قراءة في ثقافة الغد.. هكذا تنبأ مالرو

::cck::3115::/cck::
::introtext::

قبل بضع سنين طرح مثقف عراقي ستيني تخوفاً من أن تهاجم التكنولوجيا الأدب. كان يخاف أن تُطحن الفرشاة وأن نترك القلم وأن يهجر المبدعون التسكع اليومي اللذيذ على أبواب ديستوفيسكي وأندريه جيد ونجيب محفوظ، وأن يختار لهم الحاسوب القصيدة المناسبة التي تعبر لهم لحظة من لحظات العمر التي يريدونها تماماً مثلما يفعلون مع علب السردين.

::/introtext::
::fulltext::

قبل بضع سنين طرح مثقف عراقي ستيني تخوفاً من أن تهاجم التكنولوجيا الأدب. كان يخاف أن تُطحن الفرشاة وأن نترك القلم وأن يهجر المبدعون التسكع اليومي اللذيذ على أبواب ديستوفيسكي وأندريه جيد ونجيب محفوظ، وأن يختار لهم الحاسوب القصيدة المناسبة التي تعبر لهم لحظة من لحظات العمر التي يريدونها تماماً مثلما يفعلون مع علب السردين. كان يخاف أن تتحطم اللوحة، وأن تصبح تكعيبات بيـكاسـو وألوان رينوار وتخطيطات الواسطي لا تحفر فينا الحب. كان يخاف أن تتحول المعرفة إلى وصفة طبية، وأن نستطيع حفظ المعلقات العشر بمجرد (زرق) إبرة في الجسم.
فرضية هذا المثقف كانت تقوم على استقراء الثقافة ومعطياتها وفق النمط القديم الذي يقوم أساساً على جهد المبدع وتألقه، وتنهض على أنقاض نفس ضجرة مثقلة بالاطلاع والقراءة والمعرفة. لم يكن يدر في خلدهِ أن تصنع الثقافة بقرار سياسي أم بموعظة دينية.. باعتبار أن الثقافة هي التي تأتي بالموعظة الدينية، وهي التي تسبق القرار السياسي وتمهد له بحقب حضارية طويلة.
إن ثقافة الناس مثل ألوانهم، ويكفي أن نتعرف إلى ثقافة شعب من الشعوب بمجرد أن نجالس أحدهم ونتحدث معه بشأن من الشؤون، نتعرف إلى اللغة ومفرداتها وطريقة التلاعب بسحنات الوجه وبطريقة التضخيم أو التصغير للكلمات الدالة على الأفعال، ضارة تلك الأفعال كانت أم نافعة.
والثقافة ليست مادة ملموسة تباع كغيرها من الحاجات في الأسواق. وهنا فقط أرد على تخوف صديقي المثقف العراقي الستيني بأن الثقافة جملة تصرفات تعكس بقدر كبير ما مضى وما سيأتي وما هو كائن من أنماط السلوك البشري. ولا أظن أن بمقدور الحاسوب أن يتحرك مثلما تتحرك، وأن يسرق منا رحلاتنا الشخصية اللذيذة في ضروب الثقافة والأدب.
وبما أن الثقافة تتشكل عبر سنوات من الجهد الذي يبذله المبدعون والمتميزون من مجموعات العقد الاجتماعي، فإنها تبعاً لذلك تتشكل بمنتهى الحرية ووفق الضوابط التي يستنبطها المبدعون ضد ثوابت كانت أو بناء ثوابت ستكون.
هكذا تتكون القاعدة الثقافية للمجتمعات، لبنة تليها لبنة أخرى، وعبر هذا التفاوت والتغيير، وعبر صرخات الرفض أو القبول أو العناد أو المقاومة تبدأ مهمة الثقافة في التغيير والتوغل نحو عمق الشخصية البشرية، فتتطور وتزدهر أو تصاب بالأمراض تبعاً لقوة أو ضعف العوامل المساعدة لها في المجتمعات البشرية.
إلى هنا.. وفرضيتنا تقوم على أساس أن الثقافة حق تصنعه الشعوب بحرية وبمحض الإرادة تكفلها مجموعة قيم خلقية لا يجوز المس بها، ذلك، لأن الثقافة ومكوناتها هي التي تحدد الصفات والمزايا لكل مجموعة من المجموعات البشرية. ولهذا فإن النوازع التي كانت ولا تزال تدور في عقول الدول المتفوقة اقتصادياً وعسكرياً لم تقف عند حدود ضم الأقاليم والبحار والجزر وإقامة القواعد العسكرية فيها لضمان التدفق الاقتصادي والاستحواذ على الأسواق، بل ذهبت إلى ما هو أكبر من ذلك عندما أخذت تستحوذ قبل كل شي على ثقافات الشعوب، فتبدأ أولاً باحتقار ثقافة الآخر وتصغير شأن الرموز الوطنية واحتقار التراث والتاريخ والاستهزاء بالماضي وموروثه الفكري بشكل عام. حتى إن بريطانيا مثلاً كانت تقضي بلزوم أن يظهر المواطن الإنكليزي بمظهر السوبرمان، ولذلك منعت على مواطنيها المرضى أو الشيوخ التجول في شوارع الهند لأن ذلك يعطي الانطباع المعاكس لشخصية السوبرمان التي يفترض أن يظل المستعمر متمتعا بها.
إن نظرية الدول الكبرى لثقافة الشعوب تبدأ من النظرة الدونية، وتنتهي بأن يسلم المرء بأن الثقافة الوافدة هي الأصح، وأن الموروث القديم مجرد كلام فارغ لا قيمة له أمام تكنولوجيا المعلومات.
هكذا تخّوف صديقي المثـقف العراقي الستيني. إن صديقي هذا يتفق مع فرضية كافكا وهوميروس التي تقول إن البشر مجرد ورق تذره الرياح.. ورياح كافكا وهوميروس هي الرياح الوافدة الغربية التي تهب حالياً على الثقافة العراقية، تلك التي كانت على الدوام منارة في الإشراق والإبداع والعطاء.. فجأة تعطلت عجلة النشر وتوقف المبدعون إلا عن اجترار ذكرياتهم وعلاقاتهم بالعهود القديمة والجديدة.
في العراق طغت المجموعات المختلفة على المناخ الثقافي برمته، فصارت هناك مجاميع للسياسة وأخرى للمقاومة وثالثة لمنظمات غرضها الربح المادي. وعلى غرار هذه التجمعات اتسعت رقعة المجموعات الثقافية. ورب من يسأل، هل إن اتساع رقعة المجموعات وخاصة في إطار الثقافة من شأنه أن يوسع الدائرة المعرفية؟ ولكن المؤسف أنه في سياق الحالة العراقية الجديدة تحول إلى صراع باطنه سياسي أو ديني وظاهره ثقافي.. لا مجال لنا في هذه العجالة في الكلام في التوقف عنده.
لقد أصاب الشلل والعطل جميع ضروب المؤسسات المتخصصة بالثقافة حكومية كانت أم شعبية.. مقابل اتساع رقعة الصراع الذي وصل إلى حد صدور القوائم السوداء التي تنذر بالقتل لمن لا يساير أو ينتمي أو يسكت. والتهمة دائماً وأبداً هي التعاون مع النظام السابق.
إن من يعرفون العقل العراقي الذي أفرز أجيالاً من المبدعين يضعونه في إحدى الخانات التالية أو في جميعها وذلك تبعاً لميولهم السياسية أو الفكرية أو الدينية أو حتى المذهبية.
* هو عقل متسرع شأنه شأن الصفة الغالبة على العقل الشرقي عموماً، إلا أنه ووفقاً لبعض الدارسين يتفرد بالهدوء، والهدوء يرتبط في الغالب مع صفات العقل الغربي المتحضر.
* هو عقل يتبع ويتعصب ويعبر ويتأثر كثيراً بالقبيلة والعشيرة.
* هو ضحية لانعدام الديمقراطية الدائمة ولذا فإنه يتمسك دائماً بالمبالغة والتضخيم وندرة الاستماع إلى الرأي الآخر.
* هو لا يجد الثقة في الأمم الأخرى لأنه يتخوف من المستقبل مما يجعله متردداً.
* هو سريع التغيير، مندفع، ويزداد اندفاعاً في المظاهر الخارجية من دون المحتويات الجوهرية، أو اللب في غالب الأحيان.
إن كثيرين يحاولون الآن في العراق وكذلك في غيره من البلدان العربية الانسلاخ عن مفهوم الثقافة الأم والعمل مقابل ذلك على تأسيس مناطق ثقافية خاصة بكل فئة، وبكل جماعة.
إن الثقافة الوطنية لا يمكن أن تكون ثقافة فئة أو ثقافة جماعة إنما هي ثقافة أجيال تتعاقب على الموروث الكلي للجماعات البشرية، وأن أي محاولة لتأسيس مناطق جديدة مسيّسة لا يمكن أن تنجح في ظل رسوخ الثقافات ذات الجذور التاريخية الضاربة في العمق.
وبقدر ما تتعارض الثقافات الفئوية أو المذهبية فتبدو لدى هذا الطرف وكأنها ثقافة انتقامية ولدى الآخر بناءة، بقدر ما تبتعد عن أجواء الحرية، أو هي مثلما يقول الأديب الصيني المتجنس بالفرنسية والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2000 (جاو كرنك جيان) (علينا أن نعي قيمة الحرية وألا نقايضها بأي شيء آخر مهما غلا ثمنه، وإلا فإنها ستحلق بعيداً عنا حتى تتوارى).
إننا في العراق حيث يصطرع الكل ضد الكل نحتاج أن نبتعد بالثقافة وموروثها العربي الأصيل عن الخلافات، أن نبتعد عن التعصب المذهبي أو القومي أو الديني، وأن ننظر إلى الثقافة على أنها تركة مقدسة تركها لنا الخلف الصالح، فإن كان البعض منها أسس على مفاهيم الكراهية فإن إعادة إصلاحه لا تتم بقرار سياسي.. وإذا كان البعض ضمن حقوق البعض وتجاهل الآخرين فإن البندقية لا يمكنها أن تقودنا مطلقا إلى الحل الأمثل لمثل هذا الخلاف.
إن تحريرنا من الموروث الثقافي وإطلاق التقولات وعقد الندوات التي تبشر بانبثاق ثقافة جديدة هو هدم لتاريخ هذه الأمة التي قام وجودها أساساً على جوهر خلقي خلاصته الكلمة الطيبة والتي ختمها الخالق العظيم سبحانه وتعالى بدستور الأرض، القرآن الكريم الذي ختم إلى الأبد بقاء الثقافة العربية خالدة غير قابلة للتزوير أو الافتراء.
هل يجوز أن نفترض بأننا ولدنا من دون ثقافة حتى نبدأ عمليات تأسيس جديدة ؟ وكيف يمكن أن تشكل ثقافة جديدة؟ وهل نمسح أدب المعلقات ونتجاوز عشرات الآلاف من الكتب من مختلف ضروب المعرفة التي أصبحت فيما بعد مصدراً مهماً وإلهاماً فاعلاً للحضارة البشرية برمتها؟
إن الخوض في التفاصيل عندما يتعلق الأمر بالثقافة أمر مدمر، أو كما يقول المثل الإنكليزي (إن الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل) لذا فإن الاتفاق على الكلي في الثقافة هو فقط من يحفظ لها بقاءها وديمومتها ويضمن استمرار مسايرتها لمتغيرات التاريخ العملاقة التي نمر بها حالياً.
وعلى ذلك فإن شيوع ثقافة الانتقام والتنبؤ في استنباط وسائل لإسقاط الآخر إنما هو ضروب دخيلة على الثقافة العربية التي تعتبر الثقافة العراقية جزءها الفاعل، ولعل من المحزن أن نجد اليوم من يدافع عن ثقافة الانتقام ويطلق الأحكام الجزاف التي تشكك بتاريخ العراق أولاً ثم بموروثه الثقافي الخالد، وكأن النيل من هذا الموروث القديم هو جزء من صفقة سياسية.
ورغم أن الدين الإسلامي الحنيف كان الخيمة التي تنوعت تحتها مدارس الفقه والأدب واللغة وتطورت بفضل ظلها الوارف الذي رعاه عملاقة من رجال الدين والأدب، العلوم المختلفة. ورغم ذلك فإن هناك من يطلق دعوات مبهمة وغير واضحة لإعادة ترتيب الثقافة وإعادة كتابة التاريخ وإعادة الأشكال التي رسمتها الحياة الماضية إلى أشكال جديدة في الظروف كافة.
ومن دون العودة إلى نظرية بريجنسكي في السبعينات التي دعا فيها إلى الطرق تحت الجدار الشيوعي والإتيان بأنظمة دينية لإسقاط الفكر الماركسي (الهدام) بمفهوم المنظومة الرأسمالية، من دون البحث مطولاً عن مقولات الرجل باعتبارها موضوعاً سياسياً نحن في غنى عن مناقشته في هذه الدراسة البسيطة، إلا أنه لا يجدر بالمد الديني رغم ضرورته لإعادة بناء الأخلاق أن يصادر الحواضر الثقافية، ويمسح التواريخ الشامخة القديمة والحديثة والتي سبق أن تعايش معها الإسلام بكل ود واحترام متبادل أو أن يسمح لمن يعتقدون أنهم ينتمون إلى مدارس الدين المختلفة أو يكونوا الرواد في العمل على تقويض الماضي وقيادة الدعوة إلى انبثاق الثقافة المجهولة الجديدة.
وقد سبقنا الأديب الكبير أندريه مالرو عندما تنبأ في منتصف القرن الماضي بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً دينياً. وإن صح ما تنبأ به مارلو فإن محاصرة الثقافة وتقييد حريتها سيشكلان عائقاً كبيراً أمام الحضارة لكي تقفز مجدداً إلى الأمام لدى شعوب العالم الثالث ونحن منه .
لقد رحلنا طيلة شبابنا مع ذنون أيوب وغالب طعمة فرحان والسياب والبياتي والجواهري العملاق. رحلنا طويلاً مع هذه النخبة التي أسست جذور الثقافة المعاصرة في بلادنا، ولم تطرح هذه الأسماء غير الرفعة والسمو وحب الوطن والتفاني في الدفاع عنه ومقاومة الاحتلال، كأن هذا الرهط من النخبة العراقية المؤسسة متفرد في العطاء، حتى إنه أسهم في بناء مدارس معرفية وفكرية نشأ فيها جيل الخمسينات والستينات وحتى السبعينات.. ولم يكن أي من هؤلاء بعيداً عن الدين أو جوهره، ولم ينكر أي من هؤلاء فضل الدين على الثقافة.
إن العودة إلى المنابع الأصلية للثقافة في العراق كلٌّ لا جزء. وهذا الكل يبدأ تماماً مع حكاية أنكيدو وجلجامش ويتوقف في رحلته الطويلة عند آخر روايات محمد خضير أو قصائد كزار حنتوش أو تنهدات سعدي يوسف.
وإذا كان جيل الرواد نجح في إطلاق عنان المرأة المثقفة مثل نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة أو غيرهما فإن هذا الجيل أظنه غير قادر وتحت وطأة القيود التي ينوء بها حالياً أن يطلق عنان ولو مبدعة واحدة بعد أن عجز بالتبشير حتى بمولد مبدع يرث التركة .

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3115::/cck::
::introtext::

قبل بضع سنين طرح مثقف عراقي ستيني تخوفاً من أن تهاجم التكنولوجيا الأدب. كان يخاف أن تُطحن الفرشاة وأن نترك القلم وأن يهجر المبدعون التسكع اليومي اللذيذ على أبواب ديستوفيسكي وأندريه جيد ونجيب محفوظ، وأن يختار لهم الحاسوب القصيدة المناسبة التي تعبر لهم لحظة من لحظات العمر التي يريدونها تماماً مثلما يفعلون مع علب السردين.

::/introtext::
::fulltext::

قبل بضع سنين طرح مثقف عراقي ستيني تخوفاً من أن تهاجم التكنولوجيا الأدب. كان يخاف أن تُطحن الفرشاة وأن نترك القلم وأن يهجر المبدعون التسكع اليومي اللذيذ على أبواب ديستوفيسكي وأندريه جيد ونجيب محفوظ، وأن يختار لهم الحاسوب القصيدة المناسبة التي تعبر لهم لحظة من لحظات العمر التي يريدونها تماماً مثلما يفعلون مع علب السردين. كان يخاف أن تتحطم اللوحة، وأن تصبح تكعيبات بيـكاسـو وألوان رينوار وتخطيطات الواسطي لا تحفر فينا الحب. كان يخاف أن تتحول المعرفة إلى وصفة طبية، وأن نستطيع حفظ المعلقات العشر بمجرد (زرق) إبرة في الجسم.
فرضية هذا المثقف كانت تقوم على استقراء الثقافة ومعطياتها وفق النمط القديم الذي يقوم أساساً على جهد المبدع وتألقه، وتنهض على أنقاض نفس ضجرة مثقلة بالاطلاع والقراءة والمعرفة. لم يكن يدر في خلدهِ أن تصنع الثقافة بقرار سياسي أم بموعظة دينية.. باعتبار أن الثقافة هي التي تأتي بالموعظة الدينية، وهي التي تسبق القرار السياسي وتمهد له بحقب حضارية طويلة.
إن ثقافة الناس مثل ألوانهم، ويكفي أن نتعرف إلى ثقافة شعب من الشعوب بمجرد أن نجالس أحدهم ونتحدث معه بشأن من الشؤون، نتعرف إلى اللغة ومفرداتها وطريقة التلاعب بسحنات الوجه وبطريقة التضخيم أو التصغير للكلمات الدالة على الأفعال، ضارة تلك الأفعال كانت أم نافعة.
والثقافة ليست مادة ملموسة تباع كغيرها من الحاجات في الأسواق. وهنا فقط أرد على تخوف صديقي المثقف العراقي الستيني بأن الثقافة جملة تصرفات تعكس بقدر كبير ما مضى وما سيأتي وما هو كائن من أنماط السلوك البشري. ولا أظن أن بمقدور الحاسوب أن يتحرك مثلما تتحرك، وأن يسرق منا رحلاتنا الشخصية اللذيذة في ضروب الثقافة والأدب.
وبما أن الثقافة تتشكل عبر سنوات من الجهد الذي يبذله المبدعون والمتميزون من مجموعات العقد الاجتماعي، فإنها تبعاً لذلك تتشكل بمنتهى الحرية ووفق الضوابط التي يستنبطها المبدعون ضد ثوابت كانت أو بناء ثوابت ستكون.
هكذا تتكون القاعدة الثقافية للمجتمعات، لبنة تليها لبنة أخرى، وعبر هذا التفاوت والتغيير، وعبر صرخات الرفض أو القبول أو العناد أو المقاومة تبدأ مهمة الثقافة في التغيير والتوغل نحو عمق الشخصية البشرية، فتتطور وتزدهر أو تصاب بالأمراض تبعاً لقوة أو ضعف العوامل المساعدة لها في المجتمعات البشرية.
إلى هنا.. وفرضيتنا تقوم على أساس أن الثقافة حق تصنعه الشعوب بحرية وبمحض الإرادة تكفلها مجموعة قيم خلقية لا يجوز المس بها، ذلك، لأن الثقافة ومكوناتها هي التي تحدد الصفات والمزايا لكل مجموعة من المجموعات البشرية. ولهذا فإن النوازع التي كانت ولا تزال تدور في عقول الدول المتفوقة اقتصادياً وعسكرياً لم تقف عند حدود ضم الأقاليم والبحار والجزر وإقامة القواعد العسكرية فيها لضمان التدفق الاقتصادي والاستحواذ على الأسواق، بل ذهبت إلى ما هو أكبر من ذلك عندما أخذت تستحوذ قبل كل شي على ثقافات الشعوب، فتبدأ أولاً باحتقار ثقافة الآخر وتصغير شأن الرموز الوطنية واحتقار التراث والتاريخ والاستهزاء بالماضي وموروثه الفكري بشكل عام. حتى إن بريطانيا مثلاً كانت تقضي بلزوم أن يظهر المواطن الإنكليزي بمظهر السوبرمان، ولذلك منعت على مواطنيها المرضى أو الشيوخ التجول في شوارع الهند لأن ذلك يعطي الانطباع المعاكس لشخصية السوبرمان التي يفترض أن يظل المستعمر متمتعا بها.
إن نظرية الدول الكبرى لثقافة الشعوب تبدأ من النظرة الدونية، وتنتهي بأن يسلم المرء بأن الثقافة الوافدة هي الأصح، وأن الموروث القديم مجرد كلام فارغ لا قيمة له أمام تكنولوجيا المعلومات.
هكذا تخّوف صديقي المثـقف العراقي الستيني. إن صديقي هذا يتفق مع فرضية كافكا وهوميروس التي تقول إن البشر مجرد ورق تذره الرياح.. ورياح كافكا وهوميروس هي الرياح الوافدة الغربية التي تهب حالياً على الثقافة العراقية، تلك التي كانت على الدوام منارة في الإشراق والإبداع والعطاء.. فجأة تعطلت عجلة النشر وتوقف المبدعون إلا عن اجترار ذكرياتهم وعلاقاتهم بالعهود القديمة والجديدة.
في العراق طغت المجموعات المختلفة على المناخ الثقافي برمته، فصارت هناك مجاميع للسياسة وأخرى للمقاومة وثالثة لمنظمات غرضها الربح المادي. وعلى غرار هذه التجمعات اتسعت رقعة المجموعات الثقافية. ورب من يسأل، هل إن اتساع رقعة المجموعات وخاصة في إطار الثقافة من شأنه أن يوسع الدائرة المعرفية؟ ولكن المؤسف أنه في سياق الحالة العراقية الجديدة تحول إلى صراع باطنه سياسي أو ديني وظاهره ثقافي.. لا مجال لنا في هذه العجالة في الكلام في التوقف عنده.
لقد أصاب الشلل والعطل جميع ضروب المؤسسات المتخصصة بالثقافة حكومية كانت أم شعبية.. مقابل اتساع رقعة الصراع الذي وصل إلى حد صدور القوائم السوداء التي تنذر بالقتل لمن لا يساير أو ينتمي أو يسكت. والتهمة دائماً وأبداً هي التعاون مع النظام السابق.
إن من يعرفون العقل العراقي الذي أفرز أجيالاً من المبدعين يضعونه في إحدى الخانات التالية أو في جميعها وذلك تبعاً لميولهم السياسية أو الفكرية أو الدينية أو حتى المذهبية.
* هو عقل متسرع شأنه شأن الصفة الغالبة على العقل الشرقي عموماً، إلا أنه ووفقاً لبعض الدارسين يتفرد بالهدوء، والهدوء يرتبط في الغالب مع صفات العقل الغربي المتحضر.
* هو عقل يتبع ويتعصب ويعبر ويتأثر كثيراً بالقبيلة والعشيرة.
* هو ضحية لانعدام الديمقراطية الدائمة ولذا فإنه يتمسك دائماً بالمبالغة والتضخيم وندرة الاستماع إلى الرأي الآخر.
* هو لا يجد الثقة في الأمم الأخرى لأنه يتخوف من المستقبل مما يجعله متردداً.
* هو سريع التغيير، مندفع، ويزداد اندفاعاً في المظاهر الخارجية من دون المحتويات الجوهرية، أو اللب في غالب الأحيان.
إن كثيرين يحاولون الآن في العراق وكذلك في غيره من البلدان العربية الانسلاخ عن مفهوم الثقافة الأم والعمل مقابل ذلك على تأسيس مناطق ثقافية خاصة بكل فئة، وبكل جماعة.
إن الثقافة الوطنية لا يمكن أن تكون ثقافة فئة أو ثقافة جماعة إنما هي ثقافة أجيال تتعاقب على الموروث الكلي للجماعات البشرية، وأن أي محاولة لتأسيس مناطق جديدة مسيّسة لا يمكن أن تنجح في ظل رسوخ الثقافات ذات الجذور التاريخية الضاربة في العمق.
وبقدر ما تتعارض الثقافات الفئوية أو المذهبية فتبدو لدى هذا الطرف وكأنها ثقافة انتقامية ولدى الآخر بناءة، بقدر ما تبتعد عن أجواء الحرية، أو هي مثلما يقول الأديب الصيني المتجنس بالفرنسية والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2000 (جاو كرنك جيان) (علينا أن نعي قيمة الحرية وألا نقايضها بأي شيء آخر مهما غلا ثمنه، وإلا فإنها ستحلق بعيداً عنا حتى تتوارى).
إننا في العراق حيث يصطرع الكل ضد الكل نحتاج أن نبتعد بالثقافة وموروثها العربي الأصيل عن الخلافات، أن نبتعد عن التعصب المذهبي أو القومي أو الديني، وأن ننظر إلى الثقافة على أنها تركة مقدسة تركها لنا الخلف الصالح، فإن كان البعض منها أسس على مفاهيم الكراهية فإن إعادة إصلاحه لا تتم بقرار سياسي.. وإذا كان البعض ضمن حقوق البعض وتجاهل الآخرين فإن البندقية لا يمكنها أن تقودنا مطلقا إلى الحل الأمثل لمثل هذا الخلاف.
إن تحريرنا من الموروث الثقافي وإطلاق التقولات وعقد الندوات التي تبشر بانبثاق ثقافة جديدة هو هدم لتاريخ هذه الأمة التي قام وجودها أساساً على جوهر خلقي خلاصته الكلمة الطيبة والتي ختمها الخالق العظيم سبحانه وتعالى بدستور الأرض، القرآن الكريم الذي ختم إلى الأبد بقاء الثقافة العربية خالدة غير قابلة للتزوير أو الافتراء.
هل يجوز أن نفترض بأننا ولدنا من دون ثقافة حتى نبدأ عمليات تأسيس جديدة ؟ وكيف يمكن أن تشكل ثقافة جديدة؟ وهل نمسح أدب المعلقات ونتجاوز عشرات الآلاف من الكتب من مختلف ضروب المعرفة التي أصبحت فيما بعد مصدراً مهماً وإلهاماً فاعلاً للحضارة البشرية برمتها؟
إن الخوض في التفاصيل عندما يتعلق الأمر بالثقافة أمر مدمر، أو كما يقول المثل الإنكليزي (إن الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل) لذا فإن الاتفاق على الكلي في الثقافة هو فقط من يحفظ لها بقاءها وديمومتها ويضمن استمرار مسايرتها لمتغيرات التاريخ العملاقة التي نمر بها حالياً.
وعلى ذلك فإن شيوع ثقافة الانتقام والتنبؤ في استنباط وسائل لإسقاط الآخر إنما هو ضروب دخيلة على الثقافة العربية التي تعتبر الثقافة العراقية جزءها الفاعل، ولعل من المحزن أن نجد اليوم من يدافع عن ثقافة الانتقام ويطلق الأحكام الجزاف التي تشكك بتاريخ العراق أولاً ثم بموروثه الثقافي الخالد، وكأن النيل من هذا الموروث القديم هو جزء من صفقة سياسية.
ورغم أن الدين الإسلامي الحنيف كان الخيمة التي تنوعت تحتها مدارس الفقه والأدب واللغة وتطورت بفضل ظلها الوارف الذي رعاه عملاقة من رجال الدين والأدب، العلوم المختلفة. ورغم ذلك فإن هناك من يطلق دعوات مبهمة وغير واضحة لإعادة ترتيب الثقافة وإعادة كتابة التاريخ وإعادة الأشكال التي رسمتها الحياة الماضية إلى أشكال جديدة في الظروف كافة.
ومن دون العودة إلى نظرية بريجنسكي في السبعينات التي دعا فيها إلى الطرق تحت الجدار الشيوعي والإتيان بأنظمة دينية لإسقاط الفكر الماركسي (الهدام) بمفهوم المنظومة الرأسمالية، من دون البحث مطولاً عن مقولات الرجل باعتبارها موضوعاً سياسياً نحن في غنى عن مناقشته في هذه الدراسة البسيطة، إلا أنه لا يجدر بالمد الديني رغم ضرورته لإعادة بناء الأخلاق أن يصادر الحواضر الثقافية، ويمسح التواريخ الشامخة القديمة والحديثة والتي سبق أن تعايش معها الإسلام بكل ود واحترام متبادل أو أن يسمح لمن يعتقدون أنهم ينتمون إلى مدارس الدين المختلفة أو يكونوا الرواد في العمل على تقويض الماضي وقيادة الدعوة إلى انبثاق الثقافة المجهولة الجديدة.
وقد سبقنا الأديب الكبير أندريه مالرو عندما تنبأ في منتصف القرن الماضي بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً دينياً. وإن صح ما تنبأ به مارلو فإن محاصرة الثقافة وتقييد حريتها سيشكلان عائقاً كبيراً أمام الحضارة لكي تقفز مجدداً إلى الأمام لدى شعوب العالم الثالث ونحن منه .
لقد رحلنا طيلة شبابنا مع ذنون أيوب وغالب طعمة فرحان والسياب والبياتي والجواهري العملاق. رحلنا طويلاً مع هذه النخبة التي أسست جذور الثقافة المعاصرة في بلادنا، ولم تطرح هذه الأسماء غير الرفعة والسمو وحب الوطن والتفاني في الدفاع عنه ومقاومة الاحتلال، كأن هذا الرهط من النخبة العراقية المؤسسة متفرد في العطاء، حتى إنه أسهم في بناء مدارس معرفية وفكرية نشأ فيها جيل الخمسينات والستينات وحتى السبعينات.. ولم يكن أي من هؤلاء بعيداً عن الدين أو جوهره، ولم ينكر أي من هؤلاء فضل الدين على الثقافة.
إن العودة إلى المنابع الأصلية للثقافة في العراق كلٌّ لا جزء. وهذا الكل يبدأ تماماً مع حكاية أنكيدو وجلجامش ويتوقف في رحلته الطويلة عند آخر روايات محمد خضير أو قصائد كزار حنتوش أو تنهدات سعدي يوسف.
وإذا كان جيل الرواد نجح في إطلاق عنان المرأة المثقفة مثل نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة أو غيرهما فإن هذا الجيل أظنه غير قادر وتحت وطأة القيود التي ينوء بها حالياً أن يطلق عنان ولو مبدعة واحدة بعد أن عجز بالتبشير حتى بمولد مبدع يرث التركة .

::/fulltext::
::cck::3115::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *