اليمن.. انتخابات هادئة لشعب مسلح
::cck::3099::/cck::
::introtext::
كثيرة هي التعليقات والتحليلات التي تناولت الانتخابات الرئاسية اليمنية المقبلة، مدحاً وقدحاً، بدءاً بالسياق الذي يغلفها، وانتهاء بنتيجتها التي تبدو محسومة سلفاً، مروراً بإجراءاتها ومدى إمكانية أن تضيف لبنة جديدة في بناء الديمقراطية اليمنية الناشئة.
::/introtext::
::fulltext::
كثيرة هي التعليقات والتحليلات التي تناولت الانتخابات الرئاسية اليمنية المقبلة، مدحاً وقدحاً، بدءاً بالسياق الذي يغلفها، وانتهاء بنتيجتها التي تبدو محسومة سلفاً، مروراً بإجراءاتها ومدى إمكانية أن تضيف لبنة جديدة في بناء الديمقراطية اليمنية الناشئة. لكن أحداً لم يعتن بقدر كاف بظاهرة تجعل الانتخابات في هذا البلد العربي الشقيق فريدة من نوعها على مستوى العالم أجمع، وتصور لمن لا يعرف اليمن جيدا أن (التنافس الانتخابي) من الممكن أن يشهد عنفاً مفرطاً، بل قد يتحول إلى (معارك دموية) يسقط فيها المئات من أنصار المرشحين، خاصة أن هناك تجربة قريبة لمسها الجميع خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، إذ شهدت أعمال العنف أوقعت عشرة قتلى وخمسة وثلاثين جريحاً في صفوف أنصار المرشحين.
وهذه الظاهرة تتعلق بانتشار الأسلحة النارية بين أيدي المدنيين اليمنيين بشكل كبير، إذ تشير بعض الإحصائيات إلى أن هناك نحو 60 مليون قطعة سلاح بحوزة 20 مليون مواطن يمني، هم جملة سكان اليمن، أي بمعدل 3 قطع لكل فرد، في بلد لا يحرّم قانونه حيازة الأسلحة النارية من قبل المواطنين، بل يعتبره حقاً لهم، حيث تنص المادة التاسعة من قانون تنظيم حمل الأسلحة على أنه: (يحق لمواطني الجمهورية حيازة البنادق والبنادق الآلية والمسدسات وبنادق الصيد اللازمة لاستعمالهم الشخصي مع قدر من الذخيرة لها لغرض الدفاع الشرعي).
إن هذا الوضع، الذي لا نظير له في أي مكان على سطح البسيطة، حدا بمجلس الدفاع الوطني اليمني أن يقرر أن يوم الانتخابات الرئاسية وهو العشرون من سبتمبر الجاري سيكون يوماً خالياً من السلاح، يحظر فيه على الجميع مهما كان شأنهم حمل السلاح عدا منتسبي الأجهزة الأمنية المنوط بها واجب الحفاظ على الأمن والسكينة والسلم الاجتماعي. وقد استهدف المجلس من هذا القرار حسب البيان الذي أصدره (إتاحة الفرصة للجميع أن يخوضوا هذا الاستحقاق الدستوري والديمقراطي المهم بمسؤولية ووعي وفي ظل التنافس الشريف والالتزام بالدستور والقانون والابتعاد في الحملات الانتخابية عن كل ما من شأنه إثارة الفتن والضغائن والأحقاد في المجتمع).
ورغم أن مجلس الوزراء اليمني كان قد أصدر قراراً قبل أربعة أعوام يقضي بمنع حمل السلاح أو التجول به أو حتى إظهاره داخل مدينة صنعاء والمدن الرئيسية الأخرى، فإن أحداً لم يستجب لذلك في بلد تتعدد فيه وتتشابك وتتعقد أسباب حمل السلاح.
وأول هذه الأسباب يرتبط بالتقاليد والعادات الاجتماعية، فاليمنيون يتعاملون مع السلاح على أساس أنه وسيلة من وسائل الزينة والتباهي والتفاخر بين القبائل، لذا يشجع الآباء أبناءهم على حمله والتدريب عليه منذ نعومة أظفارهم. كما أن السلاح عند اليمني أداة للتعبير عن الغضب والفرح، حيث يستقبل الضيوف الأعزاء بوابل من الرصاص، وتطلق الأعيرة النارية في الأعراس، ويستخدم السلاح في النداء بدلاً من مكبرات الصوت، حتى في شوارع المدن الرئيسية.
ولا يمكن فهم ما تقدم إلا من خلال إدراك حجم الدور الذي تلعبه القبيلة في الحياة السياسية اليمنية، وهو متضخم إلى درجة أن القبائل تتحدى في بعض الأحيان سلطة الدولة المركزية، ويظهر هذا بجلاء من خلال ظاهرتي تفجير أنابيب النفط واختطاف الأجانب، فرجال القبائل يقدمون على ذلك ليجبروا السلطات على أن تفرج عن سجناء من ذويهم، أو يطالبوا بحقوق اقتصادية ومالية معينة. وبالطبع فإن رجال القبائل يستمدون الجزء الأكبر من قوتهم، في مواجهة الدولة، من قدراتهم التسليحية، فضلا عن وعورة الأراضي اليمنية التي تجعلهم في منعة من ملاحقة القوات الحكومية، سواء الجيش أو الشرطة، علاوة على اعتماد النخب السياسية الحديثة في البلاد على القبائل كسند وظهير ومرجعية في المجتمع المحلي.
ويتعلق السبب الثاني بسلسلة الصراعات والحروب الداخلية التي شهدها اليمن، فقد اندلعت حرب أهلية في الفترة من على 1962 إلى 1970 في بعض المناطق الشمالية والشرقية من البلاد، تبعها صراع في المنطقة الوسطى استمر 15 عاماً تقريباً، ثم جاءت الحرب الأهلية اليمنية التي اندلعت عام 1994 حين حاول بعض قادة الحزب الاشتراكي (الذي كان يحكم ما يسمى اليمن الجنوبي سابقاً) الارتداد على الوحدة التي تم إعلانها بين شطري اليمن عام 1990. وقد حمّل الشيخ عبد الله الأحمر رئيس مجلس النواب اليمني الاشتراكيين مسؤولية عودة ظاهرة انتشار السلاح داخل المدن اليمنية الكبرى، بما فيها صنعاء، حيث يرى أنهم (جاؤوا متخوفين وفي أعناقهم ذمم ودماء)، لذا اصطحبوا معهم أسلحتهم.
ويتمثل السبب الثالث في التطرف الديني، ففضلا عن تنامي بعض الحركات التي ترفع من الإسلام شعاراً سياسياً لها داخل التربة اليمنية ذاتها، كان اليمن خلال السنوات الأخيرة محطة لاستقبال بعض العناصر التي تنتمي إلى من أطلق عليهم (الأفغان العرب)، وهم الشباب العرب الذين شاركوا في الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفييتي السابق، وتعذرت عليهم العودة إلى أوطانهم لأسباب أمنية. وقد ظن هؤلاء أن اليمن، بجغرافيته المعقدة وطبيعته الاجتماعية التقليدية، ملاذ آمن لهم، لذا هاجر بعضهم إليه. وقد دفع تفاقم هذا الوضع بالسلطات اليمنية إلى اتخاذ قرار يقضي بمنع دخول رعايا بعض الدول العربية إليها إلا إذا كانوا قادمين من بلادهم الأصلية، وحاصلين على تأشيرات من السفارة اليمنية في بلادهم. لكن هذا القرار لم يمنع من بقاء اليمن مكانا جاذبا لبعض عناصر تنظيم القاعدة، الأمر الذي جعل الأمريكيين حريصين على توقيع اتفاق لـ (مكافحة الإرهاب) مع الحكومة اليمنية.
أما السبب الرابع، فيتعلق بعدم الامتثال للقرارات الحكومية، فقرار مجلس الوزراء نصّ على تحريم حمل السلاح في العاصمة والمدن الرئيسية، إلا أنه لم يطبق بشكل كامل، وتعرض لخرق واضح، ليس بواسطة رجال القبائل فحسب، بل على أيدي أنصار بعض الأحزاب السياسية. ويبقى قانون تنظيم حمل السلاح رقم (40) لسنة 1992 الساري المفعول، قانوناً متساهلاً فضفاضاً، ومن ثم يمنح الغطاء التشريعي لاستمرار ظاهرة انتشار حمل السلاح في اليمن.
وعلى الرغم من أن السلطات اليمنية شرعت في تبني خطة جديدة لجمع الأسلحة التي بحوزة الأهالي، في إطار مساعيها الرامية إلى الحد من انتشار ظاهرة العنف في الشارع اليمني، فإنها لم تسن ـ حتى الآن ـ قانوناً حاسماً في هذا الشأن، أو على وجه الدقة فإنه مع خطورة هذه الظاهرة فإن مشروع القانون الذي أعد لمعالجتها لم يتم حسمه داخل مجلس النواب. ورغم أن الحكومة اليمنية تقوم، وبشكل منتظم منذ عام 1995، بحملة سنوية ضد حمل الأسلحة النارية في المدن الرئيسية بالبلاد، إلا أن هذه الحملات فشلت جميعاً في الحد من ظاهرة انتشار الأسلحة بين المدنيين، في بلد تعد فيه القبائل المدججة بالأسلحة سلطة موازية لسلطة الدولة، بل تتعداها في بعض الأحيان.
لكن هذه الأسباب وكل هذا السلاح الكثيف لا يعني أن الانتخابات الرئاسية اليمنية المقبلة سيتخللها، على الأرجح، عنف واسع النطاق، نظراً لعدة اعتبارات، أولها أن الانتخابات لن تشهد منافسة ضارية، بل تبدو محسومة للرئيس اليمني علي عبدالله صالح فهو الأوفر حظاً للفوز بولاية جديدة مدتها سبع سنوات، عند النظر إلى الوزن السياسي لمنافسيه وهم: وزير النفط السابق فيصل بن شملان وياسين عبدو سعيد باسم المجلس الوطني والمستقلان أحمد المجيد وفتحي العذب. أما الاعتبار الثاني فهو أن معظم المناطق اليمنية الوسطى والجنوبية لا تميل إلى اقتناء السلاح، ولا يشكل اقتناؤه أي ضرورة اجتماعية أو عادة ملحة هناك، لذا ستجرى الانتخابات في دوائر هذه المنطقة في جو أكثر هدوءاً. والاعتبار الثالث يتمثل في أن الدور الذي يلعبه (التوازن القبلي) في كبح جماح أي فرد يرغب في ارتكاب أعمال عنف وتصعيدها. ففي اليمن قوتان قبليتان هما (حاشد) و(بكيل) وكلتاهما تضمان تحت لوائهما العديد من القبائل والبطون والعشائر والأفخاذ، وتحرصان على مراعاة مشاعر ومصالح الآخر، وعليهما ترتكز الحياة السياسية اليمنية برمتها، نظراً لانتماء أغلب الساسة والقادة إليهما.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3099::/cck::
::introtext::
كثيرة هي التعليقات والتحليلات التي تناولت الانتخابات الرئاسية اليمنية المقبلة، مدحاً وقدحاً، بدءاً بالسياق الذي يغلفها، وانتهاء بنتيجتها التي تبدو محسومة سلفاً، مروراً بإجراءاتها ومدى إمكانية أن تضيف لبنة جديدة في بناء الديمقراطية اليمنية الناشئة.
::/introtext::
::fulltext::
كثيرة هي التعليقات والتحليلات التي تناولت الانتخابات الرئاسية اليمنية المقبلة، مدحاً وقدحاً، بدءاً بالسياق الذي يغلفها، وانتهاء بنتيجتها التي تبدو محسومة سلفاً، مروراً بإجراءاتها ومدى إمكانية أن تضيف لبنة جديدة في بناء الديمقراطية اليمنية الناشئة. لكن أحداً لم يعتن بقدر كاف بظاهرة تجعل الانتخابات في هذا البلد العربي الشقيق فريدة من نوعها على مستوى العالم أجمع، وتصور لمن لا يعرف اليمن جيدا أن (التنافس الانتخابي) من الممكن أن يشهد عنفاً مفرطاً، بل قد يتحول إلى (معارك دموية) يسقط فيها المئات من أنصار المرشحين، خاصة أن هناك تجربة قريبة لمسها الجميع خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، إذ شهدت أعمال العنف أوقعت عشرة قتلى وخمسة وثلاثين جريحاً في صفوف أنصار المرشحين.
وهذه الظاهرة تتعلق بانتشار الأسلحة النارية بين أيدي المدنيين اليمنيين بشكل كبير، إذ تشير بعض الإحصائيات إلى أن هناك نحو 60 مليون قطعة سلاح بحوزة 20 مليون مواطن يمني، هم جملة سكان اليمن، أي بمعدل 3 قطع لكل فرد، في بلد لا يحرّم قانونه حيازة الأسلحة النارية من قبل المواطنين، بل يعتبره حقاً لهم، حيث تنص المادة التاسعة من قانون تنظيم حمل الأسلحة على أنه: (يحق لمواطني الجمهورية حيازة البنادق والبنادق الآلية والمسدسات وبنادق الصيد اللازمة لاستعمالهم الشخصي مع قدر من الذخيرة لها لغرض الدفاع الشرعي).
إن هذا الوضع، الذي لا نظير له في أي مكان على سطح البسيطة، حدا بمجلس الدفاع الوطني اليمني أن يقرر أن يوم الانتخابات الرئاسية وهو العشرون من سبتمبر الجاري سيكون يوماً خالياً من السلاح، يحظر فيه على الجميع مهما كان شأنهم حمل السلاح عدا منتسبي الأجهزة الأمنية المنوط بها واجب الحفاظ على الأمن والسكينة والسلم الاجتماعي. وقد استهدف المجلس من هذا القرار حسب البيان الذي أصدره (إتاحة الفرصة للجميع أن يخوضوا هذا الاستحقاق الدستوري والديمقراطي المهم بمسؤولية ووعي وفي ظل التنافس الشريف والالتزام بالدستور والقانون والابتعاد في الحملات الانتخابية عن كل ما من شأنه إثارة الفتن والضغائن والأحقاد في المجتمع).
ورغم أن مجلس الوزراء اليمني كان قد أصدر قراراً قبل أربعة أعوام يقضي بمنع حمل السلاح أو التجول به أو حتى إظهاره داخل مدينة صنعاء والمدن الرئيسية الأخرى، فإن أحداً لم يستجب لذلك في بلد تتعدد فيه وتتشابك وتتعقد أسباب حمل السلاح.
وأول هذه الأسباب يرتبط بالتقاليد والعادات الاجتماعية، فاليمنيون يتعاملون مع السلاح على أساس أنه وسيلة من وسائل الزينة والتباهي والتفاخر بين القبائل، لذا يشجع الآباء أبناءهم على حمله والتدريب عليه منذ نعومة أظفارهم. كما أن السلاح عند اليمني أداة للتعبير عن الغضب والفرح، حيث يستقبل الضيوف الأعزاء بوابل من الرصاص، وتطلق الأعيرة النارية في الأعراس، ويستخدم السلاح في النداء بدلاً من مكبرات الصوت، حتى في شوارع المدن الرئيسية.
ولا يمكن فهم ما تقدم إلا من خلال إدراك حجم الدور الذي تلعبه القبيلة في الحياة السياسية اليمنية، وهو متضخم إلى درجة أن القبائل تتحدى في بعض الأحيان سلطة الدولة المركزية، ويظهر هذا بجلاء من خلال ظاهرتي تفجير أنابيب النفط واختطاف الأجانب، فرجال القبائل يقدمون على ذلك ليجبروا السلطات على أن تفرج عن سجناء من ذويهم، أو يطالبوا بحقوق اقتصادية ومالية معينة. وبالطبع فإن رجال القبائل يستمدون الجزء الأكبر من قوتهم، في مواجهة الدولة، من قدراتهم التسليحية، فضلا عن وعورة الأراضي اليمنية التي تجعلهم في منعة من ملاحقة القوات الحكومية، سواء الجيش أو الشرطة، علاوة على اعتماد النخب السياسية الحديثة في البلاد على القبائل كسند وظهير ومرجعية في المجتمع المحلي.
ويتعلق السبب الثاني بسلسلة الصراعات والحروب الداخلية التي شهدها اليمن، فقد اندلعت حرب أهلية في الفترة من على 1962 إلى 1970 في بعض المناطق الشمالية والشرقية من البلاد، تبعها صراع في المنطقة الوسطى استمر 15 عاماً تقريباً، ثم جاءت الحرب الأهلية اليمنية التي اندلعت عام 1994 حين حاول بعض قادة الحزب الاشتراكي (الذي كان يحكم ما يسمى اليمن الجنوبي سابقاً) الارتداد على الوحدة التي تم إعلانها بين شطري اليمن عام 1990. وقد حمّل الشيخ عبد الله الأحمر رئيس مجلس النواب اليمني الاشتراكيين مسؤولية عودة ظاهرة انتشار السلاح داخل المدن اليمنية الكبرى، بما فيها صنعاء، حيث يرى أنهم (جاؤوا متخوفين وفي أعناقهم ذمم ودماء)، لذا اصطحبوا معهم أسلحتهم.
ويتمثل السبب الثالث في التطرف الديني، ففضلا عن تنامي بعض الحركات التي ترفع من الإسلام شعاراً سياسياً لها داخل التربة اليمنية ذاتها، كان اليمن خلال السنوات الأخيرة محطة لاستقبال بعض العناصر التي تنتمي إلى من أطلق عليهم (الأفغان العرب)، وهم الشباب العرب الذين شاركوا في الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفييتي السابق، وتعذرت عليهم العودة إلى أوطانهم لأسباب أمنية. وقد ظن هؤلاء أن اليمن، بجغرافيته المعقدة وطبيعته الاجتماعية التقليدية، ملاذ آمن لهم، لذا هاجر بعضهم إليه. وقد دفع تفاقم هذا الوضع بالسلطات اليمنية إلى اتخاذ قرار يقضي بمنع دخول رعايا بعض الدول العربية إليها إلا إذا كانوا قادمين من بلادهم الأصلية، وحاصلين على تأشيرات من السفارة اليمنية في بلادهم. لكن هذا القرار لم يمنع من بقاء اليمن مكانا جاذبا لبعض عناصر تنظيم القاعدة، الأمر الذي جعل الأمريكيين حريصين على توقيع اتفاق لـ (مكافحة الإرهاب) مع الحكومة اليمنية.
أما السبب الرابع، فيتعلق بعدم الامتثال للقرارات الحكومية، فقرار مجلس الوزراء نصّ على تحريم حمل السلاح في العاصمة والمدن الرئيسية، إلا أنه لم يطبق بشكل كامل، وتعرض لخرق واضح، ليس بواسطة رجال القبائل فحسب، بل على أيدي أنصار بعض الأحزاب السياسية. ويبقى قانون تنظيم حمل السلاح رقم (40) لسنة 1992 الساري المفعول، قانوناً متساهلاً فضفاضاً، ومن ثم يمنح الغطاء التشريعي لاستمرار ظاهرة انتشار حمل السلاح في اليمن.
وعلى الرغم من أن السلطات اليمنية شرعت في تبني خطة جديدة لجمع الأسلحة التي بحوزة الأهالي، في إطار مساعيها الرامية إلى الحد من انتشار ظاهرة العنف في الشارع اليمني، فإنها لم تسن ـ حتى الآن ـ قانوناً حاسماً في هذا الشأن، أو على وجه الدقة فإنه مع خطورة هذه الظاهرة فإن مشروع القانون الذي أعد لمعالجتها لم يتم حسمه داخل مجلس النواب. ورغم أن الحكومة اليمنية تقوم، وبشكل منتظم منذ عام 1995، بحملة سنوية ضد حمل الأسلحة النارية في المدن الرئيسية بالبلاد، إلا أن هذه الحملات فشلت جميعاً في الحد من ظاهرة انتشار الأسلحة بين المدنيين، في بلد تعد فيه القبائل المدججة بالأسلحة سلطة موازية لسلطة الدولة، بل تتعداها في بعض الأحيان.
لكن هذه الأسباب وكل هذا السلاح الكثيف لا يعني أن الانتخابات الرئاسية اليمنية المقبلة سيتخللها، على الأرجح، عنف واسع النطاق، نظراً لعدة اعتبارات، أولها أن الانتخابات لن تشهد منافسة ضارية، بل تبدو محسومة للرئيس اليمني علي عبدالله صالح فهو الأوفر حظاً للفوز بولاية جديدة مدتها سبع سنوات، عند النظر إلى الوزن السياسي لمنافسيه وهم: وزير النفط السابق فيصل بن شملان وياسين عبدو سعيد باسم المجلس الوطني والمستقلان أحمد المجيد وفتحي العذب. أما الاعتبار الثاني فهو أن معظم المناطق اليمنية الوسطى والجنوبية لا تميل إلى اقتناء السلاح، ولا يشكل اقتناؤه أي ضرورة اجتماعية أو عادة ملحة هناك، لذا ستجرى الانتخابات في دوائر هذه المنطقة في جو أكثر هدوءاً. والاعتبار الثالث يتمثل في أن الدور الذي يلعبه (التوازن القبلي) في كبح جماح أي فرد يرغب في ارتكاب أعمال عنف وتصعيدها. ففي اليمن قوتان قبليتان هما (حاشد) و(بكيل) وكلتاهما تضمان تحت لوائهما العديد من القبائل والبطون والعشائر والأفخاذ، وتحرصان على مراعاة مشاعر ومصالح الآخر، وعليهما ترتكز الحياة السياسية اليمنية برمتها، نظراً لانتماء أغلب الساسة والقادة إليهما.
::/fulltext::
::cck::3099::/cck::
