اتفاقيات التجارة الحرة تتخطى حدود التجارة
::cck::3178::/cck::
::introtext::
تمشياً مع مقتضيات العولمة وتوجهاتها الجديدة، فإن الحديث عن اتفاقيات التجارة الحرة يكثر هذه الأيام في منطقة الخليج. وبالإضافة إلى اتفاقية عُقِدت مع لبنان فإن دول مجلس التعاون الخليجي تجري حالياً مفاوضات لعقد اتفاقيات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والهند، وهناك استعدادات أيضاً لبدء مفاوضات مع الصين واليابان وباكستان ومجموعة دول الآسيان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول. وكان من الممكن أن تحرز هذه المباحثات تقدماً بوتيرة أسرع لو أن المفاوضات اقتصرت على معالجة القضايا الاقتصادية. وحقيقة أن هناك أبعاداً أخرى لاتفاقيات التجارة الحرة تعتَـبر عائقاً أمام تحقيق التقدم المأمول، وبخاصة في حالتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
::/introtext::
::fulltext::
تمشياً مع مقتضيات العولمة وتوجهاتها الجديدة، فإن الحديث عن اتفاقيات التجارة الحرة يكثر هذه الأيام في منطقة الخليج. وبالإضافة إلى اتفاقية عُقِدت مع لبنان فإن دول مجلس التعاون الخليجي تجري حالياً مفاوضات لعقد اتفاقيات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والهند، وهناك استعدادات أيضاً لبدء مفاوضات مع الصين واليابان وباكستان ومجموعة دول الآسيان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول. وكان من الممكن أن تحرز هذه المباحثات تقدماً بوتيرة أسرع لو أن المفاوضات اقتصرت على معالجة القضايا الاقتصادية. وحقيقة أن هناك أبعاداً أخرى لاتفاقيات التجارة الحرة تعتَـبر عائقاً أمام تحقيق التقدم المأمول، وبخاصة في حالتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
كان من المفترض أن تكون اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها أمريكا مع مملكة البحرين صفقة اقتصادية بحتة، إلا أنها أثارت أزمة سياسية بين بعض دول المجلس. وإذا أخذنا في الاعتبار العوامل الأخرى التي تؤثر في مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة، فإن دول المجلس لم تتردد في أن تتساءل علانية عن الحكمة من وراء قيام أمريكا بخلط السياسة بالإصلاحات الاقتصادية، فخلال الأشهر القليلة الماضية كانت ردة فعل دولة قطر والإمارات العربية المتحدة قوية جداً احتجاجاً على فرض أمريكا شروطاً مسبقة قبل إحراز تقدم في المفاوضات التجارية، كما أن هاتين الدولتين بالإضافة إلى عُمان واجهت اعتراضات أمريكية بسبب قضايا اجتماعية، وخصوصاً حقوق العمال الوافدين، الأمر الذي أصبح يشكل عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاقيات نهائية. ونتيجة لذلك صرّح السفير القطري في واشنطن قائلاً: نحن لا نحتاج إلى اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة. أما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي فصرح أيضاً بأن دولة الإمارات لا ترغب في تقديم (تنازلات سياسية) من أجل إنجاز اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى.
هذا التوتر في العلاقة بين دولة الإمارات والولايات المتحدة بدا واضحاً بعد فشل التوصل إلى اتفاق مع شركة موانئ دبي العالمية. ومما رفع من حدّة هذا التوتر هو قيام إحدى منظمات حقوق الإنسان ومقرها أمريكا، بمطالبة واشنطن بعدم توقيع الاتفاقية قبل أن تضع الإمارات حداً لـ (سوء معاملة) العمال الأجانب.
وقد تعثرت المفاوضات لعقد اتفاقية للتجارة الحرة بين أمريكا والإمارات عندما أعلنت أبوظبي معارضتها لعدد من الطلبات الأمريكية التي لا تتعلق بالقضايا الاقتصادية مثل إقامة نقابات للعمال وتعديل قوانين العمل بما يتوافق مع قوانين العمل الدولية وإعادة النظر في قوانين الاستثمارات والكفالة ومعاملة المواطنين الأمريكيين على قدم المساواة مع مواطني دولة الإمارات، ولا سيما في ما يتعلق بالملكية والمواطنة وحقوق التصويت للوافدين.
وأعرب منتقدو هذه الشروط المسبقة وعملية الخلط بين السياسة والاقتصاد عن قلقهم الشديد إزاء هذا التوجه، فوزير الاتصالات الإماراتي السابق أحمد حميد الطاير، على سبيل المثال لا الحصر، تساءل في هذا الصدد: (ماذا لو أن الصين واليابان والاتحاد الأوروبي، وهي أطراف شريكة أكثر أهمية بالنسبة لدولة الإمارات من الولايات المتحدة، طالبت بتغيير القوانين أيضاً؟).
كما أن الاتحاد الأوروبي ليس بعيداً عن هذه الشروط المسبقة، ففي جدول أعمال اتفاقية التجارة الحرة مع دول المجلس، والتي بدأت منذ نحو ثمانية عشر عاماً، أدرج الاتحاد الأوروبي موضوعات مثل حقوق الإنسان والسياسة المتبعة تجاه الوافدين والتعاون ضد الإرهاب وحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، إضافة إلى قضايا أخرى عديدة.
وحتى الآن، فإن الأردن والمغرب والبحرين هي الدول الوحيدة التي وقعت اتفاقيات تجارة حرة مع أمريكا. أما سلطنة عُمان فهي على وشك وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية. وتسعى أمريكا حالياً إلى توقيع أكبر عدد ممكن من الاتفاقيات وعلى وجه السرعة، وذلك لأن الامتياز الممنوح للرئيس الأمريكي بوش لإجراء مفاوضات حول عقد اتفاقيات للتجارة الحرة سينتهي في يوليو 2007. وبناءً على السلطات الممنوحة للرئيس لتعزيز التبادل التجاري مع دول العالم فإن صلاحيات الكونغرس لا تتعدى الموافقة على اتفاقية تجارية أو رفضها ضمن حدود زمنية محددة ومن دون تعديلات.
وبالإضافة إلى استخدام اتفاقيات التجارة الحرة كأداة لتمرير الإصلاحات السياسية والاجتماعية، فإن أمريكا تستخدمها أيضاً كوسيلة لتشكيل قضايا السياسة الخارجية وكسلاح في حربها ضد الإرهاب. فبعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 تقدمت واشنطن باقتراح لجعل الشرق الأوسط منطقة للتجارة الحرة لتضم 22 دولة عربية وإسرائيل وأمريكا بحلول عام 2013. وأعلنت لجنة الحادي عشر من سبتمبر عن تأييدها للاتفاقيات التجارية في التقرير الذي رفعته إلى الكونغرس. وفي السياق نفسه، ذهب نائب مساعد وزير الدفاع بول وولفويتز إلى القول في عام 2002: (إنه إذا كنا فعلاً جادين بشأن مكافحة الإرهاب فإنه يجب علينا أن نكون جادين أيضاً بشأن المساعدة على إقامة ديمقراطيات واقتصادات مستقرة).
وقال بعض المحللين إن فكرة إقامة منطقة تجارة حرة في الشرق الأوسط جاءت أصلاً من القاعدة السياسية التي تقول: (إن أولئك الذين يقيمون علاقات تجارية يحرصون على استمرار التعاون بينهم)، ولم تأتِ من أي موقف أو رؤية اقتصادية أمريكية، فلقد كان ذلك واضحاً ولو جزئياً في الاتفاقية التجارية بين واشنطن والرياض التي وُقـِّـعـت في سبتمبر 2005، والتي أدت إلى انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، وتقضي الاتفاقية بفتح الأسواق أمام منتجات دول المنطقة من دون استثناء.
وأشار ممثل التجارة الأمريكية روبرت زوليك منذ البداية إلى الطبيعة غير الاقتصادية للخطة بقوله: (قطعة بعد أخرى، تقوم الإدارة الأمريكية بتشكيل لوحة موزاييك تضم دعاة الحداثة والتحديث بناءً على خطة تقدم التجارة والانفتاح كأدوات لقادة العالم الإسلامي الذين يتطلعون إلى إحياء إسلام يتسم بالتفاؤل والتسامح، ويسعى المسلمون إلى استعادة الإسلام بوجهه المتجدد والمتسامح أبداً، إلا أن المتطرفين وأعضاء الجماعات المسلحة والاضطرابات الاقتصادية يشكلون عوامل تعيق تحقيق هذه الأهداف).
ويذهب البعض إلى القول إن أولئك الذين يعتقدون أن التجارة العالمية ترقى بمستوى الاقتصاد العالمي، فإن أفضل إطار للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقيات تجارية يجب أن يكون الإطار العالمي المتمثل في منظمة التجارة العالمية.
واستناداً إلى ما يقوله الدكتور سيدني وينتروب من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (فإن الشعور السائد في العالم الآن هو أن سياسة أمريكا تقوم على أساس عدم توقيع اتفاقيات تجارة حرة مع دول أخرى إذا كانت لا تلتزم بمواقف السياسة الخارجية الأمريكية. بمعنى آخر، (فإن اتفاقيات التجارة الحرة ليست بالضرورة اتفاقية تعود بالمنفعة على جميع الأطراف المعنية من خلال توسيع التجارة، ولكنها امتياز يُعطى أو خدمة تُقدَّم مقابل أن تدعم الدولة المعنية السياسة الخارجية الأمريكية).
أما بول كروغمان أستاذ الاقتصاد في جامعة برينستون فيقول: (تبين فيما بعد أن اتفاقية التجارة الإقليمية لم تكن أكثر من قصة افتراضية، وأن جميع هذه الاتفاقيات هي بشكل أساسي عبارة عن رسائل سياسية).
ولا يزال علماء الاقتصاد يحاولون جاهدين حل معضلة السياسة والتنمية، والتي هي أشبه ما تكون بقصة (الدجاجة والبيضة)! فهل الانفتاح الاقتصادي يؤدي إلى الحريات السياسية؟ قد تكون مملكة البحرين فازت بجائزة اقتصادية أمريكية مكافأة لها على عملية الإصلاح السياسي، ولكن الحقيقة الراسخة هي أن الديمقراطية ليست واردة على سلّم الأولويات، لأن المواطنين لا يعانون من مشكلات اقتصادية حادة. وتجدر الإشارة إلى أن الإصلاحات الاقتصادية والسياسية لم تحقق تقدماً ملحوظاً عندما كانت أسعار النفط مرتفعة. وقد يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى باستثناء أن عملية التنويع الاقتصادي التي بدأت عندما كانت أسعار النفط منخفضة قد تشهد تقدماً ملموساً، وذلك بالاستفادة من العوائد المتأتية من الأسعار القياسية للنفط.
وتفيد بعض التوقعات بأن حجم اقتصادات دول المجلس سيتضاعف أربع مرات بحلول عام 2030 ليصل إلى تريليوني دولار بأسعار عام 2005. ولكن في الوقت نفسه فإن أعداد السكان قد تتضاعف ثلاث مرات لتصل إلى نحو تسعين مليون نسمة في الفترة نفسها. صحيح أن النمو الاقتصادي قد يساهم في إيجاد طبقة متوسطة جديدة في المنطقة، التي يمكن أن تكون رائدة التطور السياسي في المستقبل، ولكن صحيح أيضاً أن التقدم الاقتصادي يمكن أن يكون عائقاً أمام التطور السياسي، لأنه يخفف من حدّة الاحتجاجات، وهو ما قد ينسحب كذلك على اتفاقيات التجارة الحرة أيضاً. وليس هناك من دليل قاطع على وجود علاقة بين مستوى المعيشة والإرهاب، الأمر الذي يترك العديد من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة تتعلق باتفاقيات التجارة الحرة الأمريكية، وخصوصاً في جوانبها غير الاقتصادية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3178::/cck::
::introtext::
تمشياً مع مقتضيات العولمة وتوجهاتها الجديدة، فإن الحديث عن اتفاقيات التجارة الحرة يكثر هذه الأيام في منطقة الخليج. وبالإضافة إلى اتفاقية عُقِدت مع لبنان فإن دول مجلس التعاون الخليجي تجري حالياً مفاوضات لعقد اتفاقيات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والهند، وهناك استعدادات أيضاً لبدء مفاوضات مع الصين واليابان وباكستان ومجموعة دول الآسيان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول. وكان من الممكن أن تحرز هذه المباحثات تقدماً بوتيرة أسرع لو أن المفاوضات اقتصرت على معالجة القضايا الاقتصادية. وحقيقة أن هناك أبعاداً أخرى لاتفاقيات التجارة الحرة تعتَـبر عائقاً أمام تحقيق التقدم المأمول، وبخاصة في حالتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
::/introtext::
::fulltext::
تمشياً مع مقتضيات العولمة وتوجهاتها الجديدة، فإن الحديث عن اتفاقيات التجارة الحرة يكثر هذه الأيام في منطقة الخليج. وبالإضافة إلى اتفاقية عُقِدت مع لبنان فإن دول مجلس التعاون الخليجي تجري حالياً مفاوضات لعقد اتفاقيات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والهند، وهناك استعدادات أيضاً لبدء مفاوضات مع الصين واليابان وباكستان ومجموعة دول الآسيان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول. وكان من الممكن أن تحرز هذه المباحثات تقدماً بوتيرة أسرع لو أن المفاوضات اقتصرت على معالجة القضايا الاقتصادية. وحقيقة أن هناك أبعاداً أخرى لاتفاقيات التجارة الحرة تعتَـبر عائقاً أمام تحقيق التقدم المأمول، وبخاصة في حالتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
كان من المفترض أن تكون اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها أمريكا مع مملكة البحرين صفقة اقتصادية بحتة، إلا أنها أثارت أزمة سياسية بين بعض دول المجلس. وإذا أخذنا في الاعتبار العوامل الأخرى التي تؤثر في مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة، فإن دول المجلس لم تتردد في أن تتساءل علانية عن الحكمة من وراء قيام أمريكا بخلط السياسة بالإصلاحات الاقتصادية، فخلال الأشهر القليلة الماضية كانت ردة فعل دولة قطر والإمارات العربية المتحدة قوية جداً احتجاجاً على فرض أمريكا شروطاً مسبقة قبل إحراز تقدم في المفاوضات التجارية، كما أن هاتين الدولتين بالإضافة إلى عُمان واجهت اعتراضات أمريكية بسبب قضايا اجتماعية، وخصوصاً حقوق العمال الوافدين، الأمر الذي أصبح يشكل عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاقيات نهائية. ونتيجة لذلك صرّح السفير القطري في واشنطن قائلاً: نحن لا نحتاج إلى اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة. أما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي فصرح أيضاً بأن دولة الإمارات لا ترغب في تقديم (تنازلات سياسية) من أجل إنجاز اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى.
هذا التوتر في العلاقة بين دولة الإمارات والولايات المتحدة بدا واضحاً بعد فشل التوصل إلى اتفاق مع شركة موانئ دبي العالمية. ومما رفع من حدّة هذا التوتر هو قيام إحدى منظمات حقوق الإنسان ومقرها أمريكا، بمطالبة واشنطن بعدم توقيع الاتفاقية قبل أن تضع الإمارات حداً لـ (سوء معاملة) العمال الأجانب.
وقد تعثرت المفاوضات لعقد اتفاقية للتجارة الحرة بين أمريكا والإمارات عندما أعلنت أبوظبي معارضتها لعدد من الطلبات الأمريكية التي لا تتعلق بالقضايا الاقتصادية مثل إقامة نقابات للعمال وتعديل قوانين العمل بما يتوافق مع قوانين العمل الدولية وإعادة النظر في قوانين الاستثمارات والكفالة ومعاملة المواطنين الأمريكيين على قدم المساواة مع مواطني دولة الإمارات، ولا سيما في ما يتعلق بالملكية والمواطنة وحقوق التصويت للوافدين.
وأعرب منتقدو هذه الشروط المسبقة وعملية الخلط بين السياسة والاقتصاد عن قلقهم الشديد إزاء هذا التوجه، فوزير الاتصالات الإماراتي السابق أحمد حميد الطاير، على سبيل المثال لا الحصر، تساءل في هذا الصدد: (ماذا لو أن الصين واليابان والاتحاد الأوروبي، وهي أطراف شريكة أكثر أهمية بالنسبة لدولة الإمارات من الولايات المتحدة، طالبت بتغيير القوانين أيضاً؟).
كما أن الاتحاد الأوروبي ليس بعيداً عن هذه الشروط المسبقة، ففي جدول أعمال اتفاقية التجارة الحرة مع دول المجلس، والتي بدأت منذ نحو ثمانية عشر عاماً، أدرج الاتحاد الأوروبي موضوعات مثل حقوق الإنسان والسياسة المتبعة تجاه الوافدين والتعاون ضد الإرهاب وحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، إضافة إلى قضايا أخرى عديدة.
وحتى الآن، فإن الأردن والمغرب والبحرين هي الدول الوحيدة التي وقعت اتفاقيات تجارة حرة مع أمريكا. أما سلطنة عُمان فهي على وشك وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية. وتسعى أمريكا حالياً إلى توقيع أكبر عدد ممكن من الاتفاقيات وعلى وجه السرعة، وذلك لأن الامتياز الممنوح للرئيس الأمريكي بوش لإجراء مفاوضات حول عقد اتفاقيات للتجارة الحرة سينتهي في يوليو 2007. وبناءً على السلطات الممنوحة للرئيس لتعزيز التبادل التجاري مع دول العالم فإن صلاحيات الكونغرس لا تتعدى الموافقة على اتفاقية تجارية أو رفضها ضمن حدود زمنية محددة ومن دون تعديلات.
وبالإضافة إلى استخدام اتفاقيات التجارة الحرة كأداة لتمرير الإصلاحات السياسية والاجتماعية، فإن أمريكا تستخدمها أيضاً كوسيلة لتشكيل قضايا السياسة الخارجية وكسلاح في حربها ضد الإرهاب. فبعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 تقدمت واشنطن باقتراح لجعل الشرق الأوسط منطقة للتجارة الحرة لتضم 22 دولة عربية وإسرائيل وأمريكا بحلول عام 2013. وأعلنت لجنة الحادي عشر من سبتمبر عن تأييدها للاتفاقيات التجارية في التقرير الذي رفعته إلى الكونغرس. وفي السياق نفسه، ذهب نائب مساعد وزير الدفاع بول وولفويتز إلى القول في عام 2002: (إنه إذا كنا فعلاً جادين بشأن مكافحة الإرهاب فإنه يجب علينا أن نكون جادين أيضاً بشأن المساعدة على إقامة ديمقراطيات واقتصادات مستقرة).
وقال بعض المحللين إن فكرة إقامة منطقة تجارة حرة في الشرق الأوسط جاءت أصلاً من القاعدة السياسية التي تقول: (إن أولئك الذين يقيمون علاقات تجارية يحرصون على استمرار التعاون بينهم)، ولم تأتِ من أي موقف أو رؤية اقتصادية أمريكية، فلقد كان ذلك واضحاً ولو جزئياً في الاتفاقية التجارية بين واشنطن والرياض التي وُقـِّـعـت في سبتمبر 2005، والتي أدت إلى انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، وتقضي الاتفاقية بفتح الأسواق أمام منتجات دول المنطقة من دون استثناء.
وأشار ممثل التجارة الأمريكية روبرت زوليك منذ البداية إلى الطبيعة غير الاقتصادية للخطة بقوله: (قطعة بعد أخرى، تقوم الإدارة الأمريكية بتشكيل لوحة موزاييك تضم دعاة الحداثة والتحديث بناءً على خطة تقدم التجارة والانفتاح كأدوات لقادة العالم الإسلامي الذين يتطلعون إلى إحياء إسلام يتسم بالتفاؤل والتسامح، ويسعى المسلمون إلى استعادة الإسلام بوجهه المتجدد والمتسامح أبداً، إلا أن المتطرفين وأعضاء الجماعات المسلحة والاضطرابات الاقتصادية يشكلون عوامل تعيق تحقيق هذه الأهداف).
ويذهب البعض إلى القول إن أولئك الذين يعتقدون أن التجارة العالمية ترقى بمستوى الاقتصاد العالمي، فإن أفضل إطار للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقيات تجارية يجب أن يكون الإطار العالمي المتمثل في منظمة التجارة العالمية.
واستناداً إلى ما يقوله الدكتور سيدني وينتروب من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (فإن الشعور السائد في العالم الآن هو أن سياسة أمريكا تقوم على أساس عدم توقيع اتفاقيات تجارة حرة مع دول أخرى إذا كانت لا تلتزم بمواقف السياسة الخارجية الأمريكية. بمعنى آخر، (فإن اتفاقيات التجارة الحرة ليست بالضرورة اتفاقية تعود بالمنفعة على جميع الأطراف المعنية من خلال توسيع التجارة، ولكنها امتياز يُعطى أو خدمة تُقدَّم مقابل أن تدعم الدولة المعنية السياسة الخارجية الأمريكية).
أما بول كروغمان أستاذ الاقتصاد في جامعة برينستون فيقول: (تبين فيما بعد أن اتفاقية التجارة الإقليمية لم تكن أكثر من قصة افتراضية، وأن جميع هذه الاتفاقيات هي بشكل أساسي عبارة عن رسائل سياسية).
ولا يزال علماء الاقتصاد يحاولون جاهدين حل معضلة السياسة والتنمية، والتي هي أشبه ما تكون بقصة (الدجاجة والبيضة)! فهل الانفتاح الاقتصادي يؤدي إلى الحريات السياسية؟ قد تكون مملكة البحرين فازت بجائزة اقتصادية أمريكية مكافأة لها على عملية الإصلاح السياسي، ولكن الحقيقة الراسخة هي أن الديمقراطية ليست واردة على سلّم الأولويات، لأن المواطنين لا يعانون من مشكلات اقتصادية حادة. وتجدر الإشارة إلى أن الإصلاحات الاقتصادية والسياسية لم تحقق تقدماً ملحوظاً عندما كانت أسعار النفط مرتفعة. وقد يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى باستثناء أن عملية التنويع الاقتصادي التي بدأت عندما كانت أسعار النفط منخفضة قد تشهد تقدماً ملموساً، وذلك بالاستفادة من العوائد المتأتية من الأسعار القياسية للنفط.
وتفيد بعض التوقعات بأن حجم اقتصادات دول المجلس سيتضاعف أربع مرات بحلول عام 2030 ليصل إلى تريليوني دولار بأسعار عام 2005. ولكن في الوقت نفسه فإن أعداد السكان قد تتضاعف ثلاث مرات لتصل إلى نحو تسعين مليون نسمة في الفترة نفسها. صحيح أن النمو الاقتصادي قد يساهم في إيجاد طبقة متوسطة جديدة في المنطقة، التي يمكن أن تكون رائدة التطور السياسي في المستقبل، ولكن صحيح أيضاً أن التقدم الاقتصادي يمكن أن يكون عائقاً أمام التطور السياسي، لأنه يخفف من حدّة الاحتجاجات، وهو ما قد ينسحب كذلك على اتفاقيات التجارة الحرة أيضاً. وليس هناك من دليل قاطع على وجود علاقة بين مستوى المعيشة والإرهاب، الأمر الذي يترك العديد من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة تتعلق باتفاقيات التجارة الحرة الأمريكية، وخصوصاً في جوانبها غير الاقتصادية.
::/fulltext::
::cck::3178::/cck::
