البعد المائي للصراع في العلاقات الدولية
::cck::3204::/cck::
::introtext::
الماء والحضارة متلازمان، والماء والحياة صنوان، ولقد قامت الحضارات القديمة حول مصادر المياه التي أكسبتها قوة سياسية واقتصادية كالحضارة الفرعونية التي ترعرعت على ضفاف النيل في العصور الغابرة، وما زلنا نقر في كتب الجغرافيا والتاريخ: (مصر هبة النيل)، وكذلك الحضارة البابلية التي احتضنها دجلة والفرات في العراق والتي سميت حضارة بلاد الرافدين.
::/introtext::
::fulltext::
الماء والحضارة متلازمان، والماء والحياة صنوان، ولقد قامت الحضارات القديمة حول مصادر المياه التي أكسبتها قوة سياسية واقتصادية كالحضارة الفرعونية التي ترعرعت على ضفاف النيل في العصور الغابرة، وما زلنا نقر في كتب الجغرافيا والتاريخ: (مصر هبة النيل)، وكذلك الحضارة البابلية التي احتضنها دجلة والفرات في العراق والتي سميت حضارة بلاد الرافدين.
وجاء الإسلام ليؤكد في القرآن الكريم أن الحياة مع وجود الماء، فقال تعالى: ((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) (سورة الأنبياء-30)، وظهر هذا جلياً في حياة العرب الذين كانوا يرتحلون في الجزيرة العربية ليستقروا حول منابع المياه ومصادر الكلأ.
وتطوى صفحة التاريخ القديم لتبرز صفحة من التاريخ المعاصر في الشرق الأوسط يدور فيها الصراع حول مصادر المياه بين الدول العربية المتمثلة في سوريا والعراق والأردن ومصر من جهة وبين إسرائيل وتركيا وأثيوبيا من جهة أخرى، حتى إن كثيراً من الساسة والمحللين الاقتصاديين يرون أن الحرب المستقبلية ستكون حرباً حول المياه عنصر الحياة الأول.
البعد السياسي للصراع المائي في منطقة الشرق الأوسط:
تكمن الأزمة المائية في منطقة الشرق الأوسط في ندرة المياه فيها، إضافةً إلى تحكم دول المنبع ببعض مصادر المياه وقيامها بفرض نفوذها على هذه المياه مما يشكل تهديداً على بعض الدول الأخرى. وقبل الولوج في الجانب السياسي للأزمة لابد لنا من الإشارة إلى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ظهور الأزمة المائية في الوطن العربي المرجحة لتكون ساحة للاقتتال حول المياه بين العرب وإسرائيل، ومن هذه الأسباب: المناخ الصحراوي الذي يسود المنطقة الجغرافية للوطن العربي، والمعروف أيضاً أن هذا النمط يشتهر بارتفاع درجة الحرارة فيه إلى مستويات عالية، ولا يستغرب في ظل وجود مثل هذه الطبيعة المناخية القاسية أن يندر عنصر المياه فيها نتيجة ما تمتاز به من جفاف، بالإضافة إلى التزايد الرهيب في عدد السكان الأمر الذي يؤدي إلى زيادة استهلاك الفرد من المياه. ولا يغيب عن البال التطور في كل من القطاعين الاقتصادي والزراعي، الذي يؤدي بدرجة أو بأخرى إلى استهلاك أكبر من المياه في المنطقة أما العنصر الأخير المسبب كذلك للأزمة المائية العربية فهو عنصر شديد الحساسية وهو الأمن، فعنصر الأمن القومي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن المائي ويشكلان معاً هاجساً لكل من الدول العربية وغيرها وبالأخص إسرائيل. هذه بعض الأسباب الأساسية في مسألة أزمة المياه التي تساهم في تفاقم مسألة الصراع في الشرق الأوسط.
لقد حاول الكثير من المفكرين ورجال السياسة الاجتهاد والبحث في قضية الصراع حول المياه في كثير من دول العالم، وليس منطقة الشرق الأوسط فحسب، إلا أن كثيراً من الدراسات والأبحاث خلصت إلى نتيجة مفادها وجود فريقين أو اتجاهين في قضية الصراع المائي: الاتجاه الأول يقول حسب قراءته للمعطيات والمؤشرات التي لها صلة بالصراع المائي أن هنالك فتيل حرب طاحنة سيشعل في الشرق الأوسط وستتصارع الدول فيما بينها على المياه ويرجح كثير من المستشرفين لمستقبل الصراع أنه سيدور بين العرب وإسرائيل. أما الاتجاه الثاني فهو مخالف للأول فيعتقد أنصاره أن احتمال قيام الحرب حول المياه هو احتمال ضعيف ولا يمكن التعويل عليه بدرجة كبيرة، ويزعم هؤلاء أن هنالك نمطاً من التفاعلات الدولية سوف يحدث بين الدول والذي سيترجم في صيغ تعاون مشتركة تتمخض عنها اتفاقيات تعاون مشتركة في ما يخص القضايا المائية.
لكننا لو قرأنا الأوضاع الحالية أو التي مضت في نمط التعامل الذي تنتهجه الدول فيما بينها تجاه قضية الصراع المائي لرجحت كفة الميزان لصالح أنصار الاتجاه الأول الذي يعوّل بنسبة كبيرة على نشوب صراع بين الدول بسبب الماء في الشرق الأوسط.
وقد تحل بعض المشكلات المائية التي يصل مداها في بعض الأحيان إلى ذروة نشوب حرب أو صراع، لكن هذا لا يمنع أن هناك بعض القضايا قد حّلت بطرق معينة أدت إلى إطفاء شرارة الخلاف وذلك بالوصول إلى حل وسط بين أطراف الصراع المتنازعة. فلو اتخذنا من مبدأ (سيادة المصالح العليا) حلاً لكلا الطرفين فإننا يمكن أن نلمس تأثير هذا المبدأ في السياسات المائية بمناطق أخرى من العالم. فرغم الخصومة الشديدة بين الهند وباكستان، إلا أنهما اتفقا – بفضل تسهيلات البنك الدولي – على توزيع عادل لحصص مياه نهر الإندوس، وحرص كل طرف – في جميع الصدامات التي دارت رحاها بينهما – على تجنب المساس بمنشآت المياه لدى الطرف الآخر، ولم يسمح للعداوة بينهما أن تعوق العمل المشترك لإدارة عملية تنظيم المياه، وقد يكون مبدأ سيادة المصالح العليا قد نجح في حل بعض القضايا، لكنه لا يتمتع بالقوة اللازمة لتجنب الصراع بين العرب وإسرائيل عن طريق إيجاد مواقف إيجابية تساهم ولو بشكل غير مباشر في التخفيف من حدة الصراع وحقن الدماء بين الطرفين.
ومما يزيد من قوة الاتجاه الأول هو التوجه الإسرائيلي الواضح والصريح نحو التجهيز لمثل هذا النوع من الحروب، فحصول إسرائيل على المياه العربية أمر تسعى إليه جاهدةً وذلك كون المياه تشكل شريان حياة الكيان الصهيوني وتدعم مسيرة الاتجاه نحو الإمبراطورية الإسرائيلية من الفرات إلى النيل. وعليه فإن حلم إسرائيل الكبرى لن يتحقق إلا من خلال قطرة الماء، فإسرائيل التوراتية إرث أسباط إسرائيل الاثني عشر هي كما ورد في النص التوراتي: (كل موقع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته، كما كلمت موسى من البركة ولبنان، هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، وإلى البحر الكبير نحو المغيب يكون تخمكم). ومما يؤكد عزم إسرائيل على التوجه نحو هذه الحرب المستقبلية هو استناد الإسرائيليين على موروثهم الديني لتبرير قيامهم بتلك الممارسات الجشعة في سرقة المياه العربية، كما أن حصول إسرائيل على المياه العربية هو بمثابة ورقة سياسية ذات قوة خيالية تستخدمها للضغط على البلاد العربية والدول المجاورة لمصادر المياه العربية. ومن جهة أخرى بلغت موازنة المياه في إسرائيل لعام 1976 حوالي 85 مليون دولار وانخفضت إلى 30 مليون دولار عام 1986، ثم عادت وارتفعت إلى حوالي 250 مليون دولار عام 1990، مع العلم أن الميزانية المطلوبة هي 670 مليون دولار سنوياً كما في عام 2000. هذا الرقم الكبير والمخصص للمياه إنما هو دليل على الحاجة الماسة لإسرائيل للمياه بأي طريقة كانت وأي ثمن كان، الأمر الذي يرجح دفع إسرائيل في مواجهة الصراع المائي مع العرب. ويُنظر إلى العلاقات بين الاعتماد على المياه وبين الأمن كعلاقة حيوية، بل ومطلقة في أغلب الأحيان. فالمياه من القضايا التي يشكل فيها مكسب لأحد الأطراف خسارة للطرف الآخر وهذا ما يعرف بـ(اللعبة الصفرية)، خاصة حين يتنافس على مورد المياه الواحد طرفان أو أكثر بينهم عداء متبادل. وبما أن المياه قضية أمنية تقوم على مبدأ الربح والخسارة (اللعبة الصفرية)، فإنها تنطوي دائماً على احتمالات الصراع بنسبةٍ كبيرة. ولا يقف الصراع حول المياه العربية عند حدود الدولة العبرية بل يمتد شمالاً بين الدول العربية المتمثلة في سوريا والعراق وبين تركيا، فالأتراك يسيطرون على بعض منابع المياه العربية التي تمر في سوريا والعراق، وظهرت في الآونة الأخيرة بعض ملامح التهديد التركي تجاه العرب بأن قامت ببعض الاتصالات مع إسرائيل، وقامت كذلك ببناء بعض السدود مما يشكل خطراً حقيقياً يهدد الأمن المائي لدى سوريا والعراق. كما أن الأتراك يطمحون إلى أن يجعلوا المياه سلعة يتداولونها مع بقية بلدان المنطقة، الأمر الذي سيترك مردوداً اقتصادياً وسياسياً في آنٍ واحد، وقد انكشفت الأهداف التركية بوضوح خلال العقد الأخير سواء من خلال الحديث عن (مشروع أنابيب السلام) أو من خلال إجراءات قطع مياه الفرات، أو تقنين مرورها إلى سوريا والعراق على نحو ما حصل مطلع العام 1990. هذا إذا تجاوزنا التقارير التي أشارت مؤخراً إلى علاقات خاصة في هذا المجال بين تركيا وإسرائيل وجوهرها قيام الأتراك ببيع مياه منقولة بحراً في ناقلات إلى إسرائيل. وقد صرح رئيس وزراء تركيا الأسبق تورجت أوزال بأن الماء هو (أداة تركيع سياسي) مما يدلنا على وجود نية قوية تجاه تملك تركيا لسلطة المياه وممارستها على جيرانها من دول الجوار الجغرافي مثل سوريا والعراق.
ولا تقف خطورة الأمن المائي العربي عن حد إسرائيل وتركيا فقط، بل تصل إلى دول أخرى مثل أثيوبيا، فقد أصبح الأمن المائي العربي تحت رحمة قوى خارجية تتحكم إلى حد كبير بمصيرنا، ذلك أن مصادر المياه ومنابعها هي خارج البلاد العربية، ويزيد من خطورة هذه المشكلة غياب استراتيجية أمنية عربية لحماية هذه الثروة القومية، فنهر النيل تتحكم بمصيره سبع دول أخرى هي تنزانيا وبوروندي ورواندا وزائير وكينيا وأوغندا وأثيوبيا، وأي تعديل في حصص هذه الدول على إيراداته المائية يؤثر تأثيراً مباشراً في مصر والسودان، وتعتبر أثيوبيا الأكثر تهديداً للأمن المائي في كل من مصر والسودان بسبب الأنباء التي تتحدث عن مشروعات مشتركة أثيوبية – إسرائيلية لإقامة سدود على النيل، حيث بلغ عددها 22 سداً. فما يثير الرعب والقلق عند الدول العربية هو العلاقات التركية والأثيوبية مع الكيان الصهيوني، فهذه العلاقة من شأنها تدمير الدول العربية وتفتيت القوى المتبقية في العالم العربي.
والخلاصة يجب على العرب أن يتنبهوا لأمرين في هذه القضية:
1- البحث عن مصادر بديلة لتنمية المياة العربية مثل: إقامة المشاريع المائية المشتركة والتشجيع على إقامة المراكز البحثية ذات الاهتمام بتنمية المياه وترشيد استهلاكها حتى تكون ذخراً طول الأمد.
2- تفويت الفرصة على إسرائيل بإقامة علاقات اقتصادية مع تركيا وأثيوبيا ودول منبع المياه العربية كي يستطيع العرب من خلالها الحفاظ على تدفق المياه إلى الأرض العربية وفق اتفاقيات دولية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3204::/cck::
::introtext::
الماء والحضارة متلازمان، والماء والحياة صنوان، ولقد قامت الحضارات القديمة حول مصادر المياه التي أكسبتها قوة سياسية واقتصادية كالحضارة الفرعونية التي ترعرعت على ضفاف النيل في العصور الغابرة، وما زلنا نقر في كتب الجغرافيا والتاريخ: (مصر هبة النيل)، وكذلك الحضارة البابلية التي احتضنها دجلة والفرات في العراق والتي سميت حضارة بلاد الرافدين.
::/introtext::
::fulltext::
الماء والحضارة متلازمان، والماء والحياة صنوان، ولقد قامت الحضارات القديمة حول مصادر المياه التي أكسبتها قوة سياسية واقتصادية كالحضارة الفرعونية التي ترعرعت على ضفاف النيل في العصور الغابرة، وما زلنا نقر في كتب الجغرافيا والتاريخ: (مصر هبة النيل)، وكذلك الحضارة البابلية التي احتضنها دجلة والفرات في العراق والتي سميت حضارة بلاد الرافدين.
وجاء الإسلام ليؤكد في القرآن الكريم أن الحياة مع وجود الماء، فقال تعالى: ((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) (سورة الأنبياء-30)، وظهر هذا جلياً في حياة العرب الذين كانوا يرتحلون في الجزيرة العربية ليستقروا حول منابع المياه ومصادر الكلأ.
وتطوى صفحة التاريخ القديم لتبرز صفحة من التاريخ المعاصر في الشرق الأوسط يدور فيها الصراع حول مصادر المياه بين الدول العربية المتمثلة في سوريا والعراق والأردن ومصر من جهة وبين إسرائيل وتركيا وأثيوبيا من جهة أخرى، حتى إن كثيراً من الساسة والمحللين الاقتصاديين يرون أن الحرب المستقبلية ستكون حرباً حول المياه عنصر الحياة الأول.
البعد السياسي للصراع المائي في منطقة الشرق الأوسط:
تكمن الأزمة المائية في منطقة الشرق الأوسط في ندرة المياه فيها، إضافةً إلى تحكم دول المنبع ببعض مصادر المياه وقيامها بفرض نفوذها على هذه المياه مما يشكل تهديداً على بعض الدول الأخرى. وقبل الولوج في الجانب السياسي للأزمة لابد لنا من الإشارة إلى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ظهور الأزمة المائية في الوطن العربي المرجحة لتكون ساحة للاقتتال حول المياه بين العرب وإسرائيل، ومن هذه الأسباب: المناخ الصحراوي الذي يسود المنطقة الجغرافية للوطن العربي، والمعروف أيضاً أن هذا النمط يشتهر بارتفاع درجة الحرارة فيه إلى مستويات عالية، ولا يستغرب في ظل وجود مثل هذه الطبيعة المناخية القاسية أن يندر عنصر المياه فيها نتيجة ما تمتاز به من جفاف، بالإضافة إلى التزايد الرهيب في عدد السكان الأمر الذي يؤدي إلى زيادة استهلاك الفرد من المياه. ولا يغيب عن البال التطور في كل من القطاعين الاقتصادي والزراعي، الذي يؤدي بدرجة أو بأخرى إلى استهلاك أكبر من المياه في المنطقة أما العنصر الأخير المسبب كذلك للأزمة المائية العربية فهو عنصر شديد الحساسية وهو الأمن، فعنصر الأمن القومي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن المائي ويشكلان معاً هاجساً لكل من الدول العربية وغيرها وبالأخص إسرائيل. هذه بعض الأسباب الأساسية في مسألة أزمة المياه التي تساهم في تفاقم مسألة الصراع في الشرق الأوسط.
لقد حاول الكثير من المفكرين ورجال السياسة الاجتهاد والبحث في قضية الصراع حول المياه في كثير من دول العالم، وليس منطقة الشرق الأوسط فحسب، إلا أن كثيراً من الدراسات والأبحاث خلصت إلى نتيجة مفادها وجود فريقين أو اتجاهين في قضية الصراع المائي: الاتجاه الأول يقول حسب قراءته للمعطيات والمؤشرات التي لها صلة بالصراع المائي أن هنالك فتيل حرب طاحنة سيشعل في الشرق الأوسط وستتصارع الدول فيما بينها على المياه ويرجح كثير من المستشرفين لمستقبل الصراع أنه سيدور بين العرب وإسرائيل. أما الاتجاه الثاني فهو مخالف للأول فيعتقد أنصاره أن احتمال قيام الحرب حول المياه هو احتمال ضعيف ولا يمكن التعويل عليه بدرجة كبيرة، ويزعم هؤلاء أن هنالك نمطاً من التفاعلات الدولية سوف يحدث بين الدول والذي سيترجم في صيغ تعاون مشتركة تتمخض عنها اتفاقيات تعاون مشتركة في ما يخص القضايا المائية.
لكننا لو قرأنا الأوضاع الحالية أو التي مضت في نمط التعامل الذي تنتهجه الدول فيما بينها تجاه قضية الصراع المائي لرجحت كفة الميزان لصالح أنصار الاتجاه الأول الذي يعوّل بنسبة كبيرة على نشوب صراع بين الدول بسبب الماء في الشرق الأوسط.
وقد تحل بعض المشكلات المائية التي يصل مداها في بعض الأحيان إلى ذروة نشوب حرب أو صراع، لكن هذا لا يمنع أن هناك بعض القضايا قد حّلت بطرق معينة أدت إلى إطفاء شرارة الخلاف وذلك بالوصول إلى حل وسط بين أطراف الصراع المتنازعة. فلو اتخذنا من مبدأ (سيادة المصالح العليا) حلاً لكلا الطرفين فإننا يمكن أن نلمس تأثير هذا المبدأ في السياسات المائية بمناطق أخرى من العالم. فرغم الخصومة الشديدة بين الهند وباكستان، إلا أنهما اتفقا – بفضل تسهيلات البنك الدولي – على توزيع عادل لحصص مياه نهر الإندوس، وحرص كل طرف – في جميع الصدامات التي دارت رحاها بينهما – على تجنب المساس بمنشآت المياه لدى الطرف الآخر، ولم يسمح للعداوة بينهما أن تعوق العمل المشترك لإدارة عملية تنظيم المياه، وقد يكون مبدأ سيادة المصالح العليا قد نجح في حل بعض القضايا، لكنه لا يتمتع بالقوة اللازمة لتجنب الصراع بين العرب وإسرائيل عن طريق إيجاد مواقف إيجابية تساهم ولو بشكل غير مباشر في التخفيف من حدة الصراع وحقن الدماء بين الطرفين.
ومما يزيد من قوة الاتجاه الأول هو التوجه الإسرائيلي الواضح والصريح نحو التجهيز لمثل هذا النوع من الحروب، فحصول إسرائيل على المياه العربية أمر تسعى إليه جاهدةً وذلك كون المياه تشكل شريان حياة الكيان الصهيوني وتدعم مسيرة الاتجاه نحو الإمبراطورية الإسرائيلية من الفرات إلى النيل. وعليه فإن حلم إسرائيل الكبرى لن يتحقق إلا من خلال قطرة الماء، فإسرائيل التوراتية إرث أسباط إسرائيل الاثني عشر هي كما ورد في النص التوراتي: (كل موقع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته، كما كلمت موسى من البركة ولبنان، هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، وإلى البحر الكبير نحو المغيب يكون تخمكم). ومما يؤكد عزم إسرائيل على التوجه نحو هذه الحرب المستقبلية هو استناد الإسرائيليين على موروثهم الديني لتبرير قيامهم بتلك الممارسات الجشعة في سرقة المياه العربية، كما أن حصول إسرائيل على المياه العربية هو بمثابة ورقة سياسية ذات قوة خيالية تستخدمها للضغط على البلاد العربية والدول المجاورة لمصادر المياه العربية. ومن جهة أخرى بلغت موازنة المياه في إسرائيل لعام 1976 حوالي 85 مليون دولار وانخفضت إلى 30 مليون دولار عام 1986، ثم عادت وارتفعت إلى حوالي 250 مليون دولار عام 1990، مع العلم أن الميزانية المطلوبة هي 670 مليون دولار سنوياً كما في عام 2000. هذا الرقم الكبير والمخصص للمياه إنما هو دليل على الحاجة الماسة لإسرائيل للمياه بأي طريقة كانت وأي ثمن كان، الأمر الذي يرجح دفع إسرائيل في مواجهة الصراع المائي مع العرب. ويُنظر إلى العلاقات بين الاعتماد على المياه وبين الأمن كعلاقة حيوية، بل ومطلقة في أغلب الأحيان. فالمياه من القضايا التي يشكل فيها مكسب لأحد الأطراف خسارة للطرف الآخر وهذا ما يعرف بـ(اللعبة الصفرية)، خاصة حين يتنافس على مورد المياه الواحد طرفان أو أكثر بينهم عداء متبادل. وبما أن المياه قضية أمنية تقوم على مبدأ الربح والخسارة (اللعبة الصفرية)، فإنها تنطوي دائماً على احتمالات الصراع بنسبةٍ كبيرة. ولا يقف الصراع حول المياه العربية عند حدود الدولة العبرية بل يمتد شمالاً بين الدول العربية المتمثلة في سوريا والعراق وبين تركيا، فالأتراك يسيطرون على بعض منابع المياه العربية التي تمر في سوريا والعراق، وظهرت في الآونة الأخيرة بعض ملامح التهديد التركي تجاه العرب بأن قامت ببعض الاتصالات مع إسرائيل، وقامت كذلك ببناء بعض السدود مما يشكل خطراً حقيقياً يهدد الأمن المائي لدى سوريا والعراق. كما أن الأتراك يطمحون إلى أن يجعلوا المياه سلعة يتداولونها مع بقية بلدان المنطقة، الأمر الذي سيترك مردوداً اقتصادياً وسياسياً في آنٍ واحد، وقد انكشفت الأهداف التركية بوضوح خلال العقد الأخير سواء من خلال الحديث عن (مشروع أنابيب السلام) أو من خلال إجراءات قطع مياه الفرات، أو تقنين مرورها إلى سوريا والعراق على نحو ما حصل مطلع العام 1990. هذا إذا تجاوزنا التقارير التي أشارت مؤخراً إلى علاقات خاصة في هذا المجال بين تركيا وإسرائيل وجوهرها قيام الأتراك ببيع مياه منقولة بحراً في ناقلات إلى إسرائيل. وقد صرح رئيس وزراء تركيا الأسبق تورجت أوزال بأن الماء هو (أداة تركيع سياسي) مما يدلنا على وجود نية قوية تجاه تملك تركيا لسلطة المياه وممارستها على جيرانها من دول الجوار الجغرافي مثل سوريا والعراق.
ولا تقف خطورة الأمن المائي العربي عن حد إسرائيل وتركيا فقط، بل تصل إلى دول أخرى مثل أثيوبيا، فقد أصبح الأمن المائي العربي تحت رحمة قوى خارجية تتحكم إلى حد كبير بمصيرنا، ذلك أن مصادر المياه ومنابعها هي خارج البلاد العربية، ويزيد من خطورة هذه المشكلة غياب استراتيجية أمنية عربية لحماية هذه الثروة القومية، فنهر النيل تتحكم بمصيره سبع دول أخرى هي تنزانيا وبوروندي ورواندا وزائير وكينيا وأوغندا وأثيوبيا، وأي تعديل في حصص هذه الدول على إيراداته المائية يؤثر تأثيراً مباشراً في مصر والسودان، وتعتبر أثيوبيا الأكثر تهديداً للأمن المائي في كل من مصر والسودان بسبب الأنباء التي تتحدث عن مشروعات مشتركة أثيوبية – إسرائيلية لإقامة سدود على النيل، حيث بلغ عددها 22 سداً. فما يثير الرعب والقلق عند الدول العربية هو العلاقات التركية والأثيوبية مع الكيان الصهيوني، فهذه العلاقة من شأنها تدمير الدول العربية وتفتيت القوى المتبقية في العالم العربي.
والخلاصة يجب على العرب أن يتنبهوا لأمرين في هذه القضية:
1- البحث عن مصادر بديلة لتنمية المياة العربية مثل: إقامة المشاريع المائية المشتركة والتشجيع على إقامة المراكز البحثية ذات الاهتمام بتنمية المياه وترشيد استهلاكها حتى تكون ذخراً طول الأمد.
2- تفويت الفرصة على إسرائيل بإقامة علاقات اقتصادية مع تركيا وأثيوبيا ودول منبع المياه العربية كي يستطيع العرب من خلالها الحفاظ على تدفق المياه إلى الأرض العربية وفق اتفاقيات دولية.
::/fulltext::
::cck::3204::/cck::
