مستقبل التنمية السياسية في دول المجلس
::cck::2928::/cck::
::introtext::
جرت العادة أن يتناول الكتّاب والباحثون دول مجلس التعاون الخليجي من زاوية اقتصادية بحتة، لا تتعدى صفتها منتجاً للنفط وسوق للبضائع الأجنبية، وهذا الأمر لم يقتصر على الكتّاب الغربيين، وإنما يشاركهم فيه عدد من الكتاب والباحثين العرب.
::/introtext::
::fulltext::
جرت العادة أن يتناول الكتّاب والباحثون دول مجلس التعاون الخليجي من زاوية اقتصادية بحتة، لا تتعدى صفتها منتجاً للنفط وسوق للبضائع الأجنبية، وهذا الأمر لم يقتصر على الكتّاب الغربيين، وإنما يشاركهم فيه عدد من الكتاب والباحثين العرب.
غابت حتى وقت قريب الدراسات التي تبحث عن مركز دول مجلس التعاون في التنمية السياسية وانعكاس ذلك على حالة الاستقرار في المنطقة، ولم يدخل ذلك ضمن نطاق البحث إلا متأخراً، ويؤرخ لذلك في ما بعد العام 1991 وتحديداً بعد انتهاء حرب الخليج الثانية. أما قبل ذلك التاريخ فلم تكن الأوضاع الداخلية لدول المجلس محل اهتمام على المستوى العالمي، وما يحدث داخل الإمارات الخليجية الست أمر يعنيها وحدها، وتتناوله وسائل الإعلام الأجنبية والعربية بالكثير من الحذر في أحيان، واللامبالاة في أحيان كثيرة.
فبعد حرب الخليج الثانية أصبحت الإمارات الخليجية محل اهتمام استثنائي، فقد تبين أنها أكبر من بئر بترول أو سوق مستهلك لما تنتجه الدول الصناعية، وأن ثمة حقولاً للتفاعل السياسي يملؤها إيمان الشارع الخليجي بتبادل الرأي وإظهار الغضب الشعبي، وإن لم تتبلور هذه التعبيرات بصورة مؤسسية واضحة المعالم، فلم يستقبل سكان الخليج أحداث المنطقة بالدِّعة والسُّكون، وبرزت بعض الآراء الجريئة والمخالفة للسياسات الرسمية، ففي المملكة العربية السعودية حيث حطت القوات المتعددة الجنسيات على أراضيها، اتخذ عدد من رجال الدين موقفاً متشدداً من قبول المملكة التعاطي مع ما أطلقوا عليه القوات الصليبية، ورفعوا شعارات صارخة تعبر عن موقف عقدي متزمت لا ينسجم مع الموقف الرسمي الذي التزمته القيادة السعودية، وبين مؤيد ومعارض ظهرت على السطح آراء أشارت إلى تصاعد الاهتمام الشعبي في القضايا العامة، ولم تكن المملكة هي الوحيدة المعنية بهذا الجدل، فجميع دول الخليج دار في مجلاتها العامة والخاصة وعلى أوراق صحفها جدل مكثف حول مواضيع تتعلق بالموقف من الحرب وأثارها على المنطقة.
وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لتسلط الضوء مجدداً على دول المجلس، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة تماماً، وهي مقدار ما تُمثله هذه الدول من خطورة على الوضع الأمني على المستويين الإقليمي والعالمي، فقد وعت الولايات المتحدة أن ظاهرة السعودي أسامة بن لادن ومجموعة المغامرين التي نفذت الاعتداءات على برجي التجارة في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن، ومن بينهم خمسة عشر سعودياً، لم تكن ظاهرة منفردة وشاذة، وإنما هي انعكاس مباشر لطبيعة السياسات المتبعة في الخليج بصورة عامة.
وطبقاً لهذا الاستنتاج وُضعت دول الخليج تحت مجهر الفحص والتحليل، وأصبحت سياساتها الداخلية موضوعاً للنقد واللوم، وأخذت الأصوات ترتفع داخل دوائر القرار الأمريكية حول إمكانية التقليل من الاعتماد على نفط دول الخليج، عبر إقامة نظام موال لها في العراق، وهو المسار الذي تبناه خط المحافظين الجدد في القيادة الأمريكية. أضف الى ذلك ما توصلت إليه القيادة الأمريكية من أهمية الدخول في مواجهة مباشرة ضد النظام العراقي وإسقاطه، وفرض نظام حكم جديد يخضع لسيطرة الولايات المتحدة اعتقاداً منها أن من شأن المواجهة المباشرة أن تُساهم في ضرب الدفقات المعنوية الهائلة في الشارع العربي المتفاعل في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، ويقضي على تيار الغضب الإسلامي ضد السياسات الأمريكية في المنطقة.
وفي السياق ذاته خدم المحور الأمريكي الحديث المكون من باكستان وأفغانستان وأوزبكستان وتركيا، فضلا عن العراق، في سد جزء من احتياجات الولايات المتحدة السياسية والعسكرية لإتمام مشروعها في الشرق الأوسط، واستعاضت بهم عما رأته قصوراً من دول مجلس التعاون في دعم سياساتها في المنطقة. واللافت للنظر أن حالة التوتر التي ترتفع بين الولايات المتحدة وبعض دول الخليج سرعان ما تنسحب على البقية، وتبدو التمايزات البارزة بين دول الخليج أمراً ليست له قيمة تذكر عند التعامل الأمريكي مع دول المجلس، والأكثر من ذلك أن سياسات التعميم الأمريكية لا تكاد تفرق بين التوجهات والأفكار والممارسات في جميع أنحاء العالم الإسلامي من دون استثناء، ولعل أبرز ما يستوقف الباحث في هذا الموضوع حالة العداء الشامل لكل نشاط إسلامي سواء سياسي أو اجتماعي أو خيري، وبغض النظر عن الفروقات الشاسعة بين مدرسة التطرف ومدرسة الاعتدال في الشارع الخليجي والإسلامي عموماً. ويهدد هذا التعميم بدفع الشارع المعتدل، وهم الأكثرية الساحقة، نحو الإحباط الذي يهيئ مناخاً ملائماً للتطرف، بحيث لا يمكن لحكومات دول الخليج في المستقبل احتواء التطرف أو التحكم بمساراته وتداعياته، وهو ما ينذر بتغيرات جذرية تهدد نمط العلاقات القائمة مقابل قيام منظومة علاقات سياسية جديدة. وتُنبه الأحداث السابقة بما فيها من إشارات سلبية لمستقبل دول المنطقة، إلى خطورة السكون السلبي الذي يكاد يعم دول المجلس تجاه التطورات المتسارعة في المنطقة، والذي يترافق مع القبول بالأمر الواقع، والتلكؤ في اتخاذ التدابير اللازمة للتحول السياسي، ومقاومة التطور حتى اللحظات الأخيرة، في مقابل نشاط وتجدد المخططات الغربية وبنائها المستمر لتصورات وسياسات لإدارة المنطقة، ويبدو لي أن دول المجلس ورغم توفر فرص عديدة أمامها لاتخاذ مواقف جريئة وتاريخية تعيد رسم خارطة المنطقة بما ينسجم مع مصالح شعوبها، بدءاً من القضية الفلسطينية، إلى أحداث حرب الخليج الثانية، مروراً بالعلاقة مع إيران، حتى توترات العراق، وصولاً إلى قضية التطرف الديني الذي بدأ يتفشى داخل بعض دول المجلس ، إلا أنها واجهت كل تلك الظروف والتحديات الخارجية والداخلية بالقليل من التخطيط والدراسة وبالكثير من التخبط والعشوائية، وتكفي الإشارة إلى ندرة بل غياب مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية في عموم المنطقة الخليجية، وباستثناء دولة الإمارات، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تشييد عدد محدود من المؤسسات البحثية، فإن دول الخليج الأخرى تغيب فيها بشكل مثير للدهشة مثل تلك المراكز والمؤسسات.
وتقف دول الخليج في منطقة الخطر وتحيط بها التحديات من كل جانب، من مشكلة التوسع الأمريكي ومشروعه الشرق أوسطي الجديد إلى التحدي النووي الذي تخوضه إيران بالقرب من الخليج، وحتى الفوضى الأمنية في العراق وآثارها في المنطقة، وهي معنية بتقديم مساهماتها لتفكيك هذه الملفات وقراءتها بشكل معمق، قبل أن ترتد بنتائجها الكارثية على الجميع. وإذا لم تبادر دول المجلس لاتخاذ مبادرة للإمساك بزمام الأمور، فإنها ستقع في منطقة ملغومة، وربما تجد نفسها بعد برهة زمنية أمام استحقاق دفع فاتورة التسويف والإهمال، وقد يكون مكلفاً أكثر مما يُمكنها تحمل نتائجه وآثاره، لاسيما أن الوعي السياسي في الخليج يعتمد اليوم على شبكة متطورة من تقنيات الاتصال الحديثة، ويظهر أن شعوب المنطقة تخلصت من تلك الأطر التي كانت الدولة قد حددت بدايتها ونهايتها سلفاً. ولم يعد الرأي الرسمي ذا سلطة عليا على المواطنين، كما كانت تجري الأمور في السابق، وأصبحت المعلومة بغض النظر عن الموقف الرسمي هي مربط فرس المهتمين.
لقد وفرت وسائط الاتصال طفرة معلوماتية هائلة، أتاحت لأبناء المنطقة فرصة التعرف مبكراً إلى أوضاع بلدانهم الداخلية، من مصادر أجنبية وبعيدة، وأعتقد أن الخطوة الأولى للارتقاء السياسي في المنطقة هي أن يُتاح لأبناء كل منطقة التعرف إلى أوضاعهم من الداخل وليس من الخارج، وأن تتحول تلك الأوضاع والشؤون إلى مادة للتداول والحوار الداخلي بين الشعوب أنفسهم ضمن مؤسساتهم التقليدية والحديثة، وبين المجتمع والدولة أيضا، بما يسمح بإجراء مصالحة داخلية تتجاوز بعدها دول المجلس مخاطر القطيعة والتباعد والغربة بين الدولة ومجتمعها، وتحصن من خلاله جميع جبهاتها أمام الأخطار المحتملة، فالتأييد والدعم الشعبي يظلان الراعي الرئيسي للوطن، ونخبة النشطة هم الجهة الفاعلة والقادرة على توجيه الرأي العام لدعم وإنجاح المشاريع التنموية في مختلف أبعادها.
إن أمام حكومات دول المجلس فرصة سانحة لإعادة عجلة الحراك السياسي في اتجاهها السليم لتصب في مصلحتها أولاً، من خلال الحصول على دعم وثقة شعوبها، وما يقتضيه ذلك من البدء بإجراء تغيرات أساسية تتصل بالإصلاح الاقتصادي الذي يتجاوز الاعتماد على مداخيل البترول وتوسيع قاعدة المشاركة في القرارات الوطنية والتعاطي برؤية مدروسة تقدم مصالح المنطقة على مصالح وأولويات ومشاريع غيرها. إن التنمية السياسية بوابة لحل الكثير من المعوقات والمشكلات القائمة، وعلى عكس ما يقال من إنها تؤدي لتفجير العنف فإن التنمية السياسية تساهم في تخفيف العنف المتنامي لأسباب سياسية أو اجتماعية أو فكرية.
أخيراً إن فتح الفرص أمام الآخرين للتعبير عن آرائهم مهما بدت قاسية وشديدة، وانضمام بعض الأفراد إلى مؤسسات اجتماعية وثقافية وسياسية يمارسون من خلالها أدواراً تقترب من المعارضة والرأي الآخر، إنما هو مساحات تفريغ مهمة تمنع تطور القناعات إلى عنف محلي، كما أنها تساهم في تكثيف النظر الجماعي لإيجاد الحلول والمخارج للتحديات والأزمات المطروحة أمام المجتمع الخليجي بصورة عامة، إنها فرصة للترميم والتأكيد على تقدم المنطقة وأهلها، وقدرة هذه الدول على قول كلمة الفصل في حاضر المنطقة ورسم مسار مستقبلها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2928::/cck::
::introtext::
جرت العادة أن يتناول الكتّاب والباحثون دول مجلس التعاون الخليجي من زاوية اقتصادية بحتة، لا تتعدى صفتها منتجاً للنفط وسوق للبضائع الأجنبية، وهذا الأمر لم يقتصر على الكتّاب الغربيين، وإنما يشاركهم فيه عدد من الكتاب والباحثين العرب.
::/introtext::
::fulltext::
جرت العادة أن يتناول الكتّاب والباحثون دول مجلس التعاون الخليجي من زاوية اقتصادية بحتة، لا تتعدى صفتها منتجاً للنفط وسوق للبضائع الأجنبية، وهذا الأمر لم يقتصر على الكتّاب الغربيين، وإنما يشاركهم فيه عدد من الكتاب والباحثين العرب.
غابت حتى وقت قريب الدراسات التي تبحث عن مركز دول مجلس التعاون في التنمية السياسية وانعكاس ذلك على حالة الاستقرار في المنطقة، ولم يدخل ذلك ضمن نطاق البحث إلا متأخراً، ويؤرخ لذلك في ما بعد العام 1991 وتحديداً بعد انتهاء حرب الخليج الثانية. أما قبل ذلك التاريخ فلم تكن الأوضاع الداخلية لدول المجلس محل اهتمام على المستوى العالمي، وما يحدث داخل الإمارات الخليجية الست أمر يعنيها وحدها، وتتناوله وسائل الإعلام الأجنبية والعربية بالكثير من الحذر في أحيان، واللامبالاة في أحيان كثيرة.
فبعد حرب الخليج الثانية أصبحت الإمارات الخليجية محل اهتمام استثنائي، فقد تبين أنها أكبر من بئر بترول أو سوق مستهلك لما تنتجه الدول الصناعية، وأن ثمة حقولاً للتفاعل السياسي يملؤها إيمان الشارع الخليجي بتبادل الرأي وإظهار الغضب الشعبي، وإن لم تتبلور هذه التعبيرات بصورة مؤسسية واضحة المعالم، فلم يستقبل سكان الخليج أحداث المنطقة بالدِّعة والسُّكون، وبرزت بعض الآراء الجريئة والمخالفة للسياسات الرسمية، ففي المملكة العربية السعودية حيث حطت القوات المتعددة الجنسيات على أراضيها، اتخذ عدد من رجال الدين موقفاً متشدداً من قبول المملكة التعاطي مع ما أطلقوا عليه القوات الصليبية، ورفعوا شعارات صارخة تعبر عن موقف عقدي متزمت لا ينسجم مع الموقف الرسمي الذي التزمته القيادة السعودية، وبين مؤيد ومعارض ظهرت على السطح آراء أشارت إلى تصاعد الاهتمام الشعبي في القضايا العامة، ولم تكن المملكة هي الوحيدة المعنية بهذا الجدل، فجميع دول الخليج دار في مجلاتها العامة والخاصة وعلى أوراق صحفها جدل مكثف حول مواضيع تتعلق بالموقف من الحرب وأثارها على المنطقة.
وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لتسلط الضوء مجدداً على دول المجلس، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة تماماً، وهي مقدار ما تُمثله هذه الدول من خطورة على الوضع الأمني على المستويين الإقليمي والعالمي، فقد وعت الولايات المتحدة أن ظاهرة السعودي أسامة بن لادن ومجموعة المغامرين التي نفذت الاعتداءات على برجي التجارة في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن، ومن بينهم خمسة عشر سعودياً، لم تكن ظاهرة منفردة وشاذة، وإنما هي انعكاس مباشر لطبيعة السياسات المتبعة في الخليج بصورة عامة.
وطبقاً لهذا الاستنتاج وُضعت دول الخليج تحت مجهر الفحص والتحليل، وأصبحت سياساتها الداخلية موضوعاً للنقد واللوم، وأخذت الأصوات ترتفع داخل دوائر القرار الأمريكية حول إمكانية التقليل من الاعتماد على نفط دول الخليج، عبر إقامة نظام موال لها في العراق، وهو المسار الذي تبناه خط المحافظين الجدد في القيادة الأمريكية. أضف الى ذلك ما توصلت إليه القيادة الأمريكية من أهمية الدخول في مواجهة مباشرة ضد النظام العراقي وإسقاطه، وفرض نظام حكم جديد يخضع لسيطرة الولايات المتحدة اعتقاداً منها أن من شأن المواجهة المباشرة أن تُساهم في ضرب الدفقات المعنوية الهائلة في الشارع العربي المتفاعل في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، ويقضي على تيار الغضب الإسلامي ضد السياسات الأمريكية في المنطقة.
وفي السياق ذاته خدم المحور الأمريكي الحديث المكون من باكستان وأفغانستان وأوزبكستان وتركيا، فضلا عن العراق، في سد جزء من احتياجات الولايات المتحدة السياسية والعسكرية لإتمام مشروعها في الشرق الأوسط، واستعاضت بهم عما رأته قصوراً من دول مجلس التعاون في دعم سياساتها في المنطقة. واللافت للنظر أن حالة التوتر التي ترتفع بين الولايات المتحدة وبعض دول الخليج سرعان ما تنسحب على البقية، وتبدو التمايزات البارزة بين دول الخليج أمراً ليست له قيمة تذكر عند التعامل الأمريكي مع دول المجلس، والأكثر من ذلك أن سياسات التعميم الأمريكية لا تكاد تفرق بين التوجهات والأفكار والممارسات في جميع أنحاء العالم الإسلامي من دون استثناء، ولعل أبرز ما يستوقف الباحث في هذا الموضوع حالة العداء الشامل لكل نشاط إسلامي سواء سياسي أو اجتماعي أو خيري، وبغض النظر عن الفروقات الشاسعة بين مدرسة التطرف ومدرسة الاعتدال في الشارع الخليجي والإسلامي عموماً. ويهدد هذا التعميم بدفع الشارع المعتدل، وهم الأكثرية الساحقة، نحو الإحباط الذي يهيئ مناخاً ملائماً للتطرف، بحيث لا يمكن لحكومات دول الخليج في المستقبل احتواء التطرف أو التحكم بمساراته وتداعياته، وهو ما ينذر بتغيرات جذرية تهدد نمط العلاقات القائمة مقابل قيام منظومة علاقات سياسية جديدة. وتُنبه الأحداث السابقة بما فيها من إشارات سلبية لمستقبل دول المنطقة، إلى خطورة السكون السلبي الذي يكاد يعم دول المجلس تجاه التطورات المتسارعة في المنطقة، والذي يترافق مع القبول بالأمر الواقع، والتلكؤ في اتخاذ التدابير اللازمة للتحول السياسي، ومقاومة التطور حتى اللحظات الأخيرة، في مقابل نشاط وتجدد المخططات الغربية وبنائها المستمر لتصورات وسياسات لإدارة المنطقة، ويبدو لي أن دول المجلس ورغم توفر فرص عديدة أمامها لاتخاذ مواقف جريئة وتاريخية تعيد رسم خارطة المنطقة بما ينسجم مع مصالح شعوبها، بدءاً من القضية الفلسطينية، إلى أحداث حرب الخليج الثانية، مروراً بالعلاقة مع إيران، حتى توترات العراق، وصولاً إلى قضية التطرف الديني الذي بدأ يتفشى داخل بعض دول المجلس ، إلا أنها واجهت كل تلك الظروف والتحديات الخارجية والداخلية بالقليل من التخطيط والدراسة وبالكثير من التخبط والعشوائية، وتكفي الإشارة إلى ندرة بل غياب مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية في عموم المنطقة الخليجية، وباستثناء دولة الإمارات، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تشييد عدد محدود من المؤسسات البحثية، فإن دول الخليج الأخرى تغيب فيها بشكل مثير للدهشة مثل تلك المراكز والمؤسسات.
وتقف دول الخليج في منطقة الخطر وتحيط بها التحديات من كل جانب، من مشكلة التوسع الأمريكي ومشروعه الشرق أوسطي الجديد إلى التحدي النووي الذي تخوضه إيران بالقرب من الخليج، وحتى الفوضى الأمنية في العراق وآثارها في المنطقة، وهي معنية بتقديم مساهماتها لتفكيك هذه الملفات وقراءتها بشكل معمق، قبل أن ترتد بنتائجها الكارثية على الجميع. وإذا لم تبادر دول المجلس لاتخاذ مبادرة للإمساك بزمام الأمور، فإنها ستقع في منطقة ملغومة، وربما تجد نفسها بعد برهة زمنية أمام استحقاق دفع فاتورة التسويف والإهمال، وقد يكون مكلفاً أكثر مما يُمكنها تحمل نتائجه وآثاره، لاسيما أن الوعي السياسي في الخليج يعتمد اليوم على شبكة متطورة من تقنيات الاتصال الحديثة، ويظهر أن شعوب المنطقة تخلصت من تلك الأطر التي كانت الدولة قد حددت بدايتها ونهايتها سلفاً. ولم يعد الرأي الرسمي ذا سلطة عليا على المواطنين، كما كانت تجري الأمور في السابق، وأصبحت المعلومة بغض النظر عن الموقف الرسمي هي مربط فرس المهتمين.
لقد وفرت وسائط الاتصال طفرة معلوماتية هائلة، أتاحت لأبناء المنطقة فرصة التعرف مبكراً إلى أوضاع بلدانهم الداخلية، من مصادر أجنبية وبعيدة، وأعتقد أن الخطوة الأولى للارتقاء السياسي في المنطقة هي أن يُتاح لأبناء كل منطقة التعرف إلى أوضاعهم من الداخل وليس من الخارج، وأن تتحول تلك الأوضاع والشؤون إلى مادة للتداول والحوار الداخلي بين الشعوب أنفسهم ضمن مؤسساتهم التقليدية والحديثة، وبين المجتمع والدولة أيضا، بما يسمح بإجراء مصالحة داخلية تتجاوز بعدها دول المجلس مخاطر القطيعة والتباعد والغربة بين الدولة ومجتمعها، وتحصن من خلاله جميع جبهاتها أمام الأخطار المحتملة، فالتأييد والدعم الشعبي يظلان الراعي الرئيسي للوطن، ونخبة النشطة هم الجهة الفاعلة والقادرة على توجيه الرأي العام لدعم وإنجاح المشاريع التنموية في مختلف أبعادها.
إن أمام حكومات دول المجلس فرصة سانحة لإعادة عجلة الحراك السياسي في اتجاهها السليم لتصب في مصلحتها أولاً، من خلال الحصول على دعم وثقة شعوبها، وما يقتضيه ذلك من البدء بإجراء تغيرات أساسية تتصل بالإصلاح الاقتصادي الذي يتجاوز الاعتماد على مداخيل البترول وتوسيع قاعدة المشاركة في القرارات الوطنية والتعاطي برؤية مدروسة تقدم مصالح المنطقة على مصالح وأولويات ومشاريع غيرها. إن التنمية السياسية بوابة لحل الكثير من المعوقات والمشكلات القائمة، وعلى عكس ما يقال من إنها تؤدي لتفجير العنف فإن التنمية السياسية تساهم في تخفيف العنف المتنامي لأسباب سياسية أو اجتماعية أو فكرية.
أخيراً إن فتح الفرص أمام الآخرين للتعبير عن آرائهم مهما بدت قاسية وشديدة، وانضمام بعض الأفراد إلى مؤسسات اجتماعية وثقافية وسياسية يمارسون من خلالها أدواراً تقترب من المعارضة والرأي الآخر، إنما هو مساحات تفريغ مهمة تمنع تطور القناعات إلى عنف محلي، كما أنها تساهم في تكثيف النظر الجماعي لإيجاد الحلول والمخارج للتحديات والأزمات المطروحة أمام المجتمع الخليجي بصورة عامة، إنها فرصة للترميم والتأكيد على تقدم المنطقة وأهلها، وقدرة هذه الدول على قول كلمة الفصل في حاضر المنطقة ورسم مسار مستقبلها.
::/fulltext::
::cck::2928::/cck::
