأن القلق والرفض للبرنامج النووي الإيراني إلا أن السياسة الخليجية تنتهج نهج الصبر والحكمة وعدم التسرع وتعول كثيراً على الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة بين إيران والغرب، فهي لا تود أن تجد نفسها متورطة في أتون مواجهة لا تبقي ولا تذر بين الطرفين المتصارعين تكون ضحيتها دول الخليج العربية وعلى كافة المستويات البشرية والمادية والاقتصادية والبيئية.
وهناك العديد من القيود التي تحد من الموقف الخليجي العام وتجعله غير راغب في اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه البرنامج النووي الإيراني ومنها أن إيران الدولة الجارة الكبيرة والتي لها علاقات تاريخية مع الدول العربية بحكم الانتماء جميعاً للأمة الإسلامية، واتخاذ إيران مواقف إيجابية في القضايا التي تخص العالمين العربي والإسلامي وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب أن نسبة كبيرة من سكان الخليج تعود جذورهم إلى أصول فارسية ومعظمهم ينتمون للمذهب الشيعي، هذا فضلاً عن إعلان إيران ذاتها أن برنامجها النووي سلمي وأنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، بل تسعى إلى الحصول على ستة آلاف ميجاوات من الطاقة النووية بهدف تأمين 20 في المائة من طاقتها الكهربائية. ورغم تأكيد الخبراء الدوليين في مجال الطاقة النووية أن قدرات البرنامج النووي الإيراني الحالية لا تسمح له بإنتاج أسلحة نووية التي يحتاج تصنيعها إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المائة في حين أن النسبة التي حققتها إيران والمسموح بها دوليا لا تتجاوز 3.5 في المائة والتي يشكك فيها أساساً المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أن الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة تتشكك في نية إيران النووية، وتتهمها بأنها تسعى إلى الحصول على الأسلحة النووية، وتسعى جاهدة لمنعها من ذلك باعتبارها دولة من خارج المنظومة الغربية وهي في نظرها إحدى دول (محور الشر)، في حين أن إسرائيل التي هي الأخطر على الدول العربية تنفرد دون سواها في المنطقة بامتلاكها لأسلحة الدمار الشامل الموجهة أساساً للدول العربية والتي تغض أمريكا والغرب الطرف عنها وهم الذين زودوها بأحدث التقنيات النووية. فلا يعقل أن تهاجم الدول الخليجية البرنامج النووي الإيراني السلمي، في حين تتجاهل البرنامج الأخطر الذي أنتج بالفعل المئات من الرؤوس النووية المسلطة على رقاب كل العرب.
ومع كل هذه القيود التي لا تخلو من وجاهة، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن تطوير قدرات البرنامج النووي الإيراني يخلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، ويجلب التهديدات لأمن دول الخليج، ويزيد من سباق التسلح نحو أسلحة الدمار الشامل في المنطقة العربية، ويعطي إسرائيل مبرراً قوياً لاستمرار امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل رغم المطالب المستمرة بإخلاء الشرق الأوسط منها.
ولكن الخطر يتزايد في ظل الوجود الأمريكي في منطقة الخليج العربي على خط تماس واحد في مواجهة إيران، وهنا مكمن التحدي لدول الخليج، فهي لديها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة ترقى لدرجة الحليف الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه لا ترغب هذه الدول في معاداة إيران الدولة ذات الثقل في المنطقة. ويخشى لا قدر الله من قيام مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أن تطال رحى هذه المواجهة دول الخليج العربية كافة خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن علاقات التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وهذه الدول (عدا المملكة العربية السعودية) قد تتطلب تقديم الدعم والتسهيلات اللوجستية للعمليات العسكرية ضد إيران أو تنطلق الهجمات الأمريكية من أراض خليجية، الأمر الذي قد يجعل إيران مضطرة لمهاجمة القواعد الأمريكية في الخليج أو اتباع سياسة الحريق الشامل أو إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، مما قد يعرض اقتصادات دول الخليج القائمة على تصدير النفط للاهتزاز وربما الانهيار، الأمر الذي قد يهدد بقيام حرب إقليمية شاملة.
خلاصة القول إن أمن الخليج رغم ارتباط معظم دوله باتفاقات دفاعية وأمنية مع الولايات المتحدة والدول الغربية إلا أنه لايزال معرضاً للخطر، وهذا الأمر يستوجب البحث عن صيغ جديدة لأمن الخليج تقوم أساساً على القدرات الذاتية المشتركة لدول الخليج كافة من خلال منظومة أمنية عربية مشتركة توفر الأمن للجميع، كما أثبتت التجارب أنه لا يمكن استبعاد إيران من أي ترتيبات أمنية في الخليج. فالأمن في الخليج مسؤولية جميع أطرافه، والآن فإن الموقف الذي يمكن القيام به واقعياً هو مساندة كل الجهود الرامية لحل الأزمة النووية بين طهران والغرب سلمياً، وضرورة المطالبة بجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في إطار معايير دولية عادلة لا تستثني أحداً بحيث يكون نزع أسلحة الدمار الشامل من الجميع وإلا فإن البديل الوحيد سيكون السلاح للجميع.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3216::/cck::
::introtext::
فجّر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في التاسع من أبريل 2006 بإعلانه تخصيب بلاده لليورانيوم مفاجأة مدوية على الصعيدين الإقليمي والدولي في ظل ضغوط دولية كانت تقودها الولايات المتحدة لإجبار إيران على الامتثال للقواعد التي تحددها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووقف عملياتها لتخصيب اليورانيوم، إلا أن إيران لم تلق لهم بالاً، واستمرت في عملياتها مراهنة على كسب الوقت حتى كانت مفاجأة نجاد المتوقعة من جانب الخبراء في المجال النووي، وقد أحدثت هذه المفاجأة ردود أفعال متنوعة بين الغضب والتوتر والترقب والحذر، فالولايات المتحدة تملكها الغضب، وبات التوتر هو السمة الغالبة للعلاقات الأمريكية-الإيرانية، إذ تسعى واشنطن بكل السبل إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي الذي يهدد أمن ربيبتها إسرائيل في المنطقة، لذا فإن السعي الأمريكي يدور في اتجاه فرض عقوبات رادعة ضد طهران قد تصل إلى استخدام القوة طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو ما ترفضه كل من الصين وروسيا اللتين دعتا إلى تعليق الموقف حتى صدور تقرير المدير العام للوكالة الدولية للط
::/introtext::
::fulltext::
فجّر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في التاسع من أبريل 2006 بإعلانه تخصيب بلاده لليورانيوم مفاجأة مدوية على الصعيدين الإقليمي والدولي في ظل ضغوط دولية كانت تقودها الولايات المتحدة لإجبار إيران على الامتثال للقواعد التي تحددها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووقف عملياتها لتخصيب اليورانيوم، إلا أن إيران لم تلق لهم بالاً، واستمرت في عملياتها مراهنة على كسب الوقت حتى كانت مفاجأة نجاد المتوقعة من جانب الخبراء في المجال النووي، وقد أحدثت هذه المفاجأة ردود أفعال متنوعة بين الغضب والتوتر والترقب والحذر، فالولايات المتحدة تملكها الغضب، وبات التوتر هو السمة الغالبة للعلاقات الأمريكية-الإيرانية، إذ تسعى واشنطن بكل السبل إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي الذي يهدد أمن ربيبتها إسرائيل في المنطقة، لذا فإن السعي الأمريكي يدور في اتجاه فرض عقوبات رادعة ضد طهران قد تصل إلى استخدام القوة طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو ما ترفضه كل من الصين وروسيا اللتين دعتا إلى تعليق الموقف حتى صدور تقرير المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي بشأن أنشطة إيران لتخصيب اليورانيوم.
وأحدثت مفاجأة إيران انقساماً على مستوى الرأي العام العربي عامة والخليجي خاصة، حيث كان هناك تفاوت واضح بين التأييد والرفض لإعلان إيران تخصيب اليورانيوم، فالمؤيدون بنوا مواقفهم استنادا إلى حقائق عديدة منها، أن إيران لم تمتلك أسلحة نووية بعد، فكل ما فعلته إيران هو تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.5 في المائة وهذه النسبة لا تمكنها بأي حال من الأحوال من إنتاج القنبلة الذرية، كما أن مفاعل إيران النووي (بوشهر) لا يمكن استخدامه وسيلة لتهديد الدول المشاطئة له على الجانب الآخر من الخليج، لكنه قد يسبب أخطاراً في حالة حدوث تسرب إشعاعي منه أو تعرضه للعدوان الخارجي، وأكثر من ذلك سعي إيران إلى طمأنة دول الخليج العربية، بأن البرنامج الإيراني لا يشكل تهديداً لها، وفي هذا الإطار جاءت زيارة الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني والذي يرأس حالياً مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران، للكويت ولقاءه الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح، ورئيس مجلس الأمة الكويتي جاسم الخرافي في 17 إبريل 2006، في محاولة من جانبه لتبديد مخاوف الدول الخليجية الست من أثر إعلان بلاده تخصيب اليورانيوم، وفي الوقت نفسه محاولة تحييدهم إذا أرادت الولايات المتحدة الحرب.
كما تستند مواقف الرأي العام المؤيدة لإيران على أساس أنه من حق أية دولة أن تبذل ما في وسعها لضمان أمنها واستقرارها، خاصة في ظل وجود قوى نووية تحيط بها وهي الهند وباكستان وإسرائيل. هذا فضلا عن وجود فتاوى دينية سابقة صادرة عن مؤسسات عربية دينية موثوق بها (لجنة الفتوى في الأزهر الشريف) تجيز للمسلمين امتلاك السلاح النووي كشرط أساسي لتحقيق ما يسمى (توازن الردع النووي) وللخروج من أسر القوة العظمى التي لا تقهر.
إلا أن قطاعات أخرى من الرأي العام أبدت اعتراضها على احتمالات امتلاك إيران للسلاح النووي على أساس أن ذلك يضع دول الخليج العربية بين شقي الرحى في حالة نشوب المواجهة المحتملة بين الطرفين المتصارعين إيران من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر، وما يرتبه ذلك من تداعيات تطال أمن الخليج. ولعل ما يعبر عن هذا القلق الخليجي ما كتبه الكاتب الصحفي طارق الحميد، رئيس تحرير جريدة (الشرق الأوسط) في عدد الجريدة بتاريخ 20/4/2006 بقوله: (مشكلة إيران أنها خطيرة من دون طاقة نووية، فإيران في لبنان، وفي العراق، وأصابعها في البحرين، وتحتل ثلاث جزر إماراتية، وأنفاسها في الشام، وباتت قبلة (حماس) ولو بالابتسامات، وعلى أراضيها بعض من قيادات القاعدة، إيران أكبر من أن يتجاهلها السياسي، وأخطر من أن يركن إليها مريدو الاستقرار) موضحاً براجماتية إيران في التعامل مع ملفات المنطقة، فبالأمس القريب فتحت أجواءها للأمريكيين في الحرب على أفغانستان، والتزمت الصمت الإيجابي في العدوان الأمريكي على العراق، وهي في الوقت نفسه الذي تدين فيه المحتل الأمريكي، نجدها تقوم بفتح سفارات وقنصليات في العراق تحت سلطة الاحتلال لتستفيد من الفرصة القائمة لتثبيت نفوذها في العراق، كما أن زعماء المسلمين السنة في العالم العربي عامة يخشون من أن تكون إيران راغبة في تطويق نفوذ السنة لحساب هيمنة الشيعة على المنطقة العربية، ولعل التعبيرالشائع في أوساط الرأي العام العربي إزاء هذا الموقف ما قاله الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن معبراً عن تخوفه من طموح إيراني نحو فرض هيمنة شيعية تامة على المنطقة العربية، ويشاركه التخوف نفسه عصام العريان القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
وبعيداً عن المواقف الانفعالية للرأي العام العربي والخليجي، فإن دول مجلس التعاون الخليجي لم تنف مخاوفها ورفضها للبرنامج النووي الإيراني، فقد أعلنت ذلك مرارا في مناسبات عديدة، حيث أكدت ذلك بيانات القمم الخليجية المتلاحقة سواء بشكل غير مباشر، أو بالنص صراحة على إيران مثلما حدث في قمة الدوحة عام 1996، حيث أشار بيانها الختامي إلى قلق دول المجلس من سعي إيران المتواصل لاقتناء وبناء ترسانات من أسلحة الدمار الشامل. وانتهاء بقمة أبوظبي الخليجية المنعقدة في 19 ديسمبر 2005، حيث أعرب زعماء دول المجلس عن قلقهم إزاء البرنامج النووي الإيراني.
كما أن تصريحات المسؤولين في هذه الدول لا تخلو من إشارة إلى ذلك، حيث أكد الشيخ محمد الصباح وزير الخارجية الكويتي عقب إعلان إيران تخصيب اليورانيوم على ضرورة إخضاع البرنامج النووي الإيراني لضوابط الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن قبل أعلن عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أن البرنامج النووي الإيراني ليس له ما يبرره خاصة في ظل المطالبة الإقليمية بجعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. كما أوضح وزير خارجية الإمارات السابق راشد النعيمي أن دول الخليج تشعر بقلق بالغ بخصوص مفاعل (بوشهر) النووي الإيراني، مؤكدا أنه إذا حدث خطأ هناك فسيلحق ذلك أضراراً بالغة بدول الخليج. والحاصل أن هناك موقفاً واضحاً وعليه إجماع من دول الخليج بشأن القلق والرفض للبرنامج النووي الإيراني إلا أن السياسة الخليجية تنتهج نهج الصبر والحكمة وعدم التسرع وتعول كثيراً على الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة بين إيران والغرب، فهي لا تود أن تجد نفسها متورطة في أتون مواجهة لا تبقي ولا تذر بين الطرفين المتصارعين تكون ضحيتها دول الخليج العربية وعلى كافة المستويات البشرية والمادية والاقتصادية والبيئية.
وهناك العديد من القيود التي تحد من الموقف الخليجي العام وتجعله غير راغب في اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه البرنامج النووي الإيراني ومنها أن إيران الدولة الجارة الكبيرة والتي لها علاقات تاريخية مع الدول العربية بحكم الانتماء جميعاً للأمة الإسلامية، واتخاذ إيران مواقف إيجابية في القضايا التي تخص العالمين العربي والإسلامي وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب أن نسبة كبيرة من سكان الخليج تعود جذورهم إلى أصول فارسية ومعظمهم ينتمون للمذهب الشيعي، هذا فضلاً عن إعلان إيران ذاتها أن برنامجها النووي سلمي وأنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، بل تسعى إلى الحصول على ستة آلاف ميجاوات من الطاقة النووية بهدف تأمين 20 في المائة من طاقتها الكهربائية. ورغم تأكيد الخبراء الدوليين في مجال الطاقة النووية أن قدرات البرنامج النووي الإيراني الحالية لا تسمح له بإنتاج أسلحة نووية التي يحتاج تصنيعها إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المائة في حين أن النسبة التي حققتها إيران والمسموح بها دوليا لا تتجاوز 3.5 في المائة والتي يشكك فيها أساساً المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أن الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة تتشكك في نية إيران النووية، وتتهمها بأنها تسعى إلى الحصول على الأسلحة النووية، وتسعى جاهدة لمنعها من ذلك باعتبارها دولة من خارج المنظومة الغربية وهي في نظرها إحدى دول (محور الشر)، في حين أن إسرائيل التي هي الأخطر على الدول العربية تنفرد دون سواها في المنطقة بامتلاكها لأسلحة الدمار الشامل الموجهة أساساً للدول العربية والتي تغض أمريكا والغرب الطرف عنها وهم الذين زودوها بأحدث التقنيات النووية. فلا يعقل أن تهاجم الدول الخليجية البرنامج النووي الإيراني السلمي، في حين تتجاهل البرنامج الأخطر الذي أنتج بالفعل المئات من الرؤوس النووية المسلطة على رقاب كل العرب.
ومع كل هذه القيود التي لا تخلو من وجاهة، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن تطوير قدرات البرنامج النووي الإيراني يخلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، ويجلب التهديدات لأمن دول الخليج، ويزيد من سباق التسلح نحو أسلحة الدمار الشامل في المنطقة العربية، ويعطي إسرائيل مبرراً قوياً لاستمرار امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل رغم المطالب المستمرة بإخلاء الشرق الأوسط منها.
ولكن الخطر يتزايد في ظل الوجود الأمريكي في منطقة الخليج العربي على خط تماس واحد في مواجهة إيران، وهنا مكمن التحدي لدول الخليج، فهي لديها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة ترقى لدرجة الحليف الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه لا ترغب هذه الدول في معاداة إيران الدولة ذات الثقل في المنطقة. ويخشى لا قدر الله من قيام مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أن تطال رحى هذه المواجهة دول الخليج العربية كافة خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن علاقات التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وهذه الدول (عدا المملكة العربية السعودية) قد تتطلب تقديم الدعم والتسهيلات اللوجستية للعمليات العسكرية ضد إيران أو تنطلق الهجمات الأمريكية من أراض خليجية، الأمر الذي قد يجعل إيران مضطرة لمهاجمة القواعد الأمريكية في الخليج أو اتباع سياسة الحريق الشامل أو إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، مما قد يعرض اقتصادات دول الخليج القائمة على تصدير النفط للاهتزاز وربما الانهيار، الأمر الذي قد يهدد بقيام حرب إقليمية شاملة.
خلاصة القول إن أمن الخليج رغم ارتباط معظم دوله باتفاقات دفاعية وأمنية مع الولايات المتحدة والدول الغربية إلا أنه لايزال معرضاً للخطر، وهذا الأمر يستوجب البحث عن صيغ جديدة لأمن الخليج تقوم أساساً على القدرات الذاتية المشتركة لدول الخليج كافة من خلال منظومة أمنية عربية مشتركة توفر الأمن للجميع، كما أثبتت التجارب أنه لا يمكن استبعاد إيران من أي ترتيبات أمنية في الخليج. فالأمن في الخليج مسؤولية جميع أطرافه، والآن فإن الموقف الذي يمكن القيام به واقعياً هو مساندة كل الجهود الرامية لحل الأزمة النووية بين طهران والغرب سلمياً، وضرورة المطالبة بجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في إطار معايير دولية عادلة لا تستثني أحداً بحيث يكون نزع أسلحة الدمار الشامل من الجميع وإلا فإن البديل الوحيد سيكون السلاح للجميع.
::/fulltext::
::cck::3216::/cck::
