تقويم مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال ربع قرن

::cck::3175::/cck::
::introtext::

التقويم عملية مستمرة تتزامن مع أي عمل فردي أو مؤسسي وذلك للوقوف على ما تم إنجازه ورصد أسباب النجاح أو عوامل القصور، والتنبؤ بما يمكن أن يتم في المستقبل القريب، ولهذا فإن دراسة وتقييم مسيرة مجلس التعاون في المراحل السابقة التي بلغت ربع قرن منذ تأسيس المجلس في 25/5/1981 في مدينة أبوظبي وحتى اليوم، تعد خطوة ضرورية بل وملحة في ظل المتغيرات والتحولات التي تشهدها المنطقة، وهي خطوة تتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة من مسيرة المجلس ومع التطلعات الراهنة لشعوب دول المجلس.

::/introtext::
::fulltext::

التقويم عملية مستمرة تتزامن مع أي عمل فردي أو مؤسسي وذلك للوقوف على ما تم إنجازه ورصد أسباب النجاح أو عوامل القصور، والتنبؤ بما يمكن أن يتم في المستقبل القريب، ولهذا فإن دراسة وتقييم مسيرة مجلس التعاون في المراحل السابقة التي بلغت ربع قرن منذ تأسيس المجلس في 25/5/1981 في مدينة أبوظبي وحتى اليوم، تعد خطوة ضرورية بل وملحة في ظل المتغيرات والتحولات التي تشهدها المنطقة، وهي خطوة تتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة من مسيرة المجلس ومع التطلعات الراهنة لشعوب دول المجلس.
ولا شك في أن أحداثاً ومتغيرات عديدة إقليمية وعربية وإسلامية ودولية ألقت بظلالها على مجلس التعاون وأثرت فيه بدرجة أو بأخرى، وهذا من طبائع الأمور لأن البيئة المحيطة بالفرد أو المؤسسات لها تأثير واضح في أداء وتطور الفرد أو الجماعة. ومن المعروف أن منطقة الخليج العربية – التي يعد مجلس التعاون إحدى أهم مؤسساته السياسية والاقتصادية الشاملة – كانت ولا تزال هذه المنطقة نقطة التقاء الأنظار ومحط اهتمام الآخرين – بل وأطماعهم – لما تميزت به من خصائص طبيعية وجغرافية واقتصادية.
وكان على رأس هذه الخصائص ما تميزت به المنطقة من موقع استراتيجي هام وسط قارات العالم المختلفة، ثم ما لديها من احتياطي عالمي للطاقة ، ولذلك شهدت المنطقة توترات وصراعات تزامنت مع تأسيس المجلس وتفاعلت مع مسيرته عبر السنوات الماضية، حتى كانت المنطقة وبحق بؤرة ساخنة ومضطربة في كثير من الأحيان سواء أكانت دول المجلس طرفاً في بعض هذه الصراعات أم لا، وليس من شك في أن أكبر دليل على نجاح المجلس هو استمراريته بل وقدرته على العطاء والتطور في وسط هذه الظروف والمتغيرات.
ولكن النجاح والاستمرارية لا يمنعان من وجود تقويم لأداء ومسيرة المجلس خلال المراحل السابقة، حتى تتحول الاستمرارية إلى فاعلية وتأثير، ومن هنا تأتي أهمية التقويم المطلوب لأداء المجلس ومسيرته في المرحلة السابقة ووضع التصورات والرؤى للتعامل مع المستقبل القريب والبعيد على السواء، ذلك لأن التقويم إذ يساعدنا في الوقوف على ملامح الماضي فإنه في الوقت ذاته يساعدنا على التعرف إلى معالم المستقبل والاستعداد له.
* معايير التقويم المطلوب وشروطه
ثمة معايير وشروط يجب أن تتوافر في عملية التقويم حتى يمكن أن تؤتي ثمارها وتسهم في الوصول إلى الأهداف التي يسعى المجلس إلى تحقيقها ومن هذه المعايير:
1- استمرار عملية التقويم لتكون مصاحبة للعمل في كل مراحله، فلا يكفي أن نقوم بالتقويم بشكل موسمي كل سنوات أو عقود، بل إن المطلوب هو استمراره بشكل منتظم (كل سنة أو سنتين أو ثلاث مثلاً) وهذا مأخوذ به حالياً من خلال الأمانة العامة لمجلس التعاون التي تقوم بهذه العملية كل ثلاث سنوات، لكن المطلوب هو تفعيل هذه العملية واستثمار آلية التقويم قدر المستطاع.
2- تشكيل لجنة دائمة – وليست مؤقتة – للتقويم والمتابعة وذلك لضمان استمرار عملية التقويم ونجاحها وتفعيلها.
3- إعطاء هذه اللجنة الصلاحيات المناسبة لوضع دراسات تقييم لأداء المجلس كل فترة زمنية يتم تحديدها.
4- المشاركة النخبوية والشعبية في عملية التقييم من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة وجمعياته ومراكزه وجامعاته، وهذا سيجعل التقويم عملية مفتوحة وعامة بقدر الإمكان، وسيجعل أيضاً المشاركة في القرارات قائمة من خلال الاستعانة بآراء الجماهير والنخب المفكرة في كافة المجالات والتخصصات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية.
5- الشفافية والمصارحة في ممارسة عملية التقييم سواء من اللجنة المختصة بالمجلس أو من المشاركين من خارج المجلس، لأن هذه الشفافية تجعلنا نستطيع الوقوف على مواطن التقصير لمعالجتها سريعاً، وذلك لأن هذه الشفافية هي معيار النجاح الحقيقي لأي عملية تقويم ومن دونها يصبح التقويم جهداً ضائعاً ووقتاً مهدراً.
6- شمولية التقويم حيث يجب أن يتعامل مع كل ما يتعلق بمسيرة المجلس منذ تأسيسه حتى الآن.. والخطوة الأولى للتقويم هي النظر إلى الأهداف والغايات التي قام من أجلها المجلس وما تم من تحقيقها وما عجز عن تحقيقه أيضاً، لأن الأهداف هي أساس عمل المجلس ومن أجلها يقوم بأداء ما عليه، ثم تتبع خطوة تقييم الأهداف خطوات أخرى تركز على كل المحاور التي يتعاطى معها مجلس التعاون وسوف نشير إليها فيما بعد.
7- تنفيذ التوصيات والرؤى التي يتم التوصل إليها من الأطراف المشاركة في عملية التقويم وعلاج مواطن التقصير التي يمكن أن تظهر من خلال هذه العملية التقويمية المستمرة.
* محاور التقويم ومجالاته
لقد أكدنا فيما سبق عند الحديث عن معايير التقويم الفعال وشروطه ضرورة أن يكون شاملاً لا يقتصر على جانب دون آخر، ولما كانت منظومة مجلس التعاون الخليجي هي منظومة جماعية سياسية واقتصادية شاملة لكل المجالات التي يمكن أن تسهم في تنمية الفرد والمجتمع الخليجي، وهذا ما أقر به الهدف الثاني من أهداف تأسيس المجلس كما هو موجود في النظام الأساسي، فكان لابد أن يشمل التقويم كل ما يمكن أن يتعاطى معه المجلس أو يتعامل معه من محاور إقليمية وعربية وإسلامية ودولية، ومن هذه المحاور:
أولاً: تقويم الهيكل التنظيمي للمجلس:
المقصود به هو النظر في ذات المجلس من الداخل لكل ما يتعلق بأهدافه ونظامه الأساسي وأجهزته المعنية ولجانه، وهذه مرحلة مهمة من مراحل التقويم ومحاوره لأن التقويم يجب أن يبدأ من الداخل، فقبل أن ننظر إلى مسيرة المجلس الخارجية لابد أن ننظر في البداية إلى مكوناته وعناصره التنظيمية التي قام عليها.
ويجب في هذه المرحلة الإجابة عن تساؤلات صريحة ومباشرة تخص الهيكل التنظيمي للمجلس ومنها:
– ما يخص النظام الأساسي لمجلس التعاون وهل هو قادر على مساعدة المجلس على الاستمرارية في السنوات المقبلة كما كان مناسباً في المراحل السابقة؟ وهل ثمة تطوير يمكن أن يطرأ على صياغة النظام الأساسي بالإضافة أو الحذف تتواءم مع المتغيرات هنا وهناك؟
– هل الأهداف التي صاغها المجلس وقام من أجلها قد تحققت كلها أم بعضها؟ وما أهم العقبات التي حالت دون تحقيق بعضها أو كلها؟ وهل هذه الأهداف تصلح للتعاطي مع المستقبل القريب والبعيد في ظل المتغيرات التي طرأت على المنطقة والعالم في ربع قرن من الزمان تقريباً؟ فهل من الممكن زيادة أهداف أخرى أم أن الأهداف التي تمت صياغتها كافية للتعبير عن طموحات المجلس وقادته وشعوبه؟
– هل أجهزة المجلس الرئيسية ( مثل المجلس الأعلى والمجلس الوزاري والأمانة العامة، والهيئة الاستشارية.. ) ولجان المجلس الفرعية المختلفة والمكاتب والمؤسسات التابعة للمجلس كافية للتعاطي مع الرؤى المستقبلية والمتغيرات الحالية؟ أم أنها أكثر من المطلوب ويمكن تقليصها أو تقليل عددها؟ وهل تحتاج هذه الهيكلية إلى تطوير وتجديد؟
وكل ذلك في ظل اتجاه يرى أن هذه الهيكلية تتعثر أحياناً في تنفيذ القرارات ووضعها في إطار عملي واقعي، وأن آليات التنفيذ ذاتها تحتاج إلى تفعيل داخل منظومة مجلس التعاون، إضافة إلى آليات التنفيذ داخل دول المجلس، فهناك تباعد إن لم يكن تعارضاً في كثير من الأحيان بين آليات التنفيذ والتخطيط أيضاً هنا وهناك مما يجعل الكثير من القرارات والتوصيات أبعد ما تكون عن التنفيذ والظهور على أرض الواقع.
وليس ثمة تكامل في كثير من الأحيان بين الأجهزة المعنية بالتنفيذ مما يعد مناقضاً للهدف الأول الذي أقيم على أساسه المجلس، حيث ينص على أن من أهداف تأسيس المجلس ((تحقيق التناسق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كل الميادين وصولاً إلى وحدتها)) فإلى أي مدى تحقق هذا الهدف في ما يخص آليات تنفيذ القرارات والتوصيات التي أصدرها المجلس عبر مسيرته في خلال ربع قرن؟
ثانياً: تقويم الجانب السياسي في مسيرة المجلس:
لا شك في أن الجانب السياسي هو الأبرز في إطار عمل مجلس التعاون منذ تأسيسه، ذلك أن منظومة المجلس قائمة على فكر جماعي إقليمي يخص دول وشعوب منطقة من أهم المناطق التي يظهر على سطحها الكثير من الأحداث والمتغيرات السياسية والعسكرية والتي تلقي بظلالها على المنطقة ككل وعلى المجلس بوجه الخصوص، فقد فرضت هذه المعطيات على المجلس أن يقترب دائماً من المحور السياسي في قراراته وبياناته الختامية واقتراحاته وتوصياته، وتنوعت تلك القرارات تبعاً لتنوع الحدث السياسي القديم الذي كان موجوداً قبل تأسيس المجلس، أو الحدث السياسي الجديد الذي ظهر بعد تأسيس المجلس فمثلاً تعاطى المجلس مع قضايا مهمة مثل القضية الفلسطينية أو قضية تخص دولة الإمارات العربية المتحدة وهي قضية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران، أو موقف المجلس من حرب إيران والعراق أو موقفه من حرب الخليج وتحرير الكويت، ومما يحدث في العراق حالياً أو موقفه من الملف النووي الإيراني.. إلى غير ذلك من أحداث سياسية تهيمن على المنطقة وتتداخل معها من قريب أو بعيد.
ولا شك أيضاً أن كثرة وتتابع الأحداث السياسية في المنطقة شكلا تحدياً كبيراً للمجلس، لكن التساؤلات هنا تفرض نفسها، ونحن نعمل على تقويم الجانب السياسي في مسيرة المجلس، وأول هذه التساؤلات هو قدرة تعامل المجلس ككيان موحد مع هذه الأحداث بعيداً عن الخلافات القطرية أو اختلاف الرؤى والمواقف بين الأشقاء؟
والحقيقة أن المجلس عبر تاريخه عبر في كثير من الأحيان عن مثل هذا الموقف الموحد لأعضائه، لكن في مواقف وأحداث أخرى طغت عليه الآراء القطرية أكثر من الرؤى الجماعية، وهذا ما يجب أن يتم التعاطي معه في المرحلة المقبلة، حيث يجب تكريس المواقف والآراء الجماعية الموحدة لدول المجلس تجاه مختلف الأحداث من دون أن يطغى ذلك على حرية واستقلالية الدول الأعضاء ومصالحها الفردية.
ومن الضروري أيضاً التأكيد على أن علاقات دول المجلس فيما بينها (العلاقات البينية) يجب أن تذوب وسط بوتقة المجلس فلا تطغى العلاقات الثنائية – سلباً أو إيجاباً – على تلك المبادئ التي قام المجلس من أجل ترسيخها، ففي ظل توتر العلاقات الثنائية مثلاً بين دولتين أو أكثر من دول المجلس فإنه من الضروري أن يقوم المجلس بدور فعال وحاسم في إزالة حدة هذا التوتر بل القضاء عليه. وكذلك يجب تطوير وتفعيل دور مجلس التعاون في الكثير من القضايا والملفات السياسية الراهنة التي باتت تفرض نفسها على الواقع السياسي العربي بل والعالمي، ومن أهمها قضايا الإصلاح السياسي، قضايا الديمقراطية والتعددية، قضايا الحريات العامة، قضايا حقوق الإنسان، قضايا الأقليات.. إلى آخر ذلك من ملفات سياسية شائكة وملحة في الوقت ذاته. فعلى المجلس عبر أجهزته ولجانه إبداء الرأي الحاسم في هذه الملفات والقضايا وتوحيد الآراء وتكاملها بين الدول الأعضاء بحيث لا تختلف دولة عن أخرى في التعاطي مع هذه القضايا بل تتقارب الرؤى وتتكامل قدر المستطاع.
ثالثاًَ: تقويم الجانب الاقتصادي في مسيرة المجلس:
لعل الجانب الاقتصادي أصبح الآن من أهم الجوانب التي يهتم بها الفرد والمجتمع على حد سواء، ومجلس التعاون لا ينفصل عن تلك الرؤية في تقديره لأهمية هذا الجانب، وذلك إيماناً منه بأن الاقتصاد هو عصب الحياة وهو ركيزة من ركائز التنمية والحضارة ولذلك يعد الجانب الاقتصادي من الأمور التي ركزت عليها أهداف المجلس التي أسس من أجلها.
وهنا تبدو أهمية تقويم الجانب الاقتصادي والنظر إلى ما تم تحقيقه في هذا الجانب من خلال مسيرة المجلس، وهل تحققت الأهداف الاقتصادية التي تمت صياغتها في النظام الأساسي؟ والملاحظ أنه على كثرة القرارات والبيانات الاقتصادية المهمة التي تم اتخاذها في السنوات الماضية حتى إنه في دورة واحدة من دورات انعقاد المجلس فقد تصدر عشرات القرارات ذات البعد الاقتصادي ما يعني أهمية هذا الجانب واستشعار الأعضاء لخطورته.
إضافة إلى ما تم إبرامه من اتفاقيات اقتصادية بين الدول الأعضاء تحت مظلة المجلس، وطُرح من خلال ذلك عدد من المشروعات والطموحات المهمة مثل (الاتحاد الجمركي الذي يضم دول المجلس، والسوق الخليجية المشتركة، والاتحاد النقدي والاقتصادي وتنمية الموارد البشرية..) إلى غير ذلك من قضايا اقتصادية مهمة طرحها المجلس للنقاش والمداولة مرات عديدة وأصدر فيها قرارات مختلفة.
وفي الحقيقة فإن هناك الكثير من الإنجازات الاقتصادية التي قام به المجلس عبر تاريخه القريب، بل يمكن أن نقول بكل ثقة إن ما تم إنجازه في الجانب الاقتصادي ربما يفوق بكثير ما تم تحقيقه في جوانب أخرى.
لكن المتأمل لما تم تحقيقه في هذا الجانب الاقتصادي المهم لا يتفق أو يتماشى مع كثرة القرارات بل ومع طموحات الجميع، فمثلاً هناك تباطؤ واضح في تنفيذ الجدول الزمني لكثير من القرارات المصيرية، مثلاً نرى أن حجم التجارة الخليجية البينية بين دول المجلس ليس بالقدر المطلوب إضافة إلى عقبات تظهر من جانب الجهات التنفيذية لبعض المؤسسات الاقتصادية.. والأمثلة على ذلك كثيرة لكن ذلك لا يقلل من حجم ما تم في المحور الاقتصادي خليجياً وبشكل منفرد أحياناً يخص بعض الدول على حدة.
وذلك لا يتناقض مع مبدأ التكامل، فقوة عضو من الأعضاء اقتصادياً هو في الوقت ذاته قوة للمجلس ككل، لكن المهم والضروري هو العمل على التنسيق والتكامل في هذا الجانب الاقتصادي حتى تستفيد دول المجلس الاستفادة القصوى من مقدرات ومعطيات المنطقة الطبيعية والاقتصادية والبشرية وعلى رأس هذه المعطيات النفط وبدائل الطاقة المختلفة، حيث تلعب دول المجلس دوراً مهماً في تحديد مسارات السياسة النفطية وبدائل الطاقة ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى الدولي أيضاً.
ولذلك على المجلس أن يولي هذا الجانب أهمية قصوى تتناسب مع أهميته الدولية وذلك من خلال وضع استراتيجية بترولية موحدة أو متقاربة إلى حد كبير، وكذلك تفعيل المشاريع النفطية المشتركة بين دول المجلس.. باختصار على المجلس أن يتعاطى مع قضايا النفط ككتلة موحدة تماماً مثلما نرى لدى منظمة (أوبك) أو منظمة (أوابك). صحيح أن المجلس ليس منظمة أو مؤسسة اقتصادية بحتة لكن ما يفرض عليه ذلك هو خصوصية دول الخليج في ما يخص ملفات وقضايا النفط والطاقة، فيكفي أن نقول إن دول المجلس تمتلك 45 في المائة من احتياطي النفط العالمي، وتمتلك في الوقت ذاته 14 في المائة من احتياطي الغاز العالمي.
وعلى المجلس كذلك في الفترات المقبلة أن يهتم بالجانب البحثي في المجال الاقتصادي من خلال اهتمامه بنتائج الدراسات والبحوث الاقتصادية والإحصائية، وكذلك رعايته لعدد من مراكز البحوث والدراسات ذات الاهتمام الاقتصادي، فمن المؤكد أن عالم الاقتصاد يحتاج إلى المعلومات والحقائق والبيانات والإحصاءات حتى تتخذ القرارات الاقتصادية وتنفذ بنجاح ودقة.
رابعاً: تقويم المحور الدفاعي والأمني:
كان من الطبيعي أن يكون هذان المحوران (الدفاعي والأمني) تابعان للمحور السياسي لأنهما يؤثران بشكل واضح على مجمل الوضع السياسي من ناحية الاستقرار والأمن الداخلي والعلاقات الخارجية، لكن المحور الاقتصادي لا يقل أهمية عن الدفاع والأمن، لذا رأينا أن يتقدم عليهما رغم أهميتهما القصوى.
ولعل السبب الذي جعل المحور الدفاعي والأمني الخليجي بهذه الأهمية والخطورة هو وضع منطقة الخليج وموقعها في وسط الأحداث الكبرى التي تعرضت لها في العقدين الماضيين، لذلك كان على المجلس أن يكرس مفهوم التعاون العسكري والدفاعي بين دول المجلس من خلال وزراء الدفاع ورؤساء الأركان.
صحيح أن هناك إنجازات عسكرية ودفاعية قد تحققت على أرض الواقع الخليجي بفضل المجلس مثل (قوة درع الجزيرة أو القيام بمشاريع عسكرية مشتركة بين القوات المسلحة الخليجية وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك..) إلى غير ذلك من خطوات وإجراءات دفاعية قام بها المجلس منذ تأسيسه.
لكن المفترض أن حجم العمل الدفاعي والعسكري الخليجي يجب أن يتناسب مع حجم التحديات الإقليمية التي تواجه هذه الدول، وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن على المجلس القيام بجهود أكبر في سبيل ضمان وجود رؤية عسكرية ودفاعية خليجية مشتركة تراعي المصلحة الخليجية والأمن والاستقرار الخليجي، لذا عليه أن يضع استراتيجية شاملة لكل المتغيرات التي تؤثر في الأوضاع العسكرية في المنطقة من ناحية العلاقات الخارجية بدول الجوار وبدول المنطقة عموماً وكذلك مناقشة قضايا التسليح.. وغير ذلك مما يرتبط بالأمن الخليجي العام والمشترك.
أما في ما يخص الأمن الداخلي فهو لا يقل أهمية عن المحاور السابقة لأنه المؤشر الحقيقي على استقرار المنطقة وبالتالي سينعكس على كافة المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلا رخاء وتقدم من دون أمن واستقرار، ولهذا نعمت دول الخليج فترات طويلة بوجود الحس الأمني والاستقرار الداخلي إلى حد كبير مما جنبها الاضطرابات والقلاقل الداخلية وانعكس ذلك على رفاهية الوطن والمواطن في كل دول المجلس.
لكن هناك بعض الأوضاع التي استجدت وطرأت على المنطقة وعلى بعض دول المجلس أدت إلى تغير في مفهوم الأمن الداخلي، واستلزم قيام جهد مضاعف من مجلس التعاون لعلاج هذه المستجدات، لذا يجب على المجلس أن يتبنى استراتيجية موحدة ومتكاملة تخص جميع الأعضاء للقضاء على الظواهر الدخيلة على المجتمع الخليجي، ويستلزم ذلك ضرورة تفعيل القوانين والقرارات الأمنية التي اتخذت في هذا الصدد وتكريس مفهوم التعاون الأمني الخليجي.
خامساً: تقويم محور التعليم والبحث العلمي والشباب:
بداية لابد أن نقر بأن الحركة التعليمية ليست جديدة على المنطقة وعلى دول المجلس، بل هي متجذرة وقديمة قدم المجتمعات الخليجية ذاتها، لكنها أخذت تتطور وفقاً لتطور العصر وتجدد مفاهيم التعليم والتربية، وقد انتبهت دول المجلس لقضايا التعليم، وآمنت بأنه السبيل الحقيقي لنهضتها وتطورها، فالنهضة تبدأ من العقول التي تتطور من خلال التعليم، ولهذا بدأت المؤسسات التعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات ومراكز تزداد منذ منتصف القرن الماضي في دول الخليج ولكن بنسب مختلفة تتلاءم وطبيعة كل دولة إلى أن أصبحت المؤسسات التعليمية الآن وبحق مفخرة لدول المجلس من ناحية أعدادها أو قدراتها وإمكاناتها.
وقد أردنا هنا أن نوضح قدم المحور التعليمي ووجوده قبل تأسيس مجلس التعاون بعقود وسنوات، لذا فإن المجلس في تعامله مع هذا المحور يجب أن يستثمر هذه المعطيات السابقة في الإعداد لاستراتيجية ورؤية تعليمية وتربوية تواجه متطلبات المستقبل القريب والبعيد على السواء.
ولا يمكن أبداً التقليل من أهمية ما قام به المجلس على صعيد المحور التعليمي، فقد أصدر العديد من القرارات التي تخص التعليم من ناحية تطوير المناهج والنظم والالتفاف إلى سوق العمل ومتطلباته وتكامل الخبرات التعليمية الخليجية، لكن المأمول من المجلس في المرحلة المقبلة هو مزيد من الاهتمام بالمحور التعليمي لكي يتناسب مع تطلعات الأجيال القادمة ومستجدات الفترات المقبلة، فالتعليم سلاح لمواجهة المجهول واستثمار لمواجهة الغد.
وترتبط بهذا المحور قضايا البحث العلمي والتقني التي باتت تطرح نفسها بقوة على الساحة، وبات ينظر إليها على أنها أهم التحديات التي تواجه الدول وهي تخطو نحو المستقبل، ولذلك كان على مجلس التعاون أن يتعامل مع قضايا البحث العلمي والتقني بسرعة تتناسب مع سرعة التطور العلمي الذي يحدث في العالم.
ولهذا يجب القضاء على كل ما يعيق التطور العلمي وعلى رأس هذه المعوقات قضية التمويل والإنفاق على البحث والدراسة والمعامل والمختبرات وكل الإمكانات المادية والبشرية، إضافة إلى القضاء على الروتين والتباطؤ في اتخاذ القرار وتنفيذه، لأن الزمن عدو البحث العلمي وكلما طال أمد اتخاذ وتنفيذ قرارات مرتبطة بالبحث العلمي تراجع مفهوم النهوض بهذا المجال.
وربما نصاب بالدهشة ونحس بالاستغراب إذا عرفنا أن البحث العلمي والتقني في دول الخليج يعاني من هذه المعوقات وأنه متأخر عن بقية دول العالم على الرغم من أن دول المجلس من الدول التي تعد غنية وقادرة على الإنفاق بسخاء على مثل هذه البحوث والدراسات. من هنا نستطيع أن نقول إن المجلس عبر مسيرته في ربع قرن تقريباً قد التفت لقضايا البحث العلمي بل جعلها ضمن أهدافه التي سعى إلى تحقيقها إلا أنه لم يعنَ بها العناية التي تستحقها ولم يعمل على استغلال قدرات وطاقات دول المجلس المادية في النهوض بالبحث العلمي والتقني فيها حتى تحولت دول المجلس إلى مستهلك ومستخدم فقط للتقنيات وإفرازات العلوم من دون أن تكون مشاركة بشكل فعلي في هذا النتاج العلمي.
ونحن لا نستطيع أن نلقي اللوم في تأخر البحث العلمي والتقني في دول منطقة الخليج العربي على مجلس التعاون فقط، بل إن مؤسسات الدول الأعضاء ووزارات التعليم وهيئاته التعليمية والعلمية والأكاديمية والتنفيذية بل ومؤسساته وشركاته الخاصة يقع عليها عبء كبير ودور خطير في النهوض بالبحث العلمي في دول المجلس.
سادساً: تقويم المحور الثقافي والإعلامي:
تميزت منطقة الخليج بمعطيات وخصائص ثقافية على اعتبار أنها جزء من الثقافة العربية والإسلامية بل والإنسانية، وقد أوجد هذه الخصوصية الثقافية لمنطقة ودول الخليج طبيعة الموقع الجغرافي القريب والمتلاحم مع حضارات وثقافات مختلفة، إضافة إلى عمق انتماء منطقة الخليج للثقافة العربية والإسلامية.
وبناء على هذا، فإن المحور الثقافي هو الذي يحدد ملامح الشخصية الخليجية عموماً، ومن الأمور التي تتميز بها تلك الشخصية هو تقارب شديد إن لم يكن تطابقاً كاملاً في الأنماط الثقافية للدول الأعضاء في المجلس بشعوبها وأفرادها، وهذا التقارب جعل منهم نسيجاً واحداً لا نكاد نحس باختلاف شديد بين عناصره ومفرداته.
لذا كان على مجلس التعاون أن يستغل ويستثمر هذا التقارب والنسيج الثقافي الواحد، ويقوم بدوره في تحويل التقارب إلى تكامل وتحويل المحور الثقافي إلى عامل وحدة وتجميع خاصة في ظل الغزو الثقافي الشامل الذي يحدث للعديد من دول العالمين العربي والإسلامي وخاصة دول منطقة الخليج التي تستقطب وتجذب إليها كل الثقافات والعادات والتقاليد التي يحملها معه كل زائر إلى المنطقة.
وعندما ننظر إلى الثقافة على أنها هوية وانتماء فإن ذلك سيجعلنا نحس بخطورة المشكلة وهي أن ضياع ملامح الثقافة العربية عامة والخليجية خاصة هو ضياع للهوية والانتماء العربي والخليجي.
وفي الحقيقة فإن مجلس التعاون منذ تأسيسه اهتم بهذا المحور الثقافي فشكل في أجهزته إدارة ثقافية معنية بهذا المحور، وقامت بالعديد من الأنشطة والفعاليات في هذا الجانب منها ما يخص المتاحف والآثار والتراث الشعبي والمسرح والكتب والنشر.. إلى غير ذلك من أنشطة ثقافية أشرف عليها المجلس ودعمها.
لكن في الوقت ذاته ثمة مشروعات وأفكار ورؤى تخص الجانب الثقافي، وطرحها المجلس لكنها لم تجد طريقها للتنفيذ مثل خطة التنمية الثقافية لدول المجلس، كذلك القوانين والأنظمة التي تعنى بالجانب الثقافي في مجال النشر والمطبوعات والملكية الفكرية، إضافة إلى الثقافة الإلكترونية بما تحمله من جديد. أو غيرها من مشاريع تم بحثها في أكثر من دورة وأكثر من اجتماع وزاري واجتماعات فرعية لكنها لم تنفذ، كل ذلك يجعل المجلس مطالباً بسرعة اتخاذ وتنفيذ قرارات موحدة للتعامل مع هذه القضايا الثقافية بالغة الأهمية.
ولا يقل المحور الإعلامي أهمية عن الجانب الثقافي بل هو ملازم له ومساند في توصيل الرسالة وتحقيق الأهداف، ولا نشك في أن العالم أصبح اليوم قرية صغيرة بفضل الإعلام ووسائله وآلياته التي قربت البعيد وسهلت المستحيل، وأصبحنا نرى في عالم اليوم تنوعاً هائلاً في الكم وتطوراً مذهلاً في الكيف الإعلامي على المستويين الدولي والعربي أيضاً، فقد امتلأ الفضاء بعشرات القنوات الإذاعية والتلفزيونية، وتزاحمت في الظهور مئات الصحف والمجلات ولا ننسى ظهور مارد الإعلام المعاصر وهو شبكة الانترنت التي تعج بملايين الصفحات من كل حدب وصوب.
ولا ننكر أن دول مجلس التعاون قد استفادت من هذا التنوع والتطور الإعلامي، وأصبح هناك وبحق إعلام خليجي مميز له خصوصيته ومفرداته التي تميزه عن غيره إلى حد ما.
ولكن بالنظر إلى الواقع الحالي سنجد أن وسائل الإعلام الخليجية – في أغلبها – قطرية أكثر من كونها إقليمية، أي أنها معنية بالداخل أكثر من اهتمامها بالمجموع الذي يكون منظومة المجلس، فالسياسة الإعلامية لكل دولة خليجية تجعل من وسائلها وحدات منفصلة ومتباعدة لا يربطها رباط وثيق إلا من خلال بعض المجاملات التي لا تعني الترابط أو التكامل بين وسائل الإعلام الخليجية.
أضف إلى ذلك التردي والتراجع الواضح في كثير من وسائل الإعلام المحلي – خاصة بعض الفضائيات الخليجية – والتي تحتاج إلى معالجة سريعة وخروج كوادر إعلامية خليجية تشارك في هذا المحور المهم للارتقاء بمستوى هذه الوسائل على المستويين الفني والموضوعي.
لذا فإن على المجلس القيام بوضع استراتيجية إعلامية موحدة أو متقاربة إلى حد كبير، وجعل هذه الاستراتيجية موضع تنفيذ لكي يتم التغلب على العديد من الإشكاليات التي تواجه المجتمع العربي المعاصر عموماً بسبب التبعية الإعلامية للغرب والاستلاب للثقافة الغربية التي تهدد الهوية والانتماء.
سابعاً: تقويم محور البيئة والتنمية البشرية:
لم تكن قضايا البيئة بعيدة عن اهتمام ومتابعة مجلس التعاون منذ تأسيسه لما لهذه القضايا من أهمية قصوى تعود في المقام الأول لما تميزت به البيئة الخليجية (الطبيعية والحضارية) من خصائص ومميزات منها ما أثر سلباً أو إيجاباً في المحور البيئي.
ومن البديهي أن نقول إن البيئة الخليجية على اتساعها وتنوعها تكاد تتطابق في كل دول مجلس التعاون بحيث تجد الخصائص الجغرافية والطبيعية والمناخية واحدة في كل بلد ودولة خليجية، فمفردات الجغرافية من شواطئ وحياة بحرية وجبال وصحراء ورمال وزراعات.. هذه المفردات تجدها أينما ذهبت على امتداد الخريطة الخليجية، وهذا يساعد كثيراً على اعتماد خطط وبرامج واستراتيجية خليجية موحدة للتعامل مع قضايا البيئة ومشكلاتها.
ونستطيع أن نقول إن كل دول الخليج على حدة قد أولت الجانب البيئي عناية فائقة أشاد بها العالم الخارجي، فما تم إنجازه على الصعيد البيئي يدعو للتقدير والثناء وهذا ما نلاحظه في كثير من القضايا البيئية الملحة والخطرة عالمياً وعلى رأسها مشكلة (التصحر) والحد من خطورتها ومشكلة قلة المياه وندرتها ومشكلة (التلوث) بكل أنواعه ومشكلة التعامل مع المواد المشعة وإدارة النفايات ونظام المحافظ على الحياة الفطرية وإنمائها.
وفي الحقيقة فإن هذه المنجزات وغيرها في المجال البيئي قد تميزت بها دول المجلس بسياسة اتبعتها كل واحدة منها ونجحت فيها بشكل واضح، وبقي أن يقوم المجلس بتجميع وتقريب هذه الجهود الفردية للدول الأعضاء وضمها إلى السياسة والاستراتيجية الموحدة في العمل البيئي والتي تستعين بالخبرات والبيانات والمعلومات البيئية التي يجب أن تتوافر لصناع ومتخذي القرار البيئي.
وبهذا نكون قد وقفنا بإيجاز عند محاور العمل الخليجي الذي انطلق منه عمل مجلس التعاون منذ تأسيسه، وهذه الوقفة تسعى إلى بلورة رؤية نقدية موضوعية وحيادية تسهم في تقويم مسيرة المجلس، خاصة أن نجاح المجلس هو نجاح للعمل العربي الذي يفتقد في مجمله إلى عناصر كثيرة ربما تتوافر في دول المنطقة الخليجية، فإذا لم نستطع أن نحقق حلم الوحدة العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج فعلى أقل تقدير نحققها هنا على شواطئ الخليج العربي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3175::/cck::
::introtext::

التقويم عملية مستمرة تتزامن مع أي عمل فردي أو مؤسسي وذلك للوقوف على ما تم إنجازه ورصد أسباب النجاح أو عوامل القصور، والتنبؤ بما يمكن أن يتم في المستقبل القريب، ولهذا فإن دراسة وتقييم مسيرة مجلس التعاون في المراحل السابقة التي بلغت ربع قرن منذ تأسيس المجلس في 25/5/1981 في مدينة أبوظبي وحتى اليوم، تعد خطوة ضرورية بل وملحة في ظل المتغيرات والتحولات التي تشهدها المنطقة، وهي خطوة تتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة من مسيرة المجلس ومع التطلعات الراهنة لشعوب دول المجلس.

::/introtext::
::fulltext::

التقويم عملية مستمرة تتزامن مع أي عمل فردي أو مؤسسي وذلك للوقوف على ما تم إنجازه ورصد أسباب النجاح أو عوامل القصور، والتنبؤ بما يمكن أن يتم في المستقبل القريب، ولهذا فإن دراسة وتقييم مسيرة مجلس التعاون في المراحل السابقة التي بلغت ربع قرن منذ تأسيس المجلس في 25/5/1981 في مدينة أبوظبي وحتى اليوم، تعد خطوة ضرورية بل وملحة في ظل المتغيرات والتحولات التي تشهدها المنطقة، وهي خطوة تتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة من مسيرة المجلس ومع التطلعات الراهنة لشعوب دول المجلس.
ولا شك في أن أحداثاً ومتغيرات عديدة إقليمية وعربية وإسلامية ودولية ألقت بظلالها على مجلس التعاون وأثرت فيه بدرجة أو بأخرى، وهذا من طبائع الأمور لأن البيئة المحيطة بالفرد أو المؤسسات لها تأثير واضح في أداء وتطور الفرد أو الجماعة. ومن المعروف أن منطقة الخليج العربية – التي يعد مجلس التعاون إحدى أهم مؤسساته السياسية والاقتصادية الشاملة – كانت ولا تزال هذه المنطقة نقطة التقاء الأنظار ومحط اهتمام الآخرين – بل وأطماعهم – لما تميزت به من خصائص طبيعية وجغرافية واقتصادية.
وكان على رأس هذه الخصائص ما تميزت به المنطقة من موقع استراتيجي هام وسط قارات العالم المختلفة، ثم ما لديها من احتياطي عالمي للطاقة ، ولذلك شهدت المنطقة توترات وصراعات تزامنت مع تأسيس المجلس وتفاعلت مع مسيرته عبر السنوات الماضية، حتى كانت المنطقة وبحق بؤرة ساخنة ومضطربة في كثير من الأحيان سواء أكانت دول المجلس طرفاً في بعض هذه الصراعات أم لا، وليس من شك في أن أكبر دليل على نجاح المجلس هو استمراريته بل وقدرته على العطاء والتطور في وسط هذه الظروف والمتغيرات.
ولكن النجاح والاستمرارية لا يمنعان من وجود تقويم لأداء ومسيرة المجلس خلال المراحل السابقة، حتى تتحول الاستمرارية إلى فاعلية وتأثير، ومن هنا تأتي أهمية التقويم المطلوب لأداء المجلس ومسيرته في المرحلة السابقة ووضع التصورات والرؤى للتعامل مع المستقبل القريب والبعيد على السواء، ذلك لأن التقويم إذ يساعدنا في الوقوف على ملامح الماضي فإنه في الوقت ذاته يساعدنا على التعرف إلى معالم المستقبل والاستعداد له.
* معايير التقويم المطلوب وشروطه
ثمة معايير وشروط يجب أن تتوافر في عملية التقويم حتى يمكن أن تؤتي ثمارها وتسهم في الوصول إلى الأهداف التي يسعى المجلس إلى تحقيقها ومن هذه المعايير:
1- استمرار عملية التقويم لتكون مصاحبة للعمل في كل مراحله، فلا يكفي أن نقوم بالتقويم بشكل موسمي كل سنوات أو عقود، بل إن المطلوب هو استمراره بشكل منتظم (كل سنة أو سنتين أو ثلاث مثلاً) وهذا مأخوذ به حالياً من خلال الأمانة العامة لمجلس التعاون التي تقوم بهذه العملية كل ثلاث سنوات، لكن المطلوب هو تفعيل هذه العملية واستثمار آلية التقويم قدر المستطاع.
2- تشكيل لجنة دائمة – وليست مؤقتة – للتقويم والمتابعة وذلك لضمان استمرار عملية التقويم ونجاحها وتفعيلها.
3- إعطاء هذه اللجنة الصلاحيات المناسبة لوضع دراسات تقييم لأداء المجلس كل فترة زمنية يتم تحديدها.
4- المشاركة النخبوية والشعبية في عملية التقييم من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة وجمعياته ومراكزه وجامعاته، وهذا سيجعل التقويم عملية مفتوحة وعامة بقدر الإمكان، وسيجعل أيضاً المشاركة في القرارات قائمة من خلال الاستعانة بآراء الجماهير والنخب المفكرة في كافة المجالات والتخصصات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية.
5- الشفافية والمصارحة في ممارسة عملية التقييم سواء من اللجنة المختصة بالمجلس أو من المشاركين من خارج المجلس، لأن هذه الشفافية تجعلنا نستطيع الوقوف على مواطن التقصير لمعالجتها سريعاً، وذلك لأن هذه الشفافية هي معيار النجاح الحقيقي لأي عملية تقويم ومن دونها يصبح التقويم جهداً ضائعاً ووقتاً مهدراً.
6- شمولية التقويم حيث يجب أن يتعامل مع كل ما يتعلق بمسيرة المجلس منذ تأسيسه حتى الآن.. والخطوة الأولى للتقويم هي النظر إلى الأهداف والغايات التي قام من أجلها المجلس وما تم من تحقيقها وما عجز عن تحقيقه أيضاً، لأن الأهداف هي أساس عمل المجلس ومن أجلها يقوم بأداء ما عليه، ثم تتبع خطوة تقييم الأهداف خطوات أخرى تركز على كل المحاور التي يتعاطى معها مجلس التعاون وسوف نشير إليها فيما بعد.
7- تنفيذ التوصيات والرؤى التي يتم التوصل إليها من الأطراف المشاركة في عملية التقويم وعلاج مواطن التقصير التي يمكن أن تظهر من خلال هذه العملية التقويمية المستمرة.
* محاور التقويم ومجالاته
لقد أكدنا فيما سبق عند الحديث عن معايير التقويم الفعال وشروطه ضرورة أن يكون شاملاً لا يقتصر على جانب دون آخر، ولما كانت منظومة مجلس التعاون الخليجي هي منظومة جماعية سياسية واقتصادية شاملة لكل المجالات التي يمكن أن تسهم في تنمية الفرد والمجتمع الخليجي، وهذا ما أقر به الهدف الثاني من أهداف تأسيس المجلس كما هو موجود في النظام الأساسي، فكان لابد أن يشمل التقويم كل ما يمكن أن يتعاطى معه المجلس أو يتعامل معه من محاور إقليمية وعربية وإسلامية ودولية، ومن هذه المحاور:
أولاً: تقويم الهيكل التنظيمي للمجلس:
المقصود به هو النظر في ذات المجلس من الداخل لكل ما يتعلق بأهدافه ونظامه الأساسي وأجهزته المعنية ولجانه، وهذه مرحلة مهمة من مراحل التقويم ومحاوره لأن التقويم يجب أن يبدأ من الداخل، فقبل أن ننظر إلى مسيرة المجلس الخارجية لابد أن ننظر في البداية إلى مكوناته وعناصره التنظيمية التي قام عليها.
ويجب في هذه المرحلة الإجابة عن تساؤلات صريحة ومباشرة تخص الهيكل التنظيمي للمجلس ومنها:
– ما يخص النظام الأساسي لمجلس التعاون وهل هو قادر على مساعدة المجلس على الاستمرارية في السنوات المقبلة كما كان مناسباً في المراحل السابقة؟ وهل ثمة تطوير يمكن أن يطرأ على صياغة النظام الأساسي بالإضافة أو الحذف تتواءم مع المتغيرات هنا وهناك؟
– هل الأهداف التي صاغها المجلس وقام من أجلها قد تحققت كلها أم بعضها؟ وما أهم العقبات التي حالت دون تحقيق بعضها أو كلها؟ وهل هذه الأهداف تصلح للتعاطي مع المستقبل القريب والبعيد في ظل المتغيرات التي طرأت على المنطقة والعالم في ربع قرن من الزمان تقريباً؟ فهل من الممكن زيادة أهداف أخرى أم أن الأهداف التي تمت صياغتها كافية للتعبير عن طموحات المجلس وقادته وشعوبه؟
– هل أجهزة المجلس الرئيسية ( مثل المجلس الأعلى والمجلس الوزاري والأمانة العامة، والهيئة الاستشارية.. ) ولجان المجلس الفرعية المختلفة والمكاتب والمؤسسات التابعة للمجلس كافية للتعاطي مع الرؤى المستقبلية والمتغيرات الحالية؟ أم أنها أكثر من المطلوب ويمكن تقليصها أو تقليل عددها؟ وهل تحتاج هذه الهيكلية إلى تطوير وتجديد؟
وكل ذلك في ظل اتجاه يرى أن هذه الهيكلية تتعثر أحياناً في تنفيذ القرارات ووضعها في إطار عملي واقعي، وأن آليات التنفيذ ذاتها تحتاج إلى تفعيل داخل منظومة مجلس التعاون، إضافة إلى آليات التنفيذ داخل دول المجلس، فهناك تباعد إن لم يكن تعارضاً في كثير من الأحيان بين آليات التنفيذ والتخطيط أيضاً هنا وهناك مما يجعل الكثير من القرارات والتوصيات أبعد ما تكون عن التنفيذ والظهور على أرض الواقع.
وليس ثمة تكامل في كثير من الأحيان بين الأجهزة المعنية بالتنفيذ مما يعد مناقضاً للهدف الأول الذي أقيم على أساسه المجلس، حيث ينص على أن من أهداف تأسيس المجلس ((تحقيق التناسق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كل الميادين وصولاً إلى وحدتها)) فإلى أي مدى تحقق هذا الهدف في ما يخص آليات تنفيذ القرارات والتوصيات التي أصدرها المجلس عبر مسيرته في خلال ربع قرن؟
ثانياً: تقويم الجانب السياسي في مسيرة المجلس:
لا شك في أن الجانب السياسي هو الأبرز في إطار عمل مجلس التعاون منذ تأسيسه، ذلك أن منظومة المجلس قائمة على فكر جماعي إقليمي يخص دول وشعوب منطقة من أهم المناطق التي يظهر على سطحها الكثير من الأحداث والمتغيرات السياسية والعسكرية والتي تلقي بظلالها على المنطقة ككل وعلى المجلس بوجه الخصوص، فقد فرضت هذه المعطيات على المجلس أن يقترب دائماً من المحور السياسي في قراراته وبياناته الختامية واقتراحاته وتوصياته، وتنوعت تلك القرارات تبعاً لتنوع الحدث السياسي القديم الذي كان موجوداً قبل تأسيس المجلس، أو الحدث السياسي الجديد الذي ظهر بعد تأسيس المجلس فمثلاً تعاطى المجلس مع قضايا مهمة مثل القضية الفلسطينية أو قضية تخص دولة الإمارات العربية المتحدة وهي قضية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران، أو موقف المجلس من حرب إيران والعراق أو موقفه من حرب الخليج وتحرير الكويت، ومما يحدث في العراق حالياً أو موقفه من الملف النووي الإيراني.. إلى غير ذلك من أحداث سياسية تهيمن على المنطقة وتتداخل معها من قريب أو بعيد.
ولا شك أيضاً أن كثرة وتتابع الأحداث السياسية في المنطقة شكلا تحدياً كبيراً للمجلس، لكن التساؤلات هنا تفرض نفسها، ونحن نعمل على تقويم الجانب السياسي في مسيرة المجلس، وأول هذه التساؤلات هو قدرة تعامل المجلس ككيان موحد مع هذه الأحداث بعيداً عن الخلافات القطرية أو اختلاف الرؤى والمواقف بين الأشقاء؟
والحقيقة أن المجلس عبر تاريخه عبر في كثير من الأحيان عن مثل هذا الموقف الموحد لأعضائه، لكن في مواقف وأحداث أخرى طغت عليه الآراء القطرية أكثر من الرؤى الجماعية، وهذا ما يجب أن يتم التعاطي معه في المرحلة المقبلة، حيث يجب تكريس المواقف والآراء الجماعية الموحدة لدول المجلس تجاه مختلف الأحداث من دون أن يطغى ذلك على حرية واستقلالية الدول الأعضاء ومصالحها الفردية.
ومن الضروري أيضاً التأكيد على أن علاقات دول المجلس فيما بينها (العلاقات البينية) يجب أن تذوب وسط بوتقة المجلس فلا تطغى العلاقات الثنائية – سلباً أو إيجاباً – على تلك المبادئ التي قام المجلس من أجل ترسيخها، ففي ظل توتر العلاقات الثنائية مثلاً بين دولتين أو أكثر من دول المجلس فإنه من الضروري أن يقوم المجلس بدور فعال وحاسم في إزالة حدة هذا التوتر بل القضاء عليه. وكذلك يجب تطوير وتفعيل دور مجلس التعاون في الكثير من القضايا والملفات السياسية الراهنة التي باتت تفرض نفسها على الواقع السياسي العربي بل والعالمي، ومن أهمها قضايا الإصلاح السياسي، قضايا الديمقراطية والتعددية، قضايا الحريات العامة، قضايا حقوق الإنسان، قضايا الأقليات.. إلى آخر ذلك من ملفات سياسية شائكة وملحة في الوقت ذاته. فعلى المجلس عبر أجهزته ولجانه إبداء الرأي الحاسم في هذه الملفات والقضايا وتوحيد الآراء وتكاملها بين الدول الأعضاء بحيث لا تختلف دولة عن أخرى في التعاطي مع هذه القضايا بل تتقارب الرؤى وتتكامل قدر المستطاع.
ثالثاًَ: تقويم الجانب الاقتصادي في مسيرة المجلس:
لعل الجانب الاقتصادي أصبح الآن من أهم الجوانب التي يهتم بها الفرد والمجتمع على حد سواء، ومجلس التعاون لا ينفصل عن تلك الرؤية في تقديره لأهمية هذا الجانب، وذلك إيماناً منه بأن الاقتصاد هو عصب الحياة وهو ركيزة من ركائز التنمية والحضارة ولذلك يعد الجانب الاقتصادي من الأمور التي ركزت عليها أهداف المجلس التي أسس من أجلها.
وهنا تبدو أهمية تقويم الجانب الاقتصادي والنظر إلى ما تم تحقيقه في هذا الجانب من خلال مسيرة المجلس، وهل تحققت الأهداف الاقتصادية التي تمت صياغتها في النظام الأساسي؟ والملاحظ أنه على كثرة القرارات والبيانات الاقتصادية المهمة التي تم اتخاذها في السنوات الماضية حتى إنه في دورة واحدة من دورات انعقاد المجلس فقد تصدر عشرات القرارات ذات البعد الاقتصادي ما يعني أهمية هذا الجانب واستشعار الأعضاء لخطورته.
إضافة إلى ما تم إبرامه من اتفاقيات اقتصادية بين الدول الأعضاء تحت مظلة المجلس، وطُرح من خلال ذلك عدد من المشروعات والطموحات المهمة مثل (الاتحاد الجمركي الذي يضم دول المجلس، والسوق الخليجية المشتركة، والاتحاد النقدي والاقتصادي وتنمية الموارد البشرية..) إلى غير ذلك من قضايا اقتصادية مهمة طرحها المجلس للنقاش والمداولة مرات عديدة وأصدر فيها قرارات مختلفة.
وفي الحقيقة فإن هناك الكثير من الإنجازات الاقتصادية التي قام به المجلس عبر تاريخه القريب، بل يمكن أن نقول بكل ثقة إن ما تم إنجازه في الجانب الاقتصادي ربما يفوق بكثير ما تم تحقيقه في جوانب أخرى.
لكن المتأمل لما تم تحقيقه في هذا الجانب الاقتصادي المهم لا يتفق أو يتماشى مع كثرة القرارات بل ومع طموحات الجميع، فمثلاً هناك تباطؤ واضح في تنفيذ الجدول الزمني لكثير من القرارات المصيرية، مثلاً نرى أن حجم التجارة الخليجية البينية بين دول المجلس ليس بالقدر المطلوب إضافة إلى عقبات تظهر من جانب الجهات التنفيذية لبعض المؤسسات الاقتصادية.. والأمثلة على ذلك كثيرة لكن ذلك لا يقلل من حجم ما تم في المحور الاقتصادي خليجياً وبشكل منفرد أحياناً يخص بعض الدول على حدة.
وذلك لا يتناقض مع مبدأ التكامل، فقوة عضو من الأعضاء اقتصادياً هو في الوقت ذاته قوة للمجلس ككل، لكن المهم والضروري هو العمل على التنسيق والتكامل في هذا الجانب الاقتصادي حتى تستفيد دول المجلس الاستفادة القصوى من مقدرات ومعطيات المنطقة الطبيعية والاقتصادية والبشرية وعلى رأس هذه المعطيات النفط وبدائل الطاقة المختلفة، حيث تلعب دول المجلس دوراً مهماً في تحديد مسارات السياسة النفطية وبدائل الطاقة ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى الدولي أيضاً.
ولذلك على المجلس أن يولي هذا الجانب أهمية قصوى تتناسب مع أهميته الدولية وذلك من خلال وضع استراتيجية بترولية موحدة أو متقاربة إلى حد كبير، وكذلك تفعيل المشاريع النفطية المشتركة بين دول المجلس.. باختصار على المجلس أن يتعاطى مع قضايا النفط ككتلة موحدة تماماً مثلما نرى لدى منظمة (أوبك) أو منظمة (أوابك). صحيح أن المجلس ليس منظمة أو مؤسسة اقتصادية بحتة لكن ما يفرض عليه ذلك هو خصوصية دول الخليج في ما يخص ملفات وقضايا النفط والطاقة، فيكفي أن نقول إن دول المجلس تمتلك 45 في المائة من احتياطي النفط العالمي، وتمتلك في الوقت ذاته 14 في المائة من احتياطي الغاز العالمي.
وعلى المجلس كذلك في الفترات المقبلة أن يهتم بالجانب البحثي في المجال الاقتصادي من خلال اهتمامه بنتائج الدراسات والبحوث الاقتصادية والإحصائية، وكذلك رعايته لعدد من مراكز البحوث والدراسات ذات الاهتمام الاقتصادي، فمن المؤكد أن عالم الاقتصاد يحتاج إلى المعلومات والحقائق والبيانات والإحصاءات حتى تتخذ القرارات الاقتصادية وتنفذ بنجاح ودقة.
رابعاً: تقويم المحور الدفاعي والأمني:
كان من الطبيعي أن يكون هذان المحوران (الدفاعي والأمني) تابعان للمحور السياسي لأنهما يؤثران بشكل واضح على مجمل الوضع السياسي من ناحية الاستقرار والأمن الداخلي والعلاقات الخارجية، لكن المحور الاقتصادي لا يقل أهمية عن الدفاع والأمن، لذا رأينا أن يتقدم عليهما رغم أهميتهما القصوى.
ولعل السبب الذي جعل المحور الدفاعي والأمني الخليجي بهذه الأهمية والخطورة هو وضع منطقة الخليج وموقعها في وسط الأحداث الكبرى التي تعرضت لها في العقدين الماضيين، لذلك كان على المجلس أن يكرس مفهوم التعاون العسكري والدفاعي بين دول المجلس من خلال وزراء الدفاع ورؤساء الأركان.
صحيح أن هناك إنجازات عسكرية ودفاعية قد تحققت على أرض الواقع الخليجي بفضل المجلس مثل (قوة درع الجزيرة أو القيام بمشاريع عسكرية مشتركة بين القوات المسلحة الخليجية وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك..) إلى غير ذلك من خطوات وإجراءات دفاعية قام بها المجلس منذ تأسيسه.
لكن المفترض أن حجم العمل الدفاعي والعسكري الخليجي يجب أن يتناسب مع حجم التحديات الإقليمية التي تواجه هذه الدول، وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن على المجلس القيام بجهود أكبر في سبيل ضمان وجود رؤية عسكرية ودفاعية خليجية مشتركة تراعي المصلحة الخليجية والأمن والاستقرار الخليجي، لذا عليه أن يضع استراتيجية شاملة لكل المتغيرات التي تؤثر في الأوضاع العسكرية في المنطقة من ناحية العلاقات الخارجية بدول الجوار وبدول المنطقة عموماً وكذلك مناقشة قضايا التسليح.. وغير ذلك مما يرتبط بالأمن الخليجي العام والمشترك.
أما في ما يخص الأمن الداخلي فهو لا يقل أهمية عن المحاور السابقة لأنه المؤشر الحقيقي على استقرار المنطقة وبالتالي سينعكس على كافة المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلا رخاء وتقدم من دون أمن واستقرار، ولهذا نعمت دول الخليج فترات طويلة بوجود الحس الأمني والاستقرار الداخلي إلى حد كبير مما جنبها الاضطرابات والقلاقل الداخلية وانعكس ذلك على رفاهية الوطن والمواطن في كل دول المجلس.
لكن هناك بعض الأوضاع التي استجدت وطرأت على المنطقة وعلى بعض دول المجلس أدت إلى تغير في مفهوم الأمن الداخلي، واستلزم قيام جهد مضاعف من مجلس التعاون لعلاج هذه المستجدات، لذا يجب على المجلس أن يتبنى استراتيجية موحدة ومتكاملة تخص جميع الأعضاء للقضاء على الظواهر الدخيلة على المجتمع الخليجي، ويستلزم ذلك ضرورة تفعيل القوانين والقرارات الأمنية التي اتخذت في هذا الصدد وتكريس مفهوم التعاون الأمني الخليجي.
خامساً: تقويم محور التعليم والبحث العلمي والشباب:
بداية لابد أن نقر بأن الحركة التعليمية ليست جديدة على المنطقة وعلى دول المجلس، بل هي متجذرة وقديمة قدم المجتمعات الخليجية ذاتها، لكنها أخذت تتطور وفقاً لتطور العصر وتجدد مفاهيم التعليم والتربية، وقد انتبهت دول المجلس لقضايا التعليم، وآمنت بأنه السبيل الحقيقي لنهضتها وتطورها، فالنهضة تبدأ من العقول التي تتطور من خلال التعليم، ولهذا بدأت المؤسسات التعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات ومراكز تزداد منذ منتصف القرن الماضي في دول الخليج ولكن بنسب مختلفة تتلاءم وطبيعة كل دولة إلى أن أصبحت المؤسسات التعليمية الآن وبحق مفخرة لدول المجلس من ناحية أعدادها أو قدراتها وإمكاناتها.
وقد أردنا هنا أن نوضح قدم المحور التعليمي ووجوده قبل تأسيس مجلس التعاون بعقود وسنوات، لذا فإن المجلس في تعامله مع هذا المحور يجب أن يستثمر هذه المعطيات السابقة في الإعداد لاستراتيجية ورؤية تعليمية وتربوية تواجه متطلبات المستقبل القريب والبعيد على السواء.
ولا يمكن أبداً التقليل من أهمية ما قام به المجلس على صعيد المحور التعليمي، فقد أصدر العديد من القرارات التي تخص التعليم من ناحية تطوير المناهج والنظم والالتفاف إلى سوق العمل ومتطلباته وتكامل الخبرات التعليمية الخليجية، لكن المأمول من المجلس في المرحلة المقبلة هو مزيد من الاهتمام بالمحور التعليمي لكي يتناسب مع تطلعات الأجيال القادمة ومستجدات الفترات المقبلة، فالتعليم سلاح لمواجهة المجهول واستثمار لمواجهة الغد.
وترتبط بهذا المحور قضايا البحث العلمي والتقني التي باتت تطرح نفسها بقوة على الساحة، وبات ينظر إليها على أنها أهم التحديات التي تواجه الدول وهي تخطو نحو المستقبل، ولذلك كان على مجلس التعاون أن يتعامل مع قضايا البحث العلمي والتقني بسرعة تتناسب مع سرعة التطور العلمي الذي يحدث في العالم.
ولهذا يجب القضاء على كل ما يعيق التطور العلمي وعلى رأس هذه المعوقات قضية التمويل والإنفاق على البحث والدراسة والمعامل والمختبرات وكل الإمكانات المادية والبشرية، إضافة إلى القضاء على الروتين والتباطؤ في اتخاذ القرار وتنفيذه، لأن الزمن عدو البحث العلمي وكلما طال أمد اتخاذ وتنفيذ قرارات مرتبطة بالبحث العلمي تراجع مفهوم النهوض بهذا المجال.
وربما نصاب بالدهشة ونحس بالاستغراب إذا عرفنا أن البحث العلمي والتقني في دول الخليج يعاني من هذه المعوقات وأنه متأخر عن بقية دول العالم على الرغم من أن دول المجلس من الدول التي تعد غنية وقادرة على الإنفاق بسخاء على مثل هذه البحوث والدراسات. من هنا نستطيع أن نقول إن المجلس عبر مسيرته في ربع قرن تقريباً قد التفت لقضايا البحث العلمي بل جعلها ضمن أهدافه التي سعى إلى تحقيقها إلا أنه لم يعنَ بها العناية التي تستحقها ولم يعمل على استغلال قدرات وطاقات دول المجلس المادية في النهوض بالبحث العلمي والتقني فيها حتى تحولت دول المجلس إلى مستهلك ومستخدم فقط للتقنيات وإفرازات العلوم من دون أن تكون مشاركة بشكل فعلي في هذا النتاج العلمي.
ونحن لا نستطيع أن نلقي اللوم في تأخر البحث العلمي والتقني في دول منطقة الخليج العربي على مجلس التعاون فقط، بل إن مؤسسات الدول الأعضاء ووزارات التعليم وهيئاته التعليمية والعلمية والأكاديمية والتنفيذية بل ومؤسساته وشركاته الخاصة يقع عليها عبء كبير ودور خطير في النهوض بالبحث العلمي في دول المجلس.
سادساً: تقويم المحور الثقافي والإعلامي:
تميزت منطقة الخليج بمعطيات وخصائص ثقافية على اعتبار أنها جزء من الثقافة العربية والإسلامية بل والإنسانية، وقد أوجد هذه الخصوصية الثقافية لمنطقة ودول الخليج طبيعة الموقع الجغرافي القريب والمتلاحم مع حضارات وثقافات مختلفة، إضافة إلى عمق انتماء منطقة الخليج للثقافة العربية والإسلامية.
وبناء على هذا، فإن المحور الثقافي هو الذي يحدد ملامح الشخصية الخليجية عموماً، ومن الأمور التي تتميز بها تلك الشخصية هو تقارب شديد إن لم يكن تطابقاً كاملاً في الأنماط الثقافية للدول الأعضاء في المجلس بشعوبها وأفرادها، وهذا التقارب جعل منهم نسيجاً واحداً لا نكاد نحس باختلاف شديد بين عناصره ومفرداته.
لذا كان على مجلس التعاون أن يستغل ويستثمر هذا التقارب والنسيج الثقافي الواحد، ويقوم بدوره في تحويل التقارب إلى تكامل وتحويل المحور الثقافي إلى عامل وحدة وتجميع خاصة في ظل الغزو الثقافي الشامل الذي يحدث للعديد من دول العالمين العربي والإسلامي وخاصة دول منطقة الخليج التي تستقطب وتجذب إليها كل الثقافات والعادات والتقاليد التي يحملها معه كل زائر إلى المنطقة.
وعندما ننظر إلى الثقافة على أنها هوية وانتماء فإن ذلك سيجعلنا نحس بخطورة المشكلة وهي أن ضياع ملامح الثقافة العربية عامة والخليجية خاصة هو ضياع للهوية والانتماء العربي والخليجي.
وفي الحقيقة فإن مجلس التعاون منذ تأسيسه اهتم بهذا المحور الثقافي فشكل في أجهزته إدارة ثقافية معنية بهذا المحور، وقامت بالعديد من الأنشطة والفعاليات في هذا الجانب منها ما يخص المتاحف والآثار والتراث الشعبي والمسرح والكتب والنشر.. إلى غير ذلك من أنشطة ثقافية أشرف عليها المجلس ودعمها.
لكن في الوقت ذاته ثمة مشروعات وأفكار ورؤى تخص الجانب الثقافي، وطرحها المجلس لكنها لم تجد طريقها للتنفيذ مثل خطة التنمية الثقافية لدول المجلس، كذلك القوانين والأنظمة التي تعنى بالجانب الثقافي في مجال النشر والمطبوعات والملكية الفكرية، إضافة إلى الثقافة الإلكترونية بما تحمله من جديد. أو غيرها من مشاريع تم بحثها في أكثر من دورة وأكثر من اجتماع وزاري واجتماعات فرعية لكنها لم تنفذ، كل ذلك يجعل المجلس مطالباً بسرعة اتخاذ وتنفيذ قرارات موحدة للتعامل مع هذه القضايا الثقافية بالغة الأهمية.
ولا يقل المحور الإعلامي أهمية عن الجانب الثقافي بل هو ملازم له ومساند في توصيل الرسالة وتحقيق الأهداف، ولا نشك في أن العالم أصبح اليوم قرية صغيرة بفضل الإعلام ووسائله وآلياته التي قربت البعيد وسهلت المستحيل، وأصبحنا نرى في عالم اليوم تنوعاً هائلاً في الكم وتطوراً مذهلاً في الكيف الإعلامي على المستويين الدولي والعربي أيضاً، فقد امتلأ الفضاء بعشرات القنوات الإذاعية والتلفزيونية، وتزاحمت في الظهور مئات الصحف والمجلات ولا ننسى ظهور مارد الإعلام المعاصر وهو شبكة الانترنت التي تعج بملايين الصفحات من كل حدب وصوب.
ولا ننكر أن دول مجلس التعاون قد استفادت من هذا التنوع والتطور الإعلامي، وأصبح هناك وبحق إعلام خليجي مميز له خصوصيته ومفرداته التي تميزه عن غيره إلى حد ما.
ولكن بالنظر إلى الواقع الحالي سنجد أن وسائل الإعلام الخليجية – في أغلبها – قطرية أكثر من كونها إقليمية، أي أنها معنية بالداخل أكثر من اهتمامها بالمجموع الذي يكون منظومة المجلس، فالسياسة الإعلامية لكل دولة خليجية تجعل من وسائلها وحدات منفصلة ومتباعدة لا يربطها رباط وثيق إلا من خلال بعض المجاملات التي لا تعني الترابط أو التكامل بين وسائل الإعلام الخليجية.
أضف إلى ذلك التردي والتراجع الواضح في كثير من وسائل الإعلام المحلي – خاصة بعض الفضائيات الخليجية – والتي تحتاج إلى معالجة سريعة وخروج كوادر إعلامية خليجية تشارك في هذا المحور المهم للارتقاء بمستوى هذه الوسائل على المستويين الفني والموضوعي.
لذا فإن على المجلس القيام بوضع استراتيجية إعلامية موحدة أو متقاربة إلى حد كبير، وجعل هذه الاستراتيجية موضع تنفيذ لكي يتم التغلب على العديد من الإشكاليات التي تواجه المجتمع العربي المعاصر عموماً بسبب التبعية الإعلامية للغرب والاستلاب للثقافة الغربية التي تهدد الهوية والانتماء.
سابعاً: تقويم محور البيئة والتنمية البشرية:
لم تكن قضايا البيئة بعيدة عن اهتمام ومتابعة مجلس التعاون منذ تأسيسه لما لهذه القضايا من أهمية قصوى تعود في المقام الأول لما تميزت به البيئة الخليجية (الطبيعية والحضارية) من خصائص ومميزات منها ما أثر سلباً أو إيجاباً في المحور البيئي.
ومن البديهي أن نقول إن البيئة الخليجية على اتساعها وتنوعها تكاد تتطابق في كل دول مجلس التعاون بحيث تجد الخصائص الجغرافية والطبيعية والمناخية واحدة في كل بلد ودولة خليجية، فمفردات الجغرافية من شواطئ وحياة بحرية وجبال وصحراء ورمال وزراعات.. هذه المفردات تجدها أينما ذهبت على امتداد الخريطة الخليجية، وهذا يساعد كثيراً على اعتماد خطط وبرامج واستراتيجية خليجية موحدة للتعامل مع قضايا البيئة ومشكلاتها.
ونستطيع أن نقول إن كل دول الخليج على حدة قد أولت الجانب البيئي عناية فائقة أشاد بها العالم الخارجي، فما تم إنجازه على الصعيد البيئي يدعو للتقدير والثناء وهذا ما نلاحظه في كثير من القضايا البيئية الملحة والخطرة عالمياً وعلى رأسها مشكلة (التصحر) والحد من خطورتها ومشكلة قلة المياه وندرتها ومشكلة (التلوث) بكل أنواعه ومشكلة التعامل مع المواد المشعة وإدارة النفايات ونظام المحافظ على الحياة الفطرية وإنمائها.
وفي الحقيقة فإن هذه المنجزات وغيرها في المجال البيئي قد تميزت بها دول المجلس بسياسة اتبعتها كل واحدة منها ونجحت فيها بشكل واضح، وبقي أن يقوم المجلس بتجميع وتقريب هذه الجهود الفردية للدول الأعضاء وضمها إلى السياسة والاستراتيجية الموحدة في العمل البيئي والتي تستعين بالخبرات والبيانات والمعلومات البيئية التي يجب أن تتوافر لصناع ومتخذي القرار البيئي.
وبهذا نكون قد وقفنا بإيجاز عند محاور العمل الخليجي الذي انطلق منه عمل مجلس التعاون منذ تأسيسه، وهذه الوقفة تسعى إلى بلورة رؤية نقدية موضوعية وحيادية تسهم في تقويم مسيرة المجلس، خاصة أن نجاح المجلس هو نجاح للعمل العربي الذي يفتقد في مجمله إلى عناصر كثيرة ربما تتوافر في دول المنطقة الخليجية، فإذا لم نستطع أن نحقق حلم الوحدة العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج فعلى أقل تقدير نحققها هنا على شواطئ الخليج العربي.

::/fulltext::
::cck::3175::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *