الوظيفة الاقتصادية لمجلس التعاون في النظام الدولي المعاصر

::cck::2270::/cck::
::introtext::

على مدار المسيرة الإنسانية هناك دول وكتل طبيعية وبشرية تلعب وظائف وأدواراً متميزة في النظام العالمي برمته، ترتبط وتلتصق بها، بحيث لا تذكر هذه الدول أو هذا التجمع الإقليمي حتى يذكر ذلك الدور أو تستدعي إلى الذهن تلك الوظيفة من دون مواربة ولا تردد. 

::/introtext::
::fulltext::

على مدار المسيرة الإنسانية هناك دول وكتل طبيعية وبشرية تلعب وظائف وأدواراً متميزة في النظام العالمي برمته، ترتبط وتلتصق بها، بحيث لا تذكر هذه الدول أو هذا التجمع الإقليمي حتى يذكر ذلك الدور أو تستدعي إلى الذهن تلك الوظيفة من دون مواربة ولا تردد.

من هذا القبيل ما يقال عن دور مصر القديمة في إرساء دعائم أول دولة في التاريخ، وواحدة من أهم الحضارات البشرية، ودور أثينا في ترسيخ ركائز التفلسف والتفكير المنطقي، ودور الإمبراطورية الرومانية في تعزيز أعمال القانون. وفي زماننا هذا لا تذكر الصين إلا مقترنة بصناعة لعب الأطفال والسلع الرخيصة، ولا تذكر أيضاً الهند بعيداً عن السينما الهندية التي غزت العالم، ولا تجري الولايات المتحدة على ألسنة أي أحد بعيداً عن هوليوود والطائرة الشبح، ولا أحد يتحدث عن اليابان إلا ويحل في رأسه عالم التقنيات فائقة القدرة. وتكاد بعض هذه الوظائف أن تصبح سمة نفسية لشعب بأكمله، تجعلنا نطلق على شعوب بعينها صفة واحدة، مثل ما فعل أندريه سيغفريد في كتابه الأثير (سيكولوجيا بعض الشعوب) الذي  رأى فيه أن بوسعنا أن نلخص حياة أمة كاملة في كلمة معبرة، حين وصف الشعب الفرنسي بـ (البارع) والروسي بـ (المتصوف) والإنكليزي بـ (العنيد) والألماني بـ (المنظم) والأمريكي بـ (الديناميكي)، مستفيضاً في سرد الأمثلة وتقديم الأدلة التي تبرهن على وجهة نظره هذه.

وفي خضم كل هذه التصورات يثار التساؤل: أي وظيفة لمنطقة الخليج العربي في عالمنا هذا؟ والإجابة التي تأتي لأول وهلة: إن للخليج وظيفة اقتصادية في عالمنا المعاصر، يستمد منها أهميته، ويبني عليها علاقاته مع مختلف الدول على سطح البسيطة، تضاف إلى الوظيفة الروحية لشبه جزيرة العرب برمتها فيما مضى وفي الآني والآتي معاً. فمن جزيرة العرب خرج الإسلام لينشد الإيمان به في ربوع الأرض، وعلى أطرافها ولدت الديانتان اليهودية والمسيحية، وانتشرتا في كل مكان. ولا تزال هذه الوظيفة الروحية مستمرة لواحدة من دول مجلس التعاون هي المملكة العربية السعودية بحكم وجود الكعبة المشرفة وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم على أرضها. فمهما كانت وجهة نظر أي مسلم في المنتج الفقهي والمسلك الديني المتبع في المملكة فإن مجرد ذكر اسمها يقترن بمناسك العمرة والحج، وبتذكر سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم جميعاً.

أما الوظيفة الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي بدوله الست فتدور كاملة حول (الطاقة) بشقيها (النفط والغاز الطبيعي)، حيث يحتوي باطن أرض الخليج على نصف الاحتياطي العالمي من النفط الخام، وتتعزز هذه النسبة باستمرار، وسط تعزز الاحتياطي النفطي العربي برمته، حيث قفز من 50 مليار برميل عام 1950 إلى 120 مليار برميل عام 1960، ثم 250 ملياراً عام 1970، وإلى 370 ملياراً عام 1980، و650 ملياراً عام 1990، ثم 700 مليار عام 1993، وإلى 800 مليار برميل عام 2000، وها هو الآن يقترب من مستوى تريليون برميل. و يبلغ الاحتياطي النفطي السعودي مثلاً ثلاثة أمثال نظيريه لدى الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك مجتمعتين، وأكثر من أربعة أمثال احتياطي فنزويلا، أحد أهم البلدان المصدرة للنفط في العالم، وأيضاً أكثر من أربعة أمثال نفط روسيا الاتحادية ودول أوروبا الشرقية معاً. ثم ظهرت احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي في قطر احتلت بها المركز الثالث عالمياً بعد روسيا وإيران، علاوة على وجود احتياطيات من الغاز في سلطنة عمان، الأمر الذي يزيد من أهمية منطقة الخليج، ويعزز وظيفتها الاقتصادية في العالم.

ولا تقتصر الوظيفة الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي على صادراته من النفط والغاز، بل تمتد، وفي الاتجاه المضاد، إلى حجم استهلاكه من السلع المعمرة والترفيهية. فالوفورات المالية الكبيرة الناتجة عن حصيلة بيع النفط والغاز، جعلت من دول المجلس، رغم قلة عدد سكانها قياساً إلى دول وتجمعات إقليمية أخرى، قبلة تتجه إليها أنظار الدول المتميزة في إنتاج السيارات الفارهة وأجهزة الحاسوب والهواتف النقالة المتقدمة، علاوة على أدوات الزينة والعطور والأثاث.. إلخ.

الاقتصاد منح دول المجلس قدرة على التحرك في المحيط الدولي والتأثير في الدول الكبرى 

وهذه الوظيفة الاقتصادية لبلدان الخليج العربية جعلتها تواجه موقفين دوليين متناقضين، توزعا على سياستها الخارجية وقراراتها الدولية على مدار العقود الأخيرة، بشكل لافت للانتباه. ويمكن تلخيص هذين الموقفين في الآتي:

1 ـ الخليج كمكان أولى بالحماية: فمصالح الدول الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تعاملت مع دول مجلس التعاون الخليجي دائماً بوصفها تحتاج إلى رعاية وحماية، نظراً لأن خمساً منها تعد دولاً صغيرة من حيث عدد السكان وغير قادرة على مجابهة الجارة الإقليمية الكبرى إيران، وكذلك العراق أيام صدام حسين. وقد تأكد هذا المسلك عقب الاجتياح العراقي للكويت في أغسطس من عام 1990، فوقتها تخوفت هذه الدول من أن تمتد أطماع صدام إلى الساحل الغربي للخليج كله، وبالتالي يضع يده على النفط، ويتحكم في الدول الصناعية كافة، ووجدت أنه ليس بوسع الكويتيين أن يحرروا بلادهم بالاعتماد على سواعدهم، وفي الوقت ذاته، ليس بإمكان بقية دول المجلس أن تحمي نفسها من الجيش العراقي القوي آنذاك. ورؤية الدول الكبرى تلك وجدت تفاعلاً إيجابياً من قبل بعض النخب الحاكمة والمثقفة في منطقة الخليج، والتي رأت أنه لولا تخوف الجيران الإقليميين الكبار من غضب أمريكا وحلفائها لربما فكروا في ممارسة ضغوط متوالية على دول مجلس التعاون لإجبارها على تقديم تنازلات على حساب أمنها القومي ومصلحتها الوطنية.

2 ـ الخليج كمكان أولى بالطمع: وتعززت هذه الرؤية بعد استخدام دول الخليج النفط سلاحاً في وجه من ساعدوا إسرائيل في حرب أكتوبر من عام 1973، فبعدها فكرت واشنطن، كما بيّن ريتشارد نيسكون في كتابه الشهير (انتهزوا الفرصة) في أن توسع نفوذها في المنطقة، وتبني أنماطاً من العلاقات القوية مع دولها، ومع بعض النخب فيها، بما يمنع صدور مثل هذا القرار في المستقبل. وانتهت هذه الأطماع إلى احتلال العراق، إذ من بين أهداف هذه الخطوة الممقوتة وضع الولايات المتحدة وحلفائها أيديهم على النفط، والتحكم فيه، بما يجعلها تتحكم في مصير الدول الصناعية الكبرى، وتضغط من الآن على أي قوة عالمية محتملة تفكر في منافستها، وسحب البساط من تحت أقدامها.

وهذه الأطماع لم تقتصر على هؤلاء، بل إن الاتحاد السوفييتي السابق كان يضع عينيه على نفط الخليج، وقد فسرت بعض أسباب اجتياحه أفغانستان برغبة موسكو في الوصول إلى المياه الدافئة في المحيط الهادي على مرمى حجر من بحر العرب والخليج، أي قريبة من منابع النفط وأماكن تصديره.

وإذا كان الاقتصاد قد أوقع دول مجلس التعاون بين هاتين العمليتين المستمرتين، فإنه ساهم على الوجه الآخر في منح هذه الدول قدرة على التحرك في المحيط الدولي، والتأثير في القوى الكبرى، ومناورتها بحنكة وترو شديد، الأمر الذي تتجلى أعلى صوره وأشكاله وأنماطه في الدور الذي تلعبه دول المجلس في إطار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، حيث تعمل دائماً على تقليص حجم الإنتاج من أجل دفع الأسعار قدماً، منحازة في هذا الشأن إلى مصالحها البحتة من دون أن تصل في ذلك الاتجاه إلى حد العناد الكامل أو الخروج التام على مصالح الكبار، إذ طالما قامت دول الخليج العربية باتخاذ خطوات مضادة من أجل لجم الأسعار، حين كانت الدول الكبرى تشكو من ارتفاع سعر النفط.

ومن المنتظر أن تستمر هذه الوظيفة الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي في النظام الدولي المعاصر والآتي على حد سواء، نظراً لأن احتياطيات النفط تمكن دوله من أن تظل تصدر هذه السلعة الاستراتيجية المهمة لما يربو على قرن من الزمن من جهة، ولأن بدائل الطاقة الأخرى لا تزال عزيزة على التوافر، ومرتفعة السعر من جهة ثانية. وحتى لو ظهرت مناطق أخرى منتجة للنفط فإن جودة نفط الخليج وتدني أسعار استخراجه قياساً إلى نفط بحر قزوين وإفريقيا مثلاً يجعلان العالم يتطلع إليه على الدوام. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2270::/cck::
::introtext::

على مدار المسيرة الإنسانية هناك دول وكتل طبيعية وبشرية تلعب وظائف وأدواراً متميزة في النظام العالمي برمته، ترتبط وتلتصق بها، بحيث لا تذكر هذه الدول أو هذا التجمع الإقليمي حتى يذكر ذلك الدور أو تستدعي إلى الذهن تلك الوظيفة من دون مواربة ولا تردد. 

::/introtext::
::fulltext::

على مدار المسيرة الإنسانية هناك دول وكتل طبيعية وبشرية تلعب وظائف وأدواراً متميزة في النظام العالمي برمته، ترتبط وتلتصق بها، بحيث لا تذكر هذه الدول أو هذا التجمع الإقليمي حتى يذكر ذلك الدور أو تستدعي إلى الذهن تلك الوظيفة من دون مواربة ولا تردد.

من هذا القبيل ما يقال عن دور مصر القديمة في إرساء دعائم أول دولة في التاريخ، وواحدة من أهم الحضارات البشرية، ودور أثينا في ترسيخ ركائز التفلسف والتفكير المنطقي، ودور الإمبراطورية الرومانية في تعزيز أعمال القانون. وفي زماننا هذا لا تذكر الصين إلا مقترنة بصناعة لعب الأطفال والسلع الرخيصة، ولا تذكر أيضاً الهند بعيداً عن السينما الهندية التي غزت العالم، ولا تجري الولايات المتحدة على ألسنة أي أحد بعيداً عن هوليوود والطائرة الشبح، ولا أحد يتحدث عن اليابان إلا ويحل في رأسه عالم التقنيات فائقة القدرة. وتكاد بعض هذه الوظائف أن تصبح سمة نفسية لشعب بأكمله، تجعلنا نطلق على شعوب بعينها صفة واحدة، مثل ما فعل أندريه سيغفريد في كتابه الأثير (سيكولوجيا بعض الشعوب) الذي  رأى فيه أن بوسعنا أن نلخص حياة أمة كاملة في كلمة معبرة، حين وصف الشعب الفرنسي بـ (البارع) والروسي بـ (المتصوف) والإنكليزي بـ (العنيد) والألماني بـ (المنظم) والأمريكي بـ (الديناميكي)، مستفيضاً في سرد الأمثلة وتقديم الأدلة التي تبرهن على وجهة نظره هذه.

وفي خضم كل هذه التصورات يثار التساؤل: أي وظيفة لمنطقة الخليج العربي في عالمنا هذا؟ والإجابة التي تأتي لأول وهلة: إن للخليج وظيفة اقتصادية في عالمنا المعاصر، يستمد منها أهميته، ويبني عليها علاقاته مع مختلف الدول على سطح البسيطة، تضاف إلى الوظيفة الروحية لشبه جزيرة العرب برمتها فيما مضى وفي الآني والآتي معاً. فمن جزيرة العرب خرج الإسلام لينشد الإيمان به في ربوع الأرض، وعلى أطرافها ولدت الديانتان اليهودية والمسيحية، وانتشرتا في كل مكان. ولا تزال هذه الوظيفة الروحية مستمرة لواحدة من دول مجلس التعاون هي المملكة العربية السعودية بحكم وجود الكعبة المشرفة وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم على أرضها. فمهما كانت وجهة نظر أي مسلم في المنتج الفقهي والمسلك الديني المتبع في المملكة فإن مجرد ذكر اسمها يقترن بمناسك العمرة والحج، وبتذكر سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم جميعاً.

أما الوظيفة الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي بدوله الست فتدور كاملة حول (الطاقة) بشقيها (النفط والغاز الطبيعي)، حيث يحتوي باطن أرض الخليج على نصف الاحتياطي العالمي من النفط الخام، وتتعزز هذه النسبة باستمرار، وسط تعزز الاحتياطي النفطي العربي برمته، حيث قفز من 50 مليار برميل عام 1950 إلى 120 مليار برميل عام 1960، ثم 250 ملياراً عام 1970، وإلى 370 ملياراً عام 1980، و650 ملياراً عام 1990، ثم 700 مليار عام 1993، وإلى 800 مليار برميل عام 2000، وها هو الآن يقترب من مستوى تريليون برميل. و يبلغ الاحتياطي النفطي السعودي مثلاً ثلاثة أمثال نظيريه لدى الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك مجتمعتين، وأكثر من أربعة أمثال احتياطي فنزويلا، أحد أهم البلدان المصدرة للنفط في العالم، وأيضاً أكثر من أربعة أمثال نفط روسيا الاتحادية ودول أوروبا الشرقية معاً. ثم ظهرت احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي في قطر احتلت بها المركز الثالث عالمياً بعد روسيا وإيران، علاوة على وجود احتياطيات من الغاز في سلطنة عمان، الأمر الذي يزيد من أهمية منطقة الخليج، ويعزز وظيفتها الاقتصادية في العالم.

ولا تقتصر الوظيفة الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي على صادراته من النفط والغاز، بل تمتد، وفي الاتجاه المضاد، إلى حجم استهلاكه من السلع المعمرة والترفيهية. فالوفورات المالية الكبيرة الناتجة عن حصيلة بيع النفط والغاز، جعلت من دول المجلس، رغم قلة عدد سكانها قياساً إلى دول وتجمعات إقليمية أخرى، قبلة تتجه إليها أنظار الدول المتميزة في إنتاج السيارات الفارهة وأجهزة الحاسوب والهواتف النقالة المتقدمة، علاوة على أدوات الزينة والعطور والأثاث.. إلخ.

الاقتصاد منح دول المجلس قدرة على التحرك في المحيط الدولي والتأثير في الدول الكبرى 

وهذه الوظيفة الاقتصادية لبلدان الخليج العربية جعلتها تواجه موقفين دوليين متناقضين، توزعا على سياستها الخارجية وقراراتها الدولية على مدار العقود الأخيرة، بشكل لافت للانتباه. ويمكن تلخيص هذين الموقفين في الآتي:

1 ـ الخليج كمكان أولى بالحماية: فمصالح الدول الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تعاملت مع دول مجلس التعاون الخليجي دائماً بوصفها تحتاج إلى رعاية وحماية، نظراً لأن خمساً منها تعد دولاً صغيرة من حيث عدد السكان وغير قادرة على مجابهة الجارة الإقليمية الكبرى إيران، وكذلك العراق أيام صدام حسين. وقد تأكد هذا المسلك عقب الاجتياح العراقي للكويت في أغسطس من عام 1990، فوقتها تخوفت هذه الدول من أن تمتد أطماع صدام إلى الساحل الغربي للخليج كله، وبالتالي يضع يده على النفط، ويتحكم في الدول الصناعية كافة، ووجدت أنه ليس بوسع الكويتيين أن يحرروا بلادهم بالاعتماد على سواعدهم، وفي الوقت ذاته، ليس بإمكان بقية دول المجلس أن تحمي نفسها من الجيش العراقي القوي آنذاك. ورؤية الدول الكبرى تلك وجدت تفاعلاً إيجابياً من قبل بعض النخب الحاكمة والمثقفة في منطقة الخليج، والتي رأت أنه لولا تخوف الجيران الإقليميين الكبار من غضب أمريكا وحلفائها لربما فكروا في ممارسة ضغوط متوالية على دول مجلس التعاون لإجبارها على تقديم تنازلات على حساب أمنها القومي ومصلحتها الوطنية.

2 ـ الخليج كمكان أولى بالطمع: وتعززت هذه الرؤية بعد استخدام دول الخليج النفط سلاحاً في وجه من ساعدوا إسرائيل في حرب أكتوبر من عام 1973، فبعدها فكرت واشنطن، كما بيّن ريتشارد نيسكون في كتابه الشهير (انتهزوا الفرصة) في أن توسع نفوذها في المنطقة، وتبني أنماطاً من العلاقات القوية مع دولها، ومع بعض النخب فيها، بما يمنع صدور مثل هذا القرار في المستقبل. وانتهت هذه الأطماع إلى احتلال العراق، إذ من بين أهداف هذه الخطوة الممقوتة وضع الولايات المتحدة وحلفائها أيديهم على النفط، والتحكم فيه، بما يجعلها تتحكم في مصير الدول الصناعية الكبرى، وتضغط من الآن على أي قوة عالمية محتملة تفكر في منافستها، وسحب البساط من تحت أقدامها.

وهذه الأطماع لم تقتصر على هؤلاء، بل إن الاتحاد السوفييتي السابق كان يضع عينيه على نفط الخليج، وقد فسرت بعض أسباب اجتياحه أفغانستان برغبة موسكو في الوصول إلى المياه الدافئة في المحيط الهادي على مرمى حجر من بحر العرب والخليج، أي قريبة من منابع النفط وأماكن تصديره.

وإذا كان الاقتصاد قد أوقع دول مجلس التعاون بين هاتين العمليتين المستمرتين، فإنه ساهم على الوجه الآخر في منح هذه الدول قدرة على التحرك في المحيط الدولي، والتأثير في القوى الكبرى، ومناورتها بحنكة وترو شديد، الأمر الذي تتجلى أعلى صوره وأشكاله وأنماطه في الدور الذي تلعبه دول المجلس في إطار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، حيث تعمل دائماً على تقليص حجم الإنتاج من أجل دفع الأسعار قدماً، منحازة في هذا الشأن إلى مصالحها البحتة من دون أن تصل في ذلك الاتجاه إلى حد العناد الكامل أو الخروج التام على مصالح الكبار، إذ طالما قامت دول الخليج العربية باتخاذ خطوات مضادة من أجل لجم الأسعار، حين كانت الدول الكبرى تشكو من ارتفاع سعر النفط.

ومن المنتظر أن تستمر هذه الوظيفة الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي في النظام الدولي المعاصر والآتي على حد سواء، نظراً لأن احتياطيات النفط تمكن دوله من أن تظل تصدر هذه السلعة الاستراتيجية المهمة لما يربو على قرن من الزمن من جهة، ولأن بدائل الطاقة الأخرى لا تزال عزيزة على التوافر، ومرتفعة السعر من جهة ثانية. وحتى لو ظهرت مناطق أخرى منتجة للنفط فإن جودة نفط الخليج وتدني أسعار استخراجه قياساً إلى نفط بحر قزوين وإفريقيا مثلاً يجعلان العالم يتطلع إليه على الدوام. 

::/fulltext::
::cck::2270::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *