“الحاكمية الرشيدة” .. المصطلح وإشكالية التوظيف
::cck::2941::/cck::
::introtext::
ينتمي مصطلح (الحاكميَّة) في المخيال العربي والإسلامي الحديث والمعاصر إلى التراث الديني، وهو مصطلح يتعلَّق بالنظرية السياسية في الإسلام، إلاّ أن لمصطلح الحاكميَّة تداولاً آخر في الأدبيات السياسية الغربية المعاصرة، وهو تداول خالٍ من أي معطيات دينية أو ثيوقراطية؛ فقد ظهر المصطلح في اللغة الفرنسية القديمة خلال القرن الخامس عشر الميلادي، واستخدمه شارل دورليان في وصف إدارة وفن الحكم. لكنه يُستخدم اليوم، بعد أن صارت كلمة (Governance) متداولة في الأدبيات السياسية الأمريكية، إلى جملة أساليب تنظيم المنشآت وإدارتها، ومن ثمَّ انتقال هذا المصطلح إلى ما يُعرف بإدارة الشؤون العامة في المجتمعات، ومن ثمَّ مجمل تقنيات تنظيم المنشآت وإدارتها.
::/introtext::
::fulltext::
ينتمي مصطلح (الحاكميَّة) في المخيال العربي والإسلامي الحديث والمعاصر إلى التراث الديني، وهو مصطلح يتعلَّق بالنظرية السياسية في الإسلام، إلاّ أن لمصطلح الحاكميَّة تداولاً آخر في الأدبيات السياسية الغربية المعاصرة، وهو تداول خالٍ من أي معطيات دينية أو ثيوقراطية؛ فقد ظهر المصطلح في اللغة الفرنسية القديمة خلال القرن الخامس عشر الميلادي، واستخدمه شارل دورليان في وصف إدارة وفن الحكم. لكنه يُستخدم اليوم، بعد أن صارت كلمة (Governance) متداولة في الأدبيات السياسية الأمريكية، إلى جملة أساليب تنظيم المنشآت وإدارتها، ومن ثمَّ انتقال هذا المصطلح إلى ما يُعرف بإدارة الشؤون العامة في المجتمعات، ومن ثمَّ مجمل تقنيات تنظيم المنشآت وإدارتها.
ويبدو جلياً أن مصطلح الحاكميَّة قد تمَّ توظيفه في الخطاب المؤسساتي التنموي نهاية القرن العشرين. وكان البنك الدولي قد استخدم في تقرير له صدر عام 1989 مصطلح (الحاكميَّة الرَّشيدة)، وظهر تعريف له في تقرير آخر صدر عن البنك ذاته عام 1992 حيث عرَّف الحاكميَّة الرَّشيدة بأنها: الطريقة التي تمارس بها السُّلطات إدارة الموارد الاقتصادية والمجتمعية لبلد ما من أجل تنميته. في حين كان هناك، إلى جانب ذلك، تعريف آخر قد ظهر للمصطلح، مفاده أن الحاكميَّة هي إدارة قواعد متفق على أنها تشكِّل السُّلطات الشرعية بهدف تشجيع وتقييم المأمولات المجتمعية التي يسعى وراءها الأفراد والجماعات. في حين وجد الأوروبيون أنهم بحاجة إلى صياغة أخرى للمصطلح؛ ففي عام 2000 تمَّ تداول مصطلح الحاكميَّة الأوروبية، وعلى هامشه تمَّ تعريف الحاكميَّة الرَّشيدة بأنها: قواعد وإجراءات وسلوكات تؤثر في ممارسة السُّلطات على الصعيد الأوروبي، خصوصاً من وجهة النظر التي تتعلَّق بالانفتاح والمشاركة والمسؤولية والفاعلية والتجانس.
وحتى الآن يتعرَّض مفهوم الحاكميَّة الرَّشيدة إلى اعتراضات كثيرة، فالمفكرون غير الرأسماليين والمناهضين للعولمة واقتصاديات السُّوق لا يرون فيه إلاّ مصطلحاً سياسياً يمتُّ بصلة جوهرية إلى النظام الرأسمالي المتعولم الذي يسعى لأن يكون القطبية الأوحد في عالمنا المعاصر. في حين يعتقد عشّاق الدولة الوطنية والقومية أنه مصطلح ينسجم مع السياسات التي تسعى إلى تفتيت اقتصاديات وقيم الشعوب وردَّها إلى هويات صغيرة ضعيفة يمكن السيطرة عليها عبر تحويل الدولة إلى مؤسسات متشاركة من خلال خصخصتها واعتماد اقتصاد السوق واستنفار القيم الإقليمية والمحلية لأن تنخلع عن مركزية الدولة الوطنية والقومية. ولكن مهما تكن تلك الاعتراضات نارية وصاخبة، نلاحظ أن مصطلح الحاكميَّة آخذ بالنمو والتطبيق في مجالات ضخمة وسط دعوات إلى توسيع تداوله في مجتمعات الإنتاج الراهنة، وأيضاً إلى توسيع رقعة الجدل البنيوي بشأنه لغرض إنضاجه وتدعيم قدراته التطبيقية.
ولاحظنا كيف أن كلمات مثل: (السُّلطات)، و(السُّلطات الشرعية)، و(السلطات) قد تضمنتها تعريفات الحاكميَّة التي أتينا عليها سابقاً؛ وكان هذا الاختلاف مدار جدل واسع بين دعاة الحاكميَّة الرَّشيدة وخصومها من جهة، وبين دعاتها أنفسهم من جهة أخرى. فمنهم منْ يريد أن يقوض الجانب الاستبدادي والاستحواذي في ممارسة السُّلطات بداية، وبالتالي في السُّلطات الشرعية، ومن ثمَّ في السلطات إن توفَّرت مجتمعةً. ومنهم منْ يريد الإبقاء على فاعلية السُّلطات، ولكن شرط أنْ تكون عادلة من خلال انفتاحها على الآخرين وتفاعلها الحقيقي مع الفاعلين فيها؛ فالحاكميَّة الرَّشيدة ليست فعلاً مفارقاً أو متعالياً على الوسط الذي تتحرَّك فيه. ومن هنا يقترح أحد الباحثين الأوروبيين، في عام 2001 ، وهو كوهلر كوش، مفهوماً آخر للمصطلح وهو (الحاكميَّة الجماعية)، ويقول: لا تتحدَّد الحاكميَّة الجماعية ببنية الجماعة فقط، ولا بخصائصها، إنما تتأثر أيضاً بكيفية إدراك القواعد التي تتحكَّم بالنصاب السياسي الشرعي الذي يملكه الفاعلون المشاركون في هذه الحاكميَّة. والحاكميَّة في جوهرها تتعلَّق بالمادة وبالوسائل التي من خلالها تُترجم رغبات المواطنين المختلفة جزئياً في خيارات وتدابير ذات طبيعة سياسية بحيث يتحوَّل تعدُّد المصالح الموجودة داخل المجتمع إلى نشاط واحد يرضى به الفاعلون على اختلافهم، ويجدون أنفسهم فيه. وجوهر ما يقوله كوهلر هو إتاحة الآخرين الفرصة لأن يشاركوا في ممارسة السُّلطات وإبطال احتكارها أو الاستبداد بها، وهو موضوع يحتم وجود آليات تفاعلية عدَّة، منها مثلاً: الشفافية، والمساءلة، والتمكين أو التعزيز الذي من شأنه مشاركة المواطنين في صنع القرار للجميع.
وقد لقيت فكرة الشراكة ترحيباً وتأصيلاً من جانب باحثين غربيين آخرين تناولوا إشكاليات الحاكميَّة؛ ومن ذلك ما تناوله مايكل برادلي وجيمس وولش وزملاء آخرون لهما، عندما كتبوا عن الحاكميَّة المشتركة والاستراتيجية العالمية المشتركة في مسعى للمقارنة بينهما. وعرَّف هؤلاء الحاكميَّة المشتركة بأنها: عملية الإدارة العليا التي تُدير ابتكار القيمة، وتتوسَّط لإحداثها من أجل المطالبين المشتركين المختلفين، بما فيهم المجتمع بأكمله، ونقل القيمة فيما بينهم ضمن سياق يضمن المسؤولية تجاه هؤلاء المطالبين بصورة متزامنة. ومع أن هذا التعريف يسعى إلى حفظ الحقوق من خلال مفهومي ابتكار القيمة ونقلها العادل والمسؤول بين المشتركين، فإن الباعث على الشراكة يبدو جوهرياً في الحاكميَّة المشتركة، ومعياراً أساسياً للحاكمية الرَّشيدة.
إنَّ التشديد على فكرة الشَّراكة التي حدَّدها التعريف أعلاه تجد تطويراً لها على يد بيار كالام، صاحب كتاب (من أجل ثورة في الحاكميَّة)، وهو عنوان يوحي بضرورة العمل على تطوير المفهوم بعد نقده ونقد تطبيقاته وممارساته الخاضعة له، فهو يرفض فكرة أن تنحصر الحاكميَّة الرَّشيدة في فكرة محضة عن الإدارة العامة، ويرى أن في الحاكميَّة بُعداً مجتمعياً لا بد من استنفاره، كما أنه يرفض تعميم نماذج الحاكميَّة الرَّشيدة على العالم المعاصر، ويسمي هذه النماذج الكلية الشاملة بأنها مجرد وصفات تضمن في كل مكان من هذا العالم الحاكميَّة له انطلاقاً من أنموذج لا ينفصل عمّا سماه (اقتصادوية مسيطرة)، ويقصد بها هيمنة الاقتصاديات الرأسمالية الكبرى في اليابان وألمانيا والولايات المتحدة. وبدلا من ذلك يعتقد أن هناك مبادئ مشتركة للحاكميَّة، وإطاراً فكرياً يسمح لكل مجتمع بحيازة نوع من دفتر شروط مشترك يبتكر من خلاله كل شخص تبعاً لجذوره التاريخية أنموذجه الخاص به وممارسته الخاصة أيضاً. ذلك أن كالام يعتقد أن الحاكميَّة هي نتاج تاريخ وثقافة وتقاليد متجذِّرة تتجلى في رموز ومؤسسات وقواعد، تضمن استقرار المجتمعات واستمرارها في آن واحد، والحاكميَّة هذه هي بطبيعتها ورسالتها نظام يتطور ببطء، وفي هذا النظام ليست المنظمات ولا القوانين هي التي تتطور ببطء شديد، إنما التصورات وأشكال الفكر والهيئات المجتمعية التي تجسدها.
وعربياً، لا يوجد حتى الآن أي تعريف للحاكميَّة؛ لا الرَّشيدة ولا الجماعية ولا المشتركة، بل هناك (خواف) غريب من نوعه في حال استخدام هذا المصطلح، لأن المخيال العربي والإسلامي لا يزال مثقلاً بمدلولات الحاكميَّة الدينية أو الثيوقراطية التي تحيل إلى حكم وسلطة الفّقهاء في الأمة أو في المجتمع، سواء كانت سلطة ولاية الفقيه أو سلطة ولاية السُّلطان المستبد على الأمة، ما يعني ضرورة مراكز البحوث والدراسات المعنية بالشأن العربي، خصوصاً الاقتصادية والتنموية منها، أن تفكِّر في هذا المفهوم، وتبحث عن معادلاته الموضوعية في الفكر الاقتصادي العربي والإسلامي، ومحاولة تبيئته وتنشيط استخدامه في الأدبيات الاقتصادية والسياسية والتنموية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2941::/cck::
::introtext::
ينتمي مصطلح (الحاكميَّة) في المخيال العربي والإسلامي الحديث والمعاصر إلى التراث الديني، وهو مصطلح يتعلَّق بالنظرية السياسية في الإسلام، إلاّ أن لمصطلح الحاكميَّة تداولاً آخر في الأدبيات السياسية الغربية المعاصرة، وهو تداول خالٍ من أي معطيات دينية أو ثيوقراطية؛ فقد ظهر المصطلح في اللغة الفرنسية القديمة خلال القرن الخامس عشر الميلادي، واستخدمه شارل دورليان في وصف إدارة وفن الحكم. لكنه يُستخدم اليوم، بعد أن صارت كلمة (Governance) متداولة في الأدبيات السياسية الأمريكية، إلى جملة أساليب تنظيم المنشآت وإدارتها، ومن ثمَّ انتقال هذا المصطلح إلى ما يُعرف بإدارة الشؤون العامة في المجتمعات، ومن ثمَّ مجمل تقنيات تنظيم المنشآت وإدارتها.
::/introtext::
::fulltext::
ينتمي مصطلح (الحاكميَّة) في المخيال العربي والإسلامي الحديث والمعاصر إلى التراث الديني، وهو مصطلح يتعلَّق بالنظرية السياسية في الإسلام، إلاّ أن لمصطلح الحاكميَّة تداولاً آخر في الأدبيات السياسية الغربية المعاصرة، وهو تداول خالٍ من أي معطيات دينية أو ثيوقراطية؛ فقد ظهر المصطلح في اللغة الفرنسية القديمة خلال القرن الخامس عشر الميلادي، واستخدمه شارل دورليان في وصف إدارة وفن الحكم. لكنه يُستخدم اليوم، بعد أن صارت كلمة (Governance) متداولة في الأدبيات السياسية الأمريكية، إلى جملة أساليب تنظيم المنشآت وإدارتها، ومن ثمَّ انتقال هذا المصطلح إلى ما يُعرف بإدارة الشؤون العامة في المجتمعات، ومن ثمَّ مجمل تقنيات تنظيم المنشآت وإدارتها.
ويبدو جلياً أن مصطلح الحاكميَّة قد تمَّ توظيفه في الخطاب المؤسساتي التنموي نهاية القرن العشرين. وكان البنك الدولي قد استخدم في تقرير له صدر عام 1989 مصطلح (الحاكميَّة الرَّشيدة)، وظهر تعريف له في تقرير آخر صدر عن البنك ذاته عام 1992 حيث عرَّف الحاكميَّة الرَّشيدة بأنها: الطريقة التي تمارس بها السُّلطات إدارة الموارد الاقتصادية والمجتمعية لبلد ما من أجل تنميته. في حين كان هناك، إلى جانب ذلك، تعريف آخر قد ظهر للمصطلح، مفاده أن الحاكميَّة هي إدارة قواعد متفق على أنها تشكِّل السُّلطات الشرعية بهدف تشجيع وتقييم المأمولات المجتمعية التي يسعى وراءها الأفراد والجماعات. في حين وجد الأوروبيون أنهم بحاجة إلى صياغة أخرى للمصطلح؛ ففي عام 2000 تمَّ تداول مصطلح الحاكميَّة الأوروبية، وعلى هامشه تمَّ تعريف الحاكميَّة الرَّشيدة بأنها: قواعد وإجراءات وسلوكات تؤثر في ممارسة السُّلطات على الصعيد الأوروبي، خصوصاً من وجهة النظر التي تتعلَّق بالانفتاح والمشاركة والمسؤولية والفاعلية والتجانس.
وحتى الآن يتعرَّض مفهوم الحاكميَّة الرَّشيدة إلى اعتراضات كثيرة، فالمفكرون غير الرأسماليين والمناهضين للعولمة واقتصاديات السُّوق لا يرون فيه إلاّ مصطلحاً سياسياً يمتُّ بصلة جوهرية إلى النظام الرأسمالي المتعولم الذي يسعى لأن يكون القطبية الأوحد في عالمنا المعاصر. في حين يعتقد عشّاق الدولة الوطنية والقومية أنه مصطلح ينسجم مع السياسات التي تسعى إلى تفتيت اقتصاديات وقيم الشعوب وردَّها إلى هويات صغيرة ضعيفة يمكن السيطرة عليها عبر تحويل الدولة إلى مؤسسات متشاركة من خلال خصخصتها واعتماد اقتصاد السوق واستنفار القيم الإقليمية والمحلية لأن تنخلع عن مركزية الدولة الوطنية والقومية. ولكن مهما تكن تلك الاعتراضات نارية وصاخبة، نلاحظ أن مصطلح الحاكميَّة آخذ بالنمو والتطبيق في مجالات ضخمة وسط دعوات إلى توسيع تداوله في مجتمعات الإنتاج الراهنة، وأيضاً إلى توسيع رقعة الجدل البنيوي بشأنه لغرض إنضاجه وتدعيم قدراته التطبيقية.
ولاحظنا كيف أن كلمات مثل: (السُّلطات)، و(السُّلطات الشرعية)، و(السلطات) قد تضمنتها تعريفات الحاكميَّة التي أتينا عليها سابقاً؛ وكان هذا الاختلاف مدار جدل واسع بين دعاة الحاكميَّة الرَّشيدة وخصومها من جهة، وبين دعاتها أنفسهم من جهة أخرى. فمنهم منْ يريد أن يقوض الجانب الاستبدادي والاستحواذي في ممارسة السُّلطات بداية، وبالتالي في السُّلطات الشرعية، ومن ثمَّ في السلطات إن توفَّرت مجتمعةً. ومنهم منْ يريد الإبقاء على فاعلية السُّلطات، ولكن شرط أنْ تكون عادلة من خلال انفتاحها على الآخرين وتفاعلها الحقيقي مع الفاعلين فيها؛ فالحاكميَّة الرَّشيدة ليست فعلاً مفارقاً أو متعالياً على الوسط الذي تتحرَّك فيه. ومن هنا يقترح أحد الباحثين الأوروبيين، في عام 2001 ، وهو كوهلر كوش، مفهوماً آخر للمصطلح وهو (الحاكميَّة الجماعية)، ويقول: لا تتحدَّد الحاكميَّة الجماعية ببنية الجماعة فقط، ولا بخصائصها، إنما تتأثر أيضاً بكيفية إدراك القواعد التي تتحكَّم بالنصاب السياسي الشرعي الذي يملكه الفاعلون المشاركون في هذه الحاكميَّة. والحاكميَّة في جوهرها تتعلَّق بالمادة وبالوسائل التي من خلالها تُترجم رغبات المواطنين المختلفة جزئياً في خيارات وتدابير ذات طبيعة سياسية بحيث يتحوَّل تعدُّد المصالح الموجودة داخل المجتمع إلى نشاط واحد يرضى به الفاعلون على اختلافهم، ويجدون أنفسهم فيه. وجوهر ما يقوله كوهلر هو إتاحة الآخرين الفرصة لأن يشاركوا في ممارسة السُّلطات وإبطال احتكارها أو الاستبداد بها، وهو موضوع يحتم وجود آليات تفاعلية عدَّة، منها مثلاً: الشفافية، والمساءلة، والتمكين أو التعزيز الذي من شأنه مشاركة المواطنين في صنع القرار للجميع.
وقد لقيت فكرة الشراكة ترحيباً وتأصيلاً من جانب باحثين غربيين آخرين تناولوا إشكاليات الحاكميَّة؛ ومن ذلك ما تناوله مايكل برادلي وجيمس وولش وزملاء آخرون لهما، عندما كتبوا عن الحاكميَّة المشتركة والاستراتيجية العالمية المشتركة في مسعى للمقارنة بينهما. وعرَّف هؤلاء الحاكميَّة المشتركة بأنها: عملية الإدارة العليا التي تُدير ابتكار القيمة، وتتوسَّط لإحداثها من أجل المطالبين المشتركين المختلفين، بما فيهم المجتمع بأكمله، ونقل القيمة فيما بينهم ضمن سياق يضمن المسؤولية تجاه هؤلاء المطالبين بصورة متزامنة. ومع أن هذا التعريف يسعى إلى حفظ الحقوق من خلال مفهومي ابتكار القيمة ونقلها العادل والمسؤول بين المشتركين، فإن الباعث على الشراكة يبدو جوهرياً في الحاكميَّة المشتركة، ومعياراً أساسياً للحاكمية الرَّشيدة.
إنَّ التشديد على فكرة الشَّراكة التي حدَّدها التعريف أعلاه تجد تطويراً لها على يد بيار كالام، صاحب كتاب (من أجل ثورة في الحاكميَّة)، وهو عنوان يوحي بضرورة العمل على تطوير المفهوم بعد نقده ونقد تطبيقاته وممارساته الخاضعة له، فهو يرفض فكرة أن تنحصر الحاكميَّة الرَّشيدة في فكرة محضة عن الإدارة العامة، ويرى أن في الحاكميَّة بُعداً مجتمعياً لا بد من استنفاره، كما أنه يرفض تعميم نماذج الحاكميَّة الرَّشيدة على العالم المعاصر، ويسمي هذه النماذج الكلية الشاملة بأنها مجرد وصفات تضمن في كل مكان من هذا العالم الحاكميَّة له انطلاقاً من أنموذج لا ينفصل عمّا سماه (اقتصادوية مسيطرة)، ويقصد بها هيمنة الاقتصاديات الرأسمالية الكبرى في اليابان وألمانيا والولايات المتحدة. وبدلا من ذلك يعتقد أن هناك مبادئ مشتركة للحاكميَّة، وإطاراً فكرياً يسمح لكل مجتمع بحيازة نوع من دفتر شروط مشترك يبتكر من خلاله كل شخص تبعاً لجذوره التاريخية أنموذجه الخاص به وممارسته الخاصة أيضاً. ذلك أن كالام يعتقد أن الحاكميَّة هي نتاج تاريخ وثقافة وتقاليد متجذِّرة تتجلى في رموز ومؤسسات وقواعد، تضمن استقرار المجتمعات واستمرارها في آن واحد، والحاكميَّة هذه هي بطبيعتها ورسالتها نظام يتطور ببطء، وفي هذا النظام ليست المنظمات ولا القوانين هي التي تتطور ببطء شديد، إنما التصورات وأشكال الفكر والهيئات المجتمعية التي تجسدها.
وعربياً، لا يوجد حتى الآن أي تعريف للحاكميَّة؛ لا الرَّشيدة ولا الجماعية ولا المشتركة، بل هناك (خواف) غريب من نوعه في حال استخدام هذا المصطلح، لأن المخيال العربي والإسلامي لا يزال مثقلاً بمدلولات الحاكميَّة الدينية أو الثيوقراطية التي تحيل إلى حكم وسلطة الفّقهاء في الأمة أو في المجتمع، سواء كانت سلطة ولاية الفقيه أو سلطة ولاية السُّلطان المستبد على الأمة، ما يعني ضرورة مراكز البحوث والدراسات المعنية بالشأن العربي، خصوصاً الاقتصادية والتنموية منها، أن تفكِّر في هذا المفهوم، وتبحث عن معادلاته الموضوعية في الفكر الاقتصادي العربي والإسلامي، ومحاولة تبيئته وتنشيط استخدامه في الأدبيات الاقتصادية والسياسية والتنموية.
::/fulltext::
::cck::2941::/cck::
