التعاون الاقتصادي الخليجي- العربي بين التطور والتطوير

::cck::2272::/cck::
::introtext::

يمثل المجال الاقتصادي أحد أبرز مجالات التعاون والتفاعل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبقية الدول العربية. فعلى خلاف المسار السياسي، يرتبط التفاعل الاقتصادي بين الدول بدوافع وأهداف أكثر واقعية وكذلك أكثر استقراراً، لذا يمكن اعتبار التفاعل الاقتصادي الخليجي- العربي مؤشراً ذا دلالة إلى عمق ومضمون العلاقات الخليجية-العربية.

::/introtext::
::fulltext::

يمثل المجال الاقتصادي أحد أبرز مجالات التعاون والتفاعل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبقية الدول العربية. فعلى خلاف المسار السياسي، يرتبط التفاعل الاقتصادي بين الدول بدوافع وأهداف أكثر واقعية وكذلك أكثر استقراراً، لذا يمكن اعتبار التفاعل الاقتصادي الخليجي- العربي مؤشراً ذا دلالة إلى عمق ومضمون العلاقات الخليجية-العربية.

شأنها شأن أي منظومة علاقات بين دولتين أو مجموعة من الدول، تخضع العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية لمجموعة من المحددات والعوامل الحاكمة. ومن أهم تلك المحددات الروابط الجغرافية والتاريخية والسياسية التي تجمع الجانبين، وهي ما يمكن وصفها بالمحدد الإقليمي أي الاعتبارات الناجمة عن وقوع الجانبين في نطاق إقليمي واحد، حيث التواصل الجغرافي يلعب دوراً محورياً في إيجاد مسارات تفاعل اقتصادي بدءاً بالتبادل التجاري وانتهاء بالاستثمارات مروراً بينهما بالقطاعات الخدمية مثل النقل والصيرفة. وفي النطاق الإقليمي العربي كان للبعد التاريخي أثره البالغ في توثيق عُرى العلاقات الاقتصادية، ففي ظل تاريخ مشترك سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مرت دول المنطقة العربية بمراحل متشابهة من التطور في مختلف المجالات، الأمر الذي جعل التعاون والتفاعل البيني أيسر وأكثر قابلية للنجاح، فضلاً عن الأثر الإيجابي للمشتركات الحضارية من دين ولغة وثقافة وقيم مجتمعية واحدة.

المحدد الثاني في العلاقات الاقتصادية الخليجية-العربية، هو الأوضاع الاقتصادية لكلا الجانبين، حيث تركت طبيعة وخصائص الاقتصادات الخليجية والعربية بصمات واضحة على التوجهات المتبادلة في المجال الاقتصادي. وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى التركيبة السكانية الخليجية وانعكاسها الواضح في استقبال العمالة الوافدة ومن بينها العمالة العربية. وكذلك انعكست طبيعة الموارد المتاحة خليجياً وتركزها بشكل أساسي في النفط في اتجاه الفوائض المالية والاستثمارات الخليجية إلى الدول العربية التي تجسد المحيط المباشر للخليج ثم إلى مناطق أخرى مع التوجه نحو الانفتاح على العالم ككل. في المقابل لعبت الأوضاع الاقتصادية العربية دوراً مهماً في توجيه دفة العلاقات الخليجية مع كل من الدول العربية حسب طبيعة وخصوصية اقتصاد كل دولة، ففي حين كان للسياحة والمراكز المالية والخدمية نصيب كبير في التفاعلات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وكل من لبنان وتونس، احتلت الأيدي العاملة والاستثمارات العقارية والزراعية الجانب الأهم في العلاقات الاقتصادية الخليجية مع مصر والأردن والمغرب واليمن. وفي الوقت ذاته فإن التفاوت في مستويات الدخول القومية بين مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية فرض مساراً للعلاقات بين المجموعتين قوامه الأساسي مساعدات اقتصادية خليجية للدول العربية الأقل دخلاً، حيث اشتركت الدول العربية غير الخليجية (باستثناء العراق وليبيا في فترات معينة من العقود الثلاثة الماضية) في تلقي مساعدات مالية خليجية سواء مباشرة أو غير مباشرة.

ملامح التجربة

استندت تجربة التعاون الاقتصادي الخليجي-العربي في الماضي إلى عدة مرتكزات مثلت أسس العلاقات بين الجانبين في أكثر من مجال وليس المجال الاقتصادي فقط،خاصة أن العلاقات كانت –وربما لا تزال- غير مقسمة نوعياً، ولا تخضع لفصل واضح بين السياسي والاقتصادي والثقافي وغيرها من مجالات وأوجه العلاقات والروابط.

1- الرابط القومي: مثّل الرابط القومي الجامع بين الدول العربية بوجه عام المرتكز الأهم والأكثر تأثيراً في توجيه وضبط العلاقات الخليجية- العربية خاصة في العقدين السابقين على الغزو العراقي للكويت. وكان المجال الاقتصادي من أكثر مجالات العلاقات تجسيداً لهذا الرابط خلال هذين العقدين، وبعدهما أيضاً لكن بدرجة أقل. فكثيراً ما تراجعت الحسابات البراغماتية للمصالح الخاصة بكل دولة أو بمجموعة معينة من الدول أمام الروابط القومية والشعور بأن المصلحة العربية المشتركة تجُب المصالح القُطرية الفردية. والأمثلة على ذلك كثيرة منها الموقف النفطي الخليجي في حرب أكتوبر 1973، والتعاون الخليجي- العربي لمساندة العراق في حربه مع إيران، فضلاً عن الموقف العربي الجماعي الثابت من القضية الفلسطينية ومجمل الصراع العربي- الإسرائيلي، وهو الموقف الذي كثيراً ما قدم المسؤولية القومية على المصالح القطرية والمبادئ على المنافع.

في النطاق الإقليمي العربي كان للبعد التاريخي أثره البالغ في توثيق عُرى العلاقات الاقتصادية

2- التكامل النوعي: اعتمد التعاون الاقتصادي الخليجي- العربي إلى حد كبير على فكرة التكامل النوعي، بمعنى التعاون القائم على التبادل بين الجانبين في ما يحتاجه كل جانب ويتميز فيه الجانب الآخر نسبياً. من هنا جاءت –على سبيل المثال- الاستعانة الخليجية بالعمالة العربية، والاستعانة العربية بالتمويل الخليجي للمشروعات الاقتصادية العربية. وفي الوقت ذاته، خضعت العلاقات الاقتصادية لمبدأ (توزيع الأعباء) في مواجهة التحديات القومية التي واجهت الأمة العربية، والمثال الأبرز على ذلك هو الصراع مع إسرائيل، حيث اضطلعت مجموعة من الدول العربية ذات الموارد البشرية الكبيرة أو القدرات التسليحية العالية أو الخبرة الدبلوماسية أو الاتصالات الدولية الواسعة بالأعباء العسكرية والسياسية. وشملت هذه الدول بشكل أساسي كلاً من مصر وسوريا والأردن ولبنان (كانت هذه الدول توصف بدول المواجهة) في حين تكفلت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (حتى قبل إنشاء المجلس) بقدر كبير من الأعباء الاقتصادية المترتبة على مجريات الصراع.

وقد كان للرابط القومي الغلبة بما دفع التكامل النوعي إلى الخضوع لمتطلبات ومقتضيات الأطر القومية الحاكمة للعلاقات، أو بعبارة أخرى، لعبت العوامل السياسية والأخرى غير الاقتصادية الدور الأكبر في توجيه دفة مجمل العلاقات بما فيها الجانب الاقتصادي، فجاءت التفاعلات الاقتصادية تابعة للتفاعلات في المجالات الأخرى، وليست منطلقة من الحسابات النوعية الخاصة بكل مجال على حدة. فعلى سبيل المثال، فإن الاستثمارات الخليجية المباشرة في الدول العربية الأخرى ظلت بعيدة عن صلب التفاعلات الاقتصادية بين الجانبين مقارنة بالمساعدات المالية المباشرة سواء المنح التي لا ترد أو القروض.. وفي بعض الفترات التي كانت تشهد تراجعاً أو انحساراً في المسار السياسي للعلاقات، كانت المساعدات تتوقف أو يجري تخفيضها بشكل كبير ويتم توجيه فوائض العائدات النفطية الخليجية إلى مناطق أخرى من العالم غير المنطقة العربية، من دون أن يجري مثلاً تحويل تلك المبالغ من مساعدات مباشرة إلى استثمارات تعود بالفائدة سواء على الدول المستقبلة لها أو القائمة بها.

في ضوء ما سبق، كان من المفهوم أن تتركز العلاقات الاقتصادية الخليجية- العربية طوال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في أشكال ومظاهر محددة أهمهاالمساعدات الخليجية للدول العربية، والعمالة العربية في الخليج، والتعاون في مجال الصناعات العسكرية، والتبادلات التجارية.

مرحلة التحول

شهدت العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبقية الدول العربية تحولات وتطورات خلال السنوات الأخيرة تأثرت فيها بالتحولات والتطورات العالمية بالأساس، وبدرجة أقل بالتطورات الإقليمية والداخلية في كلا الجانبين.

فمن ناحية، سادت العالم موجة عاتية من الانفتاح المتبادل والاشتراك في القضايا والاهتمامات والروابط الاقتصادية، فتحولت العلاقات ومسارات التفاعل الاقتصادي على مستوى العالم من الاستناد إلى الأطر الإقليمية ومعيار التقارب الجغرافي وهو ما تجسد في صيغ تكاملية ثنائية أو إقليمية، لتتجه بشكل كلي تقريباً إلى التعاون الوظيفي بغض النظر عن الاعتبارات الجغرافية أو السياسية ودون التقيد بصيغ تنظيمية دائمة خاصة الثنائي والإقليمي منها. لكن يلاحظ أن العالم شهد بالتوازي مع هذا المسار صعوداً في التوجه نحو (عولمة التكتلات الاقتصادية)، بمعنى أن الاستغناء عن الصيغ التنظيمية محدودة النطاق جاء لمصلحة صيغ تنظيمية واسعة النطاق وغير محكومة بالأطر الإقليمية أو عامل التجاور الجغرافي التقليدي، والمثال الأبرز في ذلك هو منظمة التجارة العالمية.

ومما ساعد على تأثر الدول العربية إجمالاً بهذا المد (العولمي)، التشابه بين الاقتصادات العربية بشكل عام، وفي نطاق كل مجموعة بصورة واضحة، فالدول العربية كافة تشترك في الاعتماد على مصدر دخل واحد رئيسي، النفط في بعضها، الزراعة في بعض آخر، والسياحة في البعض الثالث، وكذلك في انخفاض مستوى قطاع الصناعة القوام الأساسي لأي اقتصاد قوي. وبالنظر إلى مجموعة الدول العربية غير الخليجية، نجد أنها تتشابه كثيراً في أوضاعها وخصائصها الاقتصادية، وهو ما ينطبق أيضاً على مجموعة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. الأمر الذي جعل الظروف والمعطيات الاقتصادية على الجانبين مهيأة للانفتاح على العالم الخارجي أكثر من قابليتها للتكامل البيني سواء داخل كل مجموعة أو فيما بينهما معاً.

مسار العمالة العربية في الخليج شهد تأثراً ملحوظاً بتداعيات الغزو العراقي للكويت

بالتوازي مع هذا التحول الخارجي، شهدت الأوضاع الإقليمية تحولات انعكست بشكل ملحوظ على العلاقات العربية- العربية بشكل عام، وخاصة في اتجاه تراجع اعتبار الرابط القومي لصالح عامل التكامل النوعي، وهو توجه ساير التوجه العالمي من جانب، وأفسح المجال أمام الحسابات الاقتصادية والوظيفية بالمعنى الواسع لتلعب دورها بعد أن ظلت طويلاً تالية وتابعة للحسابات السياسية.

وداخلياً، اتجهت الدول العربية بشكل عام نحو تطبيق آليات اقتصاد السوق والحد من دور الدولة المركزي في إدارة وتسيير العمليات الاقتصادية، في محاولة لاستنهاض تلك الاقتصادات وملاحقة الاقتصادات المتقدمة. والجدير بالذكر هنا ما قامت به دول مجلس التعاون من جهود حثيثة ومتواصلة للخروج من دائرة المورد الواحد، والانحصار في نطاق الاقتصاد الريعي، وهو ما نجحت فيه بالفعل إلى حد كبير خاصة في اتجاه تخصيص الاستثمارات والعوائد النفطية لبناء هياكل اقتصادية جديدة خارج نطاق النفط واستثماراته، ما تجسد في التوجه بقوة نحو اقتصاد الخدمات في بعض الدول مثل الإمارات (خاصة دبي) والبحرين، وتنويع طرق الاستفادة من الموارد غير النفطية مثل التوجه نحو الصناعات الغذائية في بعض الدول مثل السعودية.

في الوقت ذاته، لجأت كثير من الدول العربية -غير الخليجية- إلى البحث عن استثمارات أجنبية لتنشيط اقتصاداتها باتجاه تحديث أو إيجاد صناعات جديدة اعتماداً على توافر الأيدي العاملة الرخيصة وأحياناً الموارد أو المواد الخام اللازمة.

وفي ظل تلك التوجهات، شهدت مظاهر العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية الخليجية والأخرى غير الخليجية تغيرات نسبية خاصة في العقد الأخير، فبالمقارنة مع سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مالت المساعدات الاقتصادية الخليجية للدول العربية الأخرى إلى التركيز على الاستثمارات الموجهة والمشروعات المشتركة أكثر من القروض والمنح المالية المباشرة. كما تصاعد دور القطاع الخاص والمستثمرين الأفراد مقارنة بالهيمنة شبه الكاملة من جانب الحكومات والمؤسسات الرسمية.

وكذلك شهد مسار العمالة العربية في الخليج تأثراً ملحوظاً بتداعيات الغزو العراقي للكويت، ففي ظل المناخ العام الذي ميز البيئتين الإقليمية والعالمية بالاتجاه نحو البراغماتية وليس الأيديولوجيات، أصبحت سياسات التوظيف والاستقطاب في دول المجلس تخضع لمعايير فنية أكثر منها سياسية. وأخذت العمالة الأجنبية الوافدة من دول غير عربية إلى منطقة الخليج تثبت أقدامها تدريجياً على حساب العمالة العربية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثمة اعتبارات وأسباب موضوعية وراء تلك الإزاحة التي تعرضت لها العمالة العربية في الخليج، بعضها يتعلق بتغير احتياجات ومتطلبات سوق العمالة الخليجي وفقاً للتطور الطبيعي للأنشطة والسياسات الاجتماعية والاقتصادية، بينما يتصل البعض الآخر بالمقارنة الموضوعية المجردة بين العمالة العربية ونظيراتها الأجنبية وخاصة الآسيوية، فغالباً ما تأتي نتائج هذه المقارنة في غير صالح العمالة العربية مع بعض الاستثناءات.

ولم يختلف الأمر كثيراً في ما يتصل بكل من التبادلات التجارية والتعاون الخليجي- العربي في المجال العسكري مع اختلاف الدوافع والأسباب، فمع مطلع تسعينات القرن الماضي وتدشين عملية التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل، لم تعد معضلة (توزيع الأعباء) بين متطلبات المواجهة ومتطلبات التنمية قائمة، وبالتالي كان من الطبيعي أن تتغير خريطة الوزن النسبي لمجالات ومسارات التعاون الاقتصادي الخليجي- العربي لصالح التعاون في مشروعات التنمية والنطاق المدني عموماً. ورغم أن حجم التبادلات التجارية بين دول مجلس التعاون وبقية الدول العربية لم يشهد تغيراً جذرياً، إلا أن هذا بذاته يمثل مؤشراً ذا دلالات غير إيجابية، في ضوء تزايد عدد السكان على الجانبين، واتساع نطاق الأنشطة الاقتصادية خاصة التجارية والخدمية، ما كان يفترض ان تزيد معدلات التبادل التجاري بنسب أعلى من الحاصل. بيد أنه بالرجوع إلى معطيات الواقع الاقتصادي الخليجي والعربي، يمكن تفهم ذلك الواقع في سياق الاعتبارات الخاصة بالانفتاح الخليجي الواسع على العالم الخارجي للاستفادة من آليات ومزايا التجارة الحرة على مستوى العالم، وكذلك عجز الاقتصادات العربية عن بناء قطاعات إنتاجية قوية تكفل لها تواجداً سلعياً منافساً.

وتجدر الإشارة هنا إلى بروز نمط جديد للتجارة بين دول مجلس التعاون والدول العربية الأخرى، هو تجارة إعادة التصدير التي يزداد نطاقها في دول مجلس التعاون بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، وهي تجارة ذات اتجاه واحد تقريباً، من الدول المنتجة لا سيما اليابان والصين ودول جنوب الشرق الآسيوي إلى دول مجلس التعاون (خاصة الإمارات) ومنها إلى بقية الدول العربية، استناداً إلى تميز دول المجلس بالموقع الجغرافي المتوسط بين جنوب شرق آسيا وبقية دول المنطقة العربية 

التنويع المستمر في الأنشطة الاقتصادية الخليجية الداخلية يفتح الباب مجدداً أمام العمالة العربية

فرص المستقبل

في ضوء التحولات التي شهدتها العلاقات الخليجية- العربية في الجانب الاقتصادي، يمكن تلمس الفرص والآفاق المفتوحة أمام توطيد تلك العلاقات بشكل عام باستنهاض ما أصابه التعثر منها، واستحداث ما لم تشمله تلك العلاقات بعد. وحتى يستند البحث عن مصادر ومداخل لتفعيل وتطوير التعاون الاقتصادي الخليجي-العربي إلى أسس عملية قابلة للتطبيق، فلابد من مراعاة بعض المقومات والمتطلبات، من أهمها أن الانفتاح على العالم واعتماد التكامل الوظيفي مدخلاً للتعاون ربما يكتسب مزيداًَ من القوة والتماسك إذا ما اقترن بالتقارب الجغرافي فضلاً عن الروابط الأخرى الاجتماعية والحضارية. فمن ناحية، لا بد من أن ينطلق التعاون الاقتصادي الخليجي- العربي من أرضية مشتركة، أي تفاهم واتفاق حول أسس ومرتكزات ذلك التعاون، سواء تجسدت في أطر ومرجعيات سياسية وأيديولوجية كما كانت الحال في السابق، أو اتخذت من الحسابات الواقعية والمصالح الاقتصادية القُطرية هدفاً بذاته. ومن ناحية أخرى، من الضروري أن يكون لدى كلا الجانبين تصور واضح عن الصيغة المُثلى للتفاعل مع العالم اقتصادياً، سواء من خلال تكتلات اقتصادية إقليمية أو بالتعاون متعدد الأطراف بغض النظر عن الانخراط في تكتلات أو تنظيمات ثابتة، أو بشكل فردي متحرر من الالتزام بالأطر الجماعية. إن اختيار إحدى هذه الصيغ من شأنه التأثير بقوة على توجهات كل من الدول العربية سواء مجموعة دول مجلس التعاون أو بقية الدول العربية، ليس كل مجموعة تجاه الأخرى بشكل إجمالي فقط، لكن أيضاً داخل كل مجموعة على حدة.

إن من شأن تحديد هذه الأسس والمنطلقات أن يساعد على تفعيل العلاقات الاقتصادية- العربية واغتنام الفرص والمداخل المتاحة أمامها لمزيد من الترابط والمنفعة المتبادلة. ومن أبرز تلك المداخل والفرص التطور الإيجابي الذي طرأ على مناخ الاستثمار في الدول العربية غير الخليجية، بما يشجع على جذب الاستثمارات الخليجية. وفي المقابل فإن التنويع المستمر في الأنشطة الاقتصادية الخليجية الداخلية يفتح الباب مجدداً أمام العمالة العربية لتستعيد مكانتها في سوق العمل الخليجي، والمثال الأوضح على ذلك تزايد الاهتمام الخليجي مؤخراً بمجالات مثل التكنولوجيا والمعلوماتية، إضافة إلى الإعلام والاتصال، وكذلك السعي الخليجي المستمر نحو تطوير نظم وهياكل التعليم واستحداث الجديد منها في العالم بشكل مستمر. بيد أن تفعيل تلك الفرص والاستفادة يظل مرهوناً بشروط عدة من بينها ضرورة إدراك الجانبين (الخليجي والعربي) أن الاندماج في آليات الاقتصاد العالمي والانفتاح الشامل على العالم الخارجي بمستوياته ونطاقاته فوق الإقليمية، لا بد أن يستند إلى روابط بينية وإقليمية قوية تكفل التماسك والاستمرار في التواجد على الساحة العالمية، خاصة إذا شهدت تلك الساحة اضطرابات أو عثرات مفاجئة. كذلك فإن الدول العربية غير الخليجية مطالبة بشكل خاص وعاجل بتوجيه جل اهتمامها إلى تطوير وتحسين أوضاع الكوادر والكفاءات البشرية المتوافرة لديها، باعتبارها المورد الرئيسي لها كماً ونوعاً. وأخيراً فإن الجانبين مطالبان بتطوير وتحسين الأطر التشريعية والقانونية الحاكمة للأنشطة الاقتصادية، بما يساعد على تقريب المسافات البينية، ويسهل عمليات التكامل أو حتى التعاون الاقتصادي بأقل قدر ممكن من العراقيل التشريعية والإجرائية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2272::/cck::
::introtext::

يمثل المجال الاقتصادي أحد أبرز مجالات التعاون والتفاعل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبقية الدول العربية. فعلى خلاف المسار السياسي، يرتبط التفاعل الاقتصادي بين الدول بدوافع وأهداف أكثر واقعية وكذلك أكثر استقراراً، لذا يمكن اعتبار التفاعل الاقتصادي الخليجي- العربي مؤشراً ذا دلالة إلى عمق ومضمون العلاقات الخليجية-العربية.

::/introtext::
::fulltext::

يمثل المجال الاقتصادي أحد أبرز مجالات التعاون والتفاعل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبقية الدول العربية. فعلى خلاف المسار السياسي، يرتبط التفاعل الاقتصادي بين الدول بدوافع وأهداف أكثر واقعية وكذلك أكثر استقراراً، لذا يمكن اعتبار التفاعل الاقتصادي الخليجي- العربي مؤشراً ذا دلالة إلى عمق ومضمون العلاقات الخليجية-العربية.

شأنها شأن أي منظومة علاقات بين دولتين أو مجموعة من الدول، تخضع العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية لمجموعة من المحددات والعوامل الحاكمة. ومن أهم تلك المحددات الروابط الجغرافية والتاريخية والسياسية التي تجمع الجانبين، وهي ما يمكن وصفها بالمحدد الإقليمي أي الاعتبارات الناجمة عن وقوع الجانبين في نطاق إقليمي واحد، حيث التواصل الجغرافي يلعب دوراً محورياً في إيجاد مسارات تفاعل اقتصادي بدءاً بالتبادل التجاري وانتهاء بالاستثمارات مروراً بينهما بالقطاعات الخدمية مثل النقل والصيرفة. وفي النطاق الإقليمي العربي كان للبعد التاريخي أثره البالغ في توثيق عُرى العلاقات الاقتصادية، ففي ظل تاريخ مشترك سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مرت دول المنطقة العربية بمراحل متشابهة من التطور في مختلف المجالات، الأمر الذي جعل التعاون والتفاعل البيني أيسر وأكثر قابلية للنجاح، فضلاً عن الأثر الإيجابي للمشتركات الحضارية من دين ولغة وثقافة وقيم مجتمعية واحدة.

المحدد الثاني في العلاقات الاقتصادية الخليجية-العربية، هو الأوضاع الاقتصادية لكلا الجانبين، حيث تركت طبيعة وخصائص الاقتصادات الخليجية والعربية بصمات واضحة على التوجهات المتبادلة في المجال الاقتصادي. وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى التركيبة السكانية الخليجية وانعكاسها الواضح في استقبال العمالة الوافدة ومن بينها العمالة العربية. وكذلك انعكست طبيعة الموارد المتاحة خليجياً وتركزها بشكل أساسي في النفط في اتجاه الفوائض المالية والاستثمارات الخليجية إلى الدول العربية التي تجسد المحيط المباشر للخليج ثم إلى مناطق أخرى مع التوجه نحو الانفتاح على العالم ككل. في المقابل لعبت الأوضاع الاقتصادية العربية دوراً مهماً في توجيه دفة العلاقات الخليجية مع كل من الدول العربية حسب طبيعة وخصوصية اقتصاد كل دولة، ففي حين كان للسياحة والمراكز المالية والخدمية نصيب كبير في التفاعلات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وكل من لبنان وتونس، احتلت الأيدي العاملة والاستثمارات العقارية والزراعية الجانب الأهم في العلاقات الاقتصادية الخليجية مع مصر والأردن والمغرب واليمن. وفي الوقت ذاته فإن التفاوت في مستويات الدخول القومية بين مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية فرض مساراً للعلاقات بين المجموعتين قوامه الأساسي مساعدات اقتصادية خليجية للدول العربية الأقل دخلاً، حيث اشتركت الدول العربية غير الخليجية (باستثناء العراق وليبيا في فترات معينة من العقود الثلاثة الماضية) في تلقي مساعدات مالية خليجية سواء مباشرة أو غير مباشرة.

ملامح التجربة

استندت تجربة التعاون الاقتصادي الخليجي-العربي في الماضي إلى عدة مرتكزات مثلت أسس العلاقات بين الجانبين في أكثر من مجال وليس المجال الاقتصادي فقط،خاصة أن العلاقات كانت –وربما لا تزال- غير مقسمة نوعياً، ولا تخضع لفصل واضح بين السياسي والاقتصادي والثقافي وغيرها من مجالات وأوجه العلاقات والروابط.

1- الرابط القومي: مثّل الرابط القومي الجامع بين الدول العربية بوجه عام المرتكز الأهم والأكثر تأثيراً في توجيه وضبط العلاقات الخليجية- العربية خاصة في العقدين السابقين على الغزو العراقي للكويت. وكان المجال الاقتصادي من أكثر مجالات العلاقات تجسيداً لهذا الرابط خلال هذين العقدين، وبعدهما أيضاً لكن بدرجة أقل. فكثيراً ما تراجعت الحسابات البراغماتية للمصالح الخاصة بكل دولة أو بمجموعة معينة من الدول أمام الروابط القومية والشعور بأن المصلحة العربية المشتركة تجُب المصالح القُطرية الفردية. والأمثلة على ذلك كثيرة منها الموقف النفطي الخليجي في حرب أكتوبر 1973، والتعاون الخليجي- العربي لمساندة العراق في حربه مع إيران، فضلاً عن الموقف العربي الجماعي الثابت من القضية الفلسطينية ومجمل الصراع العربي- الإسرائيلي، وهو الموقف الذي كثيراً ما قدم المسؤولية القومية على المصالح القطرية والمبادئ على المنافع.

في النطاق الإقليمي العربي كان للبعد التاريخي أثره البالغ في توثيق عُرى العلاقات الاقتصادية

2- التكامل النوعي: اعتمد التعاون الاقتصادي الخليجي- العربي إلى حد كبير على فكرة التكامل النوعي، بمعنى التعاون القائم على التبادل بين الجانبين في ما يحتاجه كل جانب ويتميز فيه الجانب الآخر نسبياً. من هنا جاءت –على سبيل المثال- الاستعانة الخليجية بالعمالة العربية، والاستعانة العربية بالتمويل الخليجي للمشروعات الاقتصادية العربية. وفي الوقت ذاته، خضعت العلاقات الاقتصادية لمبدأ (توزيع الأعباء) في مواجهة التحديات القومية التي واجهت الأمة العربية، والمثال الأبرز على ذلك هو الصراع مع إسرائيل، حيث اضطلعت مجموعة من الدول العربية ذات الموارد البشرية الكبيرة أو القدرات التسليحية العالية أو الخبرة الدبلوماسية أو الاتصالات الدولية الواسعة بالأعباء العسكرية والسياسية. وشملت هذه الدول بشكل أساسي كلاً من مصر وسوريا والأردن ولبنان (كانت هذه الدول توصف بدول المواجهة) في حين تكفلت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (حتى قبل إنشاء المجلس) بقدر كبير من الأعباء الاقتصادية المترتبة على مجريات الصراع.

وقد كان للرابط القومي الغلبة بما دفع التكامل النوعي إلى الخضوع لمتطلبات ومقتضيات الأطر القومية الحاكمة للعلاقات، أو بعبارة أخرى، لعبت العوامل السياسية والأخرى غير الاقتصادية الدور الأكبر في توجيه دفة مجمل العلاقات بما فيها الجانب الاقتصادي، فجاءت التفاعلات الاقتصادية تابعة للتفاعلات في المجالات الأخرى، وليست منطلقة من الحسابات النوعية الخاصة بكل مجال على حدة. فعلى سبيل المثال، فإن الاستثمارات الخليجية المباشرة في الدول العربية الأخرى ظلت بعيدة عن صلب التفاعلات الاقتصادية بين الجانبين مقارنة بالمساعدات المالية المباشرة سواء المنح التي لا ترد أو القروض.. وفي بعض الفترات التي كانت تشهد تراجعاً أو انحساراً في المسار السياسي للعلاقات، كانت المساعدات تتوقف أو يجري تخفيضها بشكل كبير ويتم توجيه فوائض العائدات النفطية الخليجية إلى مناطق أخرى من العالم غير المنطقة العربية، من دون أن يجري مثلاً تحويل تلك المبالغ من مساعدات مباشرة إلى استثمارات تعود بالفائدة سواء على الدول المستقبلة لها أو القائمة بها.

في ضوء ما سبق، كان من المفهوم أن تتركز العلاقات الاقتصادية الخليجية- العربية طوال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في أشكال ومظاهر محددة أهمهاالمساعدات الخليجية للدول العربية، والعمالة العربية في الخليج، والتعاون في مجال الصناعات العسكرية، والتبادلات التجارية.

مرحلة التحول

شهدت العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبقية الدول العربية تحولات وتطورات خلال السنوات الأخيرة تأثرت فيها بالتحولات والتطورات العالمية بالأساس، وبدرجة أقل بالتطورات الإقليمية والداخلية في كلا الجانبين.

فمن ناحية، سادت العالم موجة عاتية من الانفتاح المتبادل والاشتراك في القضايا والاهتمامات والروابط الاقتصادية، فتحولت العلاقات ومسارات التفاعل الاقتصادي على مستوى العالم من الاستناد إلى الأطر الإقليمية ومعيار التقارب الجغرافي وهو ما تجسد في صيغ تكاملية ثنائية أو إقليمية، لتتجه بشكل كلي تقريباً إلى التعاون الوظيفي بغض النظر عن الاعتبارات الجغرافية أو السياسية ودون التقيد بصيغ تنظيمية دائمة خاصة الثنائي والإقليمي منها. لكن يلاحظ أن العالم شهد بالتوازي مع هذا المسار صعوداً في التوجه نحو (عولمة التكتلات الاقتصادية)، بمعنى أن الاستغناء عن الصيغ التنظيمية محدودة النطاق جاء لمصلحة صيغ تنظيمية واسعة النطاق وغير محكومة بالأطر الإقليمية أو عامل التجاور الجغرافي التقليدي، والمثال الأبرز في ذلك هو منظمة التجارة العالمية.

ومما ساعد على تأثر الدول العربية إجمالاً بهذا المد (العولمي)، التشابه بين الاقتصادات العربية بشكل عام، وفي نطاق كل مجموعة بصورة واضحة، فالدول العربية كافة تشترك في الاعتماد على مصدر دخل واحد رئيسي، النفط في بعضها، الزراعة في بعض آخر، والسياحة في البعض الثالث، وكذلك في انخفاض مستوى قطاع الصناعة القوام الأساسي لأي اقتصاد قوي. وبالنظر إلى مجموعة الدول العربية غير الخليجية، نجد أنها تتشابه كثيراً في أوضاعها وخصائصها الاقتصادية، وهو ما ينطبق أيضاً على مجموعة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. الأمر الذي جعل الظروف والمعطيات الاقتصادية على الجانبين مهيأة للانفتاح على العالم الخارجي أكثر من قابليتها للتكامل البيني سواء داخل كل مجموعة أو فيما بينهما معاً.

مسار العمالة العربية في الخليج شهد تأثراً ملحوظاً بتداعيات الغزو العراقي للكويت

بالتوازي مع هذا التحول الخارجي، شهدت الأوضاع الإقليمية تحولات انعكست بشكل ملحوظ على العلاقات العربية- العربية بشكل عام، وخاصة في اتجاه تراجع اعتبار الرابط القومي لصالح عامل التكامل النوعي، وهو توجه ساير التوجه العالمي من جانب، وأفسح المجال أمام الحسابات الاقتصادية والوظيفية بالمعنى الواسع لتلعب دورها بعد أن ظلت طويلاً تالية وتابعة للحسابات السياسية.

وداخلياً، اتجهت الدول العربية بشكل عام نحو تطبيق آليات اقتصاد السوق والحد من دور الدولة المركزي في إدارة وتسيير العمليات الاقتصادية، في محاولة لاستنهاض تلك الاقتصادات وملاحقة الاقتصادات المتقدمة. والجدير بالذكر هنا ما قامت به دول مجلس التعاون من جهود حثيثة ومتواصلة للخروج من دائرة المورد الواحد، والانحصار في نطاق الاقتصاد الريعي، وهو ما نجحت فيه بالفعل إلى حد كبير خاصة في اتجاه تخصيص الاستثمارات والعوائد النفطية لبناء هياكل اقتصادية جديدة خارج نطاق النفط واستثماراته، ما تجسد في التوجه بقوة نحو اقتصاد الخدمات في بعض الدول مثل الإمارات (خاصة دبي) والبحرين، وتنويع طرق الاستفادة من الموارد غير النفطية مثل التوجه نحو الصناعات الغذائية في بعض الدول مثل السعودية.

في الوقت ذاته، لجأت كثير من الدول العربية -غير الخليجية- إلى البحث عن استثمارات أجنبية لتنشيط اقتصاداتها باتجاه تحديث أو إيجاد صناعات جديدة اعتماداً على توافر الأيدي العاملة الرخيصة وأحياناً الموارد أو المواد الخام اللازمة.

وفي ظل تلك التوجهات، شهدت مظاهر العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية الخليجية والأخرى غير الخليجية تغيرات نسبية خاصة في العقد الأخير، فبالمقارنة مع سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مالت المساعدات الاقتصادية الخليجية للدول العربية الأخرى إلى التركيز على الاستثمارات الموجهة والمشروعات المشتركة أكثر من القروض والمنح المالية المباشرة. كما تصاعد دور القطاع الخاص والمستثمرين الأفراد مقارنة بالهيمنة شبه الكاملة من جانب الحكومات والمؤسسات الرسمية.

وكذلك شهد مسار العمالة العربية في الخليج تأثراً ملحوظاً بتداعيات الغزو العراقي للكويت، ففي ظل المناخ العام الذي ميز البيئتين الإقليمية والعالمية بالاتجاه نحو البراغماتية وليس الأيديولوجيات، أصبحت سياسات التوظيف والاستقطاب في دول المجلس تخضع لمعايير فنية أكثر منها سياسية. وأخذت العمالة الأجنبية الوافدة من دول غير عربية إلى منطقة الخليج تثبت أقدامها تدريجياً على حساب العمالة العربية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثمة اعتبارات وأسباب موضوعية وراء تلك الإزاحة التي تعرضت لها العمالة العربية في الخليج، بعضها يتعلق بتغير احتياجات ومتطلبات سوق العمالة الخليجي وفقاً للتطور الطبيعي للأنشطة والسياسات الاجتماعية والاقتصادية، بينما يتصل البعض الآخر بالمقارنة الموضوعية المجردة بين العمالة العربية ونظيراتها الأجنبية وخاصة الآسيوية، فغالباً ما تأتي نتائج هذه المقارنة في غير صالح العمالة العربية مع بعض الاستثناءات.

ولم يختلف الأمر كثيراً في ما يتصل بكل من التبادلات التجارية والتعاون الخليجي- العربي في المجال العسكري مع اختلاف الدوافع والأسباب، فمع مطلع تسعينات القرن الماضي وتدشين عملية التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل، لم تعد معضلة (توزيع الأعباء) بين متطلبات المواجهة ومتطلبات التنمية قائمة، وبالتالي كان من الطبيعي أن تتغير خريطة الوزن النسبي لمجالات ومسارات التعاون الاقتصادي الخليجي- العربي لصالح التعاون في مشروعات التنمية والنطاق المدني عموماً. ورغم أن حجم التبادلات التجارية بين دول مجلس التعاون وبقية الدول العربية لم يشهد تغيراً جذرياً، إلا أن هذا بذاته يمثل مؤشراً ذا دلالات غير إيجابية، في ضوء تزايد عدد السكان على الجانبين، واتساع نطاق الأنشطة الاقتصادية خاصة التجارية والخدمية، ما كان يفترض ان تزيد معدلات التبادل التجاري بنسب أعلى من الحاصل. بيد أنه بالرجوع إلى معطيات الواقع الاقتصادي الخليجي والعربي، يمكن تفهم ذلك الواقع في سياق الاعتبارات الخاصة بالانفتاح الخليجي الواسع على العالم الخارجي للاستفادة من آليات ومزايا التجارة الحرة على مستوى العالم، وكذلك عجز الاقتصادات العربية عن بناء قطاعات إنتاجية قوية تكفل لها تواجداً سلعياً منافساً.

وتجدر الإشارة هنا إلى بروز نمط جديد للتجارة بين دول مجلس التعاون والدول العربية الأخرى، هو تجارة إعادة التصدير التي يزداد نطاقها في دول مجلس التعاون بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، وهي تجارة ذات اتجاه واحد تقريباً، من الدول المنتجة لا سيما اليابان والصين ودول جنوب الشرق الآسيوي إلى دول مجلس التعاون (خاصة الإمارات) ومنها إلى بقية الدول العربية، استناداً إلى تميز دول المجلس بالموقع الجغرافي المتوسط بين جنوب شرق آسيا وبقية دول المنطقة العربية 

التنويع المستمر في الأنشطة الاقتصادية الخليجية الداخلية يفتح الباب مجدداً أمام العمالة العربية

فرص المستقبل

في ضوء التحولات التي شهدتها العلاقات الخليجية- العربية في الجانب الاقتصادي، يمكن تلمس الفرص والآفاق المفتوحة أمام توطيد تلك العلاقات بشكل عام باستنهاض ما أصابه التعثر منها، واستحداث ما لم تشمله تلك العلاقات بعد. وحتى يستند البحث عن مصادر ومداخل لتفعيل وتطوير التعاون الاقتصادي الخليجي-العربي إلى أسس عملية قابلة للتطبيق، فلابد من مراعاة بعض المقومات والمتطلبات، من أهمها أن الانفتاح على العالم واعتماد التكامل الوظيفي مدخلاً للتعاون ربما يكتسب مزيداًَ من القوة والتماسك إذا ما اقترن بالتقارب الجغرافي فضلاً عن الروابط الأخرى الاجتماعية والحضارية. فمن ناحية، لا بد من أن ينطلق التعاون الاقتصادي الخليجي- العربي من أرضية مشتركة، أي تفاهم واتفاق حول أسس ومرتكزات ذلك التعاون، سواء تجسدت في أطر ومرجعيات سياسية وأيديولوجية كما كانت الحال في السابق، أو اتخذت من الحسابات الواقعية والمصالح الاقتصادية القُطرية هدفاً بذاته. ومن ناحية أخرى، من الضروري أن يكون لدى كلا الجانبين تصور واضح عن الصيغة المُثلى للتفاعل مع العالم اقتصادياً، سواء من خلال تكتلات اقتصادية إقليمية أو بالتعاون متعدد الأطراف بغض النظر عن الانخراط في تكتلات أو تنظيمات ثابتة، أو بشكل فردي متحرر من الالتزام بالأطر الجماعية. إن اختيار إحدى هذه الصيغ من شأنه التأثير بقوة على توجهات كل من الدول العربية سواء مجموعة دول مجلس التعاون أو بقية الدول العربية، ليس كل مجموعة تجاه الأخرى بشكل إجمالي فقط، لكن أيضاً داخل كل مجموعة على حدة.

إن من شأن تحديد هذه الأسس والمنطلقات أن يساعد على تفعيل العلاقات الاقتصادية- العربية واغتنام الفرص والمداخل المتاحة أمامها لمزيد من الترابط والمنفعة المتبادلة. ومن أبرز تلك المداخل والفرص التطور الإيجابي الذي طرأ على مناخ الاستثمار في الدول العربية غير الخليجية، بما يشجع على جذب الاستثمارات الخليجية. وفي المقابل فإن التنويع المستمر في الأنشطة الاقتصادية الخليجية الداخلية يفتح الباب مجدداً أمام العمالة العربية لتستعيد مكانتها في سوق العمل الخليجي، والمثال الأوضح على ذلك تزايد الاهتمام الخليجي مؤخراً بمجالات مثل التكنولوجيا والمعلوماتية، إضافة إلى الإعلام والاتصال، وكذلك السعي الخليجي المستمر نحو تطوير نظم وهياكل التعليم واستحداث الجديد منها في العالم بشكل مستمر. بيد أن تفعيل تلك الفرص والاستفادة يظل مرهوناً بشروط عدة من بينها ضرورة إدراك الجانبين (الخليجي والعربي) أن الاندماج في آليات الاقتصاد العالمي والانفتاح الشامل على العالم الخارجي بمستوياته ونطاقاته فوق الإقليمية، لا بد أن يستند إلى روابط بينية وإقليمية قوية تكفل التماسك والاستمرار في التواجد على الساحة العالمية، خاصة إذا شهدت تلك الساحة اضطرابات أو عثرات مفاجئة. كذلك فإن الدول العربية غير الخليجية مطالبة بشكل خاص وعاجل بتوجيه جل اهتمامها إلى تطوير وتحسين أوضاع الكوادر والكفاءات البشرية المتوافرة لديها، باعتبارها المورد الرئيسي لها كماً ونوعاً. وأخيراً فإن الجانبين مطالبان بتطوير وتحسين الأطر التشريعية والقانونية الحاكمة للأنشطة الاقتصادية، بما يساعد على تقريب المسافات البينية، ويسهل عمليات التكامل أو حتى التعاون الاقتصادي بأقل قدر ممكن من العراقيل التشريعية والإجرائية.

::/fulltext::
::cck::2272::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *