هل وصلت سياسة الاتحاد الأوروبي تُجاه إيران إلى مفترق طرق أم إلى طريق مسدود؟
::cck::3251::/cck::
::introtext::
لقد طغت الفكرة القائلة إن (الاتحاد الأوروبي وصل إلى مفترق طرق) على عناوين مختـلـف وسائل الإعلام خلال عام 2003، والذي شهد بداية المفاوضات المباشرة لممثلي الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) مع طهران؛ وذلك لإقناعها بالتخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم.وبعد سنتين ونصف السنة من المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية العقيمة، وافق الاتحاد الأوروبي أخيراً على التصويت لصالح إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك أكدت تصريحات كبار المسؤولين الأوروبيين أن أوروبا كانت ترى في قرار الإحالة (مبعثاً للأمل في إيجاد حل دبلوماسي للأزمة النووية الإيرانية). لكن هذا الأمل المزعوم ترافق مع تصعيد ملحوظ في لهجة خطاب وزراء خارجية كبرى دول الاتحاد الأوروبي إزاء إيران،
::/introtext::
::fulltext::
لقد طغت الفكرة القائلة إن (الاتحاد الأوروبي وصل إلى مفترق طرق) على عناوين مختـلـف وسائل الإعلام خلال عام 2003، والذي شهد بداية المفاوضات المباشرة لممثلي الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) مع طهران؛ وذلك لإقناعها بالتخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم.وبعد سنتين ونصف السنة من المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية العقيمة، وافق الاتحاد الأوروبي أخيراً على التصويت لصالح إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك أكدت تصريحات كبار المسؤولين الأوروبيين أن أوروبا كانت ترى في قرار الإحالة (مبعثاً للأمل في إيجاد حل دبلوماسي للأزمة النووية الإيرانية). لكن هذا الأمل المزعوم ترافق مع تصعيد ملحوظ في لهجة خطاب وزراء خارجية كبرى دول الاتحاد الأوروبي إزاء إيران، حيث (حذروا) طهران من احتمال قيام اتحادهم بفرض عقوبات عليها ـ قد تتضمن حظر تأشيرات السفر إلى أوروبا وفرض عقوبات مالية صارمة ـ إذا واصلت إيران رفضها التخلي عن برنامجها النووي.الآن وقد أحيل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، يتبادر إلى ذهن المرء تساؤل حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قد استنفد بالفعل جميع الخيارات الأخرى قبل تبني (قرار الإحالة)، أو ما إذا كانت هناك فرص حقيقية ضائعة لتسوية الملف النووي الإيراني خارج إطار مجلس الأمن الدولي.ومن المؤكد أن فرصة واحدة على الأقل ـ وإن لم تُعـِـرْها أي من وسائل الإعلام اهتماماً يُذكر ـ كانت متاحة أمام الاتحاد الأوروبي قبل الموافقة على إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي. ففي السابع عشر من فبراير 2005، عرض وزير الخارجية الإيراني السابق كمال خرازي ـ في لقاء مع نظيره الألماني السابق يوشكا فيشـر منظور بلاده لطبيعة خلافها النووي مع الترويكا الأوروبية وسبل حله، حيث قال: (إن من الممكن للمنشآت النووية السلمية في ألمانيا أن تمثل نموذجاً جيداً لمشاريع إيران النووية وأساساً لأي جولة من المحادثات المتعلقة بها). وهكذا، دعا كمال خرازي أوروبا إلى الانخراط في تطوير المشاريع النووية السلمية في إيران. ونظراً لرفض إيران الاقتراح الروسي الأخير القاضي بتخصيب احتياجات طهران من اليورانيوم في روسيا، يبدو أن دعوة كمال خرازي انطوت على بديل حقيقي لحل الأزمة النووية الإيرانية، تمثل في إمكانية تعاون إيران مع شركة (يورينكو) الأوروبية.وتأسست شركة (يورينكو) الهولندية ـ الألمانية ـ البريطانية المشتركة في عام 1970، وتستوفي نشاطاتها جميع شروط وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتنشط هذه الشركة على صعيدين، هما: تخصيب اليورانيوم وإنتاج وتسويق المعدات المستخدمة في تكنولوجيا تخصيبه. وبينما تقوم مجموعة يورينكو المتخصصة بالعملية التخصيبية بإنتاج وتسويق الوقود النووي الذي يُستـَـخدَم في محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية، تمتلك مجموعة يورينكو التكنولوجية أكبر منشآت العالم لتطوير وبناء وتسويق أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في عملية تخصيب اليورانيوم. ويبدو أن فكرة الاستفادة من خدمات وتكنولوجيا شركة يورينكو لحل المسألة النووية الإيرانية لم تُطرَح على مائدة الحوار قط، لأن الدول المؤسسة لشركة يورينكو مجتمعة ـ وليس الشركة نفسها ـ هي الجهة الوحيدة المخولة باتخاذ أي قرار أو إطلاق أي مبادرة في هذا الشأن.وفي يونيو 2004، عين المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، فريقاً من الخبراء الدوليين التابعين لست وعشرين دولة لكي يدرسوا مختلف المقاربات متعددة الأطراف المحتملة التي تُعنى بإمكانية تأسيس دورة عالمية للوقود النووي. وأكد البرادعي أن المقاربات متعددة الأطراف تقوم على أساس تحسين مراقبة وضبط انتشار التكنولوجيا النووية السلمية، وتعزيز شفافية الأنشطة النووية المدنية، وضمان إمدادات الوقود النووي، وبناء المحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية في الدول غير النووية، واتخاذ إجراءات من شأنها ترسيخ نظام حظر انتشار الأسلحة النووية بالتوازي مع عدم حرمان الدول غير النووية الراغبة باستخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء من هذا الخيار. بعبارة أخرى، يمكن تعزيز نظام حظر انتشار الأسلحة النووية عبر وضع التكنولوجيا النووية السلمية في إطار مراقبة دولية أو متعددة الأطراف. وجدير بالذكر أن تقرير البرادعي المشار إليه آنفاً صدر في الثاني والعشرين من فبراير 2005، واعتبر شركة يورينكو نموذجاً محتملاً للمقاربات متعددة الأطراف. لكن مصادر في شركة يورينكو أفادت بأن حكومات دول الاتحاد الأوروبي (لم تنظر قط في أي دور محتمل لشركة يورينكو) لحل أزمة إيران النووية. وبما أنه ليس من الواضح ما إذا كان الأوروبيون قد نظروا في خيار حل الأزمة النووية الإيرانية عبر السماح لشركة يورينكو بالتعاون مع إيران، فإنه يبدو من غير الواضح أيضاً ما إذا كان الأوروبيون قد استنفدوا بالفعل جميع الخيارات العملية الممكنة لتجنب إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي.ومهما يكن من أمر، فقد أثبتت الاتفاقيات الموقعة بين كل من الاتحاد الأوروبي وإيران ـ كاتفاقية طهران (2003) وباريس (2004) ـ أن الاتحاد الأوروبي قادر على لعب دور الوسيط لحل الأزمة النووية الإيرانية، لكن التجارب العملية أظهرت بدورها أن نجاح الوساطة الأوروبية في حل هذه الأزمة ظل دائماً بحاجة ماسة إلى الدعم الأمريكي الفاعل. ففي بداية المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية المباشرة، قدمت الولايات المتحدة دعماً محدوداً لمبادرات الترويكا الأوروبية ذات الصلة، ولم تعلن أي موقف رسمي مؤيد لتلك المبادرات إلا عبر تصريحها الذي أطلقته في مارس 2005؛ أي بعد مرور سنة ونصف السنة على بدء المفاوضات المباشرة بين إيران ودول الترويكا. وللمفارقة زاد التصريح الأمريكي المذكور تحركات الترويكا الأوروبية تعقيداً، لأنها وجدت نفسها مضطرة لأخذ الموقف الأمريكي من المسألة النووية الإيرانية في الاعتبار، خصوصاً رفض واشنطن القاطع لإجراء أي محادثات مباشرة مع الحكومة الإيرانية.
ولطالما مارست واشنطن نوعاً من ازدواجية المعايير عند معالجة القضايا النووية المتشابهة تجسد، مثلاً، عبر معاقبة إيران على برنامجها النووي وعدم انتهاج السياسة نفسها إزاء كوريا الشمالية. أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة رفضت منح إيران الضمانات نفسها الأمنية التي قدمتها لكوريا الشمالية في سبتمبر 2005، إذ قالت: (إن الولايات المتحدة لا تنوي مهاجمة كوريا الشمالية بأي سلاح نووي أو تقليدي). وجاء هذا الموقف الأمريكي بالرغم من إدراج واشنطن كوريا الشمالية وإيران في نفس قائمة دول (محور الشر).
ونظراً لهذا الموقف الأمريكي المتشدد تجاه المسألة النووية الإيرانية وتلهف واشنطن لإحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن، فإنه لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تدفع الاتحاد الأوروبي لمواصلة دعم هذه السياسة الأمريكية، بالرغم من تبنيه خطاباً رصيناً وهادئاً إزاء طهران. وفي ضوء وصول مسيرة المفاوضات مؤخراً إلى طريق مسدود، ونظراً لمحدودية القدرات التفاوضية التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي، فإنه لا بد للمرء من التساؤل عن مدى حكمة تمسك الاتحاد الأوروبي بدعم حليفه الأمريكي السابق، متجاهلاً بذلك الخيارات الأخرى كالتعاون مع الصين وروسيا على وجه التحديد.
ففي منتصف إبريل 2006، عرضت روسيا والصين على إيران العضوية الكاملة في منظمة شانغهاي للتعاون، وتُعتـَـبـر هذه المنظمة التي تأسست في يونيو 2001 بمثابة إطار للشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، بينما تتمثل الأهداف الرئيسية لهذه المنظومة في بناء الثقة المتبادلة والتعاون في ميادين السياسة والاقتصاد والتجارة والعلوم والتكنولوجيا وأمن الطاقة وحماية البيئة. وبموجب ميثاق هذه المنظمة، فإن (دول منظمة شانغهاي للتعاون تتبنى وتطبق مفاهيم أمنية جديدة تقوم على أسس الثقة المتبادلة ونزع الأسلحة والتعاون الأمني، وذلك عبر تطوير علاقات شراكة جديدة بين كل دولة عضو فيها وبقية الدول الأعضاء بعيداً عن الاصطفافات التحالفية لتكون نموذجاً جديداً يُحتذى به على صعيد التعاون الإقليمي). وبصورة غير رسمية طبعاً، تعارض منظمة شانغهاي للتعاون بعض المصالح الأمريكية في منطقة بحر قزوين، وخصوصاً تلك المرتبطة بمخزون بحر قزوين من النفط والغاز الطبيعي وباحتياطي كازاخستان من النفط، وبخط أنابيب النفط الممتد من باكو إلى مرفأ جيهان التركي.
ومن دواعي السخرية أن روسيا والصين عرضتا على إيران العضوية الكاملة في تكتلهما الاستراتيجي، في الوقت الذي كانت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدرس إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي. وعلى الرغم من أن توقيت المبادرة الصينية ـ الروسية فاجأ الخبراء والمراقبين، فإن قرار الموافقة على انضمام إيران لمنظمة شانغهاي للتعاون كان أمراً متوقعاً. ومن الواضح أن حرص كل من روسيا والصين على بناء شراكة اقتصادية واستراتيجية وثيقة مع إيران ليس بالأمر الجديد. فإلى جانب الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية، تقوم روسيا، مثلاً، ببناء محطة نووية في مدينة بوشهر الإيرانية تبلغ طاقتها الإنتاجية ألف ميغاواط في الساعة، وتُقدَّر تكلفتها رسمياً بنحو 800 مليون دولار؛ بينما يشارك في بنائها قرابة 600 فني روسي. ليس هذا وحسب، بل لقد أبرمت روسيا وإيران في خريف عام 2005 صفقة قيمتها 700 مليون دولار تقريباً تزوِّد روسيا إيران بموجبها بثلاثين صاروخ أرض ـ جو من طراز (تور إم 1)، والتي سيكون بإمكان إيران استخدامها لحماية منشآتها النووية من أي غارات جوية محتملة.
في الوقت نفسه، أبرمت إيران والصين منذ أكتوبر 2004 عدداًً من اتفاقيات التعاون الثنائي. وتستورد الصين بموجب بعض هذه الاتفاقيات كميات ضخمة من النفط والغاز الإيرانيين، كما تتولى تطوير حقل نفط يادافاران الإيراني. ويُتوقَّع أن يبلغ إجمالي حجم الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة الإيراني خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة نحو مائة مليار دولار.
ونظراً لهذه العلاقات الثنائية الوثيقة، يبدو أن نفوذ روسيا والصين لدى إيران أو الولايات المتحدة في ما يخص الشأن النووي الإيراني أقوى بكثير من نفوذ الاتحاد الأوروبي. بالإضافة إلى ذلك يتعين على المرء أن يستكشف سبل دفع المسيرة التفاوضية نحو الأمام بعد أن وصلت إلى طريق مسدود، وذلك ربما عبر تأييد الاتحاد الأوروبي حل الأزمة النووية الإيرانية في إطار منظمة شانغهاي للتعاون.
ولعل وجود مبادرة مستقلة كفيل بتشجيع الاتحاد الأوروبي على النظر في التعاون مع (الشرق). ويبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي قد خلُصت إلى أن وقت العمل قد حان، وذلك لأن جدول أعمال القمة التشاورية لهذه الدول التي عُقدت في السادس من مايو في الرياض تضمنت مناقشة برنامج إيران النووي، الأمر الذي يشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي كان من الـمـُـتـوقـَّـع أن تنظر في هذه القمة بشكل جدي في إمكانية بلورة مبادرة تصلح لجعل الخليج (منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل)، وكوسيلة فاعلة لدمج إيران في بنية أمنية إقليمية مستقبلية مشتركة. وفي حال تلقي مثل هذه المبادرة دعم وتشجيع الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، ستكون الأزمة النووية الإيرانية الحالية قطعت شوطاً كبيراً نحو التسوية النهائية.
ومما لا شك فيه أن تعاون الاتحاد الأوروبي مع الصين وروسيا لحل المسألة الإيرانية لن ينال استحسان أو تأييد الكثيرين داخل الحكومة الأمريكية. لذلك يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يقرر ما إذا كان التعاون مع (الشرق) سيُثبِت في نهاية المطاف أنه أجدى وأفضل من التعامل حصرياً مع الولايات المتحدة، التي تواصل رفضها الدخول في أي محادثات مباشرة مع إيران، وتحجم عن تقديم أي ضمانات أمنية لها، فضلاً عن تهديد إيران باستخدام الوسائل العسكرية ضدها؛ ناهيك عن حقيقة أن ازدواجية المعايير الأمريكية قد تنعكس سلباً على سمعة ومصداقية الاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تقوّض سياساته المنتهجة فيها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3251::/cck::
::introtext::
لقد طغت الفكرة القائلة إن (الاتحاد الأوروبي وصل إلى مفترق طرق) على عناوين مختـلـف وسائل الإعلام خلال عام 2003، والذي شهد بداية المفاوضات المباشرة لممثلي الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) مع طهران؛ وذلك لإقناعها بالتخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم.وبعد سنتين ونصف السنة من المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية العقيمة، وافق الاتحاد الأوروبي أخيراً على التصويت لصالح إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك أكدت تصريحات كبار المسؤولين الأوروبيين أن أوروبا كانت ترى في قرار الإحالة (مبعثاً للأمل في إيجاد حل دبلوماسي للأزمة النووية الإيرانية). لكن هذا الأمل المزعوم ترافق مع تصعيد ملحوظ في لهجة خطاب وزراء خارجية كبرى دول الاتحاد الأوروبي إزاء إيران،
::/introtext::
::fulltext::
لقد طغت الفكرة القائلة إن (الاتحاد الأوروبي وصل إلى مفترق طرق) على عناوين مختـلـف وسائل الإعلام خلال عام 2003، والذي شهد بداية المفاوضات المباشرة لممثلي الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) مع طهران؛ وذلك لإقناعها بالتخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم.وبعد سنتين ونصف السنة من المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية العقيمة، وافق الاتحاد الأوروبي أخيراً على التصويت لصالح إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك أكدت تصريحات كبار المسؤولين الأوروبيين أن أوروبا كانت ترى في قرار الإحالة (مبعثاً للأمل في إيجاد حل دبلوماسي للأزمة النووية الإيرانية). لكن هذا الأمل المزعوم ترافق مع تصعيد ملحوظ في لهجة خطاب وزراء خارجية كبرى دول الاتحاد الأوروبي إزاء إيران، حيث (حذروا) طهران من احتمال قيام اتحادهم بفرض عقوبات عليها ـ قد تتضمن حظر تأشيرات السفر إلى أوروبا وفرض عقوبات مالية صارمة ـ إذا واصلت إيران رفضها التخلي عن برنامجها النووي.الآن وقد أحيل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، يتبادر إلى ذهن المرء تساؤل حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قد استنفد بالفعل جميع الخيارات الأخرى قبل تبني (قرار الإحالة)، أو ما إذا كانت هناك فرص حقيقية ضائعة لتسوية الملف النووي الإيراني خارج إطار مجلس الأمن الدولي.ومن المؤكد أن فرصة واحدة على الأقل ـ وإن لم تُعـِـرْها أي من وسائل الإعلام اهتماماً يُذكر ـ كانت متاحة أمام الاتحاد الأوروبي قبل الموافقة على إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي. ففي السابع عشر من فبراير 2005، عرض وزير الخارجية الإيراني السابق كمال خرازي ـ في لقاء مع نظيره الألماني السابق يوشكا فيشـر منظور بلاده لطبيعة خلافها النووي مع الترويكا الأوروبية وسبل حله، حيث قال: (إن من الممكن للمنشآت النووية السلمية في ألمانيا أن تمثل نموذجاً جيداً لمشاريع إيران النووية وأساساً لأي جولة من المحادثات المتعلقة بها). وهكذا، دعا كمال خرازي أوروبا إلى الانخراط في تطوير المشاريع النووية السلمية في إيران. ونظراً لرفض إيران الاقتراح الروسي الأخير القاضي بتخصيب احتياجات طهران من اليورانيوم في روسيا، يبدو أن دعوة كمال خرازي انطوت على بديل حقيقي لحل الأزمة النووية الإيرانية، تمثل في إمكانية تعاون إيران مع شركة (يورينكو) الأوروبية.وتأسست شركة (يورينكو) الهولندية ـ الألمانية ـ البريطانية المشتركة في عام 1970، وتستوفي نشاطاتها جميع شروط وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتنشط هذه الشركة على صعيدين، هما: تخصيب اليورانيوم وإنتاج وتسويق المعدات المستخدمة في تكنولوجيا تخصيبه. وبينما تقوم مجموعة يورينكو المتخصصة بالعملية التخصيبية بإنتاج وتسويق الوقود النووي الذي يُستـَـخدَم في محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية، تمتلك مجموعة يورينكو التكنولوجية أكبر منشآت العالم لتطوير وبناء وتسويق أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في عملية تخصيب اليورانيوم. ويبدو أن فكرة الاستفادة من خدمات وتكنولوجيا شركة يورينكو لحل المسألة النووية الإيرانية لم تُطرَح على مائدة الحوار قط، لأن الدول المؤسسة لشركة يورينكو مجتمعة ـ وليس الشركة نفسها ـ هي الجهة الوحيدة المخولة باتخاذ أي قرار أو إطلاق أي مبادرة في هذا الشأن.وفي يونيو 2004، عين المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، فريقاً من الخبراء الدوليين التابعين لست وعشرين دولة لكي يدرسوا مختلف المقاربات متعددة الأطراف المحتملة التي تُعنى بإمكانية تأسيس دورة عالمية للوقود النووي. وأكد البرادعي أن المقاربات متعددة الأطراف تقوم على أساس تحسين مراقبة وضبط انتشار التكنولوجيا النووية السلمية، وتعزيز شفافية الأنشطة النووية المدنية، وضمان إمدادات الوقود النووي، وبناء المحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية في الدول غير النووية، واتخاذ إجراءات من شأنها ترسيخ نظام حظر انتشار الأسلحة النووية بالتوازي مع عدم حرمان الدول غير النووية الراغبة باستخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء من هذا الخيار. بعبارة أخرى، يمكن تعزيز نظام حظر انتشار الأسلحة النووية عبر وضع التكنولوجيا النووية السلمية في إطار مراقبة دولية أو متعددة الأطراف. وجدير بالذكر أن تقرير البرادعي المشار إليه آنفاً صدر في الثاني والعشرين من فبراير 2005، واعتبر شركة يورينكو نموذجاً محتملاً للمقاربات متعددة الأطراف. لكن مصادر في شركة يورينكو أفادت بأن حكومات دول الاتحاد الأوروبي (لم تنظر قط في أي دور محتمل لشركة يورينكو) لحل أزمة إيران النووية. وبما أنه ليس من الواضح ما إذا كان الأوروبيون قد نظروا في خيار حل الأزمة النووية الإيرانية عبر السماح لشركة يورينكو بالتعاون مع إيران، فإنه يبدو من غير الواضح أيضاً ما إذا كان الأوروبيون قد استنفدوا بالفعل جميع الخيارات العملية الممكنة لتجنب إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي.ومهما يكن من أمر، فقد أثبتت الاتفاقيات الموقعة بين كل من الاتحاد الأوروبي وإيران ـ كاتفاقية طهران (2003) وباريس (2004) ـ أن الاتحاد الأوروبي قادر على لعب دور الوسيط لحل الأزمة النووية الإيرانية، لكن التجارب العملية أظهرت بدورها أن نجاح الوساطة الأوروبية في حل هذه الأزمة ظل دائماً بحاجة ماسة إلى الدعم الأمريكي الفاعل. ففي بداية المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية المباشرة، قدمت الولايات المتحدة دعماً محدوداً لمبادرات الترويكا الأوروبية ذات الصلة، ولم تعلن أي موقف رسمي مؤيد لتلك المبادرات إلا عبر تصريحها الذي أطلقته في مارس 2005؛ أي بعد مرور سنة ونصف السنة على بدء المفاوضات المباشرة بين إيران ودول الترويكا. وللمفارقة زاد التصريح الأمريكي المذكور تحركات الترويكا الأوروبية تعقيداً، لأنها وجدت نفسها مضطرة لأخذ الموقف الأمريكي من المسألة النووية الإيرانية في الاعتبار، خصوصاً رفض واشنطن القاطع لإجراء أي محادثات مباشرة مع الحكومة الإيرانية.
ولطالما مارست واشنطن نوعاً من ازدواجية المعايير عند معالجة القضايا النووية المتشابهة تجسد، مثلاً، عبر معاقبة إيران على برنامجها النووي وعدم انتهاج السياسة نفسها إزاء كوريا الشمالية. أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة رفضت منح إيران الضمانات نفسها الأمنية التي قدمتها لكوريا الشمالية في سبتمبر 2005، إذ قالت: (إن الولايات المتحدة لا تنوي مهاجمة كوريا الشمالية بأي سلاح نووي أو تقليدي). وجاء هذا الموقف الأمريكي بالرغم من إدراج واشنطن كوريا الشمالية وإيران في نفس قائمة دول (محور الشر).
ونظراً لهذا الموقف الأمريكي المتشدد تجاه المسألة النووية الإيرانية وتلهف واشنطن لإحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن، فإنه لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تدفع الاتحاد الأوروبي لمواصلة دعم هذه السياسة الأمريكية، بالرغم من تبنيه خطاباً رصيناً وهادئاً إزاء طهران. وفي ضوء وصول مسيرة المفاوضات مؤخراً إلى طريق مسدود، ونظراً لمحدودية القدرات التفاوضية التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي، فإنه لا بد للمرء من التساؤل عن مدى حكمة تمسك الاتحاد الأوروبي بدعم حليفه الأمريكي السابق، متجاهلاً بذلك الخيارات الأخرى كالتعاون مع الصين وروسيا على وجه التحديد.
ففي منتصف إبريل 2006، عرضت روسيا والصين على إيران العضوية الكاملة في منظمة شانغهاي للتعاون، وتُعتـَـبـر هذه المنظمة التي تأسست في يونيو 2001 بمثابة إطار للشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، بينما تتمثل الأهداف الرئيسية لهذه المنظومة في بناء الثقة المتبادلة والتعاون في ميادين السياسة والاقتصاد والتجارة والعلوم والتكنولوجيا وأمن الطاقة وحماية البيئة. وبموجب ميثاق هذه المنظمة، فإن (دول منظمة شانغهاي للتعاون تتبنى وتطبق مفاهيم أمنية جديدة تقوم على أسس الثقة المتبادلة ونزع الأسلحة والتعاون الأمني، وذلك عبر تطوير علاقات شراكة جديدة بين كل دولة عضو فيها وبقية الدول الأعضاء بعيداً عن الاصطفافات التحالفية لتكون نموذجاً جديداً يُحتذى به على صعيد التعاون الإقليمي). وبصورة غير رسمية طبعاً، تعارض منظمة شانغهاي للتعاون بعض المصالح الأمريكية في منطقة بحر قزوين، وخصوصاً تلك المرتبطة بمخزون بحر قزوين من النفط والغاز الطبيعي وباحتياطي كازاخستان من النفط، وبخط أنابيب النفط الممتد من باكو إلى مرفأ جيهان التركي.
ومن دواعي السخرية أن روسيا والصين عرضتا على إيران العضوية الكاملة في تكتلهما الاستراتيجي، في الوقت الذي كانت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدرس إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي. وعلى الرغم من أن توقيت المبادرة الصينية ـ الروسية فاجأ الخبراء والمراقبين، فإن قرار الموافقة على انضمام إيران لمنظمة شانغهاي للتعاون كان أمراً متوقعاً. ومن الواضح أن حرص كل من روسيا والصين على بناء شراكة اقتصادية واستراتيجية وثيقة مع إيران ليس بالأمر الجديد. فإلى جانب الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية، تقوم روسيا، مثلاً، ببناء محطة نووية في مدينة بوشهر الإيرانية تبلغ طاقتها الإنتاجية ألف ميغاواط في الساعة، وتُقدَّر تكلفتها رسمياً بنحو 800 مليون دولار؛ بينما يشارك في بنائها قرابة 600 فني روسي. ليس هذا وحسب، بل لقد أبرمت روسيا وإيران في خريف عام 2005 صفقة قيمتها 700 مليون دولار تقريباً تزوِّد روسيا إيران بموجبها بثلاثين صاروخ أرض ـ جو من طراز (تور إم 1)، والتي سيكون بإمكان إيران استخدامها لحماية منشآتها النووية من أي غارات جوية محتملة.
في الوقت نفسه، أبرمت إيران والصين منذ أكتوبر 2004 عدداًً من اتفاقيات التعاون الثنائي. وتستورد الصين بموجب بعض هذه الاتفاقيات كميات ضخمة من النفط والغاز الإيرانيين، كما تتولى تطوير حقل نفط يادافاران الإيراني. ويُتوقَّع أن يبلغ إجمالي حجم الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة الإيراني خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة نحو مائة مليار دولار.
ونظراً لهذه العلاقات الثنائية الوثيقة، يبدو أن نفوذ روسيا والصين لدى إيران أو الولايات المتحدة في ما يخص الشأن النووي الإيراني أقوى بكثير من نفوذ الاتحاد الأوروبي. بالإضافة إلى ذلك يتعين على المرء أن يستكشف سبل دفع المسيرة التفاوضية نحو الأمام بعد أن وصلت إلى طريق مسدود، وذلك ربما عبر تأييد الاتحاد الأوروبي حل الأزمة النووية الإيرانية في إطار منظمة شانغهاي للتعاون.
ولعل وجود مبادرة مستقلة كفيل بتشجيع الاتحاد الأوروبي على النظر في التعاون مع (الشرق). ويبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي قد خلُصت إلى أن وقت العمل قد حان، وذلك لأن جدول أعمال القمة التشاورية لهذه الدول التي عُقدت في السادس من مايو في الرياض تضمنت مناقشة برنامج إيران النووي، الأمر الذي يشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي كان من الـمـُـتـوقـَّـع أن تنظر في هذه القمة بشكل جدي في إمكانية بلورة مبادرة تصلح لجعل الخليج (منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل)، وكوسيلة فاعلة لدمج إيران في بنية أمنية إقليمية مستقبلية مشتركة. وفي حال تلقي مثل هذه المبادرة دعم وتشجيع الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، ستكون الأزمة النووية الإيرانية الحالية قطعت شوطاً كبيراً نحو التسوية النهائية.
ومما لا شك فيه أن تعاون الاتحاد الأوروبي مع الصين وروسيا لحل المسألة الإيرانية لن ينال استحسان أو تأييد الكثيرين داخل الحكومة الأمريكية. لذلك يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يقرر ما إذا كان التعاون مع (الشرق) سيُثبِت في نهاية المطاف أنه أجدى وأفضل من التعامل حصرياً مع الولايات المتحدة، التي تواصل رفضها الدخول في أي محادثات مباشرة مع إيران، وتحجم عن تقديم أي ضمانات أمنية لها، فضلاً عن تهديد إيران باستخدام الوسائل العسكرية ضدها؛ ناهيك عن حقيقة أن ازدواجية المعايير الأمريكية قد تنعكس سلباً على سمعة ومصداقية الاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تقوّض سياساته المنتهجة فيها.
::/fulltext::
::cck::3251::/cck::
