قطرة الماء قد تحدد المصير
::cck::3197::/cck::
::introtext::
الماء سائل عديم اللون والطعم والرائحة. هكذا، ونحن صغار، كان يوصف لنا الماء الصالح للاستخدام البشري. ثم نكبر ونكتشف أنه من الممكن أن يبقى الماء عديم اللون والطعم والرائحة، ولكنه يحمل السم القاتل الزعاف.
::/introtext::
::fulltext::
الماء سائل عديم اللون والطعم والرائحة. هكذا، ونحن صغار، كان يوصف لنا الماء الصالح للاستخدام البشري. ثم نكبر ونكتشف أنه من الممكن أن يبقى الماء عديم اللون والطعم والرائحة، ولكنه يحمل السم القاتل الزعاف.
قيل لنا إن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مغطاة بالمياه، وإنه أكثر المواد انتشاراً على الأرض، وإنه المادة الوحيدة التي تدخل في تركيب كل كائن حي وكل عنصر وكل مركب وكل مادة أخرى، لنكتشف فيما بعد أن أكثر قليلاً من سدس سكان الأرض لا يتوفر لهم ماء صالح للاستخدام البشري، وأن ثمن قطرة الماء عندهم قد يعادل الروح.
ونتعلم في درس التاريخ أن جميع الحضارات القديمة والحديثة تدور حيث يدور الماء، وأنه لا حضارة حقيقية من دون قطرة الماء. ولنعلم أخيراً أن ما بين 10.000 إلى 20.000 طفل يموتون في العالم يومياً بسبب أمراض نُقلت لهم من ماء شربوه.
وقيل لنا إن المياه أفضل مذيب ومطهر طبيعي قادر على إذابة جميع المواد والعناصر الأخرى، لتصل لنا الأنباء أن أكثر من 2.5 مليار إنسان من سكان الأرض لا يملكون طرقاً صحية تزيل عنهم مخلفاتهم البشرية.
ثم نسمع أن الماء استعمل على مر العصور والأزمان شعاراً للسلام والأمان وعربوناً للمحبة بين الأمم والشعوب. وإذا بنا اليوم نرى قطرة الماء تلك تصبح محكاً للنزاع والصراع المسلح،
وأخيراً بالنسبة لنا نحن العرب، كان الماء ولا يزال سلعة استراتيجية عالية الأهمية، لكنها تتعرض كغيرها من أمور العرب الاستراتيجية إلى أزمة شديدة.
ليست الأزمة في نقص كمية المياه! فحجم كميات المياه المتوفرة على الأرض ثابت وقديم قدم الأرض نفسها، فمنذ خلق الله الأرض قدر فيها هذه الكمية الثابتة من الماء سواء للسائلين. نعم المياه تتحرك وتنتقل من مكان إلى آخر. ونعم المياه تتحول من حالة فيزيائية إلى أخرى، لكن المحصلة النهائية أن كميتها في الأرض ثابتة قدرها المتخصصون بحوالي 1.4×10 كلم3. هذا من حيث الكم أما نوعاً وتوزيعاً فالأمر شيء آخر (الشكل السابق يوضح ذلك). إذاً أين يكمن سر أزمة المياه العالمية ؟
السر له وجهان، الأول حجم الطلب على المياه الصالحة (الاحتياجات)، والثاني في نوعية المياه المتاحة.
الطلب على المياه في العالم العربي
تقع بلدان الوطن العربي من دون استثناء في حزام المناطق القاحلة وشبه الجافة. والرقعة الجغرافية للوطن العربي تعد واحدة من أفقر مناطق العالم بمصادر المياه السطحية، فمعدلات هطول الأمطار سنوياً متدنية للغاية قياساً بالمناطق المعتدلة الأخرى في العالم. فرغم أن مساحة الوطن العربي تمثل حوالي 9.5 في المائة من مساحة العالم، ورغم أن سكان الوطن يمثلون حوالي 18 في المائة من تعداد سكان العالم، إلا أن نصيب الوطن العربي من مخزون المياه العالمي لا يتجاوز 0.71 في المائة. نعم أقل من 1 في المائة من مخزون العالم.
إن معيار الكفاية المائية (water stress index)، أو معيار الشح المائي، الذي تستخدمه الهيئات المتخصصة في الأمم المتحدة للدلالة عن حالة المياه في العالم، يشير إلى أنه مع دخولنا القرن الحادي والعشرين فإن 904 ملايين إنسان معظمهم في الشرق الأوسط وإفريقيا سيتعرضون للعطش. وفي معيار الشح المائي يتم تقسيم ما هو متاح من الموارد المائية المتجددة في السنة لدولة ما على عدد سكان تلك الدولة ومنه ينتج نصيب الفرد من المياه المتاحة سنوياً. وقد استخدم الرقم 1667 م3 مرجعاً عالمياً في معيار الشح المائي، فإذا كان نصيب الفرد في بلد ما أقل من هذا الحجم من الماء فإن البلد يكون قد دخل مرحلة الشح المائي. أما إذا انخفض النصيب إلى دون 1000 م3 سنوياً فإن البلد يدخل مرحلة أكثر حرجاً تعرف بمرحلة ندرة المياه. وإذا انخفض نصيب الفرد إلى ما دون 500 م3 سنوياً فإن البلد يدخل مرحلة الندرة المطلقة للمياه.
ومن خلال هذه الأرقام المتاحة فإنه يتبين أن معظم أقطار الوطن العربي دخلت مرحلة الندرة المطلقة، وذلك بسبب نقص المتاح من المياه كماً ونوعاً، وبسبب التسارع الكبير في النمو السكاني.
إذا أضيفت إلى هذه الصورة القاتمة للموارد المائية المتاحة في دول الخليج العربية أسباب أخرى في غاية الأهمية مثل: تسارع النمو السكاني، التلوث المستمر والمتعمد أحياناً لما هو متاح من هذه الموارد، التوزيع غير المتزن لهذه المصادر، السياسات غير المدروسة في استخدام المتاح من المياه، السطو بالقوة على الحقوق العربية في المياه من قبل الكيان اليهودي وبعض جيران الوطن العربي، تدني الوعي الجماهيري بحجم مشكلة المياه، التصدع السياسي الكبير وغياب التخطيط الجماعي، انعدام البحث العلمي الجاد والمدعوم للبدائل المتاحة والممكنة. وإذا أضيفت هذه الأسباب إلى بعضها انكشف حجم وعظم مشكلة نقص المتاح من المياه التي تعترض مستقبل دول الخليج والوطن العربي والتي سوف تؤخر حركة النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، إن لم توقفها تماماً. وأكثر ما يُخشى أن يصل حجم المشكلة إلى أكبر من ذلك، بأن تكون بعض أقطار الوطن العربي وتحت ضغط الحاجة للمياه خاضعة لتبعية دول أخرى تملك هذه السلعة الاستراتيجية. فما هي إذن الرؤية المحتملة والحلول الممكنة لهذه المشكلة؟
وهذه بعض الاستراتيجيات والحلول المطروحة لمشكلة المياه التي تواجه الوطن العربي وبلدان الخليج العربية. وكثير من هذه الحلول قد جرب ونجح في أماكن أخرى من العالم، وما نحتاجه هو دعم سخي للبحث العلمي التجريبي لتطويع هذه الاستراتيجيات والحلول لتتناسب مع وضع بلداننا وظروفها الخاصة. نعم نحتاج إلى الشجاعة في اتخاذ القرار السياسي لمثل هذه الحلول الآن قبل فوات الوقت:
1- الزراعة باستخدام المياه المالحة.
لا يختلف اثنان على أن الزراعة هي المستهلك الأول للمياه في العالم. ولتوفير جزء من هذا الماء ولزيادة الرقعة المزروعة أيضاً كانت هناك مشاريع رائدة نفذت في عدد من المواقع والبلدان في الخليج العربي (الجبيل الصناعية، عُمان، دولة الإمارات) وبلدان أخرى في العالم. هذه المشاريع تحتاج إلى الدعم والتشجيع والعلماء لاستمرارها وعطائها.
إن استخدام المياه المالحة وقليلة التكلفة الاقتصادية لزراعة أنواع من النباتات ليس فكرة جديدة، فبعد اغتصاب الأرض الفلسطينية عام 1948 كانت هناك محاولات ناجحة لجذب اليهود لأرض فلسطين من خلال استصلاح أراض في إيلات والنقب باستخدام المياه المالحة لزراعة نباتات منتجة.
إن مشاريع بحثية كبيرة مثل هذه على مستوى دول الخليج العربية مطلوبة، إذ يمكن لها أن توفر على هذه الدول مليارات من المياه الجوفية التي تصرف الآن على زراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية متدنية. وهذه البحوث يمكن أن تأخذ اتجاهين:
الأول في استخدام الهندسة الجينية للوصول إلى أنواع من البذور لبعض النباتات المهمة اقتصادياً للمنطقة (كالذرة والشعير والرز) تستطيع تحمل درجات عالية من ملوحة المياه وتعطي ناتجاً مجدياً اقتصادياً.
والاتجاه الثاني يتمثل برفع درجة تحمل بعض النباتات المهمة اقتصادياً لملوحة مياه الري، وقد حقق هذا الاتجاه نجاحاً ممتازاً في زراعة بعض أنواع النباتات المهمة كعلف حيواني، والنباتات التي تنتج بذوراً تحوي كميات كبيرة من الزيوت التي يمكن استغلالها للاستخدام البشري، ونباتات الأغطية الخضراء للمدن والمسطحات والشواطئ البحرية.
2- أدبيات الأمن الغذائي
لقد مرت فترة من الزمان كان تسود منطقة الخليح حمى عرفت في وقتها بالأمن الغذائي. واستثمرت بعض دول المنطقة مليارات الدولارات على مدى سنين عديدة لإنشاء صناعة زراعية تعتمد على محاصيل صنفتها تلك الدول على أنها تشكل سور الأمن الغذائي. ولقد ثبت اليوم فشل كثير من تلك المشاريع التي وللأسف قامت على قرارات سريعة لم تُعط نصيباً كافياً من البحث والدراسة. واستنزفت تلك المشاريع، ولا تزال، مليارات الأمتار المكعبة من المياه الغالية التي تجمعت عبر ملايين السنين من أجل زراعة أطنان محدودة من منتجات يمكن توفيرها بأزهد الأسعار من أي سوق عالمي.
إن هذه السياسات آن لها أن تتوقف وتبحث عن الحل الأمثل البديل. فبلد مثل الكيان الصهيوني في فلسطين انتبه لمشكلة ندرة المياه فاتجه إلى إنتاج محاصيل عالية الربحية بأعلى درجات التقنيات الزراعية الممكنة التي وفرت عليه مليارات الأمتار من المياه الغالية، ووفرت له ملايين الدولارات من العملات الصعبة التي استخدم القليل منها فقط في توفير محاصيل يحتاجها من السوق العالمي، واستخدم الباقي في دعم ميزانيته العامة. لذلك علينا أن نتعلم الدرس ونوقف الهدر ولو كانت النتيجة تضرر أفراد أو فشل مشاريع كرتونية.
3- لنزيل قناع الخوف من على أعيننا
بعض الأقطار المجاورة حباها الله بشيء من المياه الفائضة أو المخزون والتي تجد طريقها إلى البحر أحياناً. وقد سمعنا عن مشاريع كثيرة لتبادل المياه كسلعة، إلا أن جميع هذه المشاريع لم تر النور لأن الخوف السياسي يكمم الأفواه الأيدي ويعمي العيون. وصارت أمثال هذه المشاريع واقعاً اليوم في كثير من أنحاء العالم، وصار بيع وشراء أو مقايضة الماء شيئاً شائعاً اليوم، ولا تزال منطقتنا والتي هي الأحوج للماء تمتنع عن مثل هذا النشاط بدعاوى أقل ما يمكن أن يقال عنها إن لا مبرر لها.
فمثلاً تركيا التي ترتبط مع جميع العالم الإسلامي بتاريخ عظيم ولها علاقة خاصة بدول منطقة الجزيرة العربية تضطر إلى عرض مياهها على الكيان اليهودي، لأن عرب المنطقة، أحوج الناس إلى الماء، يرفضون مشروع أنبوب السلام! كما أن دول جوار العراق تتخوف من نوايا العراق عندما عرض عليها الماء الزائد من شط العرب وكذلك أنبوب البحر الأحمر لمد الجزيرة العربية بمياه جنوب السودان لم ير النور للخوف الشديد أن تستعمل السودان الماء ورقة ضغط على بلدان الخليج العربي! وأيضاً الشبكة الخليجية الموحدة للمياه التي تعتمد على مشاريع جبارة هائلة القدرة مدعومة من جميع دول المنطقة لتحلية المياه بأسعار تنافسية لا ترى النور لأن بلدان المنطقة لم تستطع التوصل إلى سياسة موحدة تحكم هذا المشروع الرائد الجبار الذي يمكن أن يكفي حاجات المدن الساحلية الكبيرة ويزيد، ولأن بعض دول المنطقة تخاف أن يستعمل الماء ورقة ضغط عليها! أو ربما ننتظر أن تتكون (منظمة للأقطار المصدر للماء) وحينذاك يكون للماء سعر عالمي، ولن نكون من الدول المصدرة بطبيعة الحال.
4- صناعة الماء
نعم العنوان صحيح. (صناعة الماء). مراكز أبحاث عالمية اليوم تدرس بجدية إمكانية صناعة الماء. صناعة الماء من العناصر التي تكونه وهي متوفرة بالطبيعة، أو صناعة الماء بإعادة استخدامه مرات عديدة لأغراض متعددة، أو صناعة الماء بوقف الهدر الهائل من شبكات المياه المهترئة في معظم المدن الكبيرة في دول المنطقة، أو صناعة الماء بوقف مشاريع الرفاهية السياحية التي يضخ لها مليارات الأطنان من الماء فقط من أجل أن نضاهي بلداناً أخرى ويقال عنا إننا نملك ذلك العدد من ملاعب الجولف في مدينة واحدة، أو صناعة الماء بوقف تلويثه بمواد تجعل إعادة استخدامه مستحيلة، أو صناعة الماء بالدفاع عنه كما يُدافع عن النفس والمال والنفط وعدم تركه سلعة رخيصة يلعب بها من شاء من الناس أو الدول!
أين دولنا التي تقع جميعها تحت خط الفقر المائي من كل أنواع صناعة الماء هذه؟ ومتى تكون البداية؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3197::/cck::
::introtext::
الماء سائل عديم اللون والطعم والرائحة. هكذا، ونحن صغار، كان يوصف لنا الماء الصالح للاستخدام البشري. ثم نكبر ونكتشف أنه من الممكن أن يبقى الماء عديم اللون والطعم والرائحة، ولكنه يحمل السم القاتل الزعاف.
::/introtext::
::fulltext::
الماء سائل عديم اللون والطعم والرائحة. هكذا، ونحن صغار، كان يوصف لنا الماء الصالح للاستخدام البشري. ثم نكبر ونكتشف أنه من الممكن أن يبقى الماء عديم اللون والطعم والرائحة، ولكنه يحمل السم القاتل الزعاف.
قيل لنا إن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مغطاة بالمياه، وإنه أكثر المواد انتشاراً على الأرض، وإنه المادة الوحيدة التي تدخل في تركيب كل كائن حي وكل عنصر وكل مركب وكل مادة أخرى، لنكتشف فيما بعد أن أكثر قليلاً من سدس سكان الأرض لا يتوفر لهم ماء صالح للاستخدام البشري، وأن ثمن قطرة الماء عندهم قد يعادل الروح.
ونتعلم في درس التاريخ أن جميع الحضارات القديمة والحديثة تدور حيث يدور الماء، وأنه لا حضارة حقيقية من دون قطرة الماء. ولنعلم أخيراً أن ما بين 10.000 إلى 20.000 طفل يموتون في العالم يومياً بسبب أمراض نُقلت لهم من ماء شربوه.
وقيل لنا إن المياه أفضل مذيب ومطهر طبيعي قادر على إذابة جميع المواد والعناصر الأخرى، لتصل لنا الأنباء أن أكثر من 2.5 مليار إنسان من سكان الأرض لا يملكون طرقاً صحية تزيل عنهم مخلفاتهم البشرية.
ثم نسمع أن الماء استعمل على مر العصور والأزمان شعاراً للسلام والأمان وعربوناً للمحبة بين الأمم والشعوب. وإذا بنا اليوم نرى قطرة الماء تلك تصبح محكاً للنزاع والصراع المسلح،
وأخيراً بالنسبة لنا نحن العرب، كان الماء ولا يزال سلعة استراتيجية عالية الأهمية، لكنها تتعرض كغيرها من أمور العرب الاستراتيجية إلى أزمة شديدة.
ليست الأزمة في نقص كمية المياه! فحجم كميات المياه المتوفرة على الأرض ثابت وقديم قدم الأرض نفسها، فمنذ خلق الله الأرض قدر فيها هذه الكمية الثابتة من الماء سواء للسائلين. نعم المياه تتحرك وتنتقل من مكان إلى آخر. ونعم المياه تتحول من حالة فيزيائية إلى أخرى، لكن المحصلة النهائية أن كميتها في الأرض ثابتة قدرها المتخصصون بحوالي 1.4×10 كلم3. هذا من حيث الكم أما نوعاً وتوزيعاً فالأمر شيء آخر (الشكل السابق يوضح ذلك). إذاً أين يكمن سر أزمة المياه العالمية ؟
السر له وجهان، الأول حجم الطلب على المياه الصالحة (الاحتياجات)، والثاني في نوعية المياه المتاحة.
الطلب على المياه في العالم العربي
تقع بلدان الوطن العربي من دون استثناء في حزام المناطق القاحلة وشبه الجافة. والرقعة الجغرافية للوطن العربي تعد واحدة من أفقر مناطق العالم بمصادر المياه السطحية، فمعدلات هطول الأمطار سنوياً متدنية للغاية قياساً بالمناطق المعتدلة الأخرى في العالم. فرغم أن مساحة الوطن العربي تمثل حوالي 9.5 في المائة من مساحة العالم، ورغم أن سكان الوطن يمثلون حوالي 18 في المائة من تعداد سكان العالم، إلا أن نصيب الوطن العربي من مخزون المياه العالمي لا يتجاوز 0.71 في المائة. نعم أقل من 1 في المائة من مخزون العالم.
إن معيار الكفاية المائية (water stress index)، أو معيار الشح المائي، الذي تستخدمه الهيئات المتخصصة في الأمم المتحدة للدلالة عن حالة المياه في العالم، يشير إلى أنه مع دخولنا القرن الحادي والعشرين فإن 904 ملايين إنسان معظمهم في الشرق الأوسط وإفريقيا سيتعرضون للعطش. وفي معيار الشح المائي يتم تقسيم ما هو متاح من الموارد المائية المتجددة في السنة لدولة ما على عدد سكان تلك الدولة ومنه ينتج نصيب الفرد من المياه المتاحة سنوياً. وقد استخدم الرقم 1667 م3 مرجعاً عالمياً في معيار الشح المائي، فإذا كان نصيب الفرد في بلد ما أقل من هذا الحجم من الماء فإن البلد يكون قد دخل مرحلة الشح المائي. أما إذا انخفض النصيب إلى دون 1000 م3 سنوياً فإن البلد يدخل مرحلة أكثر حرجاً تعرف بمرحلة ندرة المياه. وإذا انخفض نصيب الفرد إلى ما دون 500 م3 سنوياً فإن البلد يدخل مرحلة الندرة المطلقة للمياه.
ومن خلال هذه الأرقام المتاحة فإنه يتبين أن معظم أقطار الوطن العربي دخلت مرحلة الندرة المطلقة، وذلك بسبب نقص المتاح من المياه كماً ونوعاً، وبسبب التسارع الكبير في النمو السكاني.
إذا أضيفت إلى هذه الصورة القاتمة للموارد المائية المتاحة في دول الخليج العربية أسباب أخرى في غاية الأهمية مثل: تسارع النمو السكاني، التلوث المستمر والمتعمد أحياناً لما هو متاح من هذه الموارد، التوزيع غير المتزن لهذه المصادر، السياسات غير المدروسة في استخدام المتاح من المياه، السطو بالقوة على الحقوق العربية في المياه من قبل الكيان اليهودي وبعض جيران الوطن العربي، تدني الوعي الجماهيري بحجم مشكلة المياه، التصدع السياسي الكبير وغياب التخطيط الجماعي، انعدام البحث العلمي الجاد والمدعوم للبدائل المتاحة والممكنة. وإذا أضيفت هذه الأسباب إلى بعضها انكشف حجم وعظم مشكلة نقص المتاح من المياه التي تعترض مستقبل دول الخليج والوطن العربي والتي سوف تؤخر حركة النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، إن لم توقفها تماماً. وأكثر ما يُخشى أن يصل حجم المشكلة إلى أكبر من ذلك، بأن تكون بعض أقطار الوطن العربي وتحت ضغط الحاجة للمياه خاضعة لتبعية دول أخرى تملك هذه السلعة الاستراتيجية. فما هي إذن الرؤية المحتملة والحلول الممكنة لهذه المشكلة؟
وهذه بعض الاستراتيجيات والحلول المطروحة لمشكلة المياه التي تواجه الوطن العربي وبلدان الخليج العربية. وكثير من هذه الحلول قد جرب ونجح في أماكن أخرى من العالم، وما نحتاجه هو دعم سخي للبحث العلمي التجريبي لتطويع هذه الاستراتيجيات والحلول لتتناسب مع وضع بلداننا وظروفها الخاصة. نعم نحتاج إلى الشجاعة في اتخاذ القرار السياسي لمثل هذه الحلول الآن قبل فوات الوقت:
1- الزراعة باستخدام المياه المالحة.
لا يختلف اثنان على أن الزراعة هي المستهلك الأول للمياه في العالم. ولتوفير جزء من هذا الماء ولزيادة الرقعة المزروعة أيضاً كانت هناك مشاريع رائدة نفذت في عدد من المواقع والبلدان في الخليج العربي (الجبيل الصناعية، عُمان، دولة الإمارات) وبلدان أخرى في العالم. هذه المشاريع تحتاج إلى الدعم والتشجيع والعلماء لاستمرارها وعطائها.
إن استخدام المياه المالحة وقليلة التكلفة الاقتصادية لزراعة أنواع من النباتات ليس فكرة جديدة، فبعد اغتصاب الأرض الفلسطينية عام 1948 كانت هناك محاولات ناجحة لجذب اليهود لأرض فلسطين من خلال استصلاح أراض في إيلات والنقب باستخدام المياه المالحة لزراعة نباتات منتجة.
إن مشاريع بحثية كبيرة مثل هذه على مستوى دول الخليج العربية مطلوبة، إذ يمكن لها أن توفر على هذه الدول مليارات من المياه الجوفية التي تصرف الآن على زراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية متدنية. وهذه البحوث يمكن أن تأخذ اتجاهين:
الأول في استخدام الهندسة الجينية للوصول إلى أنواع من البذور لبعض النباتات المهمة اقتصادياً للمنطقة (كالذرة والشعير والرز) تستطيع تحمل درجات عالية من ملوحة المياه وتعطي ناتجاً مجدياً اقتصادياً.
والاتجاه الثاني يتمثل برفع درجة تحمل بعض النباتات المهمة اقتصادياً لملوحة مياه الري، وقد حقق هذا الاتجاه نجاحاً ممتازاً في زراعة بعض أنواع النباتات المهمة كعلف حيواني، والنباتات التي تنتج بذوراً تحوي كميات كبيرة من الزيوت التي يمكن استغلالها للاستخدام البشري، ونباتات الأغطية الخضراء للمدن والمسطحات والشواطئ البحرية.
2- أدبيات الأمن الغذائي
لقد مرت فترة من الزمان كان تسود منطقة الخليح حمى عرفت في وقتها بالأمن الغذائي. واستثمرت بعض دول المنطقة مليارات الدولارات على مدى سنين عديدة لإنشاء صناعة زراعية تعتمد على محاصيل صنفتها تلك الدول على أنها تشكل سور الأمن الغذائي. ولقد ثبت اليوم فشل كثير من تلك المشاريع التي وللأسف قامت على قرارات سريعة لم تُعط نصيباً كافياً من البحث والدراسة. واستنزفت تلك المشاريع، ولا تزال، مليارات الأمتار المكعبة من المياه الغالية التي تجمعت عبر ملايين السنين من أجل زراعة أطنان محدودة من منتجات يمكن توفيرها بأزهد الأسعار من أي سوق عالمي.
إن هذه السياسات آن لها أن تتوقف وتبحث عن الحل الأمثل البديل. فبلد مثل الكيان الصهيوني في فلسطين انتبه لمشكلة ندرة المياه فاتجه إلى إنتاج محاصيل عالية الربحية بأعلى درجات التقنيات الزراعية الممكنة التي وفرت عليه مليارات الأمتار من المياه الغالية، ووفرت له ملايين الدولارات من العملات الصعبة التي استخدم القليل منها فقط في توفير محاصيل يحتاجها من السوق العالمي، واستخدم الباقي في دعم ميزانيته العامة. لذلك علينا أن نتعلم الدرس ونوقف الهدر ولو كانت النتيجة تضرر أفراد أو فشل مشاريع كرتونية.
3- لنزيل قناع الخوف من على أعيننا
بعض الأقطار المجاورة حباها الله بشيء من المياه الفائضة أو المخزون والتي تجد طريقها إلى البحر أحياناً. وقد سمعنا عن مشاريع كثيرة لتبادل المياه كسلعة، إلا أن جميع هذه المشاريع لم تر النور لأن الخوف السياسي يكمم الأفواه الأيدي ويعمي العيون. وصارت أمثال هذه المشاريع واقعاً اليوم في كثير من أنحاء العالم، وصار بيع وشراء أو مقايضة الماء شيئاً شائعاً اليوم، ولا تزال منطقتنا والتي هي الأحوج للماء تمتنع عن مثل هذا النشاط بدعاوى أقل ما يمكن أن يقال عنها إن لا مبرر لها.
فمثلاً تركيا التي ترتبط مع جميع العالم الإسلامي بتاريخ عظيم ولها علاقة خاصة بدول منطقة الجزيرة العربية تضطر إلى عرض مياهها على الكيان اليهودي، لأن عرب المنطقة، أحوج الناس إلى الماء، يرفضون مشروع أنبوب السلام! كما أن دول جوار العراق تتخوف من نوايا العراق عندما عرض عليها الماء الزائد من شط العرب وكذلك أنبوب البحر الأحمر لمد الجزيرة العربية بمياه جنوب السودان لم ير النور للخوف الشديد أن تستعمل السودان الماء ورقة ضغط على بلدان الخليج العربي! وأيضاً الشبكة الخليجية الموحدة للمياه التي تعتمد على مشاريع جبارة هائلة القدرة مدعومة من جميع دول المنطقة لتحلية المياه بأسعار تنافسية لا ترى النور لأن بلدان المنطقة لم تستطع التوصل إلى سياسة موحدة تحكم هذا المشروع الرائد الجبار الذي يمكن أن يكفي حاجات المدن الساحلية الكبيرة ويزيد، ولأن بعض دول المنطقة تخاف أن يستعمل الماء ورقة ضغط عليها! أو ربما ننتظر أن تتكون (منظمة للأقطار المصدر للماء) وحينذاك يكون للماء سعر عالمي، ولن نكون من الدول المصدرة بطبيعة الحال.
4- صناعة الماء
نعم العنوان صحيح. (صناعة الماء). مراكز أبحاث عالمية اليوم تدرس بجدية إمكانية صناعة الماء. صناعة الماء من العناصر التي تكونه وهي متوفرة بالطبيعة، أو صناعة الماء بإعادة استخدامه مرات عديدة لأغراض متعددة، أو صناعة الماء بوقف الهدر الهائل من شبكات المياه المهترئة في معظم المدن الكبيرة في دول المنطقة، أو صناعة الماء بوقف مشاريع الرفاهية السياحية التي يضخ لها مليارات الأطنان من الماء فقط من أجل أن نضاهي بلداناً أخرى ويقال عنا إننا نملك ذلك العدد من ملاعب الجولف في مدينة واحدة، أو صناعة الماء بوقف تلويثه بمواد تجعل إعادة استخدامه مستحيلة، أو صناعة الماء بالدفاع عنه كما يُدافع عن النفس والمال والنفط وعدم تركه سلعة رخيصة يلعب بها من شاء من الناس أو الدول!
أين دولنا التي تقع جميعها تحت خط الفقر المائي من كل أنواع صناعة الماء هذه؟ ومتى تكون البداية؟
::/fulltext::
::cck::3197::/cck::
