انضمام اليمن إلى دول مجلس التعاون الخليجي

::cck::2997::/cck::
::introtext::

بحكم الجوار الجغرافي لليمن ودول الخليج العربية، والترابط الاجتماعي والتكوين النفسي الواحد لشعبي اليمن وهذه الدول، لم يكن من الغريب أن يكون المهاجر اليمني هو الأكثر اندماجاً اجتماعياً ونفسياً في محيطه الخليجي والإحساس الكامل بالثقة والاطمئنان لشعوبها بحكم السيكولوجية الواحدة والعادات والتقاليد المتقاربة أحياناً والواحدة أحيانا أخرى.

::/introtext::
::fulltext::

بحكم الجوار الجغرافي لليمن ودول الخليج العربية، والترابط الاجتماعي والتكوين النفسي الواحد لشعبي اليمن وهذه الدول، لم يكن من الغريب أن يكون المهاجر اليمني هو الأكثر اندماجاً اجتماعياً ونفسياً في محيطه الخليجي والإحساس الكامل بالثقة والاطمئنان لشعوبها بحكم السيكولوجية الواحدة والعادات والتقاليد المتقاربة أحياناً والواحدة أحيانا أخرى. بل لم تتمكن الأحداث التي عكرت صفو العلاقات السياسية لفترات متفاوتة من أن تفسد تلك الأحاسيس البشرية الطبيعية والتلقائية بين الإنسان اليمني وأشقائه الخليجيين، وأن التشابك والتشارك اليمني – الخليجي لا يقتصران على واقع الجغرافيا فقط، بل يمتدان أيضاً إلى الواقع الاجتماعي والثقافي في المنطقة، فمنطقة الخليج والجزيرة العربية تمثل وحدة ثقافية واجتماعية واحدة تكاد تصل إلى التماثل في أجزائها المختلفة.
وقد نقل اليمنيون ثقافة مجتمعهم إلى مجتمعات الدول الخليجية التي كانت مؤهلة لاستقبال هذه الثقافة من واقع التشابه الاجتماعي، وكان الغناء والفولكلور اليمني بمختلف أنواعه حاضراً وبقوة في تفاعلات المجتمعات الخليجية طوال النصف الثاني من القرن العشرين، حتى إنه طبع الفنون والغناء الخليجي بطابعه، بل إنه تحول في بعض الدول إلى فولكلور شعبي خاص بها.
فضلاً عن ذلك، فإن منظومة القيم الاجتماعية الحاكمة لشعوبها واحدة، وهي قيم مرتبطة بواقع التركيبة القبلية والعشائرية لهذه المجتمعات والشعوب التي لا تختلف كثيراً كاختلاف دول المنطقة، بل إن التشابك والتشارك اليمني – الخليجي يمتدان حتى التجمعات السكانية، فكثير من القبائل اليمنية قد انتقلت وانتشرت على امتداد المنطقة وهناك العديد من القبائل اليمنية التي تمتلك امتداداً وفروعاً في العديد من المناطق والدول الخليجية.
ومع ازدياد موجات الهجرة اليمنية لدول الخليج – وخاصة المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج كافة اضطلعت العمالة اليمنية بإقامة العديد من المجموعات التجارية والصناعية الضخمة والتي تولت بالتالي إدارة جزء كبير من اقتصادات الدول الخليجية.
وتجدر الإشارة بعد ذلك إلى أن هناك بالتأكيد اختلافات وفروقات بين اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي (وأكثرها فروق اقتصادية) إلا أن ما يجمع اليمن بدول مجلس التعاون الخليجي هو أكثر بكثير مما يفرقها الأمر الذي أدى إلى طرح صانع القرار السياسي الخارجي في اليمن لموضوع انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي.
وحول قضية انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي فقد ظل هذا الأمر محل نقاش وجدل منذ إنشاء المجلس عام 1981م ثم عاد مرة أخرى ليكون محل نقاش جاد عام 2001م مع قمة مسقط التي أسفرت عن انضمام اليمن لأربع مؤسسات تابعة للمجلس وذلك كخطوة أولى لانضمام اليمن الكامل لدول مجلس التعاون الخليجي، وهذا الأمر يحظى باهتمام اليمن ومعظم دول مجلس التعاون الخليجي، ويحظى أيضاً باهتمام عدد من المثقفين في البلدان الخليجية؛ وقد دعا بعضهم لإقامة (مشروع مارشال خليجي في اليمن) لتسوية أوضاعه الاقتصادية لتقترب من أوضاع بقية دول المجلس تمهيداً لانضمام اليمن الكامل إليها باعتبار أن اليمن يمثل العمق الاستراتيجي لدول الخليج، وأن الشعب اليمني يمثل الاحتياطي السكاني الذي يمكنه الحفاظ على التوازن الديموغرافي في المنطقة وذلك لمواجهة العمالة الأجنبية المتدفقة بكثافة كبيرة إلى دول المجلس، والتي أصبحت تشكل قلقاً بالغاً للمواطنين في الخليج.
وتجدر الإشارة إلى أن اختلاف النظم السياسية بين اليمن ودول الخليج لم يكن سبباً كافياً – من وجهة النظر اليمنية – لاستبعاد اليمن من الانضمام لمجلس التعاون الخليجي، لهذا كانت سياسة اليمن الخارجية تبحث دائماً عن مخرج لكسر هذه العزلة السياسية المفروضة عليه خليجياً وذلك عبر سياسة تعويضية سواءً بالبحث عن تحالفات عربية أو بالالتفاف إلى فضاءات إقليمية أخرى يحاول اليمن الاندماج فيها أو الالتئام مع مشروع الشراكة الأوروبية مع منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، ولكن وعلى الرغم من ذلك ظل التطلع اليمني للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي حاضراً في أوقات كثيرة.
وظلت علاقة اليمن بمجلس التعاون الخليجي بعد ذلك تراوح في مكانها إلى أن وقّع اليمن مع السعودية معاهدة جدة عام 2000م التي تم على أساسها حل نزاع الحدود بين البلدين وترسيم كل الحدود اليمنية السعودية، ولقد مثّل توقيع هذه المعاهدة نقطة تحول جذرية في علاقة اليمن بمجلس التعاون الخليجي ودخول اليمن في عضوية بعض لجان مجلس التعاون الخليجي: لجان التعليم والصحة والرياضة، ووفقاً للقرار الذي اتخذه القادة الخليجيون في قمتهم بمسقط في شهر ديسمبر عام 2001م.
التطورات السياسية في دول مجلس التعاون وأهمية اندماج اليمن
إن ما حققه مجلس التعاون خلال العقد الأخير بصفة خاصة من تغيرات سياسية ودستورية وقانونية والبدء في بناء مختلف المؤسسات، يؤكد أن مسيرة التطوير المؤسساتي في بلدان مجلس التعاون بدأت، وأن هناك حراكاً اجتماعياً وسياسياً نشطاً قد بدأ يشق طريقه، كما أن دول المجلس قامت بمراجعات رصينة، سياسية واجتماعية وثقافية لمختلف أوضاعها، وهذه التطورات تقود بشكل طبيعي إلى أهمية انضمام اليمن للمجلس، على أساس أن مجلس التعاون الخليجي لم ينشأ إلا من أجل الترابط وتشكيل كتلة عربية موحدة، لذلك فإنه ومن أجل توسيع هذا التكتل فإن دخول اليمن يعد تطويراً آخر له أبعاده الاستراتيجية في ظل التطورات التي تشهدها الساحة الدولية.
وحقق مجلس التعاون إنجازات تقارب حقيقي بين دوله، في مقدمتها تعميق مفهوم المواطنة الاقتصادية وتوسيع نطاقها، والسعي لدمج السياسات وتنسيقها في مجالات عديدة، والقيام بمشاريع تكاملية قد تبدو للبعض إنجازات متواضعة، لكنها موعودة بالاستمرار والتوسع والعمق، خاصة أن دول المجلس تسعى لجعل الأهداف تتناغم مع قيم التطوير والتحديث، لذلك بدأت بتطبيق فعال لسياسة الإصلاح والديمقراطية على الصعيد الداخلي وتوفير سبل التنمية الشاملة في مختلف المجالات بدءاً بسياسات التعليم والمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، ومكافحة البطالة والفقر والجهل والمرض والتخلف، وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية، وكذلك توفير سبل المعارف الحديثة والمتطورة في المجتمع العربي، وتفعيل احترام حقوق الإنسان العربي، وتأكيد دور مؤسسات المجتمع المدني في عملية التحديث والبناء الديمقراطي بما في ذلك المشاركة الشعبية. ومن ضمن النجاحات التي تمت يمكن الإشارة إلى:
1- النجاح في تسوية ملفات الخلافات الحدودية التي كانت تحول دون ترسيخ التجربة التكاملية لدول الخليج العربية.
2- التحولات الديمقراطية التي تشهدها بلدان الخليج العربية، فلم تعد الممارسة الديمقراطية حكراً على التجربة الكويتية الرائدة، وإنما باتت معظم بلدان الخليج مقبلة على تحولات ديمقراطية عميقة بدرجات مختلفة.
3- ازدياد وتيرة الاهتمام الخليجي بالإسراع بمشاريع التكامل الاقتصادي الخليجي، ودخول عصر منظمة التجارة العالمية لإلغاء القيود على حرية التجارة وانسياب البضائع وحركة رؤوس الأموال، وهو ما يقتضي من دول الخليج الإسراع بخطى تهيئة الذات وإعداد البيئة الداخلية والخليجية الإقليمية للتفاعل مع التزامات وتداعيات عصر العولمة والتجارة المفتوحة.
4- حدوث تطورات تشير إلى إمكانية التقدم في مشاريع تحقيق تقارب سياسي أكبر في تجربة مجلس التعاون الخليجي، والاتجاه إلى الاتفاق على صيغة سياسية مرحلية لتكريس قدر أكبر من الاندماج السياسي بين دوله.
5- كان من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الخليجية في الفترة الأخيرة، هو الإعلان في قمة المنامة 2000 في البحرين، عن توقيع اتفاقية الدفاع الخليجية المشتركة، ثم مسارعة ثلاث دول هي السعودية والبحرين وسلطنة عمان إلى التصديق عليها خلال الشهور الخمسة الأولى من عام 2001.
اليمن في سطور
يقع اليمن في جنوب غرب القارة الآسيوية في جنوب شبه الجزيرة العربية. ويحده من الشمال المملكة العربية السعودية ومن الجنوب البحر العربي وخليج عدن ومن الشرق سلطنة عمان ومن الغرب البحر الأحمر، ويوجد لدى اليمن عدد من الجزر اليمنية التي تنتشر قبالة سواحله على امتداد البحر الأحمر والبحر العربي، وتعد جزيرة سقطرى من أكبر هذه الجزر وتبعد عن الساحل اليمني على البحر العربي مسافة 510 كيلومترات تقريباً، وأن امتداد اليمن إلى الداخل شمالاً وشرقاً تجاه صحراء الربع الخالي وشبه الجزيرة العربية وإطلاله من الغرب والجنوب على البحرين العربي والأحمر جعل منه دولة بحرية وبرية في آن واحد وهيأ لصانع القرار اليمني الفرص العديدة للانتفاع من مزايا الدولة البحرية في التواصل مع العالم الخارجي، وفتح أمامه الآفاق الواسعة لإمكانية استغلال البحار كمستودع للمواد الأولية والغذائية وبما لديها من دور مهم في إنعاش الاقتصاد اليمني.
كما أن إطلال اليمن على مضيق باب المندب يشكل أهمية جيواستراتيجية والبحر الأحمر يشكل استراتيجية دولية مهمة حيث جعل منهما همزة الوصل بين قارتي آسيا وإفريقيا من زاوية القرن الإفريقي ومعبراً للملاحة قبالة القارة الأوروبية عبر السويس، وأن الشريط الساحلي اليمني الطويل جعل اليمن مركزاً مهماً لرصد ومراقبة خطوط المواصلات البحرية الممتدة من الخليج العربي مروراً بالبحر العربي وباب المندب مما يتيح له الإشراف على تدفق النفط العربي من منابعه في الخليج إلى مناطق استهلاكه في العالم العربي والغربي في حالتي السلم والحرب معاً وذلك بالسيطرة على الملاحة الدولية القادمة من المحيط الهندي والمتجهة إلى البحر الأبيض المتوسط وكذلك على طرق التجارة القادمة من أوروبا والمتجهة إلى المياه المفتوحة في المحيط الهندي قبالة استراليا وجنوب آسيا. فضلاً عن أن سيطرة اليمن على جزيرة ميون (بريم) مكنته من التحكم بالملاحة البحرية في مضيق باب المندب.
ويبلغ عدد سكان اليمن وفقا لتعداد عام 2002م (000, 495 ,19) نسمة ويُذكر أن معدّل نمو سكانه في العام يقدر بـ 3,4 في المائة كما تصل الكثافة السكانية على مستوى الجمهورية عامة إلى 42 نسمة في الكيلومتر المربع تقريبا.
تحقيق التكامل اليمني مع دول مجلس التعاون الخليجي مع إعلان الجمهورية اليمنية
أصبح المجال مفتوحا أمام الإمكانيات الواقعية الحقيقية للعمل الجاد من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي لبلدان شبه الجزيرة العربية للتمهيد لاندماج هذه الدول ككيان موحد يتيح له التعامل بكفاءة لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين إقليمياً ودولياً، فمع بداية التسعينات شهد العالم انهيار نظام القطبية الثنائي الدولي وظهور نظام عالمي جديد تنفرد به الولايات المتحدة الأمريكية، حيث إن هذا النظام العالمي الجديد لا يمكن القول إنه قد استقر على قواعد وأسس ثابتة ولا يزال الصراع قائماً بينه وبين التكتلات الأخرى، دول الاتحاد الأوروبي والصين واليابان، ففي خضم هذا الانهيار المتسارع لنظام القطبية الثنائي جاءت الجمهورية اليمنية لتشكل بتوحيد شطريها استشراف الأمل التاريخي أمام بلدان شبه الجزيرة العربية والخليج العربي لتحقيق كل التطلعات المستقبلية لشعوب الأمة العربية، والتأكيد على أن اليمن لا يزال يصر على أن موقعه الطبيعي هو في إطار نظيراته دول مجلس التعاون الخليجي، وقد كان له بالفعل العديد من المواقف التي تؤكد ذلك وفي مقدمتها التوقيع على اتفاقية الحدود مع سلطنة عمان، ومعالجة بؤرة التوتر الخطير الناشئ عن الاعتداء الأريتري على جزيرة (حنيش الكبرى) في البحر الأحمر والتوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية وتنقية الخلافات مع بقية دول الخليج العربية. ويمكن القول إن علاقة اليمن مع دول مجلس التعاون الخليجي لا تقوم على مبدأ (الرغبة) فحسب، بل تحكمها محددات تملي على اليمن ودول المجلس السعي لتعزيز الروابط بينهما في شتى المجالات بما في ذلك صياغة الرؤية الأمنية الجماعية وتجاوز الخلافات الحدودية بين هذه الدول حتى لا يحول ذلك دون تعزيز روابطهما الأخوية. ومن ثم يجب العمل على:
1- تأمين حوض البحر الأحمر وسلامته وفرض إرادة الكتلة العربية على مياهه باعتبار أنها الكتلة الأساسية والمركزية في كامل المنطقة.
2- تحقيق أمن الدول العربية وتأمين مصالحها الاقتصادية والأمنية في حوض البحر الأحمر من خلال تعزيز التفاعلات العربية – العربية الإيجابية كمدخل لاحتواء التوجهات الفردية لبعض دول الإقليم غير العربية والتي تريد أن تلعب دوراً يفوق حجمها الفعلي، كما أن التعاون اليمني – السعودي يشكل أهمية خاصة في تعزيز هذه التوجهات العربية الاستراتيجية وذلك بحكم موقعهما في الجزء الجنوبي للبحر الأحمر وامتلاكهما معا القدرة على إحداث التوازن الجديد الذي يخدم المصالح الاستراتيجية للأمة العربية. كما تشهد مساحة العلاقات اليمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي الآن العديد من الفعاليات التي توحي بوجود السعي الجاد نحو تعزيز العلاقات بين اليمن ودول مجلس التعاون لما فيه صالح الجميع.
أهمية اليمن كعمق استراتيجي للأمن الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي
مع رصد التفاعلات الدولية والإقليمية في منطقة البحر الأحمر وتأثيراتها في الاستقرار بالمنطقة وخطوط الملاحة البحرية وعملية تدفق النفط يمكن التعرف إلى أهمية البعدين الجغرافي والبشري، والنمو النسبي في القوة الاقتصادية والعسكرية اليمنية التي تشكل أهمية كبيرة لليمن كعمق استراتيجي للأمن الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي والذي يتمثل في:
1- مساهمة اليمن في حماية خطوط التدفق النفطي على طول 2300 كيلومتر والتي تمثل المنطقة الحرجة التي يغلب عليها طابع المخاطر بفعل التفاعلات الإقليمية الدولية.
2- قدرة اليمن على تأمين المنافذ البحرية لتدفق النفط الخليجي خارج إطار مضيق هرمز ومضيق باب المندب وهي المنافذ التي تسمح للنفط الخليجي بامتلاك السعة والمرونة الكاملة في التوجه شرقاً إلى جنوب شرق آسيا أو التوجه غرباً إلى أوروبا، وقد اكتسب اليمن هذه الميزة الاستراتيجية بفعل حضوره الجغرافي على البحر الأحمر.
المتغيرات الدولية التي تعرقل مساعي الوحدة الاندماجية لليمن مع دول المجلس
بالرغم من الإشارة إلى جميع العوامل التي تزكي اندماج اليمن بدول مجلس التعاون الخليجي وتوفر المصالح المشتركة للجميع والأمن والاستقرار إلا أن رياح المتغيرات الإقليمية والدولية ساهمت في عرقلة مساعي هذه الوحدة بعد تسيُّد الولايات المتحدة لزعامتها للعالم وفرض مشاريعها لتغيير خريطة الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة تسعى لفرض عدد كبير من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية وترى أن على حكومات المنطقة تطبيقها والبدء في تنفيذها فوراً وذلك من أجل اللحاق بركب العصر (العولمة) والخروج من دائرة التخلف التي تعيشها من وجهه نظرها إلا أن الأهداف غير المُعلنة للإدارة الأمريكية تتركز في إعادة ترتيب المنطقة وفقاً لما يخدم الرؤية الاستراتيجية لإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لإعادة ترتيب العالم ولا سيما المناطق الحيوية منه بما يضمن سيطرتها بعيدة المدى على النظام الدولي الجديد.
موقف الرئيس اليمني من مشروع الشرق الأوسط الجديد
يرى كثير من المراقبين السياسيين أن الرئيس اليمني علي عبدالـله صـالح لا يعـارض المشروع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط (الإصلاح السياسي) ولكنه شدد وطالب بضرورة مناقشة هذا الموضوع بموضوعية ومن دون حساسية، ولكنه أكد أن الإصلاح يجب أن يتم وفقا للقرار الوطني في كل دولة عربية مع ضرورة مراعاة ظروف كل دولة. ويمكن رصد ثلاثة أسباب لموقف الرئيس اليمني المؤيد لعملية الإصلاح السياسي في المنطقة:
الأول: حاجة الاقتصاد اليمني للمساعدات والمعونات والقروض الأجنبية.
الثاني: شعور صانع القرار اليمني بأن عملية الإصلاح في الوطن العربي قادمة أو واقعة لا محالة نظراً لضيق مساحة الخيارات المتاحة الآن أمام الدول العربية، وأن مشاركة الدول الكبرى في وضع التصورات الخاصة بالمنطقة تمكنها من الاطلاع على ما لديهم من أفكار وتصورات حول الإصلاح من المنطقة.
والثالث: يرى بعض القادة اليمنيين أن وضع اليمن على خارطة المنطقة سيكون أفضل إذا ما تمت عملية الإصلاح في المنطقة باعتبار أن العملية الديمقراطية بدأت في اليمن مبكراً، وأن الإصلاح في الوضع العربي سيكون المدخل الحقيقي والرئيسي لحل كافة المشكلات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أن الأحداث الأخيرة على الأرض الفلسطينية واللبنانية واجتياح القوات الإسرائيلية لهما يؤكدان بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمة العربية عاشت في وهم السلام مع إسرائيل طوال سنوات طويلة ومنذ اتفاق مدريد للسلام.
أضواء حول الوجود العسكري الأمريكي والغربي في الخليج في إطار الاستراتيجية الأمنية لدول الخليج
إن حرب الخليج الثانية وانهيار النظام العربي الإقليمي كنتيجة للغزو العراقي للكويت ساهمت في تمكين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الاستراتيجيين في المنطقة من استثمار هذا الاحتلال في التوازنات الإقليمية لصالح توجهاتها وأهدافها الاستراتيجية في العديد من المناطق المهمة وتعزيز الهيمنة العسكرية والسياسية الأمريكية في منطقة الخليج وبشكل يقترب من الاحتلال وهنا يمكن وضع عدد من الحقائق:
أولاً: إن الوجود العسكري الأمريكي والغربي (الفرنسي والبريطاني) أصبح جزءا من الاستراتيجية الأمنية لدول الخليج وبالتالي نال مشروعية بقائه في المنطقة.
ثانياً: إن الترتيبات الأمنية الثنائية بين دول مجلس التعاون الخليجي وكل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا – وأيضا روسيا – تعني حكماً القبول بوجهة نظر الدول الغربية في قضايا الصراع الإقليمي والتعاون من أجل الاستقرار.
ثالثاً: إن الاتجاه العام في الدول العربية الآن هو القبول بصلح مع إسرائيل بغض النظر عن مضمون ذلك الصلح وأبعاده الحضارية وهو بذلك يكون أقرب إلى الاستسلام منه إلى السلام.
رابعاً: إن الوجود العسكري الأمريكي المكثف في منطقة الخليج – والمصحوب بالهيمنة الأمريكية على الجوانب الأمنية والسياسية – ألغى هامش المناورة التي كادت تمتلكها دول منطقة الخليج في الماضي حول المشاريع الإقليمية العديدة.
خامساً: إن الاتجاه العام في المنطقة حالياً يتمثل في قبول دول المنطقة للتوجهات السياسية والاقتصادية والأمنية للإدارة الأمريكية وتبرير ذلك بأنه يشكل جزءاً من التوجه العام للنظام العالمي الجديد.
من هنا يمكن القول: إن المخاطر الجسيمة على البِنية الأمنية الإقليمية الجديدة في الدول الخليجية – والناجمة عن التوجهات الأمريكية التي تسعى لتعزيز دورها الإقليمي من خلال تكثيف وتكريس وجودها العسكري البري والبحري والجوي وخاصة في المناطق التي تدخل في إطار الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على المنطقة – تكمن في خطة الإدارة الأمريكية لإحداث التغيرات في التوازنات الإقليمية ولصالح توجهاتها وتوجهات حلفائها الاستراتيجية في المنطقة، وبالطبع سوف يؤدي ذلك في النهاية إلى وجود حالة من عدم الاستقرار في المنطقـة وإحداث التوتـر في التفاعلات المحلية والإقليمية وأيضاً الدولية نتيجة لعدم قدرة الأطراف المحلية على استيعاب هذه التطورات والتفاعلات الراهنة والتكيّف معها على نحو يكفـل الحفاظ على المصالح الاقتصادية والوطنية والسياسية والأمنية لدول منطقة الخليج، حيث يتطلب ذلك العديد من الظروف الخارجية التي تساعد على الخروج من هذا المأزق وبأقل معاناة ممكنة.
وبالرغم من ذلك وفي ظل هذه المتغيرات يمكن القول: إن اليمن يتمتع بالمكانة الاستراتيجية في المنطقة حيث يمثل قاعدة أساسية لشبه الجزيرة العربية، ويتحكم في مداخل البحر الأحمر وطرق الملاحة البحرية الصاعدة إلى آسيا عبر البحر العربي. كما يمكن القول إنه يشكل العمق الاستراتيجي لدول مجلس التعاون على مستوى الأمن الاقتصادي، وإن الشعور العميق للإدارة اليمنية بالمسؤولية الداخلية والإقليمية والدولية يعد من العوامل المهمة جداً التي تؤهل اليمن ليلعب دوراً إقليمياً لصالح منطقة الجزيرة والخليج، ويتجسد هذا الدور المهم في:
أولاً: قدرة اليمن على المساهمة في حماية خطوط تدفق النفط على طول 3200 كيلومتر- هي طول الشواطئ اليمنية قبل الاقتراب من مضيق باب المندب وبعده – وهي منطقة يغلب عليها طابع المخاطر بفعل التفاعلات الإقليمية والدولية المتغيرة باستمرار، ويعزز من هذه المقدرة امتلاك اليمن مجموعة الجزر الاستراتيجية المتناثرة في البحر الأحمر والمحيط الهندي وخليج عدن والتي يصل عددها إلى 135 جزيرة.
ثانياً: امتلاك اليمن لإمكانية تأمين تدفق نفط دول مجلس التعاون عبر المرافئ اليمنية في خليج عدن والبحر العربي وهي منافذ تقع خارج إطار كل من مضيق عدن وباب المندب، وتسمح للنفط الخليجي بامتلاك السعة، وتسهل له التوجه شرقاً وغرباً بحرية ومرونة عالية وهو الأمر الذي سيقلل من دور العامل الإيراني وقدرة تأثيره في الأمن الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن أن هذا المتغير – ذا الطابع الاستراتيجي – سوف يلغي جميع أوراق الضغوط الإيرانية، ويعزز موقف دول مجلس التعاون لصالح رؤيتها الإقليمية، بل سيجبر إيران على إعادة حساباتها الإقليمية ومراهناتها في استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط ضد دول مجلس التعاون، كما أن هذا المتغير سوف يكبح المطامع الإسرائيلية في منطقة البحر الأحمر للنفاذ إلى الاستثمارات الخليجية.
ثالثاً: قدرة اليمن على منح التسهيلات للأسطول العربي الخليجي للقيام بنشاط تأمين خطوطه الاقتصادية، حيث إن الوجود البحري الإيراني في الخليج – وعلى نحو مكثف – يحول دون قدرة الأسطول السعودي على المناورة البحرية والاتصال بقاعدته في شرق البحر الأحمر، وذلك من دون الإخلال بالتوازنات في منطقة الخليج.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2997::/cck::
::introtext::

بحكم الجوار الجغرافي لليمن ودول الخليج العربية، والترابط الاجتماعي والتكوين النفسي الواحد لشعبي اليمن وهذه الدول، لم يكن من الغريب أن يكون المهاجر اليمني هو الأكثر اندماجاً اجتماعياً ونفسياً في محيطه الخليجي والإحساس الكامل بالثقة والاطمئنان لشعوبها بحكم السيكولوجية الواحدة والعادات والتقاليد المتقاربة أحياناً والواحدة أحيانا أخرى.

::/introtext::
::fulltext::

بحكم الجوار الجغرافي لليمن ودول الخليج العربية، والترابط الاجتماعي والتكوين النفسي الواحد لشعبي اليمن وهذه الدول، لم يكن من الغريب أن يكون المهاجر اليمني هو الأكثر اندماجاً اجتماعياً ونفسياً في محيطه الخليجي والإحساس الكامل بالثقة والاطمئنان لشعوبها بحكم السيكولوجية الواحدة والعادات والتقاليد المتقاربة أحياناً والواحدة أحيانا أخرى. بل لم تتمكن الأحداث التي عكرت صفو العلاقات السياسية لفترات متفاوتة من أن تفسد تلك الأحاسيس البشرية الطبيعية والتلقائية بين الإنسان اليمني وأشقائه الخليجيين، وأن التشابك والتشارك اليمني – الخليجي لا يقتصران على واقع الجغرافيا فقط، بل يمتدان أيضاً إلى الواقع الاجتماعي والثقافي في المنطقة، فمنطقة الخليج والجزيرة العربية تمثل وحدة ثقافية واجتماعية واحدة تكاد تصل إلى التماثل في أجزائها المختلفة.
وقد نقل اليمنيون ثقافة مجتمعهم إلى مجتمعات الدول الخليجية التي كانت مؤهلة لاستقبال هذه الثقافة من واقع التشابه الاجتماعي، وكان الغناء والفولكلور اليمني بمختلف أنواعه حاضراً وبقوة في تفاعلات المجتمعات الخليجية طوال النصف الثاني من القرن العشرين، حتى إنه طبع الفنون والغناء الخليجي بطابعه، بل إنه تحول في بعض الدول إلى فولكلور شعبي خاص بها.
فضلاً عن ذلك، فإن منظومة القيم الاجتماعية الحاكمة لشعوبها واحدة، وهي قيم مرتبطة بواقع التركيبة القبلية والعشائرية لهذه المجتمعات والشعوب التي لا تختلف كثيراً كاختلاف دول المنطقة، بل إن التشابك والتشارك اليمني – الخليجي يمتدان حتى التجمعات السكانية، فكثير من القبائل اليمنية قد انتقلت وانتشرت على امتداد المنطقة وهناك العديد من القبائل اليمنية التي تمتلك امتداداً وفروعاً في العديد من المناطق والدول الخليجية.
ومع ازدياد موجات الهجرة اليمنية لدول الخليج – وخاصة المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج كافة اضطلعت العمالة اليمنية بإقامة العديد من المجموعات التجارية والصناعية الضخمة والتي تولت بالتالي إدارة جزء كبير من اقتصادات الدول الخليجية.
وتجدر الإشارة بعد ذلك إلى أن هناك بالتأكيد اختلافات وفروقات بين اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي (وأكثرها فروق اقتصادية) إلا أن ما يجمع اليمن بدول مجلس التعاون الخليجي هو أكثر بكثير مما يفرقها الأمر الذي أدى إلى طرح صانع القرار السياسي الخارجي في اليمن لموضوع انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي.
وحول قضية انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي فقد ظل هذا الأمر محل نقاش وجدل منذ إنشاء المجلس عام 1981م ثم عاد مرة أخرى ليكون محل نقاش جاد عام 2001م مع قمة مسقط التي أسفرت عن انضمام اليمن لأربع مؤسسات تابعة للمجلس وذلك كخطوة أولى لانضمام اليمن الكامل لدول مجلس التعاون الخليجي، وهذا الأمر يحظى باهتمام اليمن ومعظم دول مجلس التعاون الخليجي، ويحظى أيضاً باهتمام عدد من المثقفين في البلدان الخليجية؛ وقد دعا بعضهم لإقامة (مشروع مارشال خليجي في اليمن) لتسوية أوضاعه الاقتصادية لتقترب من أوضاع بقية دول المجلس تمهيداً لانضمام اليمن الكامل إليها باعتبار أن اليمن يمثل العمق الاستراتيجي لدول الخليج، وأن الشعب اليمني يمثل الاحتياطي السكاني الذي يمكنه الحفاظ على التوازن الديموغرافي في المنطقة وذلك لمواجهة العمالة الأجنبية المتدفقة بكثافة كبيرة إلى دول المجلس، والتي أصبحت تشكل قلقاً بالغاً للمواطنين في الخليج.
وتجدر الإشارة إلى أن اختلاف النظم السياسية بين اليمن ودول الخليج لم يكن سبباً كافياً – من وجهة النظر اليمنية – لاستبعاد اليمن من الانضمام لمجلس التعاون الخليجي، لهذا كانت سياسة اليمن الخارجية تبحث دائماً عن مخرج لكسر هذه العزلة السياسية المفروضة عليه خليجياً وذلك عبر سياسة تعويضية سواءً بالبحث عن تحالفات عربية أو بالالتفاف إلى فضاءات إقليمية أخرى يحاول اليمن الاندماج فيها أو الالتئام مع مشروع الشراكة الأوروبية مع منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، ولكن وعلى الرغم من ذلك ظل التطلع اليمني للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي حاضراً في أوقات كثيرة.
وظلت علاقة اليمن بمجلس التعاون الخليجي بعد ذلك تراوح في مكانها إلى أن وقّع اليمن مع السعودية معاهدة جدة عام 2000م التي تم على أساسها حل نزاع الحدود بين البلدين وترسيم كل الحدود اليمنية السعودية، ولقد مثّل توقيع هذه المعاهدة نقطة تحول جذرية في علاقة اليمن بمجلس التعاون الخليجي ودخول اليمن في عضوية بعض لجان مجلس التعاون الخليجي: لجان التعليم والصحة والرياضة، ووفقاً للقرار الذي اتخذه القادة الخليجيون في قمتهم بمسقط في شهر ديسمبر عام 2001م.
التطورات السياسية في دول مجلس التعاون وأهمية اندماج اليمن
إن ما حققه مجلس التعاون خلال العقد الأخير بصفة خاصة من تغيرات سياسية ودستورية وقانونية والبدء في بناء مختلف المؤسسات، يؤكد أن مسيرة التطوير المؤسساتي في بلدان مجلس التعاون بدأت، وأن هناك حراكاً اجتماعياً وسياسياً نشطاً قد بدأ يشق طريقه، كما أن دول المجلس قامت بمراجعات رصينة، سياسية واجتماعية وثقافية لمختلف أوضاعها، وهذه التطورات تقود بشكل طبيعي إلى أهمية انضمام اليمن للمجلس، على أساس أن مجلس التعاون الخليجي لم ينشأ إلا من أجل الترابط وتشكيل كتلة عربية موحدة، لذلك فإنه ومن أجل توسيع هذا التكتل فإن دخول اليمن يعد تطويراً آخر له أبعاده الاستراتيجية في ظل التطورات التي تشهدها الساحة الدولية.
وحقق مجلس التعاون إنجازات تقارب حقيقي بين دوله، في مقدمتها تعميق مفهوم المواطنة الاقتصادية وتوسيع نطاقها، والسعي لدمج السياسات وتنسيقها في مجالات عديدة، والقيام بمشاريع تكاملية قد تبدو للبعض إنجازات متواضعة، لكنها موعودة بالاستمرار والتوسع والعمق، خاصة أن دول المجلس تسعى لجعل الأهداف تتناغم مع قيم التطوير والتحديث، لذلك بدأت بتطبيق فعال لسياسة الإصلاح والديمقراطية على الصعيد الداخلي وتوفير سبل التنمية الشاملة في مختلف المجالات بدءاً بسياسات التعليم والمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، ومكافحة البطالة والفقر والجهل والمرض والتخلف، وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية، وكذلك توفير سبل المعارف الحديثة والمتطورة في المجتمع العربي، وتفعيل احترام حقوق الإنسان العربي، وتأكيد دور مؤسسات المجتمع المدني في عملية التحديث والبناء الديمقراطي بما في ذلك المشاركة الشعبية. ومن ضمن النجاحات التي تمت يمكن الإشارة إلى:
1- النجاح في تسوية ملفات الخلافات الحدودية التي كانت تحول دون ترسيخ التجربة التكاملية لدول الخليج العربية.
2- التحولات الديمقراطية التي تشهدها بلدان الخليج العربية، فلم تعد الممارسة الديمقراطية حكراً على التجربة الكويتية الرائدة، وإنما باتت معظم بلدان الخليج مقبلة على تحولات ديمقراطية عميقة بدرجات مختلفة.
3- ازدياد وتيرة الاهتمام الخليجي بالإسراع بمشاريع التكامل الاقتصادي الخليجي، ودخول عصر منظمة التجارة العالمية لإلغاء القيود على حرية التجارة وانسياب البضائع وحركة رؤوس الأموال، وهو ما يقتضي من دول الخليج الإسراع بخطى تهيئة الذات وإعداد البيئة الداخلية والخليجية الإقليمية للتفاعل مع التزامات وتداعيات عصر العولمة والتجارة المفتوحة.
4- حدوث تطورات تشير إلى إمكانية التقدم في مشاريع تحقيق تقارب سياسي أكبر في تجربة مجلس التعاون الخليجي، والاتجاه إلى الاتفاق على صيغة سياسية مرحلية لتكريس قدر أكبر من الاندماج السياسي بين دوله.
5- كان من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الخليجية في الفترة الأخيرة، هو الإعلان في قمة المنامة 2000 في البحرين، عن توقيع اتفاقية الدفاع الخليجية المشتركة، ثم مسارعة ثلاث دول هي السعودية والبحرين وسلطنة عمان إلى التصديق عليها خلال الشهور الخمسة الأولى من عام 2001.
اليمن في سطور
يقع اليمن في جنوب غرب القارة الآسيوية في جنوب شبه الجزيرة العربية. ويحده من الشمال المملكة العربية السعودية ومن الجنوب البحر العربي وخليج عدن ومن الشرق سلطنة عمان ومن الغرب البحر الأحمر، ويوجد لدى اليمن عدد من الجزر اليمنية التي تنتشر قبالة سواحله على امتداد البحر الأحمر والبحر العربي، وتعد جزيرة سقطرى من أكبر هذه الجزر وتبعد عن الساحل اليمني على البحر العربي مسافة 510 كيلومترات تقريباً، وأن امتداد اليمن إلى الداخل شمالاً وشرقاً تجاه صحراء الربع الخالي وشبه الجزيرة العربية وإطلاله من الغرب والجنوب على البحرين العربي والأحمر جعل منه دولة بحرية وبرية في آن واحد وهيأ لصانع القرار اليمني الفرص العديدة للانتفاع من مزايا الدولة البحرية في التواصل مع العالم الخارجي، وفتح أمامه الآفاق الواسعة لإمكانية استغلال البحار كمستودع للمواد الأولية والغذائية وبما لديها من دور مهم في إنعاش الاقتصاد اليمني.
كما أن إطلال اليمن على مضيق باب المندب يشكل أهمية جيواستراتيجية والبحر الأحمر يشكل استراتيجية دولية مهمة حيث جعل منهما همزة الوصل بين قارتي آسيا وإفريقيا من زاوية القرن الإفريقي ومعبراً للملاحة قبالة القارة الأوروبية عبر السويس، وأن الشريط الساحلي اليمني الطويل جعل اليمن مركزاً مهماً لرصد ومراقبة خطوط المواصلات البحرية الممتدة من الخليج العربي مروراً بالبحر العربي وباب المندب مما يتيح له الإشراف على تدفق النفط العربي من منابعه في الخليج إلى مناطق استهلاكه في العالم العربي والغربي في حالتي السلم والحرب معاً وذلك بالسيطرة على الملاحة الدولية القادمة من المحيط الهندي والمتجهة إلى البحر الأبيض المتوسط وكذلك على طرق التجارة القادمة من أوروبا والمتجهة إلى المياه المفتوحة في المحيط الهندي قبالة استراليا وجنوب آسيا. فضلاً عن أن سيطرة اليمن على جزيرة ميون (بريم) مكنته من التحكم بالملاحة البحرية في مضيق باب المندب.
ويبلغ عدد سكان اليمن وفقا لتعداد عام 2002م (000, 495 ,19) نسمة ويُذكر أن معدّل نمو سكانه في العام يقدر بـ 3,4 في المائة كما تصل الكثافة السكانية على مستوى الجمهورية عامة إلى 42 نسمة في الكيلومتر المربع تقريبا.
تحقيق التكامل اليمني مع دول مجلس التعاون الخليجي مع إعلان الجمهورية اليمنية
أصبح المجال مفتوحا أمام الإمكانيات الواقعية الحقيقية للعمل الجاد من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي لبلدان شبه الجزيرة العربية للتمهيد لاندماج هذه الدول ككيان موحد يتيح له التعامل بكفاءة لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين إقليمياً ودولياً، فمع بداية التسعينات شهد العالم انهيار نظام القطبية الثنائي الدولي وظهور نظام عالمي جديد تنفرد به الولايات المتحدة الأمريكية، حيث إن هذا النظام العالمي الجديد لا يمكن القول إنه قد استقر على قواعد وأسس ثابتة ولا يزال الصراع قائماً بينه وبين التكتلات الأخرى، دول الاتحاد الأوروبي والصين واليابان، ففي خضم هذا الانهيار المتسارع لنظام القطبية الثنائي جاءت الجمهورية اليمنية لتشكل بتوحيد شطريها استشراف الأمل التاريخي أمام بلدان شبه الجزيرة العربية والخليج العربي لتحقيق كل التطلعات المستقبلية لشعوب الأمة العربية، والتأكيد على أن اليمن لا يزال يصر على أن موقعه الطبيعي هو في إطار نظيراته دول مجلس التعاون الخليجي، وقد كان له بالفعل العديد من المواقف التي تؤكد ذلك وفي مقدمتها التوقيع على اتفاقية الحدود مع سلطنة عمان، ومعالجة بؤرة التوتر الخطير الناشئ عن الاعتداء الأريتري على جزيرة (حنيش الكبرى) في البحر الأحمر والتوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية وتنقية الخلافات مع بقية دول الخليج العربية. ويمكن القول إن علاقة اليمن مع دول مجلس التعاون الخليجي لا تقوم على مبدأ (الرغبة) فحسب، بل تحكمها محددات تملي على اليمن ودول المجلس السعي لتعزيز الروابط بينهما في شتى المجالات بما في ذلك صياغة الرؤية الأمنية الجماعية وتجاوز الخلافات الحدودية بين هذه الدول حتى لا يحول ذلك دون تعزيز روابطهما الأخوية. ومن ثم يجب العمل على:
1- تأمين حوض البحر الأحمر وسلامته وفرض إرادة الكتلة العربية على مياهه باعتبار أنها الكتلة الأساسية والمركزية في كامل المنطقة.
2- تحقيق أمن الدول العربية وتأمين مصالحها الاقتصادية والأمنية في حوض البحر الأحمر من خلال تعزيز التفاعلات العربية – العربية الإيجابية كمدخل لاحتواء التوجهات الفردية لبعض دول الإقليم غير العربية والتي تريد أن تلعب دوراً يفوق حجمها الفعلي، كما أن التعاون اليمني – السعودي يشكل أهمية خاصة في تعزيز هذه التوجهات العربية الاستراتيجية وذلك بحكم موقعهما في الجزء الجنوبي للبحر الأحمر وامتلاكهما معا القدرة على إحداث التوازن الجديد الذي يخدم المصالح الاستراتيجية للأمة العربية. كما تشهد مساحة العلاقات اليمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي الآن العديد من الفعاليات التي توحي بوجود السعي الجاد نحو تعزيز العلاقات بين اليمن ودول مجلس التعاون لما فيه صالح الجميع.
أهمية اليمن كعمق استراتيجي للأمن الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي
مع رصد التفاعلات الدولية والإقليمية في منطقة البحر الأحمر وتأثيراتها في الاستقرار بالمنطقة وخطوط الملاحة البحرية وعملية تدفق النفط يمكن التعرف إلى أهمية البعدين الجغرافي والبشري، والنمو النسبي في القوة الاقتصادية والعسكرية اليمنية التي تشكل أهمية كبيرة لليمن كعمق استراتيجي للأمن الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي والذي يتمثل في:
1- مساهمة اليمن في حماية خطوط التدفق النفطي على طول 2300 كيلومتر والتي تمثل المنطقة الحرجة التي يغلب عليها طابع المخاطر بفعل التفاعلات الإقليمية الدولية.
2- قدرة اليمن على تأمين المنافذ البحرية لتدفق النفط الخليجي خارج إطار مضيق هرمز ومضيق باب المندب وهي المنافذ التي تسمح للنفط الخليجي بامتلاك السعة والمرونة الكاملة في التوجه شرقاً إلى جنوب شرق آسيا أو التوجه غرباً إلى أوروبا، وقد اكتسب اليمن هذه الميزة الاستراتيجية بفعل حضوره الجغرافي على البحر الأحمر.
المتغيرات الدولية التي تعرقل مساعي الوحدة الاندماجية لليمن مع دول المجلس
بالرغم من الإشارة إلى جميع العوامل التي تزكي اندماج اليمن بدول مجلس التعاون الخليجي وتوفر المصالح المشتركة للجميع والأمن والاستقرار إلا أن رياح المتغيرات الإقليمية والدولية ساهمت في عرقلة مساعي هذه الوحدة بعد تسيُّد الولايات المتحدة لزعامتها للعالم وفرض مشاريعها لتغيير خريطة الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة تسعى لفرض عدد كبير من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية وترى أن على حكومات المنطقة تطبيقها والبدء في تنفيذها فوراً وذلك من أجل اللحاق بركب العصر (العولمة) والخروج من دائرة التخلف التي تعيشها من وجهه نظرها إلا أن الأهداف غير المُعلنة للإدارة الأمريكية تتركز في إعادة ترتيب المنطقة وفقاً لما يخدم الرؤية الاستراتيجية لإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لإعادة ترتيب العالم ولا سيما المناطق الحيوية منه بما يضمن سيطرتها بعيدة المدى على النظام الدولي الجديد.
موقف الرئيس اليمني من مشروع الشرق الأوسط الجديد
يرى كثير من المراقبين السياسيين أن الرئيس اليمني علي عبدالـله صـالح لا يعـارض المشروع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط (الإصلاح السياسي) ولكنه شدد وطالب بضرورة مناقشة هذا الموضوع بموضوعية ومن دون حساسية، ولكنه أكد أن الإصلاح يجب أن يتم وفقا للقرار الوطني في كل دولة عربية مع ضرورة مراعاة ظروف كل دولة. ويمكن رصد ثلاثة أسباب لموقف الرئيس اليمني المؤيد لعملية الإصلاح السياسي في المنطقة:
الأول: حاجة الاقتصاد اليمني للمساعدات والمعونات والقروض الأجنبية.
الثاني: شعور صانع القرار اليمني بأن عملية الإصلاح في الوطن العربي قادمة أو واقعة لا محالة نظراً لضيق مساحة الخيارات المتاحة الآن أمام الدول العربية، وأن مشاركة الدول الكبرى في وضع التصورات الخاصة بالمنطقة تمكنها من الاطلاع على ما لديهم من أفكار وتصورات حول الإصلاح من المنطقة.
والثالث: يرى بعض القادة اليمنيين أن وضع اليمن على خارطة المنطقة سيكون أفضل إذا ما تمت عملية الإصلاح في المنطقة باعتبار أن العملية الديمقراطية بدأت في اليمن مبكراً، وأن الإصلاح في الوضع العربي سيكون المدخل الحقيقي والرئيسي لحل كافة المشكلات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أن الأحداث الأخيرة على الأرض الفلسطينية واللبنانية واجتياح القوات الإسرائيلية لهما يؤكدان بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمة العربية عاشت في وهم السلام مع إسرائيل طوال سنوات طويلة ومنذ اتفاق مدريد للسلام.
أضواء حول الوجود العسكري الأمريكي والغربي في الخليج في إطار الاستراتيجية الأمنية لدول الخليج
إن حرب الخليج الثانية وانهيار النظام العربي الإقليمي كنتيجة للغزو العراقي للكويت ساهمت في تمكين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الاستراتيجيين في المنطقة من استثمار هذا الاحتلال في التوازنات الإقليمية لصالح توجهاتها وأهدافها الاستراتيجية في العديد من المناطق المهمة وتعزيز الهيمنة العسكرية والسياسية الأمريكية في منطقة الخليج وبشكل يقترب من الاحتلال وهنا يمكن وضع عدد من الحقائق:
أولاً: إن الوجود العسكري الأمريكي والغربي (الفرنسي والبريطاني) أصبح جزءا من الاستراتيجية الأمنية لدول الخليج وبالتالي نال مشروعية بقائه في المنطقة.
ثانياً: إن الترتيبات الأمنية الثنائية بين دول مجلس التعاون الخليجي وكل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا – وأيضا روسيا – تعني حكماً القبول بوجهة نظر الدول الغربية في قضايا الصراع الإقليمي والتعاون من أجل الاستقرار.
ثالثاً: إن الاتجاه العام في الدول العربية الآن هو القبول بصلح مع إسرائيل بغض النظر عن مضمون ذلك الصلح وأبعاده الحضارية وهو بذلك يكون أقرب إلى الاستسلام منه إلى السلام.
رابعاً: إن الوجود العسكري الأمريكي المكثف في منطقة الخليج – والمصحوب بالهيمنة الأمريكية على الجوانب الأمنية والسياسية – ألغى هامش المناورة التي كادت تمتلكها دول منطقة الخليج في الماضي حول المشاريع الإقليمية العديدة.
خامساً: إن الاتجاه العام في المنطقة حالياً يتمثل في قبول دول المنطقة للتوجهات السياسية والاقتصادية والأمنية للإدارة الأمريكية وتبرير ذلك بأنه يشكل جزءاً من التوجه العام للنظام العالمي الجديد.
من هنا يمكن القول: إن المخاطر الجسيمة على البِنية الأمنية الإقليمية الجديدة في الدول الخليجية – والناجمة عن التوجهات الأمريكية التي تسعى لتعزيز دورها الإقليمي من خلال تكثيف وتكريس وجودها العسكري البري والبحري والجوي وخاصة في المناطق التي تدخل في إطار الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على المنطقة – تكمن في خطة الإدارة الأمريكية لإحداث التغيرات في التوازنات الإقليمية ولصالح توجهاتها وتوجهات حلفائها الاستراتيجية في المنطقة، وبالطبع سوف يؤدي ذلك في النهاية إلى وجود حالة من عدم الاستقرار في المنطقـة وإحداث التوتـر في التفاعلات المحلية والإقليمية وأيضاً الدولية نتيجة لعدم قدرة الأطراف المحلية على استيعاب هذه التطورات والتفاعلات الراهنة والتكيّف معها على نحو يكفـل الحفاظ على المصالح الاقتصادية والوطنية والسياسية والأمنية لدول منطقة الخليج، حيث يتطلب ذلك العديد من الظروف الخارجية التي تساعد على الخروج من هذا المأزق وبأقل معاناة ممكنة.
وبالرغم من ذلك وفي ظل هذه المتغيرات يمكن القول: إن اليمن يتمتع بالمكانة الاستراتيجية في المنطقة حيث يمثل قاعدة أساسية لشبه الجزيرة العربية، ويتحكم في مداخل البحر الأحمر وطرق الملاحة البحرية الصاعدة إلى آسيا عبر البحر العربي. كما يمكن القول إنه يشكل العمق الاستراتيجي لدول مجلس التعاون على مستوى الأمن الاقتصادي، وإن الشعور العميق للإدارة اليمنية بالمسؤولية الداخلية والإقليمية والدولية يعد من العوامل المهمة جداً التي تؤهل اليمن ليلعب دوراً إقليمياً لصالح منطقة الجزيرة والخليج، ويتجسد هذا الدور المهم في:
أولاً: قدرة اليمن على المساهمة في حماية خطوط تدفق النفط على طول 3200 كيلومتر- هي طول الشواطئ اليمنية قبل الاقتراب من مضيق باب المندب وبعده – وهي منطقة يغلب عليها طابع المخاطر بفعل التفاعلات الإقليمية والدولية المتغيرة باستمرار، ويعزز من هذه المقدرة امتلاك اليمن مجموعة الجزر الاستراتيجية المتناثرة في البحر الأحمر والمحيط الهندي وخليج عدن والتي يصل عددها إلى 135 جزيرة.
ثانياً: امتلاك اليمن لإمكانية تأمين تدفق نفط دول مجلس التعاون عبر المرافئ اليمنية في خليج عدن والبحر العربي وهي منافذ تقع خارج إطار كل من مضيق عدن وباب المندب، وتسمح للنفط الخليجي بامتلاك السعة، وتسهل له التوجه شرقاً وغرباً بحرية ومرونة عالية وهو الأمر الذي سيقلل من دور العامل الإيراني وقدرة تأثيره في الأمن الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن أن هذا المتغير – ذا الطابع الاستراتيجي – سوف يلغي جميع أوراق الضغوط الإيرانية، ويعزز موقف دول مجلس التعاون لصالح رؤيتها الإقليمية، بل سيجبر إيران على إعادة حساباتها الإقليمية ومراهناتها في استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط ضد دول مجلس التعاون، كما أن هذا المتغير سوف يكبح المطامع الإسرائيلية في منطقة البحر الأحمر للنفاذ إلى الاستثمارات الخليجية.
ثالثاً: قدرة اليمن على منح التسهيلات للأسطول العربي الخليجي للقيام بنشاط تأمين خطوطه الاقتصادية، حيث إن الوجود البحري الإيراني في الخليج – وعلى نحو مكثف – يحول دون قدرة الأسطول السعودي على المناورة البحرية والاتصال بقاعدته في شرق البحر الأحمر، وذلك من دون الإخلال بالتوازنات في منطقة الخليج.

::/fulltext::
::cck::2997::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *