التوجه السعودي شرقاً: المحددات والأبعاد الاستراتيجية

::cck::3239::/cck::
::introtext::

رغم النتائج المهمة التي حققتها الجولة الآسيوية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية، والتي شملت الصين والهند وباكستان وماليزيا، ممثلة في مجموعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية المهمة التي تم توقيعها، إلا أن الأبعاد والنتائج الاستراتيجية لتلك الجولة تفوق بكثير الحسابات الخاصة بالتجارة، رغم أهميتها. ومن ثم، فإن فهماً موضوعياً شاملاً لتلك الزيارة يقتضي الوقوف على تلك الأبعاد والنتائج.
وبداية لا يمكن فهم تلك الجولة بمعزل عن تطور مهم يطول السياسة الخارجية للمملكة، وعدد من دول الخليج العربية، وهو سياسة التوجه شرقاً، التي بدأت في التبلور خلال السنوات الأخيرة، ثم جاءت الجولة المهمة للملك عبد الله لتؤكد هذا التوجه، وتضفي عليه بعداً أكثر مؤسسية ومنهجية.

::/introtext::
::fulltext::

رغم النتائج المهمة التي حققتها الجولة الآسيوية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية، والتي شملت الصين والهند وباكستان وماليزيا، ممثلة في مجموعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية المهمة التي تم توقيعها، إلا أن الأبعاد والنتائج الاستراتيجية لتلك الجولة تفوق بكثير الحسابات الخاصة بالتجارة، رغم أهميتها. ومن ثم، فإن فهماً موضوعياً شاملاً لتلك الزيارة يقتضي الوقوف على تلك الأبعاد والنتائج.
وبداية لا يمكن فهم تلك الجولة بمعزل عن تطور مهم يطول السياسة الخارجية للمملكة، وعدد من دول الخليج العربية، وهو سياسة التوجه شرقاً، التي بدأت في التبلور خلال السنوات الأخيرة، ثم جاءت الجولة المهمة للملك عبد الله لتؤكد هذا التوجه، وتضفي عليه بعداً أكثر مؤسسية ومنهجية.
المحددات الاستراتيجية لسياسة التوجه شرقاً
يعود تطور هذا التوجه إلى عدد من المحددات الاستراتيجية المهمة، يتعلق بعضها بالتحولات الاستراتيجية المهمة في الأقاليم الآسيوية على المستويين السياسي- الأمني، والاقتصادي، ويتعلق بعضها الآخر بالواقع الراهن في الدوائر التقليدية للسياسة الخارجية السعودية والخليجية وآفاقها المستقبلية، بحيث جاءت سياسة التوجه شرقاً كنوع من التأقلم الإيجابي والواعي مع تلك التحولات. ونشير فيما يلي إلى محددين أساسيين:
1- التحولات الاستراتيجية في منطقة جنوبي آسيا: استندت العلاقات الخليجية مع منطقة جنوبي آسيا خلال العقود الماضية إلى عدد من المحددات التي لعبت دوراً سلبياً إلى حد كبير في عدم تطوير تلك العلاقات، بل مثلت عقبات مهمة أمام التعاون عبر الإقليمي والحيلولة دون تطوير إطار للتعاون الاستراتيجي. وكان أبرز تلك المحددات الصراع التقليدي الهندي- الباكستاني وفي القلب منه الصراع حول كشمير، والعمالة الآسيوية في دول الخليج العربية. غير أن تلك المحددات قد شهدت تغيراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة بدءاً من النصف الثاني من التسعينات، في ضوء التحولات الاستراتيجية التي تشهدها العلاقات الإقليمية في منطقة جنوبي آسيا من ناحية، وتفاعلاتها عبر الإقليمية مع القوى الدولية الرئيسية في النظام الدولي وتطوير شراكات استراتيجية عبر إقليمية من ناحية أخرى. ونشير هنا إلى ثلاثة تطورات أساسية في هذا المجال: التطور الأول هو تراجع أهمية صراع كشمير في سياق العلاقات الخليجية مع دول جنوبي آسيا، واتجاهها إلى المزيد من التراجع تحت تأثير عملية التطبيع الجارية بين طرفي الصراع. والتطور الثاني هو اتجاه الهند إلى بناء شبكة من التحالفات والشراكات الاستراتيجية عبر الإقليمية مع منطقة الشرق الأوسط تتجاوز دول الخليج العربية، ويبرز في هذا الإطار المحور الهندي- الإسرائيلي، والمحور الهندي- الإيراني، اللذان نجحا في تطوير شراكات استراتيجية على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. أما التطور الثالث فهو الانفتاح المتسارع في العلاقات الباكستانية- الإسرائيلية، والذي يتوقع أن تكون له انعكاساته الاستراتيجية على منطقة الخليج.
وأدت تلك التطورات الثلاثة، بالإضافة إلى تصاعد أنماط التهديد غير التقليدية مثل العجز في مصادر الطاقة في جنوبي آسيا، وتزايد احتمالات النزاعات حول توزيع الثروات البحرية، بالإضافة إلى اتجاه دول الخليج العربية إلى إعادة هيكلة أسواق العمل الوطنية والاستغناء التدريجي عن العمالة الأجنبية وما قد يترتب على ذلك من احتمالات حدوث توتر في علاقاتها مع دول جنوبي آسيا، أدت تلك التطورات إلى تعميق الارتباط بين أمن منطقة الخليج العربي ومنطقة جنوبي آسيا، ونمو إدراك عام في منطقة الخليج لدى الجماعة الأكاديمية والبحثية بتزايد هذا الارتباط.
وفي هذا السياق، جاءت الجولة الآسيوية المهمة للملك عبد الله لتؤكد انتقال هذا الإدراك من الجماعة الأكاديمية إلى صانع القرار.
2- موازنة سياسة (التوجه غرباً): رغم العلاقات السعودية – والخليجية عامة- الجيدة مع الغرب إلا أن هذا التوجه تكتنفه مشكلة أساسية وهي وجود فجوة واضحة بين واقع الملفات السياسية والأمنية من ناحية، والملفات الاقتصادية والتجارية من ناحية أخرى، ففي الوقت الذي حقق فيه التعاون السياسي والأمني مستويات متقدمة من التعاون لاتزال الملفات الاقتصادية والتجارية تواجه الكثير من الصعوبات، خاصة تعثر مشروع اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي الذي بدأت المفاوضات بشأنه عقب توقيع اتفاقية التعاون بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي في عام 1988 (الجماعة الأوروبية آنذاك)، والتي نصت في مادتها الحادية عشرة على سرعة بدء المفاوضات من أجل إنشاء منطقة للتجارة الحرة بين الطرفين. وهدفت دول المجلس من هذا المشروع إلى تأسيس (شراكة استراتيجية) مع الاتحاد الأوروبي ترقى إلى مستوى العلاقات والمصالح الاستراتيجية بين الطرفين، ومعالجة عدد من المشكلات الهيكلية في علاقاتهما التجارية، خاصة مشكلة العجز في الميزان التجاري لصالح الاتحاد الأوروبي والذي بلغت قيمته 17 مليار دولار في يونيو 1998، ووصل إجمالي العجز المتراكم خلال الفترة (1988-1998) نحو 100 مليار دولار، فضلاً عن ضعف الاستثمارات الأوروبية والتي لا تمثل سـوى واحد في المائة تقريباً من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في دول المجلس، تتركز في قطاع النفط بالأساس. وأصبح من الثابت أن التوجه الغربي في السياسة الخليجية يواجه الكثير من المشكلات، التي تثير بدورها الكثير من الشكوك حول إمكانية الوصول إلى هدف منطقة التجارة الحرة في المدى المنظور، وتحقيق التوازن بين العلاقات السياسية والاقتصادية. ونشير فيما يلي إلى ثلاث مشكلات في سياسة التوجه غرباً في نطاقها الأوروبي:
– الخلاف حول العلاقة بين المسارين السياسي- الأمني، والاقتصادي- التجاري. وقام الموقف السعودي والخليجي على عدم الفصل بين المسارين، وربط استمرار اتفاقية التعاون بالمضي قدماً في مشروع اتفاقية التجارة الحرة. ومع ذلك فقد اضطر المجلس تحت تأثير حرب الخليج الثانية (1990/1991) إلى الموافقة على تأجيل توقيع اتفاقية التجارة الحرة مقابل حصوله على التزام الاتحاد الأوروبي بسرعة استئناف التفاوض بشأنها فور استقرار الأوضاع الإقليمية، ومع ذلك لم يتم إلى الآن توقيع هذا الاتفاق.
– استمرار تمسك الاتحاد الأوروبي بالحواجز الجمركية على صادرات دول المجلس، خاصة الألمنيوم والبتروكيماويات والمنتجات البترولية المكررة، والتي يوليها مجلس التعاون الخليجي أهمية خاصة في إطار محاولات تنويع اقتصاداته وصادراته الخارجية، وذلك رغم العديد من الإجراءات التي اتخذها المجلس على صعيد الإصلاحات الداخلية المتعلقة بتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في دول المجلس.
– ربط الاتحاد الأوروبي بين توقيع اتفاقية التجارة الحرة ووصول مجلس التعاون الخليجي إلى مستوى الاتحاد الجمركي، حيث تبنى الاتحاد الأوروبي هنا موقفاً يقوم على شرط وصول تجربة التكامل الخليجية إلى مستوى الوحدة الجمركية كشرط ضروري ومسبق لتوقيع اتفاق التجارة الحرة، وفي المقابل تبنت دول المجلس موقفاً يقوم على عدم الربط بين المشروعين. وقد أدى هذا الخلاف إلى نشوء أزمة بين الجانبين في عامي 2000-2001، عندما أصر مجلس التعاون على ضرورة توقيع اتفاقية التجارة الحرة وعدم ربطها بالوصول إلى مستوى الاتحاد الجمركي، والتهديد بإلغاء اتفاقية 1988 في حالة عدم موافقة الاتحاد الأوروبي على توقيع اتفاق التجارة الحرة رغم مرور عشر سنوات (حتى ذلك الوقت) على بدء المفاوضات بشأن الاتفاق من دون تحقيق نتيجة واضحة. وتبنت المملكة العربية السعودية آنذاك موقفا يقوم على الاكتفاء بوضع جدول زمني لإنشاء الاتحاد الجمركي بين اقتصادات المجلس والمطالبة بإلغاء اتفاقية 1988 في حالة رفض الاتحاد الأوروبي الاكتفاء بهذا الجدول والإصرار على الوصول إلى مستوى الاتحاد الجمركي الكامل، إلا أن المجلس اضطر إلى النزول على رغبة الاتحاد الأوروبي والتعجيل بانتقال مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد جمركي، حيث تم الإعلان عن الانتقال إلى مستوى الاتحاد الجمركي بدءاً من يناير 2003. ومع ذلك لم يتم توقيع اتفاقية التجارة الحرة إلى الآن.
– الخلاف بشأن السلع موضوع التحرير والسلع التي يجب استثناؤها من اتفاقية التجارة الحرة، فبينما يرى الاتحاد الأوروبي في الألمنيوم والبتروكيماويات والمنتجات البترولية سلعاً (حساسة) بالنسبة للاتحاد يصعب تحريرها من الرسوم الجمركية المفروضة عليها، يري مجلس التعاون أن استثناء تلك المنتجات يفرّغ اتفاقية التجارة الحرة من مضمونها، ويفقد الاتفاقية صفة المنافع المتبادلة بين الطرفين، خاصة أن تلك السلع تمثل المنتجات الرئيسية التي يمكن تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي على المديين القصير والمتوسط. كما يختلف الطرفان بشأن السلع الخليجية التي يجب استثناؤها من التحرير، سواء لأسباب تتعلق بكون الرسوم الجمركية المفروضة على تلك السلع تشكل نسبة مهمة من الإيرادات الحكومية لدول المجلس أو بسبب طبيعتها كصناعات ناشئة تحتاج إلى الدعم والحماية الوطنية في مواجهة المنافسة الخارجية، حيث يطالب المجلس بمدة انتقالية تسمح له بترتيب أوضاع تلك السلع قبل تحريرها.
سياسة التوجه شرقاً: الأطر ومحددات الفعالية
في ضوء المحددات السابقة، يثور تساؤل رئيسي: ما هي الأطر المقترحة لتفعيل سياسة التوجه شرقاً؟ واقع الأمر، يأتي في مقدمة تلك الأطر الاستفادة الخليجية، والسعودية خاصة من مشروعات التكامل وتحرير التجارة عبر الإقليمية، ويبرز هنا مشروعان أساسيان، الأول هو مشروع تحرير التجارة والاستثمار في إطار تجمع المحيط الهندي. والثاني هو مشروع منطقة التجارة الحرة الخليجية- الصينية.
وتستند أهمية تفعيل هذين الإطارين كجزء من تفعيل سياسة التوجه شرقاً إلى عدد من العوامل المهمة ذات الصلة بهذين المشروعين، أهمها واقع التجارة الخليجية مع الأقاليم الآسيوية، إذ تشير بيانات التجارة الخارجية لدول المجلس إلى أهمية الأسواق الآسيوية بالمقارنة بالسوق الأوروبية. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة صادرات دول المجلس إلى دول تجمع المحيط الهندي 22.8 في المائة من إجمالي صادرات المجلس في عام 1997 مقارنة بـ 11.9 في المائة فقط للاتحاد الأوروبي، وترتفع تلك النسبة إلى 50 في المائة في حالة إضافة مجموعة الدول شركاء الحوار بالرابطة (التي تضم أيضاً الصين واليابان). ورغم الانخفاض النسبي لنصيب سوق منطقة المحيط الهندي من صادرات دول المجلس في عام 2002، إلا أنها ظلت أعلى من مثيلتها الأوروبية، حيث استحوذت على 19.7 في المائة من إجمالي صادرات المجلس، مقارنة بـ 10.4 في المائة للاتحاد الأوروبي، وترتفع إلى 46.8 في المائة في حالة إضافة الدول شركاء الحوار. وعلى العكس من التجارة مع الاتحاد الأوروبي تحقق دول المجلس فائضاً تجارياً مستقراً مع التجمع.
وبالإضافة إلى الميزة السابقة، تتميز العلاقات التجارية الخليجية مع الأقاليم الآسيوية بسمة أخرى لا تقل أهمية تتمثل في ضعف مستوى التفاوت في توزيع التجارة عبر الإقليمية بين الطرفين بالمقارنة بنمط توزيعها مع الاتحاد الأوروبي. فرغم استحواذ صادرات المملكة العربية السعودية والإمارات على النسبة الأهم، إلا أنها ظلت أقل من مثيلتها في حالة الاتحاد الأوروبي، مقابل ارتفاع نصيب باقي الدول الأربع الأخرى من إجمالي تلك التجارة. ومن ثم يكون من المتوقع أن ترتبط عملية تحرير التجارة عبر الإقليمية في منطقة المحيط الهندي في إطار التجمع بعوائد أكثر انتشارا بين دول المجلس. أضف إلى ذلك أن اتجاه التجمع إلى تطوير مشروعات للتنمية الإقليمية المشتركة يوفر فرصة لتعظيم المكاسب الاقتصادية لدول الخليج، خاصة مشروعات تنمية مصائد الأسماك والثروة السمكية.
مجلة آراء حول الخليج – العدد الواحد والعشرون
وهكذا، تكتسب مشروعات تحرير التجارة عبر الإقليمية مع الأقاليم الآسيوية أهميتها بالنظر إلى أن إقليمي شرق آسيا ومنطقة المحيط الهندي يمثلان السوق الطبيعية لاقتصادات المجلس، ومن ثم فإنها تنطوي على احتمالات أقل لحدوث ما يعرف بتحول التجارة واحتمالات أعلى لحدوث مبرر وجود التجارة.
وبالإضافة إلى العوامل السابقة، نشير هنا إلى عاملين مهمين يوفران فرصاً أعلى لاستفادة اقتصادات مجلس التعاون الخليجي من مشروعات تحرير التجارة عبر الإقليمية بين منطقة الخليج والأقاليم الآسيوية، العامل الأول هو المستوى الذي أحرزته تجربة التكامل الاقتصادي الخليجية، خاصة بعد انتقالها إلى الاتحاد الجمركي والحديث عن وحدة نقدية، الأمر الذي يعني تعامل المجلس مع العالم الخارجي باعتباره سوقاً واحدة والتقليل من تشوهات الأسعار في المنطقة. ومما لا شك فيه أن اكتمال تلك الإنجازات يلعب دوراً مهماً في زيادة القدرات التنافسية لاقتصادات المجلس في إطار تلك المشروعات، كسوق تختفي فيها التشوهات الاقتصادية الناتجة عن تفاوت الأسعار أو تعدد التعريفات الجمركية. العامل الثاني هو الحجم الضخم للأسواق الآسيوية وما تتسم به من سيادة أذواق وأنماط استهلاكية تتلاءم نسبياً وطبيعة منتجات الدول النامية. مع التسليم في الوقت ذاته بأن اتساع نطاق تلك السوق لا يعني بالضرورة ارتفاع حجم الصادرات الخليجية إلى الأسواق الآسيوية، إذ لابد أن يرتبط ذلك بصياغة استراتيجيات فاعلة للنفاذ إلى تلك الأسواق التي قد تعد يسيرة نسبيا بالمقارنة بالسوقين الأوروبية والأمريكية، وهو ما يقودنا إلى التساؤل حول الشروط اللازمة لتفعيل سياسة التوجه شرقاً.
فرغم مرونة شروط هذا التوجه بالمقارنة بسياسة التوجه غرباً، إلا أن هذا لا يعني غياب المخاطر، التي يأتي في مقدمتها خطر تحول مشروعات تحرير التجارة عبر الإقليمية مع آسيا إلى مجرد إطار تنظيمي لمأسسة نفاذ الصادرات الآسيوية، خاصة الصينية، إلى الاقتصادات الخليجية، أو تحولها إلى مجرد آليات لإدارة التنافس الاقتصادي الآسيوي والصيني مع الغرب على النفط والأسواق العربية ولموازنة النفوذ الأوروبي في شرق المتوسط (مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية)، وفي الخليج العربي (مشروع منطقة التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي)، أو تحولها إلى آلية لإدارة التنافس الآسيوي ذاته على منطقة الخليج (مشروع منطقة التجارة الحرة الخليجية- الصينية مقابل دور الهند في إطار مشروع تجمع المحيط الهندي ومشروعات التعاون النفطي بين الهند وإيران). وتتعاظم تلك المخاطر في ضوء غياب قاعدة صناعية وسلعية مهمة تشكل أساساً للتجارة بين دول المجلس والأسواق الآسيوية باستثناء النفط.
وفي هذا السياق، يصبح تطوير القاعدة الاقتصادية والصناعية لاقتصادات دول المجلس أول وأهم شروط تعظيم المكاسب المتوقعة لسياسة التوجه شرقاً، بحيث تستند مشروعات تحرير التجارة المطروحة إلى أساس مادي من السلع الصناعية التي يمكن مبادلتها وتصديرها إلى الأسواق الآسيوية. ورغم أن هيكل الناتج المحلي لاقتصادات دول المجلس يكشف أولوية قطاع الصناعة، إلا أنه يعاني من خلل هيكلي يتمثل في سيطرة قطاع الصناعات الاستخراجية ممثلة في النفط بالأساس مقابل ضعف شديد في الصناعة التحويلية، فعلى سبيل المثال، بينما بلغت مساهمة قطاع الصناعة في المملكة العربية السعودية 51 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعلم 2002، إلا أن نصيب الصناعة التحويلية لم يتعد 10 في المائة فقط. بل إن الصناعة التحويلية ذاتها تعتمد بالأساس على النفط، وقد انعكس هذا التركيب على طبيعة الصادرات السلعية لدول المجلس في شكل سيطرة المنتجات النفطية والأولية الاستخراجية على تلك الصادرات. وفي ظل هذا الوضع لا يتوقع أن تحقق اقتصادات دول المجلس مكاسب اقتصادية حقيقية من مشروعات تحرير التجارة عبر الإقليمية مع آسيا من دون تحقيق نقلة حقيقية في القاعدة الإنتاجية والصناعية لاقتصاداتها.
ويطرح التساؤل الأخير شرطاً آخر لتعظيم المكاسب الاقتصادية لدول المجلس من تلك المشروعات يتمثل في ضرورة توسيع نطاقها بحيث لا تقتصر على شق تحرير التجارة فقط، ليشمل بالإضافة إلى ذلك تنمية الاستثمارات المشتركة والاستثمارات الصينية في قطاع الصناعة، خاصة الصناعة التحويلية وقطاع تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى الاعتماد على آلية المشروعات التنموية المشتركة. فرغم تأكيد عدد مهم من الأدبيات الاقتصادية في مجال تحرير التجارة الإقليمية وعبر الإقليمية على وجود علاقة إيجابية بين تحرير التجارة بأنماطها المختلفة – الفردية والإقليمية والمتعددة الأطراف من ناحية، والنمو الاقتصادي من ناحية أخرى، إلا أن الخبرة العملية للدول النامية تشير إلى عدم صحة تلك الافتراضات في جميع الحالات، إذ لا يمكن أن يؤدي تحرير التجارة في حد ذاته إلى تحقيق تنمية اقتصادية أو نمو اقتصادي حقيقي من دون أن يؤدي هذا التحرير أو منطقة التجارة الحرة إلى خلق طلب خارجي جديد على سلع صناعية وطنية يتم إنتاجها بالفعل، أو يمتلك الاقتصاد الوطني القدرة على الاستجابة لهذا الطلب في المدى الزمني المطلوب وبالتكلفة الاقتصادية والشروط الإنتاجية المطلوبة.
وأخيراً يجب التأكيد على أن التجارة يجب ألا تمثل البعد الوحيد في تلك السياسية، ونعيد التأكيد هنا على ضرورة الالتحاق الواعي لمنطقة الخليج العربي بعملية التكامل الاقتصادي والأمني في منطقة المحيط الهندي، بحيث تساهم دول المجلس في تطوير الأطر الاقتصادية والأمنية القائمة والمستقبلية في المنطقة بما يحول دون تطور أبعادها ونطاقاتها الأمنية المستقبلية بشكل يؤثر سلباً في دول المنطقة، ونشير هنا إلى مسارين مهمين:
المسار الأول: الالتحاق الواعي بتجمع دول المحيط الهندي، ففي ظل استبعاد التجمع للأبعاد الأمنية من مجال عمله، وفي ظل غياب إطار أمني فاعل يتعامل مع التحديات الأمنية والتطورات الاستراتيجية المهمة في المنطقة، ستكون المنطقة أمام سيناريوهين، السيناريو الأول هو تطوير التجمع بحيث يتم تضمين البعد الأمني ضمن أنشطته ومجالات عمله. والسيناريو الثاني هو تأسيس إطار أمني يعتمد على البناء التنظيمي للتجمع ذاته، مثل تطور (منتدى الآسيان الإقليمي) في حالة الآسيان. ورغم وجود بعض الأطر الأمنية الخاصة ببعض الأقاليم الفرعية في منطقة المحيط الهندي، مثل المنتدى الإقليمي للآسيان في جنوب شرق آسيا ومنتدى السارك في جنوبي آسيا، إلا أن الأهم هو افتقاد منطقة المحيط الهندي ككل إلى إطار أمني جماعي مشترك بشكل عام، وعدم وجود إطار أمني خاص لمعالجة قضية الأمن البحري في المنطقة بشكل خاص.
وقد انتهى أحد المشروعات البحثية المهمة التي أجراها قسم العلوم السياسية في معهد جنوب آسيا بجامعة هايدبرج في ألمانيا حول إمكانية إنشاء نظام أمني بحري في المحيط الهندي، إلى حتمية تطور التجمع باتجاه تضمين المجال العسكري في شكل تأسيس (نظام للأمن الجماعي البحري). وذلك لسببين رئيسيين: الأول هو اعتماد طرق التجارة في المحيط الهندي على عدد من المضائق الدولية الاستراتيجية التي تؤدي السيطرة عليها إلى تهديد خطير لطرق التجارة والمواصلات البحرية في المحيط، الأمر الذي يؤثر ليس في المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لدول المنطقة فحسب، بل يؤثر في مصالح الدول الكبرى والدول التي تعتمد في تجارتها على المحيط الهندي، فعلى سبيل المثال فإن 65 في المائة من واردات اليابان من النفط الخام تأتي من الخليج العربى عبر مضيق Malacca في المحيط الهندي. أما العامل الثاني فيتمثل في تزايد معدلات التسليح العسكري وتحديث الجيوش في العديد من دول المنطقة، الأمر الذي يعد مؤشراً مهماً إلى الاتجاه نحو نمو عمليات سباق التسلح في المنطقة خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتراجع حدة التنافس والصراع الدولي في المحيط الهندي.
المسار الثاني: ضرورة تفاعل دول مجلس التعاون الخليجي مع الأفكار المطروحة حول توسيع تجمع (السارك) ليضم دول المجلس، بحيث يصبح (السارك) إطاراً أمنياً عبر إقليمي يضم إقليمي جنوب آسيا ودول الخليج العربية، بالإضافة إلى أهمية تطوير الأبعاد الاقتصادية لتلك السياسة بحيث تضمن الاستفادة من القدرات التكنولوجية للدول الآسيوية استناداً إلى معادلة التكنولوجيا مقابل النفط.
ومن شأن تفاعل دول الخليج العربية مع الأقاليم الآسيوية عبر هذين المسارين أن يحولا دون تطور الاتجاهات العدائية لدى القوى الآسيوية ضدها، وتحويلها إلى جزء من وحدة استراتيجية واحدة، أو على الأقل الحيلولة دون تطور مشروعات أمنية في المنطقة تقوم على استهداف دول المنطقة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3239::/cck::
::introtext::

رغم النتائج المهمة التي حققتها الجولة الآسيوية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية، والتي شملت الصين والهند وباكستان وماليزيا، ممثلة في مجموعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية المهمة التي تم توقيعها، إلا أن الأبعاد والنتائج الاستراتيجية لتلك الجولة تفوق بكثير الحسابات الخاصة بالتجارة، رغم أهميتها. ومن ثم، فإن فهماً موضوعياً شاملاً لتلك الزيارة يقتضي الوقوف على تلك الأبعاد والنتائج.
وبداية لا يمكن فهم تلك الجولة بمعزل عن تطور مهم يطول السياسة الخارجية للمملكة، وعدد من دول الخليج العربية، وهو سياسة التوجه شرقاً، التي بدأت في التبلور خلال السنوات الأخيرة، ثم جاءت الجولة المهمة للملك عبد الله لتؤكد هذا التوجه، وتضفي عليه بعداً أكثر مؤسسية ومنهجية.

::/introtext::
::fulltext::

رغم النتائج المهمة التي حققتها الجولة الآسيوية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية، والتي شملت الصين والهند وباكستان وماليزيا، ممثلة في مجموعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية المهمة التي تم توقيعها، إلا أن الأبعاد والنتائج الاستراتيجية لتلك الجولة تفوق بكثير الحسابات الخاصة بالتجارة، رغم أهميتها. ومن ثم، فإن فهماً موضوعياً شاملاً لتلك الزيارة يقتضي الوقوف على تلك الأبعاد والنتائج.
وبداية لا يمكن فهم تلك الجولة بمعزل عن تطور مهم يطول السياسة الخارجية للمملكة، وعدد من دول الخليج العربية، وهو سياسة التوجه شرقاً، التي بدأت في التبلور خلال السنوات الأخيرة، ثم جاءت الجولة المهمة للملك عبد الله لتؤكد هذا التوجه، وتضفي عليه بعداً أكثر مؤسسية ومنهجية.
المحددات الاستراتيجية لسياسة التوجه شرقاً
يعود تطور هذا التوجه إلى عدد من المحددات الاستراتيجية المهمة، يتعلق بعضها بالتحولات الاستراتيجية المهمة في الأقاليم الآسيوية على المستويين السياسي- الأمني، والاقتصادي، ويتعلق بعضها الآخر بالواقع الراهن في الدوائر التقليدية للسياسة الخارجية السعودية والخليجية وآفاقها المستقبلية، بحيث جاءت سياسة التوجه شرقاً كنوع من التأقلم الإيجابي والواعي مع تلك التحولات. ونشير فيما يلي إلى محددين أساسيين:
1- التحولات الاستراتيجية في منطقة جنوبي آسيا: استندت العلاقات الخليجية مع منطقة جنوبي آسيا خلال العقود الماضية إلى عدد من المحددات التي لعبت دوراً سلبياً إلى حد كبير في عدم تطوير تلك العلاقات، بل مثلت عقبات مهمة أمام التعاون عبر الإقليمي والحيلولة دون تطوير إطار للتعاون الاستراتيجي. وكان أبرز تلك المحددات الصراع التقليدي الهندي- الباكستاني وفي القلب منه الصراع حول كشمير، والعمالة الآسيوية في دول الخليج العربية. غير أن تلك المحددات قد شهدت تغيراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة بدءاً من النصف الثاني من التسعينات، في ضوء التحولات الاستراتيجية التي تشهدها العلاقات الإقليمية في منطقة جنوبي آسيا من ناحية، وتفاعلاتها عبر الإقليمية مع القوى الدولية الرئيسية في النظام الدولي وتطوير شراكات استراتيجية عبر إقليمية من ناحية أخرى. ونشير هنا إلى ثلاثة تطورات أساسية في هذا المجال: التطور الأول هو تراجع أهمية صراع كشمير في سياق العلاقات الخليجية مع دول جنوبي آسيا، واتجاهها إلى المزيد من التراجع تحت تأثير عملية التطبيع الجارية بين طرفي الصراع. والتطور الثاني هو اتجاه الهند إلى بناء شبكة من التحالفات والشراكات الاستراتيجية عبر الإقليمية مع منطقة الشرق الأوسط تتجاوز دول الخليج العربية، ويبرز في هذا الإطار المحور الهندي- الإسرائيلي، والمحور الهندي- الإيراني، اللذان نجحا في تطوير شراكات استراتيجية على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. أما التطور الثالث فهو الانفتاح المتسارع في العلاقات الباكستانية- الإسرائيلية، والذي يتوقع أن تكون له انعكاساته الاستراتيجية على منطقة الخليج.
وأدت تلك التطورات الثلاثة، بالإضافة إلى تصاعد أنماط التهديد غير التقليدية مثل العجز في مصادر الطاقة في جنوبي آسيا، وتزايد احتمالات النزاعات حول توزيع الثروات البحرية، بالإضافة إلى اتجاه دول الخليج العربية إلى إعادة هيكلة أسواق العمل الوطنية والاستغناء التدريجي عن العمالة الأجنبية وما قد يترتب على ذلك من احتمالات حدوث توتر في علاقاتها مع دول جنوبي آسيا، أدت تلك التطورات إلى تعميق الارتباط بين أمن منطقة الخليج العربي ومنطقة جنوبي آسيا، ونمو إدراك عام في منطقة الخليج لدى الجماعة الأكاديمية والبحثية بتزايد هذا الارتباط.
وفي هذا السياق، جاءت الجولة الآسيوية المهمة للملك عبد الله لتؤكد انتقال هذا الإدراك من الجماعة الأكاديمية إلى صانع القرار.
2- موازنة سياسة (التوجه غرباً): رغم العلاقات السعودية – والخليجية عامة- الجيدة مع الغرب إلا أن هذا التوجه تكتنفه مشكلة أساسية وهي وجود فجوة واضحة بين واقع الملفات السياسية والأمنية من ناحية، والملفات الاقتصادية والتجارية من ناحية أخرى، ففي الوقت الذي حقق فيه التعاون السياسي والأمني مستويات متقدمة من التعاون لاتزال الملفات الاقتصادية والتجارية تواجه الكثير من الصعوبات، خاصة تعثر مشروع اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي الذي بدأت المفاوضات بشأنه عقب توقيع اتفاقية التعاون بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي في عام 1988 (الجماعة الأوروبية آنذاك)، والتي نصت في مادتها الحادية عشرة على سرعة بدء المفاوضات من أجل إنشاء منطقة للتجارة الحرة بين الطرفين. وهدفت دول المجلس من هذا المشروع إلى تأسيس (شراكة استراتيجية) مع الاتحاد الأوروبي ترقى إلى مستوى العلاقات والمصالح الاستراتيجية بين الطرفين، ومعالجة عدد من المشكلات الهيكلية في علاقاتهما التجارية، خاصة مشكلة العجز في الميزان التجاري لصالح الاتحاد الأوروبي والذي بلغت قيمته 17 مليار دولار في يونيو 1998، ووصل إجمالي العجز المتراكم خلال الفترة (1988-1998) نحو 100 مليار دولار، فضلاً عن ضعف الاستثمارات الأوروبية والتي لا تمثل سـوى واحد في المائة تقريباً من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في دول المجلس، تتركز في قطاع النفط بالأساس. وأصبح من الثابت أن التوجه الغربي في السياسة الخليجية يواجه الكثير من المشكلات، التي تثير بدورها الكثير من الشكوك حول إمكانية الوصول إلى هدف منطقة التجارة الحرة في المدى المنظور، وتحقيق التوازن بين العلاقات السياسية والاقتصادية. ونشير فيما يلي إلى ثلاث مشكلات في سياسة التوجه غرباً في نطاقها الأوروبي:
– الخلاف حول العلاقة بين المسارين السياسي- الأمني، والاقتصادي- التجاري. وقام الموقف السعودي والخليجي على عدم الفصل بين المسارين، وربط استمرار اتفاقية التعاون بالمضي قدماً في مشروع اتفاقية التجارة الحرة. ومع ذلك فقد اضطر المجلس تحت تأثير حرب الخليج الثانية (1990/1991) إلى الموافقة على تأجيل توقيع اتفاقية التجارة الحرة مقابل حصوله على التزام الاتحاد الأوروبي بسرعة استئناف التفاوض بشأنها فور استقرار الأوضاع الإقليمية، ومع ذلك لم يتم إلى الآن توقيع هذا الاتفاق.
– استمرار تمسك الاتحاد الأوروبي بالحواجز الجمركية على صادرات دول المجلس، خاصة الألمنيوم والبتروكيماويات والمنتجات البترولية المكررة، والتي يوليها مجلس التعاون الخليجي أهمية خاصة في إطار محاولات تنويع اقتصاداته وصادراته الخارجية، وذلك رغم العديد من الإجراءات التي اتخذها المجلس على صعيد الإصلاحات الداخلية المتعلقة بتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في دول المجلس.
– ربط الاتحاد الأوروبي بين توقيع اتفاقية التجارة الحرة ووصول مجلس التعاون الخليجي إلى مستوى الاتحاد الجمركي، حيث تبنى الاتحاد الأوروبي هنا موقفاً يقوم على شرط وصول تجربة التكامل الخليجية إلى مستوى الوحدة الجمركية كشرط ضروري ومسبق لتوقيع اتفاق التجارة الحرة، وفي المقابل تبنت دول المجلس موقفاً يقوم على عدم الربط بين المشروعين. وقد أدى هذا الخلاف إلى نشوء أزمة بين الجانبين في عامي 2000-2001، عندما أصر مجلس التعاون على ضرورة توقيع اتفاقية التجارة الحرة وعدم ربطها بالوصول إلى مستوى الاتحاد الجمركي، والتهديد بإلغاء اتفاقية 1988 في حالة عدم موافقة الاتحاد الأوروبي على توقيع اتفاق التجارة الحرة رغم مرور عشر سنوات (حتى ذلك الوقت) على بدء المفاوضات بشأن الاتفاق من دون تحقيق نتيجة واضحة. وتبنت المملكة العربية السعودية آنذاك موقفا يقوم على الاكتفاء بوضع جدول زمني لإنشاء الاتحاد الجمركي بين اقتصادات المجلس والمطالبة بإلغاء اتفاقية 1988 في حالة رفض الاتحاد الأوروبي الاكتفاء بهذا الجدول والإصرار على الوصول إلى مستوى الاتحاد الجمركي الكامل، إلا أن المجلس اضطر إلى النزول على رغبة الاتحاد الأوروبي والتعجيل بانتقال مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد جمركي، حيث تم الإعلان عن الانتقال إلى مستوى الاتحاد الجمركي بدءاً من يناير 2003. ومع ذلك لم يتم توقيع اتفاقية التجارة الحرة إلى الآن.
– الخلاف بشأن السلع موضوع التحرير والسلع التي يجب استثناؤها من اتفاقية التجارة الحرة، فبينما يرى الاتحاد الأوروبي في الألمنيوم والبتروكيماويات والمنتجات البترولية سلعاً (حساسة) بالنسبة للاتحاد يصعب تحريرها من الرسوم الجمركية المفروضة عليها، يري مجلس التعاون أن استثناء تلك المنتجات يفرّغ اتفاقية التجارة الحرة من مضمونها، ويفقد الاتفاقية صفة المنافع المتبادلة بين الطرفين، خاصة أن تلك السلع تمثل المنتجات الرئيسية التي يمكن تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي على المديين القصير والمتوسط. كما يختلف الطرفان بشأن السلع الخليجية التي يجب استثناؤها من التحرير، سواء لأسباب تتعلق بكون الرسوم الجمركية المفروضة على تلك السلع تشكل نسبة مهمة من الإيرادات الحكومية لدول المجلس أو بسبب طبيعتها كصناعات ناشئة تحتاج إلى الدعم والحماية الوطنية في مواجهة المنافسة الخارجية، حيث يطالب المجلس بمدة انتقالية تسمح له بترتيب أوضاع تلك السلع قبل تحريرها.
سياسة التوجه شرقاً: الأطر ومحددات الفعالية
في ضوء المحددات السابقة، يثور تساؤل رئيسي: ما هي الأطر المقترحة لتفعيل سياسة التوجه شرقاً؟ واقع الأمر، يأتي في مقدمة تلك الأطر الاستفادة الخليجية، والسعودية خاصة من مشروعات التكامل وتحرير التجارة عبر الإقليمية، ويبرز هنا مشروعان أساسيان، الأول هو مشروع تحرير التجارة والاستثمار في إطار تجمع المحيط الهندي. والثاني هو مشروع منطقة التجارة الحرة الخليجية- الصينية.
وتستند أهمية تفعيل هذين الإطارين كجزء من تفعيل سياسة التوجه شرقاً إلى عدد من العوامل المهمة ذات الصلة بهذين المشروعين، أهمها واقع التجارة الخليجية مع الأقاليم الآسيوية، إذ تشير بيانات التجارة الخارجية لدول المجلس إلى أهمية الأسواق الآسيوية بالمقارنة بالسوق الأوروبية. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة صادرات دول المجلس إلى دول تجمع المحيط الهندي 22.8 في المائة من إجمالي صادرات المجلس في عام 1997 مقارنة بـ 11.9 في المائة فقط للاتحاد الأوروبي، وترتفع تلك النسبة إلى 50 في المائة في حالة إضافة مجموعة الدول شركاء الحوار بالرابطة (التي تضم أيضاً الصين واليابان). ورغم الانخفاض النسبي لنصيب سوق منطقة المحيط الهندي من صادرات دول المجلس في عام 2002، إلا أنها ظلت أعلى من مثيلتها الأوروبية، حيث استحوذت على 19.7 في المائة من إجمالي صادرات المجلس، مقارنة بـ 10.4 في المائة للاتحاد الأوروبي، وترتفع إلى 46.8 في المائة في حالة إضافة الدول شركاء الحوار. وعلى العكس من التجارة مع الاتحاد الأوروبي تحقق دول المجلس فائضاً تجارياً مستقراً مع التجمع.
وبالإضافة إلى الميزة السابقة، تتميز العلاقات التجارية الخليجية مع الأقاليم الآسيوية بسمة أخرى لا تقل أهمية تتمثل في ضعف مستوى التفاوت في توزيع التجارة عبر الإقليمية بين الطرفين بالمقارنة بنمط توزيعها مع الاتحاد الأوروبي. فرغم استحواذ صادرات المملكة العربية السعودية والإمارات على النسبة الأهم، إلا أنها ظلت أقل من مثيلتها في حالة الاتحاد الأوروبي، مقابل ارتفاع نصيب باقي الدول الأربع الأخرى من إجمالي تلك التجارة. ومن ثم يكون من المتوقع أن ترتبط عملية تحرير التجارة عبر الإقليمية في منطقة المحيط الهندي في إطار التجمع بعوائد أكثر انتشارا بين دول المجلس. أضف إلى ذلك أن اتجاه التجمع إلى تطوير مشروعات للتنمية الإقليمية المشتركة يوفر فرصة لتعظيم المكاسب الاقتصادية لدول الخليج، خاصة مشروعات تنمية مصائد الأسماك والثروة السمكية.
مجلة آراء حول الخليج – العدد الواحد والعشرون
وهكذا، تكتسب مشروعات تحرير التجارة عبر الإقليمية مع الأقاليم الآسيوية أهميتها بالنظر إلى أن إقليمي شرق آسيا ومنطقة المحيط الهندي يمثلان السوق الطبيعية لاقتصادات المجلس، ومن ثم فإنها تنطوي على احتمالات أقل لحدوث ما يعرف بتحول التجارة واحتمالات أعلى لحدوث مبرر وجود التجارة.
وبالإضافة إلى العوامل السابقة، نشير هنا إلى عاملين مهمين يوفران فرصاً أعلى لاستفادة اقتصادات مجلس التعاون الخليجي من مشروعات تحرير التجارة عبر الإقليمية بين منطقة الخليج والأقاليم الآسيوية، العامل الأول هو المستوى الذي أحرزته تجربة التكامل الاقتصادي الخليجية، خاصة بعد انتقالها إلى الاتحاد الجمركي والحديث عن وحدة نقدية، الأمر الذي يعني تعامل المجلس مع العالم الخارجي باعتباره سوقاً واحدة والتقليل من تشوهات الأسعار في المنطقة. ومما لا شك فيه أن اكتمال تلك الإنجازات يلعب دوراً مهماً في زيادة القدرات التنافسية لاقتصادات المجلس في إطار تلك المشروعات، كسوق تختفي فيها التشوهات الاقتصادية الناتجة عن تفاوت الأسعار أو تعدد التعريفات الجمركية. العامل الثاني هو الحجم الضخم للأسواق الآسيوية وما تتسم به من سيادة أذواق وأنماط استهلاكية تتلاءم نسبياً وطبيعة منتجات الدول النامية. مع التسليم في الوقت ذاته بأن اتساع نطاق تلك السوق لا يعني بالضرورة ارتفاع حجم الصادرات الخليجية إلى الأسواق الآسيوية، إذ لابد أن يرتبط ذلك بصياغة استراتيجيات فاعلة للنفاذ إلى تلك الأسواق التي قد تعد يسيرة نسبيا بالمقارنة بالسوقين الأوروبية والأمريكية، وهو ما يقودنا إلى التساؤل حول الشروط اللازمة لتفعيل سياسة التوجه شرقاً.
فرغم مرونة شروط هذا التوجه بالمقارنة بسياسة التوجه غرباً، إلا أن هذا لا يعني غياب المخاطر، التي يأتي في مقدمتها خطر تحول مشروعات تحرير التجارة عبر الإقليمية مع آسيا إلى مجرد إطار تنظيمي لمأسسة نفاذ الصادرات الآسيوية، خاصة الصينية، إلى الاقتصادات الخليجية، أو تحولها إلى مجرد آليات لإدارة التنافس الاقتصادي الآسيوي والصيني مع الغرب على النفط والأسواق العربية ولموازنة النفوذ الأوروبي في شرق المتوسط (مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية)، وفي الخليج العربي (مشروع منطقة التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي)، أو تحولها إلى آلية لإدارة التنافس الآسيوي ذاته على منطقة الخليج (مشروع منطقة التجارة الحرة الخليجية- الصينية مقابل دور الهند في إطار مشروع تجمع المحيط الهندي ومشروعات التعاون النفطي بين الهند وإيران). وتتعاظم تلك المخاطر في ضوء غياب قاعدة صناعية وسلعية مهمة تشكل أساساً للتجارة بين دول المجلس والأسواق الآسيوية باستثناء النفط.
وفي هذا السياق، يصبح تطوير القاعدة الاقتصادية والصناعية لاقتصادات دول المجلس أول وأهم شروط تعظيم المكاسب المتوقعة لسياسة التوجه شرقاً، بحيث تستند مشروعات تحرير التجارة المطروحة إلى أساس مادي من السلع الصناعية التي يمكن مبادلتها وتصديرها إلى الأسواق الآسيوية. ورغم أن هيكل الناتج المحلي لاقتصادات دول المجلس يكشف أولوية قطاع الصناعة، إلا أنه يعاني من خلل هيكلي يتمثل في سيطرة قطاع الصناعات الاستخراجية ممثلة في النفط بالأساس مقابل ضعف شديد في الصناعة التحويلية، فعلى سبيل المثال، بينما بلغت مساهمة قطاع الصناعة في المملكة العربية السعودية 51 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعلم 2002، إلا أن نصيب الصناعة التحويلية لم يتعد 10 في المائة فقط. بل إن الصناعة التحويلية ذاتها تعتمد بالأساس على النفط، وقد انعكس هذا التركيب على طبيعة الصادرات السلعية لدول المجلس في شكل سيطرة المنتجات النفطية والأولية الاستخراجية على تلك الصادرات. وفي ظل هذا الوضع لا يتوقع أن تحقق اقتصادات دول المجلس مكاسب اقتصادية حقيقية من مشروعات تحرير التجارة عبر الإقليمية مع آسيا من دون تحقيق نقلة حقيقية في القاعدة الإنتاجية والصناعية لاقتصاداتها.
ويطرح التساؤل الأخير شرطاً آخر لتعظيم المكاسب الاقتصادية لدول المجلس من تلك المشروعات يتمثل في ضرورة توسيع نطاقها بحيث لا تقتصر على شق تحرير التجارة فقط، ليشمل بالإضافة إلى ذلك تنمية الاستثمارات المشتركة والاستثمارات الصينية في قطاع الصناعة، خاصة الصناعة التحويلية وقطاع تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى الاعتماد على آلية المشروعات التنموية المشتركة. فرغم تأكيد عدد مهم من الأدبيات الاقتصادية في مجال تحرير التجارة الإقليمية وعبر الإقليمية على وجود علاقة إيجابية بين تحرير التجارة بأنماطها المختلفة – الفردية والإقليمية والمتعددة الأطراف من ناحية، والنمو الاقتصادي من ناحية أخرى، إلا أن الخبرة العملية للدول النامية تشير إلى عدم صحة تلك الافتراضات في جميع الحالات، إذ لا يمكن أن يؤدي تحرير التجارة في حد ذاته إلى تحقيق تنمية اقتصادية أو نمو اقتصادي حقيقي من دون أن يؤدي هذا التحرير أو منطقة التجارة الحرة إلى خلق طلب خارجي جديد على سلع صناعية وطنية يتم إنتاجها بالفعل، أو يمتلك الاقتصاد الوطني القدرة على الاستجابة لهذا الطلب في المدى الزمني المطلوب وبالتكلفة الاقتصادية والشروط الإنتاجية المطلوبة.
وأخيراً يجب التأكيد على أن التجارة يجب ألا تمثل البعد الوحيد في تلك السياسية، ونعيد التأكيد هنا على ضرورة الالتحاق الواعي لمنطقة الخليج العربي بعملية التكامل الاقتصادي والأمني في منطقة المحيط الهندي، بحيث تساهم دول المجلس في تطوير الأطر الاقتصادية والأمنية القائمة والمستقبلية في المنطقة بما يحول دون تطور أبعادها ونطاقاتها الأمنية المستقبلية بشكل يؤثر سلباً في دول المنطقة، ونشير هنا إلى مسارين مهمين:
المسار الأول: الالتحاق الواعي بتجمع دول المحيط الهندي، ففي ظل استبعاد التجمع للأبعاد الأمنية من مجال عمله، وفي ظل غياب إطار أمني فاعل يتعامل مع التحديات الأمنية والتطورات الاستراتيجية المهمة في المنطقة، ستكون المنطقة أمام سيناريوهين، السيناريو الأول هو تطوير التجمع بحيث يتم تضمين البعد الأمني ضمن أنشطته ومجالات عمله. والسيناريو الثاني هو تأسيس إطار أمني يعتمد على البناء التنظيمي للتجمع ذاته، مثل تطور (منتدى الآسيان الإقليمي) في حالة الآسيان. ورغم وجود بعض الأطر الأمنية الخاصة ببعض الأقاليم الفرعية في منطقة المحيط الهندي، مثل المنتدى الإقليمي للآسيان في جنوب شرق آسيا ومنتدى السارك في جنوبي آسيا، إلا أن الأهم هو افتقاد منطقة المحيط الهندي ككل إلى إطار أمني جماعي مشترك بشكل عام، وعدم وجود إطار أمني خاص لمعالجة قضية الأمن البحري في المنطقة بشكل خاص.
وقد انتهى أحد المشروعات البحثية المهمة التي أجراها قسم العلوم السياسية في معهد جنوب آسيا بجامعة هايدبرج في ألمانيا حول إمكانية إنشاء نظام أمني بحري في المحيط الهندي، إلى حتمية تطور التجمع باتجاه تضمين المجال العسكري في شكل تأسيس (نظام للأمن الجماعي البحري). وذلك لسببين رئيسيين: الأول هو اعتماد طرق التجارة في المحيط الهندي على عدد من المضائق الدولية الاستراتيجية التي تؤدي السيطرة عليها إلى تهديد خطير لطرق التجارة والمواصلات البحرية في المحيط، الأمر الذي يؤثر ليس في المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لدول المنطقة فحسب، بل يؤثر في مصالح الدول الكبرى والدول التي تعتمد في تجارتها على المحيط الهندي، فعلى سبيل المثال فإن 65 في المائة من واردات اليابان من النفط الخام تأتي من الخليج العربى عبر مضيق Malacca في المحيط الهندي. أما العامل الثاني فيتمثل في تزايد معدلات التسليح العسكري وتحديث الجيوش في العديد من دول المنطقة، الأمر الذي يعد مؤشراً مهماً إلى الاتجاه نحو نمو عمليات سباق التسلح في المنطقة خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتراجع حدة التنافس والصراع الدولي في المحيط الهندي.
المسار الثاني: ضرورة تفاعل دول مجلس التعاون الخليجي مع الأفكار المطروحة حول توسيع تجمع (السارك) ليضم دول المجلس، بحيث يصبح (السارك) إطاراً أمنياً عبر إقليمي يضم إقليمي جنوب آسيا ودول الخليج العربية، بالإضافة إلى أهمية تطوير الأبعاد الاقتصادية لتلك السياسة بحيث تضمن الاستفادة من القدرات التكنولوجية للدول الآسيوية استناداً إلى معادلة التكنولوجيا مقابل النفط.
ومن شأن تفاعل دول الخليج العربية مع الأقاليم الآسيوية عبر هذين المسارين أن يحولا دون تطور الاتجاهات العدائية لدى القوى الآسيوية ضدها، وتحويلها إلى جزء من وحدة استراتيجية واحدة، أو على الأقل الحيلولة دون تطور مشروعات أمنية في المنطقة تقوم على استهداف دول المنطقة.

::/fulltext::
::cck::3239::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *