الفساد ومشكلات الطاقة في عراق الحقبة الأمريكية

::cck::2899::/cck::
::introtext::

يغطي مفهوم الفساد (Corruption) معاني واسعة، ويعرف بدلالات كثيرة، وتمتد أوصاله ليخترق البناء المجتمعي وليشكل مفهوماً عاماً شاملاً لا يمكن عزله أو تناوله بشكل مجزأ عن جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك السياسية.

::/introtext::
::fulltext::

يغطي مفهوم الفساد (Corruption) معاني واسعة، ويعرف بدلالات كثيرة، وتمتد أوصاله ليخترق البناء المجتمعي وليشكل مفهوماً عاماً شاملاً لا يمكن عزله أو تناوله بشكل مجزأ عن جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك السياسية.
في إطاره العام يعرف الفساد بدلالة (تحول الشيء من حالته الطبيعية المقبولة إلى حالة متفسخة غير مقبولة). وتعرّف الشفافية الدولية (Ti) (وهي منظمة دولية غير حكومية تناهض الفساد) الفساد بأنه (سوء استخدام السلطة العامة لربح أو منفعة خاصة) بينما يرى البنك الدولي في الفساد أنه (استعمال الوظيفة العامة للكسب الشخصي).
وفي إطار المفاهيم المتعددة للفساد فإنه يعني الرشوة، الابتزاز، استغلال النفوذ أو المنصب، الاختلاس، المحاباة والمحسوبية في الحصول على مواقع للأقارب وشراء المناصب لغير الأقارب، أو التبذير في المال العام والتهرب الضريبي والتهرب الجمركي.
أما عن أسباب بروز وانتشار ظاهرة الفساد في بلدان العالم بشكل عام وفي العراق بشكل خاص فيمكن إيجازها بالنقاط التالية:
1- تمتع المسؤولين الحكوميين بحرية غير مقيدة في التصرف وبقليل من الخضوع للمساءلة.
2- القصور أو الفراغ التشريعي الخاص بمكافحة الفساد وتشريع أو إلغاء القوانين أو إصدار سياسات تتحقق بواسطتها مكاسب لبعض المسؤولين في الجهاز الحكومي.
3- ضعف أو فقدان دور مؤسسات المجتمع المدني.
4- انخفاض مستوى الأجور والرواتب.
5- انعدام أو ضعف أخلاقيات العمل وغياب عنصري الشفافية والمساءلة.
ورغم الطبيعة الأخلاقية لمشكلة الفساد، فإنه بات من المؤكد أن تكون آثارها وانعكاساتها السلبية عميقة في مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، وأن تكاليف مشكلة الفساد باهظة على مجرى العملية التنموية أو على مستوى كفاءة الأداء الحكومي، وعلى المدى النسبي لجذب واستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وعلى وفرة الوظائف وتقليص معدلات وحجم البطالة وتوزيع الموارد المالية ومستوى دخول الأفراد.
أما عن واقع الفساد في العراق فإنه يتوزع ما بين فساد اجتماعي وإداري واقتصادي وسياسي. وفي عراق اليوم الذي حصل على مرتبة الأوائل في الفساد حسب آخر تقارير منظمة الشفافية الدولية وبعد عمليات الفساد التي قام بها المسؤولون السابقون في عهد صدام حسين بدأ عهد جديد من الفساد، وأخذنا نتلمس الكثير من الحيف الذي يقع على العديد من أبنائه بفعل قيم وممارسات صناع هذه الآفة التي أغرى لمعان عوائدها بصائرهم، وختم على قلوبهم فكان أن انساقت تلك البصائر والقلوب وراء ذلك البريق متنعمة بربح الفساد القذر، تاركة وراءها الكثير من الذين يعانون فتمثل أثر سرطان الفساد فيهم بمعاناة ترجمتها أرواح بريئة زهقت وتضحيات كبيرة قدمت ولا تزال تقدم.
وإذا تركنا جانباً الخلط بين ما هو عام وما هو خاص خلال سنوات حكم النظام السابق، حيث تمثل الانتهاكات التي ارتكبت في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء نموذجاً يعكس بجلاء مستوى الفساد الذي بلغت أرقامه (عشرة مليارات دولار أمريكي) والذي يمكن أن تؤول إليه تصرفات مسؤولين قياديين مستغلين مناصبهم للهيمنة على المال العام وهو الثروات والموارد الوطنية لتحقيق مصالح ذاتية إلى الدرجة التي طالت فيها هذه المفاسد أرجاء المعمورة كلها، وأسهمت في توريط منظمات دولية، في مقدمتها الأمم المتحدة وشخصيات سياسية حكومية ورجال فكر وقادة أحزاب عربية وأجنبية.
ولعل ما كان يهم النظام السابق في العراق هو ألا تتسرب معلومات عن برامجه السرية وبالذات التسليحية والقمعية إلى الخارج ولهذا اعتمد بعض الإجراءات والتدابير لمنع المسؤول الذي يتم عزله عن منصبه من السفر خارج العراق لعدة سنوات إلى حين إعادة ترتيب الأمور والأوضاع ذات الصلة بمجال عمله.
أما تقاطع أو تعارض المصالح في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، فالحديث عنها يطول وهي تشمل حالات تتسم بالتنوع الذي لا حصر له بحيث يغطي مساحة واسعة في العمل الحكومي غير الخاضع للقوانين والأنظمة، حتى تلك المتوارثة عن المرحلة الماضية، وتغذية الطبيعة المؤقتة وغير المستقرة للحكومات المتعاقبة للمشكلة منذ تأسيس مجلس الحكم في حزيران 2004 وحتى الآن، فضلاً عن غياب المبادئ والقواعد الفاعلة أو القصور في تطبيق القوانين أو المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية في تشكيل الحكومات وتوزيع المسؤوليات القيادية والوسطى، مع الحماية التي تتوفر لها بمختلف الوسائل والأساليب، الأمر الذي أدى إلى تحرير الكثير من العقود، بما فيها الضخمة وإحالة المقاولات والمناقصات على جهات وشركات لا تتمتع بمستوى متميز من الإمكانات المادية والقدرات التقنية والخبرات المتراكمة في مجالات الإعمار وإعادة البناء وتجهيز المواد والسلع، في حين حملت طلبات الوزارات والدوائر غير المرتبطة بوزارة مواصفات محددة بدقة لتجهيز سلع وأجهزة قد لا تكون متوفرة إلا لدى عدد محدود من الشركات، كما هو الوضع بالنسبة لطلبات الأثاث الأجنبية وبالذات الأمريكية فيما تتهيأ الكثير من البدائل المحلية لأنواع من هذه الأثاث.وشهد الواقع العراقي كثيراً من الحالات والنماذج التي تجسد تقاطع المصالح وتعارضها والتي أدت بنتائجها إلى تردي الأوضاع الأمنية بشكل لافت. فصفقات السلاح التي سادها الفساد، كما هو الأمر مع بولونيا، وتقليص الدعم المقدم في تجهيز الحصة التموينية للمواطنين على مدى عام 2005 وما بعد بناء على العقود المبرمة مع أشخاص وشركات حكمها الفساد في ضوء نقص الخبرة وقصور الإمكانات والقدرات، وكذلك الوضع بالنسبة لأزمة المشتقات النفطية والغاز التي تفاعلت في ظل تأثير تقاطع وتعارض المصالح والفساد. ويندرج الموقف على تراجع توليد الطاقة الكهربائية في ضوء الموضوع ذاته في تعارض المصالح من قبل قياديين في قطاع الكهرباء الذين أسسوا شركات متخصصة في تجارة المولدات الكهربائية الصغيرة والمتوسطة التي انتشرت على نطاق واسع في البلاد، وأسهمت بدورها في تفاقم أزمة الكهرباء والطاقة.

واعتماداً على مبدأ التناقض الأساسي القائم على المصالح المتضادة في خضم الصراع الدائر يمكننا تشخيص قوتين رئيسيتين تتحكمان بصناعة الفساد في العراق هما:
الأولى: تضم فصائل الحرس القديم، إن جاز التعبير، والعناصر التي مارست على نطاق واسع عمليات الفساد في ظل النظام السابق واعتادت عليها وإشاعتها في مؤسسات وأجهزة الدولة. وتتسم هذه الفئات والفصائل بقدرتها على التكيف مع الظروف الناشئة، أيا كانت طبيعتها، والعمل على توظيفها لصالح استمرار ممارسات الفساد التي تتناسب مع مواقع المسؤولية الحكومية المشغولة من جانب بعض أفراد تلك الفئات والفصائل. والمتوقع أن تكون هناك خطوط وتوجهات للتنسيق بينها في مختلف وزارات ومؤسسات الدولة بحكم المصلحة المشتركة من جهة واستثمار العلاقات التقليدية المتوازنة فيما بينها بجذورها التاريخية الممتدة من جهة أخرى.
وتدخل في إطار هذه الفصائل مجموعات تشكل جزءاً من القوى التي تستخدم العنف المسلح والتي تقوم باستخدام آلية إشاعة الفساد بوصفه عملاً سلبياً ومدمراً للإدارات الحكومية وخاصة على مستوى شكل قدراتها وضعف أدائها. ولم يقتصر اصطفاف القوى في هذا الجانب على الفصائل القديمة في الإدارات الحكومية، وإنما دخلت على خط الفساد في عراق اليوم، عناصر وتشكيلات أكثر خطورة ممثلة بأولئك الذين تسلقوا سلالم المسؤولية بيسر وسهولة بناء على ارتباطاتهم الحزبية والشخصية مع الوزراء وكبار المسؤولين وشعورهم بالحماية من أي مساءلة يمكن أن تطالهم.
الثانية: تمثل قوة تضم بين صفوفها قطاعات من العاملين في الإدارات الحكومية والعائدين إليها من المفصولين السابقين. وهذه القوة تجد التعاضد والمساندة من الأوساط الضاغطة المعبرة عن الأكثرية القومية والطائفية المرتبطة مصالحها بقيام نظام جديد.
وعند النظر إلى طبيعة الصراع الدائر واتجاهاته منذ نهاية العمليات العسكرية الرئيسية في التاسع من نيسان 2003 وحتى الآن يمكننا أن نفهم العوامل التي تقف وراء سلسلة الإحباطات المرجحة لاستمرار غياب قواعد ومعايير الشفافية والمساءلة، وبالتالي دخول الفساد مرحلة خطيرة من الاستشراء العمودي والأفقي، وانعكاس ذلك على العلاقة بين الناس والحكومات المتعاقبة التي فقدت تدريجياً خصائص الثقة والمصداقية، وباتت تقترب من سلوكيتها اللامبالية إزاء معاناة العراقيين من نظام الحريات المعدومة إلى نظام الحريات المتوحشة حداً غدت فيه لا تفيد الدعوات والتدابير وحتى السياسات التي ظلت مثار شكوك الناس الذين فقدوا ثقتهم بهذا القدر أو ذاك بالحاكمين، وأخذت أوساط متزايدة منهم تترحم على النظام السابق في ظل التراجع المذهل للخدمات والتراكم الكارثي للمشكلات والمعضلات، والتردي الخطير للأوضاع الأمنية، والتقويض المميت لحياة المواطنين بعد الانتشار الواسع للعصابات والمافيات الإجرامية وفقدان القدرة على تأمين الاستقرار وفرض سلطة القانون والنظام.
لقد اعتبر تقرير برلماني أمريكي نشر مطلع ديسمبر عام 2006 إن الفساد في العراق (ليس مزمناً فقط لكنه منهجي أيضاً) وهذه المنهجية نتلمسها من خلال استشراء ظلمة الفساد الحالكة على العراق حتى أصبحت اليوم بمثابة القاعدة ولتصبح النزاهة مقابلها استثناء. كما أن استشراء هذه الظاهرة يعود إلى مجموعة عوامل ذكرناها ، وإذا كنا نعرف الكثير عن الفساد فالذي يحصل في العراق هو الأكثر، بمعنى آخر شتان بين ما نعرف وبين ما يحصل.ولعل أحدث أرقام الفساد في الشأن النفطي العراقي ذكرها المفتش الأمريكي في 28/9/2006 عندما أعلن عن فقدان 16 مليار دولار من عائدات نفط العراق. ونشرت جريدة (الوطن) الكويتية في 5/7/2006 تحت عنوان ( الفساد بلغ مستوى غير مسبوق في العراق وكبار المسؤولين يفلتون من العقاب) أن المسؤول الأول عن مكافحة الفساد القاضي (راضي الراضي) أكد أن تحقيقات كبيرة تجرى مع 12 من ضباط الحدود وموظفي وزارة المالية والنفط والداخلية بعد أن تمكن فرع هيئة النزاهة في مدينة ربيعة (على الحدود العراقية السورية) في آيار 2006 من ضبط عملية تهريب 1200 صهريج نفط أسود تقدر قيمتها بملايين الدولارات.
ويقترن التهريب للنفط بالإرهاب وأعمال العنف المسلح، فقد ذكرت شبكة (النبأ) المعلوماتية في 13 شباط 2006 أن مسؤولي صناعة النفط يقولون إن (عصابات) النفط أصبحت قوة نافذة في ظل فوضى العنف التي يشهدها العراق إلى حد أنهم يرسلون كميات هائلة من النفط الخام والوقود إلى الخارج من دون أي خوف من الحكومة العراقية! ويزيد من حجم الخسائر سوء الإدارة والمنافسة على النفوذ في وزارة النفط التي أصبحت مغنماً للساسة الذين يواجهون محادثات صعبة لتشكيل حكومة جديدة عقب انتخابات 15 ديسمبر 2005.
وفي حدود الصلة ما بين الفساد وأعمال العنف المسلح في العراق، كانت هيئة النزاهة قد أصدرت بياناً بشأن الفساد الإداري أوضحت فيه أن الفساد ليس مقتصراً على سرقة أموال البلد بل يتعداه إلى مفاهيم تتصل وتتشابك مع قوى الإرهاب في سبيل عرقلة عمليات البناء والإعمار وتحقيق انهيارات سريعة في البنى الاقتصادية والذي ينعكس بدوره على جميع مؤسسات ومرافق الدولة.
وقد أوضح القاضي راضي الراضي رئيس هيئة النزاهة في العراق أن الهيئة بدأت بفتح ملفات تهريب النفط، موضحاً أنها فتحت قبل ستة أشهر فرعاً لها في البصرة حيث تتم عمليات تهريب النفط تقدر قيمته بمليارات الدولارات، مؤكداً أن محققي هيئة النزاهة في البصرة بدأوا متابعة الموضوع.
وفي إطار النفط والفساد قال علي الشبوط الناطق الرسمي باسم هيئة النزاهة في بيان رسمي نشرته إيلاف في 13 سبتمبر 2006 إن المحكمة الجنائية المركزية أصدرت أوامر توقيف بحق المتهمين في قضية تأسيس منظمة الأمن الوطني لحماية الطرق الخاصة بتأمين صهاريج الوقود من البصرة إلى المحافظات الوسطى. وأشار الشبوط إلى أن المنظمة قامت بسرقة شحنة من البنزين يقدر ثمنها الرسمي من المصفى بحوالي 750 مليون دينار عراقي، وأن المتهمين أصدروا بالاتفاق مع شركة (الشبر) العراقية رخصاً مزورة لحمل السلاح والتنقل باسم مجلس الوزراء، لكن منتسبي هذه المنظمات البالغ عددهم 572 منتسباً صدرت بحقهم أوامر قبض وتحر بتهمة انتحال صفة، وتم ضبط كافة الأجهزة والمعدات المستخدمة في عملية التزوير والتحفظ عليها.
وأضاف الشبوط أن هذه المنظمة كانت تستعمل سيارات حديثة كتلك التي تستخدمها الأجهزة الأمنية في تنقلاتها، ويمتلك أفرادها أسلحة أوتوماتيكية حديثة، ولا يستبعد أن تكون تلك المجاميع ضالعة في الكثير من الحوادث الأمنية التي تحصل في بغداد والمحافظات.
هذا غيض من فيض الفساد الذي يعم كل مفاصل الحياة المجتمعية العراقية وبالإمكان تلخيص المسالك المغذية للفساد في عراق اليوم وفق ما يلي:
أولاً: الملابسات التي أحاطت أجواء الفوضى والتخريب والنهب التي سادت الأشهر الأولى ما بعد توقف العمليات العسكرية الرئيسية، والتي حصلت قصداً أو عفوياً، فضلاً عن طبيعة الجهات التي وقفت وراءها ودعمتها في حالة ترجيح وجهة المقصودية.
ثانياً: القرائن المعلنة أو المستترة التي جرى الحديث عنها بشأن السيطرة على أموال ضخمة تعود لرأس النظام السابق وأفراد عائلته، ومسؤولية فقدان أو عدم معرفة مصير تلك الأموال.
ثالثاً: غياب الخطوط الفاصلة عند إعادة الموظفين المستقيلين أو المفصولين إلى الإدارات الحكومية بين السياسيين فعلاً منهم أو الذين ارتكبوا جرائم عادية جنائية من بينها الاختلاس والرشوة وغيرها من جرائم الفساد الإداري والمالي.
رابعاً: الابتعاد عن أي توجهات لإعادة النظر جذرياً بالموروثات التشريعية والتنظيمية والإجرائية ثقيلة الوطأة التي تتيح، في جانب منها، المجال واسعاً لتمرير عمليات الفساد وتزكيتها وتشجيعها ودعمها.
خامساً: الوقائع والقرائن المتعلقة بهدر الأموال الخاصة بعمليات الإعمار وإعادة البناء، لاسيما من جانب الشركات الكبرى التي حصلت على عدد كبير من العقود في إطار حصري وغير تنافسي نتيجة لعلاقتها مع شخصيات قيادية في الإدارة الأمريكية، وبالتالي سيطرتها على نسبة عالية من مخصصات المنحة الأمريكية من دون وجه حق، وإيصالها مهمات الإعمار وإعادة البناء إلى طريق مسدود، وعدم تحقيقها نتائج إيجابية بالمستوى بالمطلوب.
سادساً: الطبيعة غير المستقرة للحكومات المتعاقبة منذ تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، الأمر الذي خلق شعوراً لدى مسؤوليها باقتناص الفرص وممارسة الفساد.سابعاً: توزيع الوزارات والمناصب العليا وفق المحاصصات الطائفية والعرقية مما أسهم في إشاعة ظاهرة الفساد عند تعيين الموظفين وتقسيم المناصب الحكومية على أسس غير سليمة وغير عادلة قائمة على المحسوبية والمنسوبية والحزبية، إضافة إلى توفير الحماية لهؤلاء الموظفين كما يشيع لديهم الإحساس بالاطمئنان عند ارتكاب الأعمال المقترنة بالفساد في إحالة المناقصات وإبرام العقود والمشتريات والتعيينات وما إلى ذلك. ولعل هذا الواقع أدى إلى نشوء ظاهرة محاصصة الفساد. بمعنى آخر إن (فساد المحاصصة أوصل إلى محاصصة الفساد).
ثامناً: سلوك سبيل إجراء المفاوضات التجارية والاقتصادية والإعمارية وإبرام العقود خارج العراق على نطاق واسع من جانب المسؤولين الحكوميين مما يفسح المجال لعمليات الفساد والإفساد في ظل الغياب الفعلي للرقابة.
تاسعاً: وضع المساءلة والشفافية في إطار من الأولويات المتأخرة أو المنسية من جانب الحكومات المتعاقبة رغم الأهمية القصوى لهذه الآليات التي لا يمكن من دونها ضمان الأداء الحكومي المتوازن.
عاشراً: التوجس من كشف عمليات الفساد خوفاً من ردود الأفعال المبالغ فيها إلى حد احتمال تعرض المسؤولين الذين يقومون بأداء هذه المهمة النبيلة للتهديد والاختطاف وحتى القتل في ظل غياب القدرة الحكومية على تأمين الحماية اللازمة لأولئك المسؤولين.
الحادي عشر: تراكم الملفات التي تغطي حالات الفساد في الوزارات والإدارات والأجهزة الحكومية لدى مفوضية النزاهة أو دوائر المفتشين العامين أو ديوان الرقابة المالية من دون أن تأخذ طريقها للمساءلة القانونية نتيجة لغياب الآليات الكفؤة والفعالة في ضمان انسيابية أداء مهمات المساءلة أو احتمال عرقلة حكومية قيادية غير معلنة بهذا الشأن.
الثاني عشر: تعميق شعور الرأي العام بلا جدوى مساهمته في إشاعة ثقافة مكافحة الفساد ومعايير المساءلة والشفافية نتيجة لتجاهل وإهمال دور ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
الثالث عشر: ضعف النظام القضائي وعدم قدرته على أداء مهمات مكافحة الفساد بفاعلية وكفاءة، رغم وجود سوابق كثيرة للنظر بحالات فساد متعلقة باختلاس ونهب المال العام من قبل مسؤولين بمناصب دنيا أو متوسطة والبت فيها خلال سنوات حكم النظام السابق، الأمر الذي يوصي باحتمال وجود عرقلة حكومية لإحالة مثل هذه الدعاوى على القضاء إلى جانب ما يعانيه من ردود الأفعال المحتملة في حالة إدانة المسؤولين في عمليات الفساد.
الرابع عشر: غياب مهمة مكافحة الفساد عن أي برامج حقيقية للإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد، نظراً لعدم إيلائها الأولوية المرجحة من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة.
الخامس عشر: قصور المشرع العراقي من أعضاء الجمعية الوطنية الانتقالية سابقاً وأعضاء مجلس النواب حالياً عن أداء دورهم الفعال والكفء في مكافحة الفساد عبر معايير المساءلة والشفافية أو الاقتصار على حالات فضيحة معينة دون اقترانها بإجراءات وتدابير عملية لإحالة المفسدين إلى القضاء أو تفويض المؤسسات المعنية كمفوضية النزاهة وديوان الرقابة المالية باستكمال التحقيق معهم.
السادس عشر: إذا كانت ظواهر القصور والفساد تجري تغطيتها بمبررات الحروب والحصار وقوانين الطوارئ في ظل النظام السابق فقد تمت تغطية عمليات الفساد من قبل المسؤولين الحكوميين الحاليين باستخدام مبررات الإرهاب والتخريب، حيث يمكن تمرير الكثير من مظاهر القصور وهدر ونهب المال العام بدعوى التخريب أو حتى الحاجة إلى التدابير الأمنية المكلفة عندما تجري المبالغة في استخدام الحراس الشخصيين وغيرها من الإجراءات التي من خلالها يتم إعطاء الفساد بعداً تبريرياً.
ومما تقدم يظهر، بشكل جلي، أن ما حصل من فساد في العراق هو الكثير غير أن ما سيعرفه العراقي عن الفساد هو الأكثر.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2899::/cck::
::introtext::

يغطي مفهوم الفساد (Corruption) معاني واسعة، ويعرف بدلالات كثيرة، وتمتد أوصاله ليخترق البناء المجتمعي وليشكل مفهوماً عاماً شاملاً لا يمكن عزله أو تناوله بشكل مجزأ عن جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك السياسية.

::/introtext::
::fulltext::

يغطي مفهوم الفساد (Corruption) معاني واسعة، ويعرف بدلالات كثيرة، وتمتد أوصاله ليخترق البناء المجتمعي وليشكل مفهوماً عاماً شاملاً لا يمكن عزله أو تناوله بشكل مجزأ عن جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك السياسية.
في إطاره العام يعرف الفساد بدلالة (تحول الشيء من حالته الطبيعية المقبولة إلى حالة متفسخة غير مقبولة). وتعرّف الشفافية الدولية (Ti) (وهي منظمة دولية غير حكومية تناهض الفساد) الفساد بأنه (سوء استخدام السلطة العامة لربح أو منفعة خاصة) بينما يرى البنك الدولي في الفساد أنه (استعمال الوظيفة العامة للكسب الشخصي).
وفي إطار المفاهيم المتعددة للفساد فإنه يعني الرشوة، الابتزاز، استغلال النفوذ أو المنصب، الاختلاس، المحاباة والمحسوبية في الحصول على مواقع للأقارب وشراء المناصب لغير الأقارب، أو التبذير في المال العام والتهرب الضريبي والتهرب الجمركي.
أما عن أسباب بروز وانتشار ظاهرة الفساد في بلدان العالم بشكل عام وفي العراق بشكل خاص فيمكن إيجازها بالنقاط التالية:
1- تمتع المسؤولين الحكوميين بحرية غير مقيدة في التصرف وبقليل من الخضوع للمساءلة.
2- القصور أو الفراغ التشريعي الخاص بمكافحة الفساد وتشريع أو إلغاء القوانين أو إصدار سياسات تتحقق بواسطتها مكاسب لبعض المسؤولين في الجهاز الحكومي.
3- ضعف أو فقدان دور مؤسسات المجتمع المدني.
4- انخفاض مستوى الأجور والرواتب.
5- انعدام أو ضعف أخلاقيات العمل وغياب عنصري الشفافية والمساءلة.
ورغم الطبيعة الأخلاقية لمشكلة الفساد، فإنه بات من المؤكد أن تكون آثارها وانعكاساتها السلبية عميقة في مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، وأن تكاليف مشكلة الفساد باهظة على مجرى العملية التنموية أو على مستوى كفاءة الأداء الحكومي، وعلى المدى النسبي لجذب واستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وعلى وفرة الوظائف وتقليص معدلات وحجم البطالة وتوزيع الموارد المالية ومستوى دخول الأفراد.
أما عن واقع الفساد في العراق فإنه يتوزع ما بين فساد اجتماعي وإداري واقتصادي وسياسي. وفي عراق اليوم الذي حصل على مرتبة الأوائل في الفساد حسب آخر تقارير منظمة الشفافية الدولية وبعد عمليات الفساد التي قام بها المسؤولون السابقون في عهد صدام حسين بدأ عهد جديد من الفساد، وأخذنا نتلمس الكثير من الحيف الذي يقع على العديد من أبنائه بفعل قيم وممارسات صناع هذه الآفة التي أغرى لمعان عوائدها بصائرهم، وختم على قلوبهم فكان أن انساقت تلك البصائر والقلوب وراء ذلك البريق متنعمة بربح الفساد القذر، تاركة وراءها الكثير من الذين يعانون فتمثل أثر سرطان الفساد فيهم بمعاناة ترجمتها أرواح بريئة زهقت وتضحيات كبيرة قدمت ولا تزال تقدم.
وإذا تركنا جانباً الخلط بين ما هو عام وما هو خاص خلال سنوات حكم النظام السابق، حيث تمثل الانتهاكات التي ارتكبت في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء نموذجاً يعكس بجلاء مستوى الفساد الذي بلغت أرقامه (عشرة مليارات دولار أمريكي) والذي يمكن أن تؤول إليه تصرفات مسؤولين قياديين مستغلين مناصبهم للهيمنة على المال العام وهو الثروات والموارد الوطنية لتحقيق مصالح ذاتية إلى الدرجة التي طالت فيها هذه المفاسد أرجاء المعمورة كلها، وأسهمت في توريط منظمات دولية، في مقدمتها الأمم المتحدة وشخصيات سياسية حكومية ورجال فكر وقادة أحزاب عربية وأجنبية.
ولعل ما كان يهم النظام السابق في العراق هو ألا تتسرب معلومات عن برامجه السرية وبالذات التسليحية والقمعية إلى الخارج ولهذا اعتمد بعض الإجراءات والتدابير لمنع المسؤول الذي يتم عزله عن منصبه من السفر خارج العراق لعدة سنوات إلى حين إعادة ترتيب الأمور والأوضاع ذات الصلة بمجال عمله.
أما تقاطع أو تعارض المصالح في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، فالحديث عنها يطول وهي تشمل حالات تتسم بالتنوع الذي لا حصر له بحيث يغطي مساحة واسعة في العمل الحكومي غير الخاضع للقوانين والأنظمة، حتى تلك المتوارثة عن المرحلة الماضية، وتغذية الطبيعة المؤقتة وغير المستقرة للحكومات المتعاقبة للمشكلة منذ تأسيس مجلس الحكم في حزيران 2004 وحتى الآن، فضلاً عن غياب المبادئ والقواعد الفاعلة أو القصور في تطبيق القوانين أو المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية في تشكيل الحكومات وتوزيع المسؤوليات القيادية والوسطى، مع الحماية التي تتوفر لها بمختلف الوسائل والأساليب، الأمر الذي أدى إلى تحرير الكثير من العقود، بما فيها الضخمة وإحالة المقاولات والمناقصات على جهات وشركات لا تتمتع بمستوى متميز من الإمكانات المادية والقدرات التقنية والخبرات المتراكمة في مجالات الإعمار وإعادة البناء وتجهيز المواد والسلع، في حين حملت طلبات الوزارات والدوائر غير المرتبطة بوزارة مواصفات محددة بدقة لتجهيز سلع وأجهزة قد لا تكون متوفرة إلا لدى عدد محدود من الشركات، كما هو الوضع بالنسبة لطلبات الأثاث الأجنبية وبالذات الأمريكية فيما تتهيأ الكثير من البدائل المحلية لأنواع من هذه الأثاث.وشهد الواقع العراقي كثيراً من الحالات والنماذج التي تجسد تقاطع المصالح وتعارضها والتي أدت بنتائجها إلى تردي الأوضاع الأمنية بشكل لافت. فصفقات السلاح التي سادها الفساد، كما هو الأمر مع بولونيا، وتقليص الدعم المقدم في تجهيز الحصة التموينية للمواطنين على مدى عام 2005 وما بعد بناء على العقود المبرمة مع أشخاص وشركات حكمها الفساد في ضوء نقص الخبرة وقصور الإمكانات والقدرات، وكذلك الوضع بالنسبة لأزمة المشتقات النفطية والغاز التي تفاعلت في ظل تأثير تقاطع وتعارض المصالح والفساد. ويندرج الموقف على تراجع توليد الطاقة الكهربائية في ضوء الموضوع ذاته في تعارض المصالح من قبل قياديين في قطاع الكهرباء الذين أسسوا شركات متخصصة في تجارة المولدات الكهربائية الصغيرة والمتوسطة التي انتشرت على نطاق واسع في البلاد، وأسهمت بدورها في تفاقم أزمة الكهرباء والطاقة.

واعتماداً على مبدأ التناقض الأساسي القائم على المصالح المتضادة في خضم الصراع الدائر يمكننا تشخيص قوتين رئيسيتين تتحكمان بصناعة الفساد في العراق هما:
الأولى: تضم فصائل الحرس القديم، إن جاز التعبير، والعناصر التي مارست على نطاق واسع عمليات الفساد في ظل النظام السابق واعتادت عليها وإشاعتها في مؤسسات وأجهزة الدولة. وتتسم هذه الفئات والفصائل بقدرتها على التكيف مع الظروف الناشئة، أيا كانت طبيعتها، والعمل على توظيفها لصالح استمرار ممارسات الفساد التي تتناسب مع مواقع المسؤولية الحكومية المشغولة من جانب بعض أفراد تلك الفئات والفصائل. والمتوقع أن تكون هناك خطوط وتوجهات للتنسيق بينها في مختلف وزارات ومؤسسات الدولة بحكم المصلحة المشتركة من جهة واستثمار العلاقات التقليدية المتوازنة فيما بينها بجذورها التاريخية الممتدة من جهة أخرى.
وتدخل في إطار هذه الفصائل مجموعات تشكل جزءاً من القوى التي تستخدم العنف المسلح والتي تقوم باستخدام آلية إشاعة الفساد بوصفه عملاً سلبياً ومدمراً للإدارات الحكومية وخاصة على مستوى شكل قدراتها وضعف أدائها. ولم يقتصر اصطفاف القوى في هذا الجانب على الفصائل القديمة في الإدارات الحكومية، وإنما دخلت على خط الفساد في عراق اليوم، عناصر وتشكيلات أكثر خطورة ممثلة بأولئك الذين تسلقوا سلالم المسؤولية بيسر وسهولة بناء على ارتباطاتهم الحزبية والشخصية مع الوزراء وكبار المسؤولين وشعورهم بالحماية من أي مساءلة يمكن أن تطالهم.
الثانية: تمثل قوة تضم بين صفوفها قطاعات من العاملين في الإدارات الحكومية والعائدين إليها من المفصولين السابقين. وهذه القوة تجد التعاضد والمساندة من الأوساط الضاغطة المعبرة عن الأكثرية القومية والطائفية المرتبطة مصالحها بقيام نظام جديد.
وعند النظر إلى طبيعة الصراع الدائر واتجاهاته منذ نهاية العمليات العسكرية الرئيسية في التاسع من نيسان 2003 وحتى الآن يمكننا أن نفهم العوامل التي تقف وراء سلسلة الإحباطات المرجحة لاستمرار غياب قواعد ومعايير الشفافية والمساءلة، وبالتالي دخول الفساد مرحلة خطيرة من الاستشراء العمودي والأفقي، وانعكاس ذلك على العلاقة بين الناس والحكومات المتعاقبة التي فقدت تدريجياً خصائص الثقة والمصداقية، وباتت تقترب من سلوكيتها اللامبالية إزاء معاناة العراقيين من نظام الحريات المعدومة إلى نظام الحريات المتوحشة حداً غدت فيه لا تفيد الدعوات والتدابير وحتى السياسات التي ظلت مثار شكوك الناس الذين فقدوا ثقتهم بهذا القدر أو ذاك بالحاكمين، وأخذت أوساط متزايدة منهم تترحم على النظام السابق في ظل التراجع المذهل للخدمات والتراكم الكارثي للمشكلات والمعضلات، والتردي الخطير للأوضاع الأمنية، والتقويض المميت لحياة المواطنين بعد الانتشار الواسع للعصابات والمافيات الإجرامية وفقدان القدرة على تأمين الاستقرار وفرض سلطة القانون والنظام.
لقد اعتبر تقرير برلماني أمريكي نشر مطلع ديسمبر عام 2006 إن الفساد في العراق (ليس مزمناً فقط لكنه منهجي أيضاً) وهذه المنهجية نتلمسها من خلال استشراء ظلمة الفساد الحالكة على العراق حتى أصبحت اليوم بمثابة القاعدة ولتصبح النزاهة مقابلها استثناء. كما أن استشراء هذه الظاهرة يعود إلى مجموعة عوامل ذكرناها ، وإذا كنا نعرف الكثير عن الفساد فالذي يحصل في العراق هو الأكثر، بمعنى آخر شتان بين ما نعرف وبين ما يحصل.ولعل أحدث أرقام الفساد في الشأن النفطي العراقي ذكرها المفتش الأمريكي في 28/9/2006 عندما أعلن عن فقدان 16 مليار دولار من عائدات نفط العراق. ونشرت جريدة (الوطن) الكويتية في 5/7/2006 تحت عنوان ( الفساد بلغ مستوى غير مسبوق في العراق وكبار المسؤولين يفلتون من العقاب) أن المسؤول الأول عن مكافحة الفساد القاضي (راضي الراضي) أكد أن تحقيقات كبيرة تجرى مع 12 من ضباط الحدود وموظفي وزارة المالية والنفط والداخلية بعد أن تمكن فرع هيئة النزاهة في مدينة ربيعة (على الحدود العراقية السورية) في آيار 2006 من ضبط عملية تهريب 1200 صهريج نفط أسود تقدر قيمتها بملايين الدولارات.
ويقترن التهريب للنفط بالإرهاب وأعمال العنف المسلح، فقد ذكرت شبكة (النبأ) المعلوماتية في 13 شباط 2006 أن مسؤولي صناعة النفط يقولون إن (عصابات) النفط أصبحت قوة نافذة في ظل فوضى العنف التي يشهدها العراق إلى حد أنهم يرسلون كميات هائلة من النفط الخام والوقود إلى الخارج من دون أي خوف من الحكومة العراقية! ويزيد من حجم الخسائر سوء الإدارة والمنافسة على النفوذ في وزارة النفط التي أصبحت مغنماً للساسة الذين يواجهون محادثات صعبة لتشكيل حكومة جديدة عقب انتخابات 15 ديسمبر 2005.
وفي حدود الصلة ما بين الفساد وأعمال العنف المسلح في العراق، كانت هيئة النزاهة قد أصدرت بياناً بشأن الفساد الإداري أوضحت فيه أن الفساد ليس مقتصراً على سرقة أموال البلد بل يتعداه إلى مفاهيم تتصل وتتشابك مع قوى الإرهاب في سبيل عرقلة عمليات البناء والإعمار وتحقيق انهيارات سريعة في البنى الاقتصادية والذي ينعكس بدوره على جميع مؤسسات ومرافق الدولة.
وقد أوضح القاضي راضي الراضي رئيس هيئة النزاهة في العراق أن الهيئة بدأت بفتح ملفات تهريب النفط، موضحاً أنها فتحت قبل ستة أشهر فرعاً لها في البصرة حيث تتم عمليات تهريب النفط تقدر قيمته بمليارات الدولارات، مؤكداً أن محققي هيئة النزاهة في البصرة بدأوا متابعة الموضوع.
وفي إطار النفط والفساد قال علي الشبوط الناطق الرسمي باسم هيئة النزاهة في بيان رسمي نشرته إيلاف في 13 سبتمبر 2006 إن المحكمة الجنائية المركزية أصدرت أوامر توقيف بحق المتهمين في قضية تأسيس منظمة الأمن الوطني لحماية الطرق الخاصة بتأمين صهاريج الوقود من البصرة إلى المحافظات الوسطى. وأشار الشبوط إلى أن المنظمة قامت بسرقة شحنة من البنزين يقدر ثمنها الرسمي من المصفى بحوالي 750 مليون دينار عراقي، وأن المتهمين أصدروا بالاتفاق مع شركة (الشبر) العراقية رخصاً مزورة لحمل السلاح والتنقل باسم مجلس الوزراء، لكن منتسبي هذه المنظمات البالغ عددهم 572 منتسباً صدرت بحقهم أوامر قبض وتحر بتهمة انتحال صفة، وتم ضبط كافة الأجهزة والمعدات المستخدمة في عملية التزوير والتحفظ عليها.
وأضاف الشبوط أن هذه المنظمة كانت تستعمل سيارات حديثة كتلك التي تستخدمها الأجهزة الأمنية في تنقلاتها، ويمتلك أفرادها أسلحة أوتوماتيكية حديثة، ولا يستبعد أن تكون تلك المجاميع ضالعة في الكثير من الحوادث الأمنية التي تحصل في بغداد والمحافظات.
هذا غيض من فيض الفساد الذي يعم كل مفاصل الحياة المجتمعية العراقية وبالإمكان تلخيص المسالك المغذية للفساد في عراق اليوم وفق ما يلي:
أولاً: الملابسات التي أحاطت أجواء الفوضى والتخريب والنهب التي سادت الأشهر الأولى ما بعد توقف العمليات العسكرية الرئيسية، والتي حصلت قصداً أو عفوياً، فضلاً عن طبيعة الجهات التي وقفت وراءها ودعمتها في حالة ترجيح وجهة المقصودية.
ثانياً: القرائن المعلنة أو المستترة التي جرى الحديث عنها بشأن السيطرة على أموال ضخمة تعود لرأس النظام السابق وأفراد عائلته، ومسؤولية فقدان أو عدم معرفة مصير تلك الأموال.
ثالثاً: غياب الخطوط الفاصلة عند إعادة الموظفين المستقيلين أو المفصولين إلى الإدارات الحكومية بين السياسيين فعلاً منهم أو الذين ارتكبوا جرائم عادية جنائية من بينها الاختلاس والرشوة وغيرها من جرائم الفساد الإداري والمالي.
رابعاً: الابتعاد عن أي توجهات لإعادة النظر جذرياً بالموروثات التشريعية والتنظيمية والإجرائية ثقيلة الوطأة التي تتيح، في جانب منها، المجال واسعاً لتمرير عمليات الفساد وتزكيتها وتشجيعها ودعمها.
خامساً: الوقائع والقرائن المتعلقة بهدر الأموال الخاصة بعمليات الإعمار وإعادة البناء، لاسيما من جانب الشركات الكبرى التي حصلت على عدد كبير من العقود في إطار حصري وغير تنافسي نتيجة لعلاقتها مع شخصيات قيادية في الإدارة الأمريكية، وبالتالي سيطرتها على نسبة عالية من مخصصات المنحة الأمريكية من دون وجه حق، وإيصالها مهمات الإعمار وإعادة البناء إلى طريق مسدود، وعدم تحقيقها نتائج إيجابية بالمستوى بالمطلوب.
سادساً: الطبيعة غير المستقرة للحكومات المتعاقبة منذ تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، الأمر الذي خلق شعوراً لدى مسؤوليها باقتناص الفرص وممارسة الفساد.سابعاً: توزيع الوزارات والمناصب العليا وفق المحاصصات الطائفية والعرقية مما أسهم في إشاعة ظاهرة الفساد عند تعيين الموظفين وتقسيم المناصب الحكومية على أسس غير سليمة وغير عادلة قائمة على المحسوبية والمنسوبية والحزبية، إضافة إلى توفير الحماية لهؤلاء الموظفين كما يشيع لديهم الإحساس بالاطمئنان عند ارتكاب الأعمال المقترنة بالفساد في إحالة المناقصات وإبرام العقود والمشتريات والتعيينات وما إلى ذلك. ولعل هذا الواقع أدى إلى نشوء ظاهرة محاصصة الفساد. بمعنى آخر إن (فساد المحاصصة أوصل إلى محاصصة الفساد).
ثامناً: سلوك سبيل إجراء المفاوضات التجارية والاقتصادية والإعمارية وإبرام العقود خارج العراق على نطاق واسع من جانب المسؤولين الحكوميين مما يفسح المجال لعمليات الفساد والإفساد في ظل الغياب الفعلي للرقابة.
تاسعاً: وضع المساءلة والشفافية في إطار من الأولويات المتأخرة أو المنسية من جانب الحكومات المتعاقبة رغم الأهمية القصوى لهذه الآليات التي لا يمكن من دونها ضمان الأداء الحكومي المتوازن.
عاشراً: التوجس من كشف عمليات الفساد خوفاً من ردود الأفعال المبالغ فيها إلى حد احتمال تعرض المسؤولين الذين يقومون بأداء هذه المهمة النبيلة للتهديد والاختطاف وحتى القتل في ظل غياب القدرة الحكومية على تأمين الحماية اللازمة لأولئك المسؤولين.
الحادي عشر: تراكم الملفات التي تغطي حالات الفساد في الوزارات والإدارات والأجهزة الحكومية لدى مفوضية النزاهة أو دوائر المفتشين العامين أو ديوان الرقابة المالية من دون أن تأخذ طريقها للمساءلة القانونية نتيجة لغياب الآليات الكفؤة والفعالة في ضمان انسيابية أداء مهمات المساءلة أو احتمال عرقلة حكومية قيادية غير معلنة بهذا الشأن.
الثاني عشر: تعميق شعور الرأي العام بلا جدوى مساهمته في إشاعة ثقافة مكافحة الفساد ومعايير المساءلة والشفافية نتيجة لتجاهل وإهمال دور ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
الثالث عشر: ضعف النظام القضائي وعدم قدرته على أداء مهمات مكافحة الفساد بفاعلية وكفاءة، رغم وجود سوابق كثيرة للنظر بحالات فساد متعلقة باختلاس ونهب المال العام من قبل مسؤولين بمناصب دنيا أو متوسطة والبت فيها خلال سنوات حكم النظام السابق، الأمر الذي يوصي باحتمال وجود عرقلة حكومية لإحالة مثل هذه الدعاوى على القضاء إلى جانب ما يعانيه من ردود الأفعال المحتملة في حالة إدانة المسؤولين في عمليات الفساد.
الرابع عشر: غياب مهمة مكافحة الفساد عن أي برامج حقيقية للإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد، نظراً لعدم إيلائها الأولوية المرجحة من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة.
الخامس عشر: قصور المشرع العراقي من أعضاء الجمعية الوطنية الانتقالية سابقاً وأعضاء مجلس النواب حالياً عن أداء دورهم الفعال والكفء في مكافحة الفساد عبر معايير المساءلة والشفافية أو الاقتصار على حالات فضيحة معينة دون اقترانها بإجراءات وتدابير عملية لإحالة المفسدين إلى القضاء أو تفويض المؤسسات المعنية كمفوضية النزاهة وديوان الرقابة المالية باستكمال التحقيق معهم.
السادس عشر: إذا كانت ظواهر القصور والفساد تجري تغطيتها بمبررات الحروب والحصار وقوانين الطوارئ في ظل النظام السابق فقد تمت تغطية عمليات الفساد من قبل المسؤولين الحكوميين الحاليين باستخدام مبررات الإرهاب والتخريب، حيث يمكن تمرير الكثير من مظاهر القصور وهدر ونهب المال العام بدعوى التخريب أو حتى الحاجة إلى التدابير الأمنية المكلفة عندما تجري المبالغة في استخدام الحراس الشخصيين وغيرها من الإجراءات التي من خلالها يتم إعطاء الفساد بعداً تبريرياً.
ومما تقدم يظهر، بشكل جلي، أن ما حصل من فساد في العراق هو الكثير غير أن ما سيعرفه العراقي عن الفساد هو الأكثر.

::/fulltext::
::cck::2899::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *