سيناريو الرعب النووي الإيراني

::cck::2996::/cck::
::introtext::

عامان من التصعيد والمد والجذب في أزمة الملف النووي الإيراني، وتهديدات من واشنطن وتل أبيب مقابل تصعيد حاد في التصريحات من طهران، ومحاولات فاشلة للتهدئة والوساطة والإقناع، ولا تكاد الجهود الدولية تقترب من الاتفاق حتى تبتعد مرة أخرى، فمن ناحية المجتمع الدولي لا يريد أن تمتلك إيران القدرة على تصنيع السلاح النووي، وإيران ترفض كل العروض المطروحة، وآخرها عرض المجموعة السداسية (الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا) في أواخر أغسطس الماضي، وواشنطن وتل أبيب لديهما تخوفات وشكوك كثيرة، ولا تريدان أن يكون لدى إيران برنامج نووي سواء سلمي أو غير سلمي.

::/introtext::
::fulltext::

عامان من التصعيد والمد والجذب في أزمة الملف النووي الإيراني، وتهديدات من واشنطن وتل أبيب مقابل تصعيد حاد في التصريحات من طهران، ومحاولات فاشلة للتهدئة والوساطة والإقناع، ولا تكاد الجهود الدولية تقترب من الاتفاق حتى تبتعد مرة أخرى، فمن ناحية المجتمع الدولي لا يريد أن تمتلك إيران القدرة على تصنيع السلاح النووي، وإيران ترفض كل العروض المطروحة، وآخرها عرض المجموعة السداسية (الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا) في أواخر أغسطس الماضي، وواشنطن وتل أبيب لديهما تخوفات وشكوك كثيرة، ولا تريدان أن يكون لدى إيران برنامج نووي سواء سلمي أو غير سلمي.
والسؤال المطروح هو إلى أي مدى يمكن أن تصل أزمة النووي الإيراني؟

لا فائدة من العقوبات
يتوقع الكثير من المراقبين أن يستمر المد والجذب حول هذه القضية فترة أخرى ربما تمتد لعام أو أكثر أو أقل بقليل، لكن لا أحد يتوقع أن تتراجع إيران عن موقفها، كما لا يتوقع أحد أن تكتفي واشنطن وتل أبيب بالعقوبات على إيران، لأنهما تعلمان أن لا فائدة من وراء هذه العقوبات إلا المزيد من التشدد الإيراني، ولن تمنع العقوبات إيران من المضي قدماً في استكمال برنامجها النووي، كما لا تضمن واشنطن التزام الكثير من الدول بهذه العقوبات، وخاصة الدول ذات المصالح الكبيرة مع إيران مثل روسيا والصين وألمانيا وإيطاليا وغيرها، ناهيك عن دول أخرى كثيرة أعلنت مسبقاً أنها لن تلتزم بأي عقوبات على إيران مثل فنزويلا وروسيا البيضاء وبوليفيا وكوبا وماليزيا وغيرها، والبقية تأتي في ظل اتساع قائمة الدول المارقة حسب وجهة النظر الأمريكية، وسبق لدول مثل روسيا وفرنسا وماليزيا أن خرقت العقوبات التي سبق أن فرضتها واشنطن على إيران بموجب قانون (داماتو) عام 1996الذي كان يعاقب الشركات المتعاملة معها.
إذاً هل تتراجع واشنطن وتخضع وتسلم بالواقع، أم تستمر وتمضي في تهديداتها لإيران، وإلى أي مدى ممكن ؟

سيناريو الضربة
لا يبدو في الأفق أي احتمال لتراجع من جانب الطرفين، بل على العكس مزيد من التشدد والتصميم، والمرعب في هذه القضية وخاصة بالنسبة لنا نحن العرب، أن الكثيرين يتوقعون أن الضربة العسكرية لإيران قادمة لا محالة، وخاصة من المراقبين والمحللين وحتى من رجال السياسة القريبين من دائرة الأزمة سواء في الولايات المتحدة أو في روسيا أو حتى في إيران نفسها، والأكثر من ذلك أن الكثيرين من هؤلاء يرون أن الحرب يريدها أطراف عديدة على رأسها واشنطن و تل أبيب وأيضاً إيران نفسها، وكذلك أطراف أخرى لها مصالح كثيرة في تورط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية قوية مع إيران في هذا التوقيت وفي هذه الظروف، ويرون أن مثل هذه المواجهة سوف تضع حدوداً للجموح والاندفاع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص وعلى الساحة الدولية بشكل عام. ويمكننا هنا استعراض بعض الآراء من الأطراف التي تتوقع المواجهة العسكرية أو لديها علم أو معلومات باقتراب وقوع المواجهة.
وأشهر هذه الآراء ما قاله الصحفي الأمريكي الشهير سيمور هيرش الكاتب في صحيفة (نيو يوركر) والمتخصص في كشف فضائح الإدارة الأمريكية وآخرها فضيحة سجن أبو غريب، في حديث له إلى قناة (سي إن إن): إن (إدارة بوش وضعت خطة لتوجيه ضربات جوية مؤثرة للمواقع النووية الإيرانية ربما تستخدم فيها عبوات نووية صغيرة ومركزة تصل للمخابئ تحت الأرض في منطقة ناتانز، وبشكل يضمن عدم تسرب الإشعاعات النووية): وأضاف هيرش إن رامسفيلد وديك تشيني متحمسان للغاية لهذه الضربة ولا يخططان للدخول في حرب برية مع إيران.
مجلة (أتلانتيك) الأمريكية في أواخر مايو الماضي كشفت عن سيناريو معد لضرب إيران من قبل الولايات المتحدة يتم على ثلاث مراحل تبدأ بقصف معسكرات الحرس الثوري والمواقع النووية مع إعداد نظام بديل للحكم في طهران من المعارضة الإيرانية في الخارج، ولم يستبعد السيناريو احتمال التدخل البري من جهات مختلفة لم تحدد بعد، مع احتمال استخدام كردستان للتحرش بإيران، وتشير المجلة إلى المشاركين في وضع السيناريو ومنهم قادة في الجيش الأمريكي مثل العقيد سام جاردنر الذي وضع سيناريو غزو العراق، ورجل المخابرات كينيث بولاك الخبير في الشؤون الإيرانية.
صحيفة (صنداي تايمز) البريطانية كتبت في الرابع من سبتمبر تقول (إن صقور الإدارة الأمريكية يخططون لتوجيه ضربة عسكرية لإيران سيستخدمون فيها إسرائيل، وأنه يجري حالياً في إسرائيل إعداد قوة عسكرية جديدة هي الأضخم من نوعها، وأن الهجمة الإسرائيلية سيصحبها قصف جوي للمواقع النووية الإيرانية، وأن المشاركة الإسرائيلية ضرورية لاسترداد العسكرية الإسرائيلية سمعتها بعد فشلها في لبنان). كما كتبت صحيفة (واشنطن تايمز) في الثالث من سبتمبر تقول إن (البنتاجون) تخطط لضرب إيران في غضون أقل من عامين.
ولا تخفي تصريحات الإدارة الأمريكية هذا الأمر، ومنها تصريح مؤخراً في منتصف أغسطس الماضي على لسان الناطق باسم الخارجية الأمريكية شون ماكورماك يقول فيه إن واشنطن ستتخذ ضد إيران تدابير مضادة وقوية سواء بموافقة المجتمع الدولي أو بعض الدول.

دعم روسي لإيران
هذه الآراء أو المعلومات أو التصريحات وغيرها الكثير من الغرب وواشنطن تقابلها آراء أخرى مشابهة على الجهة الشرقية تتوقع المواجهة العسكرية، وخاصة في روسيا التي تراقب تطور الأحداث عن كثب و باهتمام شديد باعتبارها طرفاً غير مباشر في النزاع، حيث إنها القائمة على تنفيذ البرنامج النووي الإيراني، كما أنها الممول الأول والرئيسي للجيش الإيراني بالسلاح، وكانت بعض وسائل الإعلام الروسية قد كشفت مؤخرا عن مباحثات سرية بين موسكو وطهران لبيع إيران منظومة الصواريخ الروسية (إس – 300) التي سبق أن تعهدت موسكو لواشنطن بعدم بيعها لأية دولة أجنبية، وقالت صحيفة (نيزافيسمايا) الروسية إن وفداً عسكرياً روسياً سافر سراً إلى طهران في يناير الماضي للاتفاق على بيع هذه الصواريخ لإيران، ولكن وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف نفى ذلك. بينما نقلت صحيفة (روسيسكايا جازيتا) عن الخبير العسكري الروسي أناتولي تسيجانوك رئيس مركز التنبؤات العسكرية في موسكو قوله إن (التعاون العسكري بين موسكو وطهران ينمو منذ عام 2004 وخاصة في مجال الدفاع الجوي، حيث يتم تحديث منظومات الصواريخ الدفاعية الإيرانية وخاصة المنتشرة منها حول العاصمة طهران، وأنه من المتوقع أن تمد روسيا إيران بمنظومات الصواريخ ( إس – 300 ) لنشرها في أربع مناطق هي أصفهان وعبدان وبندر عباس وخورمشهر).
موسكو من جانبها تعارض فرض عقوبات على إيران، وترى أن هذه العقوبات في حد ذاتها سوف تعتبرها واشنطن دليلاً على إدانة إيران ما يعطيها المبرر لتوجيه ضربة عسكرية لها فيما بعد، وقد صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بهذا قائلاً (لو فرضت العقوبات على إيران فستكون مجرد خطوة أولى نحو عملية عسكرية أمريكية جديدة في منطقة الشرق الأوسط لا تحمد عقباها).

الطرفان يريدان الحرب
السؤال الجدلي الذي يطرحه المراقبون هو من يريد هذه الحرب؟.
الحرب على إيران ربما لا يريدها الشعب الأمريكي، وقد سبق أن رفضها الديمقراطيون في واشنطن، وصرح مرشحاهما للرئاسة جون كيري ونائبه جون إدواردز أثناء حملاتهما الانتخابية بأنهما لا يعارضان امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية السلمية، ولكن الإدارة الأمريكية الحالية وخاصة صقور المحافظين فيها يريدون هذه الحرب أيا كانت أبعادها، فهي تخدم أهدافاً ومصالح كثيرة لديهم ولدى الجهات التي تقف وراءهم، كما تخدم أهداف الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط، أما إيران فالبعض يرى أنها في حاجة لهذه الحرب وربما أكثر من المحافظين في الإدارة الأمريكية، ويكتب (رومان كاريف) الباحث في معهد الإستراتيجية القومية في موسكو لوكالة الأنباء الروسية (نوفوستي) قائلاً (الحرب الأمريكية على إيران قادمة آجلاً أم عاجلاً، والحرب الأخيرة في لبنان كانت بروفة إيرانية لهذه الحرب التي يريدها كلا الطرفين أمريكا وإيران، حيث ترى طهران أن هذه الحرب ستدعم النظام الحاكم وتحصنه لسنوات طويلة قادمة ضد الدعاية الأمريكية، وتجعل من الجمهورية الإسلامية منارة تجذب دول و شعوب العالم المعادية لسياسات الهيمنة الأمريكية، بينما تريد واشنطن الحرب لممارسة دورها في الهيمنة ونشر الحروب والقلاقل في المنطقة). ويكتب الباحث الروسي ستانسلاف بيلكوفسكي لصحيفة (روسيسكايا جازيتا) يقول (إن شعار الإرهاب الدولي لم يعد يساعد واشنطن على تحقيق أهدافها، ولهذا تريد الإدارة الأمريكية عدواً واضحاً وسافراً لا يختبئ في الجبال، وإيران هي الجهة المستعدة والراغبة علناً في أن تكون هذا العدو، وأن تخوض هذه الحرب التي ترى فيها أكبر دعم للنظام الحاكم في طهران، وواشنطن لا تريد حرباً كبيرة تدميرية، ولا تريد أيضاً لقواتها أن تبقى في إيران مثل العراق، بل تريد فقط انتصاراً سريعاً من خلال ضربات مكثفة).
مدير معهد الشرق الأوسط في موسكو (يفجيني ساتانوفسكي) كتب لوكالة (نوفوستي) في منتصف سبتمبر يقول (إيران دولة إقليمية تطمح إلى ممارسة دور الإمبراطورية، والحرب في لبنان كانت أولى حروب هذه الإمبراطورية الوليدة التي تطمح أيضاً إلى انشاء معسكر شرقي بأيديولوجية دينية من خلال (هلال شيعي) يمتد من لبنان وسوريا إلى جنوب العراق ومناطق أخرى في الخليج، والنظام الحاكم في إيران يرى في تجسيد البرنامج النووي كرمز قومي والحرب من أجله أفضل وسيلة لتجميع كل طوائف الشعب الإيراني حوله مهما كانت نتائج هذه الحرب.
وفي ندوة عقدت في موسكو في أواخر أغسطس الماضي تحدث (أنطون سوريكوف) مدير معهد (مشاكل العولمة في موسكو) قائلاً (إن توجيه ضربة عسكرية لإيران وارد جدا، وهناك قوى سياسية في النظام الإيراني تريد هذه الضربة وهذه الحرب، وترى أنها الوسيلة الوحيدة لإخراج النظام الإسلامي الحاكم في إيران من أزماته الداخلية التي فشل في حلها بأشكاله الإصلاحية والمحافظة على مدى عقود ثلاثة مضت).

أطراف أخرى
رئيس مركز الدراسات الإيرانية في موسكو ومندوب الحكومة الروسية في العديد من المباحثات مع طهران البروفيسور (رجب صفاروف) يقول لوكالة (نوفوستي) (إن تهدئة الأوضاع والسعي لحلول دبلوماسية هما مسار لا ترغب فيه إيران لأنه لا يسمح لها بتنشيط وتفعيل دورها ومكانتها داخلياً وخارجياً).، ويقول جيورجي ميرسكي الباحث الروسي المتخصص في الشؤون الإيرانية لوكالة (نوفوستي) أيضاً (إيران لا تريد امتلاك السلاح النووي بقدر ما تريد الحرب مع أمريكا في هذه الظروف بالتحديد وفي ظل وجود الجيوش الأمريكية في المستنقع العراقي الذي تعرف طهران كل دهاليزه ومخابئه أكثر من واشنطن. هذه هي الفرصة الكبرى لإيران لتحقيق طموحاتها في زعامة العالم الإسلامي).
إذا كانت هذه هي مصالح كل من واشنطن وطهران من وراء الحرب، فهناك رأي يرى أنه توجد أطراف أخرى تشجع هذه الحرب وتسعى لوقوعها، وخاصة من الدول الكبرى أمثال روسيا والصين، ويقول المحلل السياسي الروسي أندريه سوكلوف من مركز الدراسات الاستراتيجية في سان بطرسبورج (إن روسيا والصين تدعمان إيران عسكريا وتحمسانها على الصدام مع واشنطن لجرها لحرب ربما تضع حداً لطموحات الهيمنة الأمريكية في المنطقة).
إن كل هذه الآراء وغيرها الكثير ترجح وقوع الحرب وتوجيه الضربة لإيران آجلاً أم عاجلاً، ويدعم هذه الآراء الحشد العسكري داخل إيران التي أجرت مؤخرا تدريبات ومناورات عسكرية مكثفة في العشرين من أغسطس الماضي شارك فيها ما يقرب من مائة ألف جندي وضابط من مختلف أفرع الجيش الإيراني، كما تجرى تعبئة شعبية كبيرة داخل إيران من خلال التصريحات النارية المتصاعدة من أعمدة النظام الحاكم.
أخيراً كل هذا يضع أمام منطقة الخليج سيناريو من الرعب لا يكفي المجال هنا للحديث عن أبعاده وتداعياته على المنطقة وعلى دول الجوار الإيراني بالتحديد، وأيضاً على الساحة الدولية كلها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2996::/cck::
::introtext::

عامان من التصعيد والمد والجذب في أزمة الملف النووي الإيراني، وتهديدات من واشنطن وتل أبيب مقابل تصعيد حاد في التصريحات من طهران، ومحاولات فاشلة للتهدئة والوساطة والإقناع، ولا تكاد الجهود الدولية تقترب من الاتفاق حتى تبتعد مرة أخرى، فمن ناحية المجتمع الدولي لا يريد أن تمتلك إيران القدرة على تصنيع السلاح النووي، وإيران ترفض كل العروض المطروحة، وآخرها عرض المجموعة السداسية (الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا) في أواخر أغسطس الماضي، وواشنطن وتل أبيب لديهما تخوفات وشكوك كثيرة، ولا تريدان أن يكون لدى إيران برنامج نووي سواء سلمي أو غير سلمي.

::/introtext::
::fulltext::

عامان من التصعيد والمد والجذب في أزمة الملف النووي الإيراني، وتهديدات من واشنطن وتل أبيب مقابل تصعيد حاد في التصريحات من طهران، ومحاولات فاشلة للتهدئة والوساطة والإقناع، ولا تكاد الجهود الدولية تقترب من الاتفاق حتى تبتعد مرة أخرى، فمن ناحية المجتمع الدولي لا يريد أن تمتلك إيران القدرة على تصنيع السلاح النووي، وإيران ترفض كل العروض المطروحة، وآخرها عرض المجموعة السداسية (الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا) في أواخر أغسطس الماضي، وواشنطن وتل أبيب لديهما تخوفات وشكوك كثيرة، ولا تريدان أن يكون لدى إيران برنامج نووي سواء سلمي أو غير سلمي.
والسؤال المطروح هو إلى أي مدى يمكن أن تصل أزمة النووي الإيراني؟

لا فائدة من العقوبات
يتوقع الكثير من المراقبين أن يستمر المد والجذب حول هذه القضية فترة أخرى ربما تمتد لعام أو أكثر أو أقل بقليل، لكن لا أحد يتوقع أن تتراجع إيران عن موقفها، كما لا يتوقع أحد أن تكتفي واشنطن وتل أبيب بالعقوبات على إيران، لأنهما تعلمان أن لا فائدة من وراء هذه العقوبات إلا المزيد من التشدد الإيراني، ولن تمنع العقوبات إيران من المضي قدماً في استكمال برنامجها النووي، كما لا تضمن واشنطن التزام الكثير من الدول بهذه العقوبات، وخاصة الدول ذات المصالح الكبيرة مع إيران مثل روسيا والصين وألمانيا وإيطاليا وغيرها، ناهيك عن دول أخرى كثيرة أعلنت مسبقاً أنها لن تلتزم بأي عقوبات على إيران مثل فنزويلا وروسيا البيضاء وبوليفيا وكوبا وماليزيا وغيرها، والبقية تأتي في ظل اتساع قائمة الدول المارقة حسب وجهة النظر الأمريكية، وسبق لدول مثل روسيا وفرنسا وماليزيا أن خرقت العقوبات التي سبق أن فرضتها واشنطن على إيران بموجب قانون (داماتو) عام 1996الذي كان يعاقب الشركات المتعاملة معها.
إذاً هل تتراجع واشنطن وتخضع وتسلم بالواقع، أم تستمر وتمضي في تهديداتها لإيران، وإلى أي مدى ممكن ؟

سيناريو الضربة
لا يبدو في الأفق أي احتمال لتراجع من جانب الطرفين، بل على العكس مزيد من التشدد والتصميم، والمرعب في هذه القضية وخاصة بالنسبة لنا نحن العرب، أن الكثيرين يتوقعون أن الضربة العسكرية لإيران قادمة لا محالة، وخاصة من المراقبين والمحللين وحتى من رجال السياسة القريبين من دائرة الأزمة سواء في الولايات المتحدة أو في روسيا أو حتى في إيران نفسها، والأكثر من ذلك أن الكثيرين من هؤلاء يرون أن الحرب يريدها أطراف عديدة على رأسها واشنطن و تل أبيب وأيضاً إيران نفسها، وكذلك أطراف أخرى لها مصالح كثيرة في تورط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية قوية مع إيران في هذا التوقيت وفي هذه الظروف، ويرون أن مثل هذه المواجهة سوف تضع حدوداً للجموح والاندفاع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص وعلى الساحة الدولية بشكل عام. ويمكننا هنا استعراض بعض الآراء من الأطراف التي تتوقع المواجهة العسكرية أو لديها علم أو معلومات باقتراب وقوع المواجهة.
وأشهر هذه الآراء ما قاله الصحفي الأمريكي الشهير سيمور هيرش الكاتب في صحيفة (نيو يوركر) والمتخصص في كشف فضائح الإدارة الأمريكية وآخرها فضيحة سجن أبو غريب، في حديث له إلى قناة (سي إن إن): إن (إدارة بوش وضعت خطة لتوجيه ضربات جوية مؤثرة للمواقع النووية الإيرانية ربما تستخدم فيها عبوات نووية صغيرة ومركزة تصل للمخابئ تحت الأرض في منطقة ناتانز، وبشكل يضمن عدم تسرب الإشعاعات النووية): وأضاف هيرش إن رامسفيلد وديك تشيني متحمسان للغاية لهذه الضربة ولا يخططان للدخول في حرب برية مع إيران.
مجلة (أتلانتيك) الأمريكية في أواخر مايو الماضي كشفت عن سيناريو معد لضرب إيران من قبل الولايات المتحدة يتم على ثلاث مراحل تبدأ بقصف معسكرات الحرس الثوري والمواقع النووية مع إعداد نظام بديل للحكم في طهران من المعارضة الإيرانية في الخارج، ولم يستبعد السيناريو احتمال التدخل البري من جهات مختلفة لم تحدد بعد، مع احتمال استخدام كردستان للتحرش بإيران، وتشير المجلة إلى المشاركين في وضع السيناريو ومنهم قادة في الجيش الأمريكي مثل العقيد سام جاردنر الذي وضع سيناريو غزو العراق، ورجل المخابرات كينيث بولاك الخبير في الشؤون الإيرانية.
صحيفة (صنداي تايمز) البريطانية كتبت في الرابع من سبتمبر تقول (إن صقور الإدارة الأمريكية يخططون لتوجيه ضربة عسكرية لإيران سيستخدمون فيها إسرائيل، وأنه يجري حالياً في إسرائيل إعداد قوة عسكرية جديدة هي الأضخم من نوعها، وأن الهجمة الإسرائيلية سيصحبها قصف جوي للمواقع النووية الإيرانية، وأن المشاركة الإسرائيلية ضرورية لاسترداد العسكرية الإسرائيلية سمعتها بعد فشلها في لبنان). كما كتبت صحيفة (واشنطن تايمز) في الثالث من سبتمبر تقول إن (البنتاجون) تخطط لضرب إيران في غضون أقل من عامين.
ولا تخفي تصريحات الإدارة الأمريكية هذا الأمر، ومنها تصريح مؤخراً في منتصف أغسطس الماضي على لسان الناطق باسم الخارجية الأمريكية شون ماكورماك يقول فيه إن واشنطن ستتخذ ضد إيران تدابير مضادة وقوية سواء بموافقة المجتمع الدولي أو بعض الدول.

دعم روسي لإيران
هذه الآراء أو المعلومات أو التصريحات وغيرها الكثير من الغرب وواشنطن تقابلها آراء أخرى مشابهة على الجهة الشرقية تتوقع المواجهة العسكرية، وخاصة في روسيا التي تراقب تطور الأحداث عن كثب و باهتمام شديد باعتبارها طرفاً غير مباشر في النزاع، حيث إنها القائمة على تنفيذ البرنامج النووي الإيراني، كما أنها الممول الأول والرئيسي للجيش الإيراني بالسلاح، وكانت بعض وسائل الإعلام الروسية قد كشفت مؤخرا عن مباحثات سرية بين موسكو وطهران لبيع إيران منظومة الصواريخ الروسية (إس – 300) التي سبق أن تعهدت موسكو لواشنطن بعدم بيعها لأية دولة أجنبية، وقالت صحيفة (نيزافيسمايا) الروسية إن وفداً عسكرياً روسياً سافر سراً إلى طهران في يناير الماضي للاتفاق على بيع هذه الصواريخ لإيران، ولكن وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف نفى ذلك. بينما نقلت صحيفة (روسيسكايا جازيتا) عن الخبير العسكري الروسي أناتولي تسيجانوك رئيس مركز التنبؤات العسكرية في موسكو قوله إن (التعاون العسكري بين موسكو وطهران ينمو منذ عام 2004 وخاصة في مجال الدفاع الجوي، حيث يتم تحديث منظومات الصواريخ الدفاعية الإيرانية وخاصة المنتشرة منها حول العاصمة طهران، وأنه من المتوقع أن تمد روسيا إيران بمنظومات الصواريخ ( إس – 300 ) لنشرها في أربع مناطق هي أصفهان وعبدان وبندر عباس وخورمشهر).
موسكو من جانبها تعارض فرض عقوبات على إيران، وترى أن هذه العقوبات في حد ذاتها سوف تعتبرها واشنطن دليلاً على إدانة إيران ما يعطيها المبرر لتوجيه ضربة عسكرية لها فيما بعد، وقد صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بهذا قائلاً (لو فرضت العقوبات على إيران فستكون مجرد خطوة أولى نحو عملية عسكرية أمريكية جديدة في منطقة الشرق الأوسط لا تحمد عقباها).

الطرفان يريدان الحرب
السؤال الجدلي الذي يطرحه المراقبون هو من يريد هذه الحرب؟.
الحرب على إيران ربما لا يريدها الشعب الأمريكي، وقد سبق أن رفضها الديمقراطيون في واشنطن، وصرح مرشحاهما للرئاسة جون كيري ونائبه جون إدواردز أثناء حملاتهما الانتخابية بأنهما لا يعارضان امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية السلمية، ولكن الإدارة الأمريكية الحالية وخاصة صقور المحافظين فيها يريدون هذه الحرب أيا كانت أبعادها، فهي تخدم أهدافاً ومصالح كثيرة لديهم ولدى الجهات التي تقف وراءهم، كما تخدم أهداف الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط، أما إيران فالبعض يرى أنها في حاجة لهذه الحرب وربما أكثر من المحافظين في الإدارة الأمريكية، ويكتب (رومان كاريف) الباحث في معهد الإستراتيجية القومية في موسكو لوكالة الأنباء الروسية (نوفوستي) قائلاً (الحرب الأمريكية على إيران قادمة آجلاً أم عاجلاً، والحرب الأخيرة في لبنان كانت بروفة إيرانية لهذه الحرب التي يريدها كلا الطرفين أمريكا وإيران، حيث ترى طهران أن هذه الحرب ستدعم النظام الحاكم وتحصنه لسنوات طويلة قادمة ضد الدعاية الأمريكية، وتجعل من الجمهورية الإسلامية منارة تجذب دول و شعوب العالم المعادية لسياسات الهيمنة الأمريكية، بينما تريد واشنطن الحرب لممارسة دورها في الهيمنة ونشر الحروب والقلاقل في المنطقة). ويكتب الباحث الروسي ستانسلاف بيلكوفسكي لصحيفة (روسيسكايا جازيتا) يقول (إن شعار الإرهاب الدولي لم يعد يساعد واشنطن على تحقيق أهدافها، ولهذا تريد الإدارة الأمريكية عدواً واضحاً وسافراً لا يختبئ في الجبال، وإيران هي الجهة المستعدة والراغبة علناً في أن تكون هذا العدو، وأن تخوض هذه الحرب التي ترى فيها أكبر دعم للنظام الحاكم في طهران، وواشنطن لا تريد حرباً كبيرة تدميرية، ولا تريد أيضاً لقواتها أن تبقى في إيران مثل العراق، بل تريد فقط انتصاراً سريعاً من خلال ضربات مكثفة).
مدير معهد الشرق الأوسط في موسكو (يفجيني ساتانوفسكي) كتب لوكالة (نوفوستي) في منتصف سبتمبر يقول (إيران دولة إقليمية تطمح إلى ممارسة دور الإمبراطورية، والحرب في لبنان كانت أولى حروب هذه الإمبراطورية الوليدة التي تطمح أيضاً إلى انشاء معسكر شرقي بأيديولوجية دينية من خلال (هلال شيعي) يمتد من لبنان وسوريا إلى جنوب العراق ومناطق أخرى في الخليج، والنظام الحاكم في إيران يرى في تجسيد البرنامج النووي كرمز قومي والحرب من أجله أفضل وسيلة لتجميع كل طوائف الشعب الإيراني حوله مهما كانت نتائج هذه الحرب.
وفي ندوة عقدت في موسكو في أواخر أغسطس الماضي تحدث (أنطون سوريكوف) مدير معهد (مشاكل العولمة في موسكو) قائلاً (إن توجيه ضربة عسكرية لإيران وارد جدا، وهناك قوى سياسية في النظام الإيراني تريد هذه الضربة وهذه الحرب، وترى أنها الوسيلة الوحيدة لإخراج النظام الإسلامي الحاكم في إيران من أزماته الداخلية التي فشل في حلها بأشكاله الإصلاحية والمحافظة على مدى عقود ثلاثة مضت).

أطراف أخرى
رئيس مركز الدراسات الإيرانية في موسكو ومندوب الحكومة الروسية في العديد من المباحثات مع طهران البروفيسور (رجب صفاروف) يقول لوكالة (نوفوستي) (إن تهدئة الأوضاع والسعي لحلول دبلوماسية هما مسار لا ترغب فيه إيران لأنه لا يسمح لها بتنشيط وتفعيل دورها ومكانتها داخلياً وخارجياً).، ويقول جيورجي ميرسكي الباحث الروسي المتخصص في الشؤون الإيرانية لوكالة (نوفوستي) أيضاً (إيران لا تريد امتلاك السلاح النووي بقدر ما تريد الحرب مع أمريكا في هذه الظروف بالتحديد وفي ظل وجود الجيوش الأمريكية في المستنقع العراقي الذي تعرف طهران كل دهاليزه ومخابئه أكثر من واشنطن. هذه هي الفرصة الكبرى لإيران لتحقيق طموحاتها في زعامة العالم الإسلامي).
إذا كانت هذه هي مصالح كل من واشنطن وطهران من وراء الحرب، فهناك رأي يرى أنه توجد أطراف أخرى تشجع هذه الحرب وتسعى لوقوعها، وخاصة من الدول الكبرى أمثال روسيا والصين، ويقول المحلل السياسي الروسي أندريه سوكلوف من مركز الدراسات الاستراتيجية في سان بطرسبورج (إن روسيا والصين تدعمان إيران عسكريا وتحمسانها على الصدام مع واشنطن لجرها لحرب ربما تضع حداً لطموحات الهيمنة الأمريكية في المنطقة).
إن كل هذه الآراء وغيرها الكثير ترجح وقوع الحرب وتوجيه الضربة لإيران آجلاً أم عاجلاً، ويدعم هذه الآراء الحشد العسكري داخل إيران التي أجرت مؤخرا تدريبات ومناورات عسكرية مكثفة في العشرين من أغسطس الماضي شارك فيها ما يقرب من مائة ألف جندي وضابط من مختلف أفرع الجيش الإيراني، كما تجرى تعبئة شعبية كبيرة داخل إيران من خلال التصريحات النارية المتصاعدة من أعمدة النظام الحاكم.
أخيراً كل هذا يضع أمام منطقة الخليج سيناريو من الرعب لا يكفي المجال هنا للحديث عن أبعاده وتداعياته على المنطقة وعلى دول الجوار الإيراني بالتحديد، وأيضاً على الساحة الدولية كلها.

::/fulltext::
::cck::2996::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *