تأثير الاتحاد النقدي الخليجي في السياسات المالية والنقدية
::cck::2940::/cck::
::introtext::
يشكل قيام الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الخليجية الموحدة أهمية اقتصادية نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وتعزيزاً لتطورات العمل الاقتصادي والتجاري فيما بينها، بما يؤدي إلى إيجاد تكتل اقتصادي جديد على خارطة الاقتصاد العالمي لمواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الاقتصادية العالمية، لذا فإن إقامة اتحاد نقدي ليست هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق هدف هو دعم وتعزيز التبادل والتنمية بين دول المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
يشكل قيام الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الخليجية الموحدة أهمية اقتصادية نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وتعزيزاً لتطورات العمل الاقتصادي والتجاري فيما بينها، بما يؤدي إلى إيجاد تكتل اقتصادي جديد على خارطة الاقتصاد العالمي لمواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الاقتصادية العالمية، لذا فإن إقامة اتحاد نقدي ليست هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق هدف هو دعم وتعزيز التبادل والتنمية بين دول المنطقة. كما يعد ذلك أيضا قفزة اقتصادية كبيرة نحو تحقيق أهداف الاتفاقية الاقتصادية الخليجية الموقعة في نوفمبر من عام 1981م وتعزيز القدرات الهادفة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية واستقطاب رؤوس الأموال الخليجية والعربية المهاجرة، خاصة بعدما خطت الخطوات الأولى الرئيسية، وفي مقدمتها تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف ومعدلات أسعار الفائدة، وإزالة العوائق أمام حرية حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمالة الوطنية، كما أصبحت التعرفة الجمركية الموحدة حيال العالم الخارجي بواقع 5 في المائة نافذة المفعول منذ عام 2003 ، وعملات دول مجلس التعاون مثبتة رسميا بالدولار الأمريكي، وقد اتجهت أسعار الفائدة الاسمية نحو التقارب بحيث أصبحت جميعها متشابهة عبر المنطقة، ويشير المراقبون إلى أن معدل التضخم استقر في الدول الست، (أعضاء الاتحاد) عند مستويات تتراوح بين 1-4 في المائة خلال السنوات الأخيرة، وتتمتع جميعها بأنظمة مالية سليمة بينما يجري العمل تدريجياً على تنسيق النظم الاحترازية والرقابة على القطاع المصرفي.
مفهوم التكامل النقدي
التكامل النقدي يعني امتلاك المنطقة المتكاملة عملة واحدة أو مجموعة عملات مكفول لها حرية التحويل، مترابطة معا بواسطة أسعار صرف مثبتة، في حين أنها تتمتع بحرية الحركة والتداول من دون قيد أو شرط على صعيد المنطقة بأسرها، ويلزم كذلك تثبيت المعروض من هذه العملة أو العملات على أساس قاعدة اتحادية أو بواسطة سلطة أو هيئة تابعة للاتحاد، كما ينبغي أن تدخل قدرة المصارف التجارية على طرح النقود ضمن سلطة هيئة اتحادية ما، ولتكن مجلسا للعملة موكلاً إليه ممارسة السيطرة أو الرقابة الكاملة في هذا المجال.
ولقد تميز الفكر النقدي العربي بالطموح دون الالتفات إلى الواقع والظروف التي تحيط به، ولهذا فلا غرابة من فشل المحاولات السابقة، ابتداءً من المشروع السوري في منتصف الأربعينات من القرن الماضي والداعي إلى إنشاء (مصلحة نقد عربي) تتولى إصدار العملة العربية الموحدة، وانتهاءً باتفاقية اتحاد المدفوعات العربي في النصف الثاني من الستينات التي بقيت حبراً على ورق، وعلى أثر ممارسة حقوق السيادة في تسعير النفط، وتدفق رؤوس الأموال على الأقطار العربية النفطية من جهة، وزيادة العجز في موازين مدفوعات الدول العربية الأخرى، ومحدودية وصعوبة الإقراض في الأسواق المالية الدولية من جهة أخرى، تحفز الفكر النقدي العربي من جديد على الاستفادة من تبدل الظروف الاقتصادية والمالية في الوطن العربي، فطرح فكرة صندوق النقد العربي. ليس سوى خطوة على طريق إنشاء الاتحاد النقدي (طبقاً لتعريف الاتحاد النقدي عند ماكلوب وويليمسون).
في حين تُلقي تجربة الاتحادات النقدية في مناطق أخرى من العالم الضوء على التحديات التي من الممكن أن تواجه دول مجلس التعاون وهي تتطلع لإقامة الاتحاد النقدي الخليجي، وهناك حاليا خمسة اتحادات نقدية في العالم منها ثلاثة في إفريقيا وواحد في منطقة الكاريبي وواحد في أوروبا (منطقة اليورو)، وتم في كل هذه الاتحادات طرح عملة مشتركة باستثناء منطقة الاتحاد النقدي لجنوب إفريقيا حيث تلعب عملة إفريقيا الجنوبية، (الراند) دور العملة الموحدة، في حين طبقت منطقة اليورو سوقها المشتركة قبل إنشاء الوحدة النقدية، فقد نفذت الاتحادات النقدية الأخرى تسلسلاً عكسياً، حيث تعمل على تنفيذ التكامل الاقتصادي الشامل بعد انقضاء عدة عقود على دخول اتحاداتها النقدية حيز التنفيذ، ومع استمرار مباحثات ومفاوضات طرح العملة الخليجية الموحدة والتي قطعت أشواطاً كبيرة حتى الآن، نجد أن المنطقة تحتاج إلى مثل تلك العملة فعليا لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية متعددة ومتشعبة، وهو ما يؤكد عليه الخبراء المطلعون على الشؤون الاقتصادية الخليجية، إلى حد طالب فيه البعض بالتعجيل بطرح تلك العملة أو ظهورها إلى الوجود إما بـ (ولادة طبيعية) أو عبر (جراحة قيصيرية) • ويستخلص الخبراء عدة دروس مهمة من تجارب الاتحادات النقدية في العالم يتعين الالتزام بها لضمان نجاح تجربة التكامل الخليجية، وهي:
1- تتمثل إقامة الوحدة النقدية في تعزيز التوجه نحو تنويع اقتصاديات المنطقة والحد من الاعتماد الكلي على إيرادات الهيدروكربونية، ومن المتوقع وإلى حد كبير أن إزالة تكاليف التعامل التجاري ستؤدي إلى زيادة انسياب التجارة البينية الإقليمية، التي ستستفيد بدورها من السوق الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي.
2- أظهرت نتائج مجموعة من الدراسات أجريت على منطقة اليورو أن التجارة بين كل دولتين من داخل الاتحاد النقدي زادت بنسبة 15 في المائة على الرغم من أن اليورو لايزال عملة جديدة نسبيا، وقد وجدت العديد من نماذج الاقتصاد القياسي أن العملة المشتركة تضاعف التجارة ثلاث مرات وسط الدول الأعضاء مع مرور الوقت.
3- تشكيل سلطة نقدية موحدة تعلو السلطات الوطنية وتكون مسؤولياتها بوضوح هي صياغة وإدارة السياسة النقدية والمالية للاتحاد النقدي.
4- ضرورة توفر الإجماع السياسي للتوصل إلى الاتفاق الاقتصادي في عدة قضايا تشمل الإطار المؤسسي والتوجيهات الإرشادية لبنك مركزي مشترك ومستقل، وتقاسم العوائد من حق سك العملة المشتركة، والإطار المؤسسي والسياسي لترسيخ الاستقرار الاقتصادي الكلي في كل من الدول الأعضاء، بما في ذلك اعتماد آلية مؤسسية لإجراء التحويلات المالية لتخفيف أثر الصدمات غير المتماثلة على البلدان الأعضاء في الاتحاد النقدي.
5- تبني ميثاق مشترك للسلوك المالي يتكون من معايير للتقارب المالي الضريبي وإطار مشترك لممارسات المحاسبة العامة وإجراءات مناسبة لإدارة ميزانية الحكومة.
6- توفير سلطات رقابة فاعلة على سياسات المالية العامة التي تتبعها الدول الأعضاء للتأكد من تجانسها مع الأهداف النقدية العامة للمنطقة ككل وتجنب حدوث أزمات في القطاع المالي وهو ما يكون وارداً إذا طبق أي بلد عضو سياسات مالية غير قابلة للاستمرار.
7- تصميم القواعد المالية لاتحاد دول مجلس التعاون النقدي في صيغة تضم السمات الاقتصادية الرئيسية لدول مجلس التعاون، ويتعين بشكل خاص أن تأخذ تلك القواعد بالحسبان درجات اختلاف الثروات النفطية بين الدول وحجم البلد ووضع مالية الحكومة في الأصل، وصافي وضعه المالي الأصلي، وكذلك السمات المالية المشتركة.
أهداف النظام النقدي الموحد
إن وجود نظام نقدي موحد سيعزز هذه المرحلة الاقتصادية ويحد من الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها الدول الأعضاء، ولاسيما في المجال النقدي والمالي، ومن ثم تتاح الفرصة لدول التعاون لتحقيق أهدافها الاقتصادية، وإيجاد كيان اقتصادي يحقق نوعاً من التوازن النقدي العالمي مقابل العملات الأخرى، إذ يعد النظام النقدي وسيلة لتحقيق الوحدة النقدية، ويعتبر من أهم حلقات الوحدة الاقتصادية للاتحاد، إلى جانب ذلك تسعى الدول الأعضاء إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من وراء هذه الوحدة النقدية هي :
• إيجاد سوق مالي واسع يقوم على أسس موحدة.
• إيجاد دور فعال للعملة الخليجية على المستوى الدولي.
• اتباع سياسة نقدية واحدة في الاتحاد.
• تلافي سلبيات ومخاطر تقلبات أسعار الصرف بين عملات الدول الأعضاء وتأثيراتها السلبية في أداء الشركات وحركة رؤوس الأموال وزيادة المنافسـة ورفع معدلات النمو.
وسيساعد ذلك أيضاً على زيادة فاعلية الأسواق على جذب رؤوس الأموال الاستثمارية المهاجرة لمعاودة استثمارها في الأسواق المحلية وذلك بسبب انعدام التمايز في أسعار السلع بين دول المجلس، كما أن إلغاء المخاطر المتأتية من تبديل (بيع وشراء العملات ) سيقلل من مخاطر عدم التأكد ويساعد على كسب المصداقية في أسعار المنتجات والخدمات، ولا شك في أن ذلك يعطي المؤسسات الاقتصادية إطاراً ورؤية في اتخاذ القرارات المتعلقة بإنتاجها واستثماراتها.
أضف إلى ذلك أن الاتحاد النقدي قد يرقى بالعملة الخليجية الموحدة كي تصبح عملة عالمية تستخدم كوحدة للحساب ووسيلة للتبادل بين مختلف دول العالم، حيث إن العملة العالمية ستدر بلا شك عائدات أكبر وتزيد من تنافسية أسعار منتجات دول المجلس وهو ما يخدم مصالح القطاع الخاص المنتج من ناحية والمستورد من ناحية أخرى، ناهيك عن أن تعامل دول المجلس بعملة واحدة سيؤدي إلى تعزيز قيام المشروعات الخليجية المشتركة، ويقوي ملاءة المشروعات القائمة خاصة أن دول المجلس تتشابه في كثير من الظروف والمناخ الاقتصادي، وكذلك تتشابه في الهياكل الاقتصادية المعتمدة بشكل كبير على النفط، وعليه فإن كل الفوائد المذكورة تدخل بشكل مباشر أو غير مباشر ضمن اهتمامات وأعمال القطاع الخاص في دول المجلس وهو بالتالي أول من يكسب فوائد توحيد العملة الخليجية.
العوامل الرئيسية لنجاح مشروع الاتحاد النقدي:
انطلقت فكرة استخدام عملة موحدة لدول المجلس مع قيام مجلس التعاون ذاته، فقد نصت المادة الثانية والعشرون من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الأولى عام 1981 على أن (تقوم الدول الأعضاء بتنسيق سياساتها المالية والنقدية والمصرفية وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية بما في ذلك العمل على توحيد العملة لتكون مكملة للتكامل الاقتصادي المنشود فيما بينها)، وتم خلال قمة مجلس التعاون في عام 2000 الاتفاق على تثبيت أسعار عملات المنطقة بالدولار، وأمرت القمة بوضع جدول زمني لإنشاء اتحاد نقدي وإطلاق العملة الخليجية الموحدة،
وفي ديسمبر عام 2001 وافق قادة مجلس التعاون على الجدول التالي لإنشاء اتحاد نقدي، ونص على أن تقوم دول مجلس التعاون في موعد أقصاه نهاية عام 2002 بربط عملاتها بالدولار الأمريكي، لكن العملة الخليجية الموحدة لن تكون بالضرورة مربوطة بالدولار، وتقوم دول المجلس بحلول عام 2005 بالتوصل إلى الاتفاق حول معايير التقارب اللازمة لنجاح الاتحاد النقدي، وأن يتم في موعد أقصاه يناير 2010 إطلاق العملة الموحدة، وتشكلت في عام 2002 لجنة فنية عالية المستوى لإعداد وتنفيذ الجدول، الذي يتضمن معايير تقارب الأداء الاقتصادي التي تشمل معايير التقارب النقدي، معدلات التضخم، معدلات الفائدة، ومدى كفاية احتياطيات السلطة النقدية من النقد الأجنبي، كما تشمل معايير التقارب المالي المتمثلة في نسبة العجز السنوي من المالية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتمثل الوحدة النقدية مرحلة متقدمة من مراحل التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يبدأ بمنطقة تجارة حرة ثم اتحاد جمركي وصولا إلى سوق مشتركة فاتحاد اقتصادي ثم وحدة نقدية، ويتم في مرحلة قيام منطقة التجارة الحرة تحرير كامل للسلع المتبادلة بين الدول الأطراف، أما الاتحاد الجمركي فيهدف إلى إقامة جدار جمركي موحد تجاه الأطراف الأخرى، بينما تشمل السوق المشتركة حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال والعمالة، وفي مرحلة الاتحاد الاقتصادي يتم تنسيق السياسات التجارية والاقتصادية بين الدول الأطراف، وتحقق مرحلة الوحدة النقدية التي تتبع ذلك سياسة نقدية موحدة وعملة موحدة تحل محل العملات الوطنية. وقد تتداخل المراحل الخمس كما يمكن دمج مرحلتين معاً كأن يتم دمج مرحلة الاتحاد الجمركي مع السوق المشتركة أو دمج الاتحاد الاقتصادي مع الوحدة النقدية، وهذا لا يلغي فكرة المرحلية في بناء التكامل الاقتصادي، وإنما يقلص عدد المراحل، وتعتبر عملية بناء الاتحاد الأوروبي مثالاً نموذجياً على مرحلية التكامل الاقتصادي التقليدي. ففي أعقاب إقامة وحدة نقدية يتم عادة تطبيق سياسات نقدية موحدة، ويتم أيضاً تحديد نسبة موحدة للفائدة في جميع الدول الأعضاء داخل منظومة الوحدة النقدية، وبالتالي يصبح من المهم أن تتسم اقتصاديات الدول الأعضاء بطابع التزامن (synchronization) من أجل مواءمة السياسات النقدية على صعيد الوحدة بالنسبة لكل دولة من الدول الأعضاء وبحسب رأي العديد من الخبراء الاقتصاديين في منطقة الخليج، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تفتقر إلى عامل تزامن دوراتها الاقتصادية.
ومن المجالات الرئيسية التي تتطلب اهتماماً خاصاً من صانعي السياسات، وضع القواعد والمؤسسات اللازمة لدعم الاتحاد النقدي بما في ذلك:
• تشكيل المؤسسات الرئيسية وفي مقدمتها البنك المركزي المشترك.
• تقوية إجراءات إعداد الموازنات الحكومية.
• الإطار المحاسبي المالي المشترك.
• كما ستتطلب عملية التقارب والرقابة المطلوبة مستقبلا الارتقاء بجودة البيانات الإحصائية وتوسع المجالات التي تغطيها واعتماد معايير إحصائية مشتركة.
وكما هو معروف فقد بدأ الاتحاد الأوروبي كمنطقة تجارة حرة أولاً بموجب اتفاقية (روما) عام 1958م، ثم تدرج الاندماج الاقتصادي وتعمّق بشكل مستمر بين أعضاء الاتحاد وازداد عددهم، ولا يزال في ازدياد، بحيث يضم ليس الدول الخمس عشرة الحالية فقط، ولكن ليشمل مزيداً من دول أوروبا الشرقية، وهناك عشر من دول أوروبا الشرقية، بينها بولندا وأوكرانيا، رشحها الاتحاد الأوروبي للانضمام إليه، بحيث يزداد عدد أعضاء الاتحاد إلى 25 دولة في غضون أربع سنوات.
أما عرض النقد بالمفهوم الواسع (M2) أو ما يطلق عليه اصطلاحاً السيولة المحلية (M1 + الودائع الزمنية والادخارية + الودائع بالعملات الأجنبية). فقد شهد هو الآخر ارتفاعاً بنسبة 11.9 في المائة خلال النصف الأول من عام 2005م مقارنة مع عام 2004م، حيث بلغ 270.8 مليار دولار مقارنة مع 242 مليار دولار في نهاية عام 2004م. وقد جاءت المساهمة النسبية لدول المجلس من إجمالي عرض النقد بهذا المفهوم في الترتيب السابق نفسه، ومن أهم الأسباب التي أدت إلى زيادة عرض النقد هي الإيرادات النفطية والاستثمارات القادمة للمنطقة والتسهيلات المصرفية.
والجدول (رقم 2) يوضح شكل عرض النقد بالمفهوم الواسع خلال النصف الأول من عام 2005م لدول مجلس التعاون.
ومن الاستعراض السابق يمكن استنتاج ما يلي:
1- الموجودات الأجنبية هي المصدر الأساسي للتغيرات في عرض النقد بمعناه الواسع في معظم دول التعاون، ورغم أن درجة هذا التأثير كانت أكبر في الفترة الأولى منها في الفترتين الأخيرتين بسبب ارتفاع أسعار الفوائد في الأسواق العالمية، مما أثر في حركة رؤوس الأموال إلى الخارج للاستفادة من الفروقات في أسعار الفائدة المحلية والدولية.
2- لعب الائتمان المصرفي المقدم إلى القطاع الخاص دوراً أقل أهمية نسبياً في التأثير في عرض النقد في معظم دول التعاون وخصوصاً في دولة الإمارات العربية المتحدة. ورغم هذا التباين في العوامل المحددة لعرض النقد في البلدان الخليجية عموماً إلا أن هذا لا يشكل اختلافاً مهماً من حيث طبيعة العوامل المحددة لعرض النقد في هذه البلدان، حيث إن ارتفاع الإيرادات النفطية فيها يؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي الناجم عن زيادة الموجودات الأجنبية، وبالتالي فإن هذا يزيد من قدرة الجهاز المصرفي في هذه البلدان على منح الائتمان المحلي.
3- زيادة الودائع الحكومية لدى الجهاز المصرفي في دول التعاون تدل دلالة واضحة وأكيدة على المركز المالي القومي الذي تتمتع به هذه الحكومات.
أما العوامل التي أثرت في عرض النقد فهي نوعان: أحدهما خارجي ويمثل (حجم الموجودات الأجنبية) المتراكمة لدى الجهاز المصرفي ويرتبط هذا المصدر بميزان مدفوعات البلد. والآخر داخلي ويمثل (الائتمان المصرفي) المقدم للحكومة ومؤسساتها العامة والقطاع الخاص، ويرتبط هذا العامل بالمركز النقدي للحكومة وسياسات البنوك التجارية والائتمانية والاستثمارية وفي الوقت الذي يكون فيه الائتمان المصرفي مسؤولاً مباشراً عن عملية التوسع النقدي في الاقتصادات المتقدمة فإن النمو في عرض النقد في البلدان النامية فينجم في الغالب عن التراكم في الموجودات الأجنبية التي تزيد نسبتها في عرض النقد، أما في دول التعاون، فيرتبط مستوى النشاط الاقتصادي فيها ارتباطاً وثيقاً بالنفقات الحكومية الممولة أساساً من الإيرادات النفطية، وبالعمليات المصرفية الائتمانية والاستثمارية للمصارف الإسلامية التجارية التي تزايد دورها في الآونة الأخيرة فإن الموجودات الأجنبية والائتمان المحلي يمثلان المصدرين الرئيسيين للتأثير في عرض النقد في تلك البلدان، والتي يتحدد معها الطلب الكلي على السلع والخدمات وبالتالي اتجاهات النمو في النشاط الاقتصادي السليم.
إن عملية الاختيار بين أنظمة سعر الصرف التي تتبناها دول المجلس تتوقف بدرجة كبيرة السياسات النقدية والمالية المتبعة والأهداف التنموية والمالية التي تصبو إلى تحقيقها، وكذلك على الوضع الاقتصادي القائم، وتشير العديد من الآراء إلى أنه أياً كان النظام الذي تتبناه دولة ما فإنه يجب أن تتوافر فيه ثلاث سمات رئيسية هي:
1- الشفافية، 2- الواقعية العملية، 3 -الاتساق مع حزم السياسات الاقتصادية المستخدمة من حيث سياسات التثبيت والإصلاح الاقتصادي، الذي يعد من المقومات الرئيسية للسياسة النقدية. فالدول التي ترتبط عملاتها بالدولار غالبا ًما تكون غير قادرة على اتباع سياسة نقدية مستقلة (أي تحديد أسعار فائدتها المحلية بما يتلاءم مع ظروفها) من دون فرض قيود على حركة رأس المال عبر حدودها أو فرض قيود على التوسع في الائتمان من قبل البنوك، ففي دول مجلس التعاون يكون استعمال أسعار الفائدة غير المباشرة التي تعتمد على السوق لإدارة السيولة، حيث تشهد اقتصادات الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون طفرات استهلاكية قوية، وقد لا تكون لنفس الأسباب، بينما يوجد إجماع على أن اقتصاد الولايات المتحدة بحاجة إلى الارتفاع التدريجي لأسعار الفائدة، وقد يكون هناك رأي بأن اقتصادات دول مجلس التعاون بحاجة إلى ارتفاع أكثر في أسعار الفائدة من أجل تهدئة ما يبدو بأنه تضخم مرتفع في الأسعار الاستهلاكية والطفرة الأقوى في أسعار الأصول، ومع هذا فإن النظرة السائدة بضرورة وجود سياسة نقدية مستقلة أو أسعار فائدة أعلى في دول المجلس لا يمكن طرحها بشكل واضح لا لبس فيه في ظل غياب إحصائيات عن التضخم ودراسات تحليلية شاملة بما في ذلك آثار الارتفاع المفرط لقيم الأصول في تضخم الأسعار الاستهلاكية، كما أن انعكاس السياسة النقدية يظهر في مؤشر الانتعاش الاقتصادي، ومن دلالات المؤشر ازدياد الناتج الصناعي وتحسن الإنتاج وزيادة الإنفاق الاستهلاكي واستثمار رأس المال، فضلاً عن سعي الكثير من الأشخاص إلى التوظيف المصاحب في تحسن الأجور.
وعليه يتضح مما سبق ضرورة توحيد السياسات النقدية، ومن هنا تبرز فكرة إنشاء بنك مركزي خليجي كخطوة أساسية لا يمكن تجاوزها قبل إطلاق العملة الموحدة، حيث ستتولى هذه المؤسسة مهمة إصدار العملة ورسم وتنفيذ السياسات النقدية الموحدة لدول المنطقة كتكتل اقتصادي، والتي يكون من أهم أهدافها الحفاظ على قيمة العملة الجديدة أمام العملات الأخرى، والإشراف على أداء البنوك المركزية والتجارية في دول الأعضاء.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2940::/cck::
::introtext::
يشكل قيام الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الخليجية الموحدة أهمية اقتصادية نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وتعزيزاً لتطورات العمل الاقتصادي والتجاري فيما بينها، بما يؤدي إلى إيجاد تكتل اقتصادي جديد على خارطة الاقتصاد العالمي لمواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الاقتصادية العالمية، لذا فإن إقامة اتحاد نقدي ليست هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق هدف هو دعم وتعزيز التبادل والتنمية بين دول المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
يشكل قيام الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الخليجية الموحدة أهمية اقتصادية نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وتعزيزاً لتطورات العمل الاقتصادي والتجاري فيما بينها، بما يؤدي إلى إيجاد تكتل اقتصادي جديد على خارطة الاقتصاد العالمي لمواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الاقتصادية العالمية، لذا فإن إقامة اتحاد نقدي ليست هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق هدف هو دعم وتعزيز التبادل والتنمية بين دول المنطقة. كما يعد ذلك أيضا قفزة اقتصادية كبيرة نحو تحقيق أهداف الاتفاقية الاقتصادية الخليجية الموقعة في نوفمبر من عام 1981م وتعزيز القدرات الهادفة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية واستقطاب رؤوس الأموال الخليجية والعربية المهاجرة، خاصة بعدما خطت الخطوات الأولى الرئيسية، وفي مقدمتها تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف ومعدلات أسعار الفائدة، وإزالة العوائق أمام حرية حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمالة الوطنية، كما أصبحت التعرفة الجمركية الموحدة حيال العالم الخارجي بواقع 5 في المائة نافذة المفعول منذ عام 2003 ، وعملات دول مجلس التعاون مثبتة رسميا بالدولار الأمريكي، وقد اتجهت أسعار الفائدة الاسمية نحو التقارب بحيث أصبحت جميعها متشابهة عبر المنطقة، ويشير المراقبون إلى أن معدل التضخم استقر في الدول الست، (أعضاء الاتحاد) عند مستويات تتراوح بين 1-4 في المائة خلال السنوات الأخيرة، وتتمتع جميعها بأنظمة مالية سليمة بينما يجري العمل تدريجياً على تنسيق النظم الاحترازية والرقابة على القطاع المصرفي.
مفهوم التكامل النقدي
التكامل النقدي يعني امتلاك المنطقة المتكاملة عملة واحدة أو مجموعة عملات مكفول لها حرية التحويل، مترابطة معا بواسطة أسعار صرف مثبتة، في حين أنها تتمتع بحرية الحركة والتداول من دون قيد أو شرط على صعيد المنطقة بأسرها، ويلزم كذلك تثبيت المعروض من هذه العملة أو العملات على أساس قاعدة اتحادية أو بواسطة سلطة أو هيئة تابعة للاتحاد، كما ينبغي أن تدخل قدرة المصارف التجارية على طرح النقود ضمن سلطة هيئة اتحادية ما، ولتكن مجلسا للعملة موكلاً إليه ممارسة السيطرة أو الرقابة الكاملة في هذا المجال.
ولقد تميز الفكر النقدي العربي بالطموح دون الالتفات إلى الواقع والظروف التي تحيط به، ولهذا فلا غرابة من فشل المحاولات السابقة، ابتداءً من المشروع السوري في منتصف الأربعينات من القرن الماضي والداعي إلى إنشاء (مصلحة نقد عربي) تتولى إصدار العملة العربية الموحدة، وانتهاءً باتفاقية اتحاد المدفوعات العربي في النصف الثاني من الستينات التي بقيت حبراً على ورق، وعلى أثر ممارسة حقوق السيادة في تسعير النفط، وتدفق رؤوس الأموال على الأقطار العربية النفطية من جهة، وزيادة العجز في موازين مدفوعات الدول العربية الأخرى، ومحدودية وصعوبة الإقراض في الأسواق المالية الدولية من جهة أخرى، تحفز الفكر النقدي العربي من جديد على الاستفادة من تبدل الظروف الاقتصادية والمالية في الوطن العربي، فطرح فكرة صندوق النقد العربي. ليس سوى خطوة على طريق إنشاء الاتحاد النقدي (طبقاً لتعريف الاتحاد النقدي عند ماكلوب وويليمسون).
في حين تُلقي تجربة الاتحادات النقدية في مناطق أخرى من العالم الضوء على التحديات التي من الممكن أن تواجه دول مجلس التعاون وهي تتطلع لإقامة الاتحاد النقدي الخليجي، وهناك حاليا خمسة اتحادات نقدية في العالم منها ثلاثة في إفريقيا وواحد في منطقة الكاريبي وواحد في أوروبا (منطقة اليورو)، وتم في كل هذه الاتحادات طرح عملة مشتركة باستثناء منطقة الاتحاد النقدي لجنوب إفريقيا حيث تلعب عملة إفريقيا الجنوبية، (الراند) دور العملة الموحدة، في حين طبقت منطقة اليورو سوقها المشتركة قبل إنشاء الوحدة النقدية، فقد نفذت الاتحادات النقدية الأخرى تسلسلاً عكسياً، حيث تعمل على تنفيذ التكامل الاقتصادي الشامل بعد انقضاء عدة عقود على دخول اتحاداتها النقدية حيز التنفيذ، ومع استمرار مباحثات ومفاوضات طرح العملة الخليجية الموحدة والتي قطعت أشواطاً كبيرة حتى الآن، نجد أن المنطقة تحتاج إلى مثل تلك العملة فعليا لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية متعددة ومتشعبة، وهو ما يؤكد عليه الخبراء المطلعون على الشؤون الاقتصادية الخليجية، إلى حد طالب فيه البعض بالتعجيل بطرح تلك العملة أو ظهورها إلى الوجود إما بـ (ولادة طبيعية) أو عبر (جراحة قيصيرية) • ويستخلص الخبراء عدة دروس مهمة من تجارب الاتحادات النقدية في العالم يتعين الالتزام بها لضمان نجاح تجربة التكامل الخليجية، وهي:
1- تتمثل إقامة الوحدة النقدية في تعزيز التوجه نحو تنويع اقتصاديات المنطقة والحد من الاعتماد الكلي على إيرادات الهيدروكربونية، ومن المتوقع وإلى حد كبير أن إزالة تكاليف التعامل التجاري ستؤدي إلى زيادة انسياب التجارة البينية الإقليمية، التي ستستفيد بدورها من السوق الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي.
2- أظهرت نتائج مجموعة من الدراسات أجريت على منطقة اليورو أن التجارة بين كل دولتين من داخل الاتحاد النقدي زادت بنسبة 15 في المائة على الرغم من أن اليورو لايزال عملة جديدة نسبيا، وقد وجدت العديد من نماذج الاقتصاد القياسي أن العملة المشتركة تضاعف التجارة ثلاث مرات وسط الدول الأعضاء مع مرور الوقت.
3- تشكيل سلطة نقدية موحدة تعلو السلطات الوطنية وتكون مسؤولياتها بوضوح هي صياغة وإدارة السياسة النقدية والمالية للاتحاد النقدي.
4- ضرورة توفر الإجماع السياسي للتوصل إلى الاتفاق الاقتصادي في عدة قضايا تشمل الإطار المؤسسي والتوجيهات الإرشادية لبنك مركزي مشترك ومستقل، وتقاسم العوائد من حق سك العملة المشتركة، والإطار المؤسسي والسياسي لترسيخ الاستقرار الاقتصادي الكلي في كل من الدول الأعضاء، بما في ذلك اعتماد آلية مؤسسية لإجراء التحويلات المالية لتخفيف أثر الصدمات غير المتماثلة على البلدان الأعضاء في الاتحاد النقدي.
5- تبني ميثاق مشترك للسلوك المالي يتكون من معايير للتقارب المالي الضريبي وإطار مشترك لممارسات المحاسبة العامة وإجراءات مناسبة لإدارة ميزانية الحكومة.
6- توفير سلطات رقابة فاعلة على سياسات المالية العامة التي تتبعها الدول الأعضاء للتأكد من تجانسها مع الأهداف النقدية العامة للمنطقة ككل وتجنب حدوث أزمات في القطاع المالي وهو ما يكون وارداً إذا طبق أي بلد عضو سياسات مالية غير قابلة للاستمرار.
7- تصميم القواعد المالية لاتحاد دول مجلس التعاون النقدي في صيغة تضم السمات الاقتصادية الرئيسية لدول مجلس التعاون، ويتعين بشكل خاص أن تأخذ تلك القواعد بالحسبان درجات اختلاف الثروات النفطية بين الدول وحجم البلد ووضع مالية الحكومة في الأصل، وصافي وضعه المالي الأصلي، وكذلك السمات المالية المشتركة.
أهداف النظام النقدي الموحد
إن وجود نظام نقدي موحد سيعزز هذه المرحلة الاقتصادية ويحد من الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها الدول الأعضاء، ولاسيما في المجال النقدي والمالي، ومن ثم تتاح الفرصة لدول التعاون لتحقيق أهدافها الاقتصادية، وإيجاد كيان اقتصادي يحقق نوعاً من التوازن النقدي العالمي مقابل العملات الأخرى، إذ يعد النظام النقدي وسيلة لتحقيق الوحدة النقدية، ويعتبر من أهم حلقات الوحدة الاقتصادية للاتحاد، إلى جانب ذلك تسعى الدول الأعضاء إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من وراء هذه الوحدة النقدية هي :
• إيجاد سوق مالي واسع يقوم على أسس موحدة.
• إيجاد دور فعال للعملة الخليجية على المستوى الدولي.
• اتباع سياسة نقدية واحدة في الاتحاد.
• تلافي سلبيات ومخاطر تقلبات أسعار الصرف بين عملات الدول الأعضاء وتأثيراتها السلبية في أداء الشركات وحركة رؤوس الأموال وزيادة المنافسـة ورفع معدلات النمو.
وسيساعد ذلك أيضاً على زيادة فاعلية الأسواق على جذب رؤوس الأموال الاستثمارية المهاجرة لمعاودة استثمارها في الأسواق المحلية وذلك بسبب انعدام التمايز في أسعار السلع بين دول المجلس، كما أن إلغاء المخاطر المتأتية من تبديل (بيع وشراء العملات ) سيقلل من مخاطر عدم التأكد ويساعد على كسب المصداقية في أسعار المنتجات والخدمات، ولا شك في أن ذلك يعطي المؤسسات الاقتصادية إطاراً ورؤية في اتخاذ القرارات المتعلقة بإنتاجها واستثماراتها.
أضف إلى ذلك أن الاتحاد النقدي قد يرقى بالعملة الخليجية الموحدة كي تصبح عملة عالمية تستخدم كوحدة للحساب ووسيلة للتبادل بين مختلف دول العالم، حيث إن العملة العالمية ستدر بلا شك عائدات أكبر وتزيد من تنافسية أسعار منتجات دول المجلس وهو ما يخدم مصالح القطاع الخاص المنتج من ناحية والمستورد من ناحية أخرى، ناهيك عن أن تعامل دول المجلس بعملة واحدة سيؤدي إلى تعزيز قيام المشروعات الخليجية المشتركة، ويقوي ملاءة المشروعات القائمة خاصة أن دول المجلس تتشابه في كثير من الظروف والمناخ الاقتصادي، وكذلك تتشابه في الهياكل الاقتصادية المعتمدة بشكل كبير على النفط، وعليه فإن كل الفوائد المذكورة تدخل بشكل مباشر أو غير مباشر ضمن اهتمامات وأعمال القطاع الخاص في دول المجلس وهو بالتالي أول من يكسب فوائد توحيد العملة الخليجية.
العوامل الرئيسية لنجاح مشروع الاتحاد النقدي:
انطلقت فكرة استخدام عملة موحدة لدول المجلس مع قيام مجلس التعاون ذاته، فقد نصت المادة الثانية والعشرون من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الأولى عام 1981 على أن (تقوم الدول الأعضاء بتنسيق سياساتها المالية والنقدية والمصرفية وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية بما في ذلك العمل على توحيد العملة لتكون مكملة للتكامل الاقتصادي المنشود فيما بينها)، وتم خلال قمة مجلس التعاون في عام 2000 الاتفاق على تثبيت أسعار عملات المنطقة بالدولار، وأمرت القمة بوضع جدول زمني لإنشاء اتحاد نقدي وإطلاق العملة الخليجية الموحدة،
وفي ديسمبر عام 2001 وافق قادة مجلس التعاون على الجدول التالي لإنشاء اتحاد نقدي، ونص على أن تقوم دول مجلس التعاون في موعد أقصاه نهاية عام 2002 بربط عملاتها بالدولار الأمريكي، لكن العملة الخليجية الموحدة لن تكون بالضرورة مربوطة بالدولار، وتقوم دول المجلس بحلول عام 2005 بالتوصل إلى الاتفاق حول معايير التقارب اللازمة لنجاح الاتحاد النقدي، وأن يتم في موعد أقصاه يناير 2010 إطلاق العملة الموحدة، وتشكلت في عام 2002 لجنة فنية عالية المستوى لإعداد وتنفيذ الجدول، الذي يتضمن معايير تقارب الأداء الاقتصادي التي تشمل معايير التقارب النقدي، معدلات التضخم، معدلات الفائدة، ومدى كفاية احتياطيات السلطة النقدية من النقد الأجنبي، كما تشمل معايير التقارب المالي المتمثلة في نسبة العجز السنوي من المالية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتمثل الوحدة النقدية مرحلة متقدمة من مراحل التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يبدأ بمنطقة تجارة حرة ثم اتحاد جمركي وصولا إلى سوق مشتركة فاتحاد اقتصادي ثم وحدة نقدية، ويتم في مرحلة قيام منطقة التجارة الحرة تحرير كامل للسلع المتبادلة بين الدول الأطراف، أما الاتحاد الجمركي فيهدف إلى إقامة جدار جمركي موحد تجاه الأطراف الأخرى، بينما تشمل السوق المشتركة حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال والعمالة، وفي مرحلة الاتحاد الاقتصادي يتم تنسيق السياسات التجارية والاقتصادية بين الدول الأطراف، وتحقق مرحلة الوحدة النقدية التي تتبع ذلك سياسة نقدية موحدة وعملة موحدة تحل محل العملات الوطنية. وقد تتداخل المراحل الخمس كما يمكن دمج مرحلتين معاً كأن يتم دمج مرحلة الاتحاد الجمركي مع السوق المشتركة أو دمج الاتحاد الاقتصادي مع الوحدة النقدية، وهذا لا يلغي فكرة المرحلية في بناء التكامل الاقتصادي، وإنما يقلص عدد المراحل، وتعتبر عملية بناء الاتحاد الأوروبي مثالاً نموذجياً على مرحلية التكامل الاقتصادي التقليدي. ففي أعقاب إقامة وحدة نقدية يتم عادة تطبيق سياسات نقدية موحدة، ويتم أيضاً تحديد نسبة موحدة للفائدة في جميع الدول الأعضاء داخل منظومة الوحدة النقدية، وبالتالي يصبح من المهم أن تتسم اقتصاديات الدول الأعضاء بطابع التزامن (synchronization) من أجل مواءمة السياسات النقدية على صعيد الوحدة بالنسبة لكل دولة من الدول الأعضاء وبحسب رأي العديد من الخبراء الاقتصاديين في منطقة الخليج، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تفتقر إلى عامل تزامن دوراتها الاقتصادية.
ومن المجالات الرئيسية التي تتطلب اهتماماً خاصاً من صانعي السياسات، وضع القواعد والمؤسسات اللازمة لدعم الاتحاد النقدي بما في ذلك:
• تشكيل المؤسسات الرئيسية وفي مقدمتها البنك المركزي المشترك.
• تقوية إجراءات إعداد الموازنات الحكومية.
• الإطار المحاسبي المالي المشترك.
• كما ستتطلب عملية التقارب والرقابة المطلوبة مستقبلا الارتقاء بجودة البيانات الإحصائية وتوسع المجالات التي تغطيها واعتماد معايير إحصائية مشتركة.
وكما هو معروف فقد بدأ الاتحاد الأوروبي كمنطقة تجارة حرة أولاً بموجب اتفاقية (روما) عام 1958م، ثم تدرج الاندماج الاقتصادي وتعمّق بشكل مستمر بين أعضاء الاتحاد وازداد عددهم، ولا يزال في ازدياد، بحيث يضم ليس الدول الخمس عشرة الحالية فقط، ولكن ليشمل مزيداً من دول أوروبا الشرقية، وهناك عشر من دول أوروبا الشرقية، بينها بولندا وأوكرانيا، رشحها الاتحاد الأوروبي للانضمام إليه، بحيث يزداد عدد أعضاء الاتحاد إلى 25 دولة في غضون أربع سنوات.
أما عرض النقد بالمفهوم الواسع (M2) أو ما يطلق عليه اصطلاحاً السيولة المحلية (M1 + الودائع الزمنية والادخارية + الودائع بالعملات الأجنبية). فقد شهد هو الآخر ارتفاعاً بنسبة 11.9 في المائة خلال النصف الأول من عام 2005م مقارنة مع عام 2004م، حيث بلغ 270.8 مليار دولار مقارنة مع 242 مليار دولار في نهاية عام 2004م. وقد جاءت المساهمة النسبية لدول المجلس من إجمالي عرض النقد بهذا المفهوم في الترتيب السابق نفسه، ومن أهم الأسباب التي أدت إلى زيادة عرض النقد هي الإيرادات النفطية والاستثمارات القادمة للمنطقة والتسهيلات المصرفية.
والجدول (رقم 2) يوضح شكل عرض النقد بالمفهوم الواسع خلال النصف الأول من عام 2005م لدول مجلس التعاون.
ومن الاستعراض السابق يمكن استنتاج ما يلي:
1- الموجودات الأجنبية هي المصدر الأساسي للتغيرات في عرض النقد بمعناه الواسع في معظم دول التعاون، ورغم أن درجة هذا التأثير كانت أكبر في الفترة الأولى منها في الفترتين الأخيرتين بسبب ارتفاع أسعار الفوائد في الأسواق العالمية، مما أثر في حركة رؤوس الأموال إلى الخارج للاستفادة من الفروقات في أسعار الفائدة المحلية والدولية.
2- لعب الائتمان المصرفي المقدم إلى القطاع الخاص دوراً أقل أهمية نسبياً في التأثير في عرض النقد في معظم دول التعاون وخصوصاً في دولة الإمارات العربية المتحدة. ورغم هذا التباين في العوامل المحددة لعرض النقد في البلدان الخليجية عموماً إلا أن هذا لا يشكل اختلافاً مهماً من حيث طبيعة العوامل المحددة لعرض النقد في هذه البلدان، حيث إن ارتفاع الإيرادات النفطية فيها يؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي الناجم عن زيادة الموجودات الأجنبية، وبالتالي فإن هذا يزيد من قدرة الجهاز المصرفي في هذه البلدان على منح الائتمان المحلي.
3- زيادة الودائع الحكومية لدى الجهاز المصرفي في دول التعاون تدل دلالة واضحة وأكيدة على المركز المالي القومي الذي تتمتع به هذه الحكومات.
أما العوامل التي أثرت في عرض النقد فهي نوعان: أحدهما خارجي ويمثل (حجم الموجودات الأجنبية) المتراكمة لدى الجهاز المصرفي ويرتبط هذا المصدر بميزان مدفوعات البلد. والآخر داخلي ويمثل (الائتمان المصرفي) المقدم للحكومة ومؤسساتها العامة والقطاع الخاص، ويرتبط هذا العامل بالمركز النقدي للحكومة وسياسات البنوك التجارية والائتمانية والاستثمارية وفي الوقت الذي يكون فيه الائتمان المصرفي مسؤولاً مباشراً عن عملية التوسع النقدي في الاقتصادات المتقدمة فإن النمو في عرض النقد في البلدان النامية فينجم في الغالب عن التراكم في الموجودات الأجنبية التي تزيد نسبتها في عرض النقد، أما في دول التعاون، فيرتبط مستوى النشاط الاقتصادي فيها ارتباطاً وثيقاً بالنفقات الحكومية الممولة أساساً من الإيرادات النفطية، وبالعمليات المصرفية الائتمانية والاستثمارية للمصارف الإسلامية التجارية التي تزايد دورها في الآونة الأخيرة فإن الموجودات الأجنبية والائتمان المحلي يمثلان المصدرين الرئيسيين للتأثير في عرض النقد في تلك البلدان، والتي يتحدد معها الطلب الكلي على السلع والخدمات وبالتالي اتجاهات النمو في النشاط الاقتصادي السليم.
إن عملية الاختيار بين أنظمة سعر الصرف التي تتبناها دول المجلس تتوقف بدرجة كبيرة السياسات النقدية والمالية المتبعة والأهداف التنموية والمالية التي تصبو إلى تحقيقها، وكذلك على الوضع الاقتصادي القائم، وتشير العديد من الآراء إلى أنه أياً كان النظام الذي تتبناه دولة ما فإنه يجب أن تتوافر فيه ثلاث سمات رئيسية هي:
1- الشفافية، 2- الواقعية العملية، 3 -الاتساق مع حزم السياسات الاقتصادية المستخدمة من حيث سياسات التثبيت والإصلاح الاقتصادي، الذي يعد من المقومات الرئيسية للسياسة النقدية. فالدول التي ترتبط عملاتها بالدولار غالبا ًما تكون غير قادرة على اتباع سياسة نقدية مستقلة (أي تحديد أسعار فائدتها المحلية بما يتلاءم مع ظروفها) من دون فرض قيود على حركة رأس المال عبر حدودها أو فرض قيود على التوسع في الائتمان من قبل البنوك، ففي دول مجلس التعاون يكون استعمال أسعار الفائدة غير المباشرة التي تعتمد على السوق لإدارة السيولة، حيث تشهد اقتصادات الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون طفرات استهلاكية قوية، وقد لا تكون لنفس الأسباب، بينما يوجد إجماع على أن اقتصاد الولايات المتحدة بحاجة إلى الارتفاع التدريجي لأسعار الفائدة، وقد يكون هناك رأي بأن اقتصادات دول مجلس التعاون بحاجة إلى ارتفاع أكثر في أسعار الفائدة من أجل تهدئة ما يبدو بأنه تضخم مرتفع في الأسعار الاستهلاكية والطفرة الأقوى في أسعار الأصول، ومع هذا فإن النظرة السائدة بضرورة وجود سياسة نقدية مستقلة أو أسعار فائدة أعلى في دول المجلس لا يمكن طرحها بشكل واضح لا لبس فيه في ظل غياب إحصائيات عن التضخم ودراسات تحليلية شاملة بما في ذلك آثار الارتفاع المفرط لقيم الأصول في تضخم الأسعار الاستهلاكية، كما أن انعكاس السياسة النقدية يظهر في مؤشر الانتعاش الاقتصادي، ومن دلالات المؤشر ازدياد الناتج الصناعي وتحسن الإنتاج وزيادة الإنفاق الاستهلاكي واستثمار رأس المال، فضلاً عن سعي الكثير من الأشخاص إلى التوظيف المصاحب في تحسن الأجور.
وعليه يتضح مما سبق ضرورة توحيد السياسات النقدية، ومن هنا تبرز فكرة إنشاء بنك مركزي خليجي كخطوة أساسية لا يمكن تجاوزها قبل إطلاق العملة الموحدة، حيث ستتولى هذه المؤسسة مهمة إصدار العملة ورسم وتنفيذ السياسات النقدية الموحدة لدول المنطقة كتكتل اقتصادي، والتي يكون من أهم أهدافها الحفاظ على قيمة العملة الجديدة أمام العملات الأخرى، والإشراف على أداء البنوك المركزية والتجارية في دول الأعضاء.
::/fulltext::
::cck::2940::/cck::
