“السينما السياسية” في إيران
::cck::3214::/cck::
::introtext::
في بلد محافظ مثل إيران حيث لا تزال العديد من القيود مفروضة على حرية الصحافة، فإن آخر ما يمكن أن يتوقعه الإنسان هو أن تحظى المواضيع السياسية بمكانة متميزة في الأعمال السينمائية الإيرانية. ولكن وبالرغم من التوجه المحافظ الجديد الذي يهدف إلى إحكام قبضة رجال الدين على البلاد، وخصوصاً بعد تولي الرئيس محمود أحمدي نجاد مقاليد السلطة، فإن من المدهش حقاً أن نرى السينما الإيرانية مصرّة وبشكل استثنائي على المضي قدماً في تبني نهج أكثر ليبرالية.
::/introtext::
::fulltext::
في بلد محافظ مثل إيران حيث لا تزال العديد من القيود مفروضة على حرية الصحافة، فإن آخر ما يمكن أن يتوقعه الإنسان هو أن تحظى المواضيع السياسية بمكانة متميزة في الأعمال السينمائية الإيرانية. ولكن وبالرغم من التوجه المحافظ الجديد الذي يهدف إلى إحكام قبضة رجال الدين على البلاد، وخصوصاً بعد تولي الرئيس محمود أحمدي نجاد مقاليد السلطة، فإن من المدهش حقاً أن نرى السينما الإيرانية مصرّة وبشكل استثنائي على المضي قدماً في تبني نهج أكثر ليبرالية.
إن الأفلام القليلة التي أُنـتِـجت خلال السنوات الثلاث الماضية تشهد على حضور هذا التوجه الليبرالي المتزايد في السينما الإيرانية، ولا سيما أنها تجرأت وللمرة الأولى منذ قيام الثورة الإيرانية على الخوض في القضايا السياسية القائمة. ومن أهم الأمثلة على ذلك فيلمان، وهما (زواج على الطريقة الإيرانية) الذي عُرِض في دور السينما في شهر مارس من العام الجاري ويتناول الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران. أما الثاني فهو فيلم (العظاءة) الذي حقق نجاحاً باهراً، ربما لأنه تناول بعض ممارسات رجال الدين وأوضاعهم للمرة الأولى في السينما الإيرانية منذ قيام الثورة. وتجدر الإشارة إلى أن فيلم (العظاءة) أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الشعبية الإيرانية، وعُرِض في دبي قبل أن يُسمَح بعرضه في دور السينما الإيرانية بفترة وجيزة، وبعد أن قامت الرقابة بحذف بعض المشاهد، كما أن هناك أفلاماً أخرى لم تـرَ النور، لأن السلطات منعت عرضهما، ولأن المنتجين لم يتمكنوا من تسويقها في الخارج ربما بسبب عدم توفر الموارد المالية الضرورية لذلك.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا نجحت السينما في إيران في دفع قضايا الحريات والإصلاحات السياسية في الوقت الذي فشلت فيه القنوات الأخرى؟ إن نظرة سريعة على تاريخ السينما الإيرانية في فترة ما بعد الثورة تكشف وبوضوح أنه من الصعب الفصل أو حتى التمييز ما بين الدين والسياسة. وشأنها شأن العديد من وسائل الترفيه بعد اندلاع الثورة، فقد كان لزاماً على صناعة السينما أن تلتزم بالتعاليم الإسلامية. ونتيجة لذلك كان لا بد من الابتعاد عن كثير من الموضوعات، وخصوصاً تلك التي تتناول العلاقة بين الرجل والمرأة والمشاهد الفاضحة وتوجيه النقد السياسي المباشر. ونظراً لهذه التوجهات والقيود التي فُرِضت على عمليات التمويل بسبب الحرب الدائرة والعقوبات الاقتصادية المفروضة لما يزيد على عقد من الزمان، لم يكن من خيار أمام المخرجين سوى الغوص عميقاً في خبايا وخفايا الطبيعة البشرية، الأمر الذي أدى إلى إنتاج أفلام واقعية تصور حياة الناس العاديين ومعاناتهم وكفاحهم لكسب لقمة العيش، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن هذه الأفلام كانت تخلو من لمسة سياسية، مثل فيلم (المستأجرين) الذي أُنـتِج في عام 1985 بالرغم من أن مخرجه درويش مهروجي أفرط في استخدام الرمزية. كما تناول الفيلم أيضاً بالنقد الشديد مشاهد الحرب الدموية التي ذهب ضحيتها آلاف الجنود والمدنيين الأبرياء. أما فيلم (باشو.. الغريب الصغير) للمخرج بهرام بيزائي فقد مُنع من العرض في عام 1991، بالرغم من أنه فاز بجائزة أفضل فيلم يصور تلك المرحلة.
وخلافاً للتوقعات، فإن هذا التوجه أدى إلى ازدهار صناعة السينما في إيران. ففي الوقت الذي كانت فيه صناعة السينما في كثير من دول العالم تلهث وراء السينما الأمريكية التي تميزت بالتقنيات المتطورة والخيال العلمي، أنتجت السينما الإيرانية نموذجاً أقرب ما يكون إلى المدرسة الواقعية الجديدة في إيطاليا. وبعد وفاة قائد الثورة الإمام الخميني، بدأت صناعة السينما ترسخ أقدامها وتحقق قفزات رائعة. فأفلام مثل (طعم الكرز) لعباس كياروستامي و(البالون الأبيض) لجعفر باناهي لاقت رواجاً ملحوظاً في مهرجانات السينما العالمية لكونها أفلاماً واقعية لم يُشاهَد مثلها منذ فترة طويلة من الزمن. وتـتـالـت هذه الإنجازات التي أدت إلى فوز أعمال سينمائية إيرانية بنحو ثلاثمائة جائزة خلال العقد الماضي وفي أفضل المهرجانات السينمائية العالمية.
لذلك، فقد كان من الطبيعي أن تتسع هذه الواقعية لتشمل الأوضاع السياسية في إيران، فعندما تسلم المعتدلون زمام السلطة بعد فوز الرئيس محمد خاتمي في الانتخابات، كان الطريق ممهداً أمام صناعة السينما لتلعب دوراً حيوياً كأداة سياسية، وحتى بعد أن فشل المعتدلون في تحقيق استقلاليتهم وحرية قرارهم، فإنه لم يعد من الممكن فرض الرقابة والقيود على السينما مرة أخرى. لقد تابعت السينما الإيرانية مسيرتها ونجحت في التخلص من كثير من المحرمات. ففيلم (وقت للحب) الذي أخرجه محسن مخمالباف في عام 1997، تخطى الخطوط الحمراء بالنسبة لمواضيع مثل العلاقة بين الجنسين وأوضاع المرأة.
واستناداً إلى الصحفية الإيرانية زيبا مير حسيني، أصبحت السينما وسيلة التعبير الأنجح للإيرانيين في داخل الوطن وخارجه، فبينما كانت الحكومة تفرض القيود وبسهولة على الصحافيين وتمنع إصدار بعض الصحف، كان من الصعب لهذه الممارسات أن تؤثر في مخرجي الأفلام الذين يعملون داخل الوطن أو خارجه. وخلال مشاركتهم في مهرجان الفيلم الإيراني القصير الذي نُظم في النادي الإيراني في دبـي على مدى ثلاث سنوات متتالية، أكد العديد من المخرجين الناشئين منهم والقدامى أنهم أحرار في إنتاج أعمالهم السينمائية كما يريدون. وقال المصور فارامارز بيجيشتي: (قد يكون من الصعب أحياناً تحرير الفيلم من دائرة الرقابة، ولكن أحداً لم يفرض قيوداً على عملية الإبداع وما ننظر إليه على أنه إنجاز كبير، فالجميع يتمتعون بكامل الحرية لإنتاج ما يريدون، إلا أن الحصول على الترخيص يُعتَـبر أمراً آخر).
جاءت ثمرة هذه الحرية فيلم (العظاءة) للمخرج كمال تبريزي والذي تم عرضه للمرة الأولى في عام 2004 ليُحدِث ضجة عارمة في إيران، ويتناول الفيلم الذي يُعتَـبر انطلاقة السينما السياسية الحديثة في إيران، بالنقد رجال الدين، وهم الشخصيات الأكثر رهبة في المجتمع الإيراني. والرسالة التي يحرص الفيلم على إيصالها هي حقيقة مفادها أن قيادة الشعوب لا تحتاج إلى رجال دين أو علم. ففي بعض الأحيان، يمكن للص أن يقوم بالمهمة. (والفيلم يحكي قصة لص ينجح في الفرار من السجن متنكراً بزي رجل دين وباسم مستعار هو (رضا العظاءة)، وذلك بسبب قدرته العجيبة على تسلق الجدران، ويحط به الرحال في قرية حدودية، حيث كان من المتوقع أن يصل إليها رجل دين ليعلم الناس أمور الدين والدنيا ويؤمّهم في الصلاة. واعتقد أهل القرية خطأً أن رضا هو رجل الدين المنتظر، ووجد رضا نفسه أمام الأمر الواقع، وقام بمهام رجل الدين على أكمل وجه ممكن، وحقق من الإنجازات والخدمات لأهل القرية ما لم يتمكن آخرون من إنجازه).
ولو أن فيلم (العظاءة) أُنـتِج في وقت سابق لما كان عُرِض في إيران. ولكن وبالرغم من الجهود التي بُذِلت لمنعه، فقد عرض الفيلم لفترة محدودة تمشياً مع الحرية والروح الديمقراطية التي كانت تتعزز باطراد في تلك المرحلة. أما الفيلم المتميز الآخر الذي عُرض هذا العام فقد كان بعنوان (زواج على الطريقة الإيرانية)، ويتناول بصورة أساسية العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما إذا كانت إيران ستسعى للتصالح مع أمريكا أو تستمر في مواجهتها. ولجأ كاتب السيناريو إلى الرمز من خلال سرد قصة حب تنتهي بزواج سائح أمريكي من فتاة إيرانية. وبالرغم من تناول العديد من القضايا الأخرى مثل من هو الأناني والوطني المخلص والمتخلف والمعتدل والتقليدي.. إلخ، فإن أهمية الفيلم الحقيقية تكمن في أنه نجح في تناول مخـتلف وجهات النظر حول قضية سياسية مهمة.
وبالرغم من هذه المحاولات الناجحة حتى الآن، فإن على القائمين على صناعة السينما الإيرانية مواجهة تحديات جسام في دولة تسعى دائماً إلى التغيير. وبمناسبة مباريات كأس العالم التي تُقام حالياً في ألمانيا، ينتظر المخرج جعفر باناهي عرض فيلمه الجديد (تسلل)، والذي يتناول منع النساء على مدى عقدين من الزمن من دخول مدرجات ملاعب كرة القدم، وذلك خشية تعرضهن للعنف أو سماعهن للألفاظ النابية أو رؤية اللاعبين بملابس الرياضة. ولكن الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد رفع هذا الحظر، الأمر الذي أثار غضب المحافظين الذين ألغوا قراره بالسماح للنساء بحضور المباريات. ولكن من يدري، ربما يساعد فيلم (تسلل) والسينما الإيرانية على إحداث المزيد من التغيير في المجتمع الإيراني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3214::/cck::
::introtext::
في بلد محافظ مثل إيران حيث لا تزال العديد من القيود مفروضة على حرية الصحافة، فإن آخر ما يمكن أن يتوقعه الإنسان هو أن تحظى المواضيع السياسية بمكانة متميزة في الأعمال السينمائية الإيرانية. ولكن وبالرغم من التوجه المحافظ الجديد الذي يهدف إلى إحكام قبضة رجال الدين على البلاد، وخصوصاً بعد تولي الرئيس محمود أحمدي نجاد مقاليد السلطة، فإن من المدهش حقاً أن نرى السينما الإيرانية مصرّة وبشكل استثنائي على المضي قدماً في تبني نهج أكثر ليبرالية.
::/introtext::
::fulltext::
في بلد محافظ مثل إيران حيث لا تزال العديد من القيود مفروضة على حرية الصحافة، فإن آخر ما يمكن أن يتوقعه الإنسان هو أن تحظى المواضيع السياسية بمكانة متميزة في الأعمال السينمائية الإيرانية. ولكن وبالرغم من التوجه المحافظ الجديد الذي يهدف إلى إحكام قبضة رجال الدين على البلاد، وخصوصاً بعد تولي الرئيس محمود أحمدي نجاد مقاليد السلطة، فإن من المدهش حقاً أن نرى السينما الإيرانية مصرّة وبشكل استثنائي على المضي قدماً في تبني نهج أكثر ليبرالية.
إن الأفلام القليلة التي أُنـتِـجت خلال السنوات الثلاث الماضية تشهد على حضور هذا التوجه الليبرالي المتزايد في السينما الإيرانية، ولا سيما أنها تجرأت وللمرة الأولى منذ قيام الثورة الإيرانية على الخوض في القضايا السياسية القائمة. ومن أهم الأمثلة على ذلك فيلمان، وهما (زواج على الطريقة الإيرانية) الذي عُرِض في دور السينما في شهر مارس من العام الجاري ويتناول الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران. أما الثاني فهو فيلم (العظاءة) الذي حقق نجاحاً باهراً، ربما لأنه تناول بعض ممارسات رجال الدين وأوضاعهم للمرة الأولى في السينما الإيرانية منذ قيام الثورة. وتجدر الإشارة إلى أن فيلم (العظاءة) أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الشعبية الإيرانية، وعُرِض في دبي قبل أن يُسمَح بعرضه في دور السينما الإيرانية بفترة وجيزة، وبعد أن قامت الرقابة بحذف بعض المشاهد، كما أن هناك أفلاماً أخرى لم تـرَ النور، لأن السلطات منعت عرضهما، ولأن المنتجين لم يتمكنوا من تسويقها في الخارج ربما بسبب عدم توفر الموارد المالية الضرورية لذلك.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا نجحت السينما في إيران في دفع قضايا الحريات والإصلاحات السياسية في الوقت الذي فشلت فيه القنوات الأخرى؟ إن نظرة سريعة على تاريخ السينما الإيرانية في فترة ما بعد الثورة تكشف وبوضوح أنه من الصعب الفصل أو حتى التمييز ما بين الدين والسياسة. وشأنها شأن العديد من وسائل الترفيه بعد اندلاع الثورة، فقد كان لزاماً على صناعة السينما أن تلتزم بالتعاليم الإسلامية. ونتيجة لذلك كان لا بد من الابتعاد عن كثير من الموضوعات، وخصوصاً تلك التي تتناول العلاقة بين الرجل والمرأة والمشاهد الفاضحة وتوجيه النقد السياسي المباشر. ونظراً لهذه التوجهات والقيود التي فُرِضت على عمليات التمويل بسبب الحرب الدائرة والعقوبات الاقتصادية المفروضة لما يزيد على عقد من الزمان، لم يكن من خيار أمام المخرجين سوى الغوص عميقاً في خبايا وخفايا الطبيعة البشرية، الأمر الذي أدى إلى إنتاج أفلام واقعية تصور حياة الناس العاديين ومعاناتهم وكفاحهم لكسب لقمة العيش، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن هذه الأفلام كانت تخلو من لمسة سياسية، مثل فيلم (المستأجرين) الذي أُنـتِج في عام 1985 بالرغم من أن مخرجه درويش مهروجي أفرط في استخدام الرمزية. كما تناول الفيلم أيضاً بالنقد الشديد مشاهد الحرب الدموية التي ذهب ضحيتها آلاف الجنود والمدنيين الأبرياء. أما فيلم (باشو.. الغريب الصغير) للمخرج بهرام بيزائي فقد مُنع من العرض في عام 1991، بالرغم من أنه فاز بجائزة أفضل فيلم يصور تلك المرحلة.
وخلافاً للتوقعات، فإن هذا التوجه أدى إلى ازدهار صناعة السينما في إيران. ففي الوقت الذي كانت فيه صناعة السينما في كثير من دول العالم تلهث وراء السينما الأمريكية التي تميزت بالتقنيات المتطورة والخيال العلمي، أنتجت السينما الإيرانية نموذجاً أقرب ما يكون إلى المدرسة الواقعية الجديدة في إيطاليا. وبعد وفاة قائد الثورة الإمام الخميني، بدأت صناعة السينما ترسخ أقدامها وتحقق قفزات رائعة. فأفلام مثل (طعم الكرز) لعباس كياروستامي و(البالون الأبيض) لجعفر باناهي لاقت رواجاً ملحوظاً في مهرجانات السينما العالمية لكونها أفلاماً واقعية لم يُشاهَد مثلها منذ فترة طويلة من الزمن. وتـتـالـت هذه الإنجازات التي أدت إلى فوز أعمال سينمائية إيرانية بنحو ثلاثمائة جائزة خلال العقد الماضي وفي أفضل المهرجانات السينمائية العالمية.
لذلك، فقد كان من الطبيعي أن تتسع هذه الواقعية لتشمل الأوضاع السياسية في إيران، فعندما تسلم المعتدلون زمام السلطة بعد فوز الرئيس محمد خاتمي في الانتخابات، كان الطريق ممهداً أمام صناعة السينما لتلعب دوراً حيوياً كأداة سياسية، وحتى بعد أن فشل المعتدلون في تحقيق استقلاليتهم وحرية قرارهم، فإنه لم يعد من الممكن فرض الرقابة والقيود على السينما مرة أخرى. لقد تابعت السينما الإيرانية مسيرتها ونجحت في التخلص من كثير من المحرمات. ففيلم (وقت للحب) الذي أخرجه محسن مخمالباف في عام 1997، تخطى الخطوط الحمراء بالنسبة لمواضيع مثل العلاقة بين الجنسين وأوضاع المرأة.
واستناداً إلى الصحفية الإيرانية زيبا مير حسيني، أصبحت السينما وسيلة التعبير الأنجح للإيرانيين في داخل الوطن وخارجه، فبينما كانت الحكومة تفرض القيود وبسهولة على الصحافيين وتمنع إصدار بعض الصحف، كان من الصعب لهذه الممارسات أن تؤثر في مخرجي الأفلام الذين يعملون داخل الوطن أو خارجه. وخلال مشاركتهم في مهرجان الفيلم الإيراني القصير الذي نُظم في النادي الإيراني في دبـي على مدى ثلاث سنوات متتالية، أكد العديد من المخرجين الناشئين منهم والقدامى أنهم أحرار في إنتاج أعمالهم السينمائية كما يريدون. وقال المصور فارامارز بيجيشتي: (قد يكون من الصعب أحياناً تحرير الفيلم من دائرة الرقابة، ولكن أحداً لم يفرض قيوداً على عملية الإبداع وما ننظر إليه على أنه إنجاز كبير، فالجميع يتمتعون بكامل الحرية لإنتاج ما يريدون، إلا أن الحصول على الترخيص يُعتَـبر أمراً آخر).
جاءت ثمرة هذه الحرية فيلم (العظاءة) للمخرج كمال تبريزي والذي تم عرضه للمرة الأولى في عام 2004 ليُحدِث ضجة عارمة في إيران، ويتناول الفيلم الذي يُعتَـبر انطلاقة السينما السياسية الحديثة في إيران، بالنقد رجال الدين، وهم الشخصيات الأكثر رهبة في المجتمع الإيراني. والرسالة التي يحرص الفيلم على إيصالها هي حقيقة مفادها أن قيادة الشعوب لا تحتاج إلى رجال دين أو علم. ففي بعض الأحيان، يمكن للص أن يقوم بالمهمة. (والفيلم يحكي قصة لص ينجح في الفرار من السجن متنكراً بزي رجل دين وباسم مستعار هو (رضا العظاءة)، وذلك بسبب قدرته العجيبة على تسلق الجدران، ويحط به الرحال في قرية حدودية، حيث كان من المتوقع أن يصل إليها رجل دين ليعلم الناس أمور الدين والدنيا ويؤمّهم في الصلاة. واعتقد أهل القرية خطأً أن رضا هو رجل الدين المنتظر، ووجد رضا نفسه أمام الأمر الواقع، وقام بمهام رجل الدين على أكمل وجه ممكن، وحقق من الإنجازات والخدمات لأهل القرية ما لم يتمكن آخرون من إنجازه).
ولو أن فيلم (العظاءة) أُنـتِج في وقت سابق لما كان عُرِض في إيران. ولكن وبالرغم من الجهود التي بُذِلت لمنعه، فقد عرض الفيلم لفترة محدودة تمشياً مع الحرية والروح الديمقراطية التي كانت تتعزز باطراد في تلك المرحلة. أما الفيلم المتميز الآخر الذي عُرض هذا العام فقد كان بعنوان (زواج على الطريقة الإيرانية)، ويتناول بصورة أساسية العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما إذا كانت إيران ستسعى للتصالح مع أمريكا أو تستمر في مواجهتها. ولجأ كاتب السيناريو إلى الرمز من خلال سرد قصة حب تنتهي بزواج سائح أمريكي من فتاة إيرانية. وبالرغم من تناول العديد من القضايا الأخرى مثل من هو الأناني والوطني المخلص والمتخلف والمعتدل والتقليدي.. إلخ، فإن أهمية الفيلم الحقيقية تكمن في أنه نجح في تناول مخـتلف وجهات النظر حول قضية سياسية مهمة.
وبالرغم من هذه المحاولات الناجحة حتى الآن، فإن على القائمين على صناعة السينما الإيرانية مواجهة تحديات جسام في دولة تسعى دائماً إلى التغيير. وبمناسبة مباريات كأس العالم التي تُقام حالياً في ألمانيا، ينتظر المخرج جعفر باناهي عرض فيلمه الجديد (تسلل)، والذي يتناول منع النساء على مدى عقدين من الزمن من دخول مدرجات ملاعب كرة القدم، وذلك خشية تعرضهن للعنف أو سماعهن للألفاظ النابية أو رؤية اللاعبين بملابس الرياضة. ولكن الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد رفع هذا الحظر، الأمر الذي أثار غضب المحافظين الذين ألغوا قراره بالسماح للنساء بحضور المباريات. ولكن من يدري، ربما يساعد فيلم (تسلل) والسينما الإيرانية على إحداث المزيد من التغيير في المجتمع الإيراني.
::/fulltext::
::cck::3214::/cck::
