“أمن الخليج” بين التوجهات الغربية والضرورات العربية

::cck::2866::/cck::
::introtext::

من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أمريكا وأوروبا وليس لدوله فقط لكونه مصدراً لثمانين في المائة من الاحتياطيات العالمية، ومصدراً لما يزيد على الثلاثين في المائة من الواردات العالمية للنفط، وكذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، ولوجوده في منطقة حساسة تشكل مركزاً للتوتر العالمي، لكن من غير الطبيعي أن تتمركز أساطيل الناتو العسكرية فيه فضلاً عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضماناً لتأمين الكيان العدواني الصهيوني. 

::/introtext::
::fulltext::

من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أمريكا وأوروبا وليس لدوله فقط لكونه مصدراً لثمانين في المائة من الاحتياطيات العالمية، ومصدراً لما يزيد على الثلاثين في المائة من الواردات العالمية للنفط، وكذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، ولوجوده في منطقة حساسة تشكل مركزاً للتوتر العالمي، لكن من غير الطبيعي أن تتمركز أساطيل الناتو العسكرية فيه فضلاً عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضماناً لتأمين الكيان العدواني الصهيوني.
ليس سراً أن حشد الأساطيل الأطلسية والمناورات الغربية البحرية الضخمة التي جرت في الخليج مؤخراً في ظل التوترات السياسية والأمنية الساخنة في الخليج واستغلالاً لها كذريعة لتأكيد الوجود العسكري الغربي في الخليج العربي، وللتغطية على فشلها العسكري في العراق، وتوجيه رسالة تهديد لأكثر من دولة من دول المنطقة أولها إيران استثماراً لمخاوف خليجية وللتأثير في موقفها مع الغرب في أزمة الملف النووي، يأتي تطبيقاً لتوجهات الحلف الجديدة في التمدد شرقاً باتجاه أوروبا الشرقية وجنوباً باتجاه الخليج العربي.
وليس سراً أيضاً أن حشد الأساطيل الأطلسية بهذا الحجم في البحر المتوسط قبالة لبنان وفلسطين المحتلة وقرب سوريا، في استعراض للقوة الأطلسية تحت لافتة (اليونيفيل)، ليست له علاقة بما زعم من مراقبة تهريب السلاح إلى جنوب لبنان وفقاً للقرار الدولي 1701 ولا لحماية لبنان من عدوان إسرائيل، بل (لحماية وجود إسرائيل) من المقاومة! على حد تعبير المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ولتهديد دول المنطقة وأولها سوريا لمحاولة ترويض مواقفها لصالح أمريكا وإسرائيل، وهو تطبيق أولي لاستراتيجية (الناتو) في التمدد جنوباً باتجاه البحرالمتوسط.
وجاء هذا التوجه في أعقاب عدة متغيرات ومستجدات عالمية، منها تنامي ظاهرة (الإرهاب) بعد الحادي عشر من سبتمبر، وزيادة المخاوف الأطلسية من انتشار أسلحة الدمار الشامل في أيدي غير صديقة للغرب، وغياب حلف (وارسو) من الساحة العالمية مما فتح شهية الناتو للتوسع شرقاً، وتغيرت استراتيجيته ليقوم بدور سياسي بعد أن كان عسكرياً فقط، وفي خارج أراضيه بعد أن كان قاصراً على أراضي دوله فقط، وبشن عمليات استباقية بعد أن كانت دفاعية فقط.
كما جاء أيضاً مع متغيرات إضافية عربية أهمها غياب المشروع العربي الاستراتيجي الواحد ليملأ الفراغ الدفاعي بفعل الضعف السياسي العربي الناتج عن الانقسام حول التصور الاستراتيجي للأمن القومي العربي سواء في مواجهة المشروع الصهيوني، أو المشروع الأمريكي، أو المشروع الأطلسي، وهي كلها في الواقع تمثل في النهاية مشروعاً استعمارياً غربياً واحداً تتعدد لافتاته ولكن تتكامل حلقاته، وتبقى أهدافه في النهاية هي عودة الغرب الأطلسي من الباب الخلفي بعد أن خرج من الباب الأمامي للهيمنة من جديد على الشرق العربي.
وقد تسارعت التحركات الأطلسية باتجاه الدول المتوسطية العربية من ناحية والدول الخليجية العربية من ناحية أخرى، مرة تحت اللافتة الأمريكية ومرة تحت اللافتة الأوروبية وأخرى وبصورة سافرة تحت اللافتة الأطلسية لحلف الناتو، تارة باسم الحوار وتارة تحت لافتة الشراكة وأخرى تحت لافتة التحالف، سعياً لتحقيق أهداف مشروعهم الموحد للسيطرة على المنطقة التي يغيب عنها تطبيق اتفاقية الدفاع العربي المشترك في إطار المشروع العربي الموحد.
وهذا التسارع في تحركات الناتو في محاولة ليكون طرفاً في معادلة صياغة أمن المنطقة يجعلنا نتساءل:
* ما هي الأهداف الأوروأطلنطية من وراء السعي إلى (شراكة) مع دول المنطقة؟ وما مدى ارتباط ذلك بمشروع (الشرق الأوسط الكبير) الأمريكي؟
* وماذا عن علاقة أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بإسرائيل؟ وما هي مواقفهما من القضية الفلسطينية وهي القضية الرئيسية لدول المنطقة؟
إن هذا التمدد الاستراتيجي الأمريكي والأوروبي الذي يمثله الحلف الأطلسي بهذا التوجه نحو المنطقة العربية عموماً والخليجية خصوصاً، إنما ينطلق من أجندة استراتيجية عالمية تتعدى حدود هذه المنطقة ولكن انطلاقاً من هذه المنطقة التي تمتد لتشمل العالم الإسلامي كله من أندونيسيا إلى المغرب والتي تطلق عليها الإدارة الأمريكية وصف (الشرق الأوسط الكبير).
ومع قمة حلف الناتو في (اسطنبول) اتجه الحلف لتطوير (الحوار) إلى اسم جديد هو (الشراكة) في إطار عملية تمدد استراتيجي للناتو في المنطقة، حيث دعت قمة الحلف إلى التوصل إلى شراكة مع دول الشرق الأوسط والخليج العربي في مجالات الأمن والدفاع لمواجهة (الإرهاب)، خصوصاً بعدما تلقى الناتو إشارات مشجعة خلال الحوار.
وذلك على الرغم من الخلاف الذي لا يزال قائماً بين الجانبين حول الموقف من القضية الفلسطينية وعلاقات الحلف الوثيقة مع (إسرائيل)، وحول مفهوم الإرهاب، خصوصاً أن التعريف الغربي للإرهاب لا يفرق بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، والإرهاب العدواني العشوائي الذي يقتل المسالمين الأبرياء بغير ذنب والمخالف لشرائع الأديان والذي تجرمه القوانين الوضعية في دول العالم.إن سر الاهتمام بهذه المنطقة ينبع من وجهة نظر الناتو من أن (الشرق الأوسط) يأتي تطبيقاً لاستراتيجية الحلف الجديدة وتحوله من منظمة دفاعية لا تتدخل إلا بعد وقوع اعتداء على إحدى الدول الأعضاء على أرض دول الحلف، إلى منظمة سياسية أمنية تهدف إلى (درء المخاطر) أي إلى المبادرة الاستباقية أو الحروب الوقائية في خارج أرض الحلف وفي نطاق أوسع يمتد من غرب الأطلنطي إلى شرق أوروبا وحتى جنوب المتوسط، إلا أن ذلك لا يعني أنه ليست للطرفين مصالح مشتركة ترتبط بالنفط والأمن الذي اضطرت فيه دول المنطقة للاعتماد على الغرب.
هذه المتغيرات فتحت الطريق للحوار ولمحاولة الغرب تطوير هذا الحوار إلى شراكة بين دول مجلس التعاون وحلف شمال الأطلنطي. وعقدت عدة جولات بين الجانب الخليجي والناتو لبحث صيغة هذا التعاون، فشهدت العاصمة الإيطالية روما (مقر الحلف) مناقشة سياسية أمنية حول المصالح الآنية والمستقبلية لتحقيق الأهداف الأطلسية في المجالات المختلفة الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
لكن ما يجب على العرب التوقف عنده بكثير من الدراسة هو أن الصيغة الصحيحة لـ (أمن الخليج) يجب أن تعني ضمان تأمين الأمن والمصالح الإقليمية للدول العربية والإسلامية المطلة عليه أولاً قبل تأمين المصالح النفطية والاستراتيجية الأمريكية والأوروبية، مما يجعل من الأولى البحث في صيغة أمن إقليمي شامل بين ضفتي الخليج وليس في صيغة تحالف مع استراتيجية عسكرية لدول كبرى متحالفة على ضفتي الأطلسي.
ولم يعد سراً أن هذه الاستراتيجية الأطلسية تتراجع الآن بعد أن أصبحت تواجه شبح الهزيمة في (الشرق الكبير)، وبدا هذا الشبح واضحاً بصورة لافتة في مؤتمر الحلف الأخير في (لاتفيا) التي حذر فيها الرئيس الأمريكي من أن أفغانستان قد تصبح مقبرة للناتو إذا لم تبادر دول الحلف الخائفة من مزيد من الخسائر في أفغانستان إلى نجدة القوات الأطلسية التي تتآكل قوتها تدريجياً هناك.
كما لم يعد سراً أن هذه الاستراتيجية الأطلسية التي تواجه شبح الهزيمة في العراق بفعل الخسائر المتزايدة على يد المقاومة الوطنية ضد الاحتلال باعتراف جميع المسؤولين الأمريكيين بدءاً من الرئيس الأمريكي جورج بوش ومروراً بلجنة (بيكر ـ هاملتون) وصولاً إلى مذكرة وزير الدفاع السابق رامسفيلد تبشر بالفشل القائم والكارثة القادمة، مما دفعهم إلى التراجع والمراجعة، والبحث عن استراتيجية جديدة مغايرة تركز على التحاور مع سوريا وإيران لتأمين انسحابهم التدريجي.
والسؤال هو، إذا كانوا هم في أمريكا وفي دوائر الأطلسي يعترفون بالفشل، ويراجعون أنفسهم ويبحثون عن صيغة للتفاهم مع سوريا على المتوسط ومع إيران في الخليج، أوليس الأولى بنا كعرب ومسلمين على المتوسط وفي الخليج أن نقرأ ما يجري لندرك خطأ تحالفنا أو شراكتنا مع استراتيجية أطلسية ثبت فشلها وخطأها، ولندرك أن أمننا في قوتنا، وأن قوتنا في وحدتنا، وأن وحدتنا هي في شراكتنا وتحالفنا مع أنفسنا في منظومة أمن إقليمية مشتركة، وليس مع غيرنا من خارج المنطقة، خصوصاً أن الذين فشلوا في حماية أمن قواتهم الغازية في هذه المنطقة لن يكون بمقدورهم توفير الحماية لغيرهم في المنطقة نفسها؟
وإذا كانت دول وشعوب هذه المنطقة وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تنأى بنفسها عن سياسة الأحلاف العسكرية مع القوى الكبرى للتباين الطبيعي في الأهداف والاختلاف في القيم والمصالح، ولعدم التوازن في القوى بين الطرفين، مما يجعل العرب في حالة الدخول في أحلاف أو شراكات من خارج المنطقة هم الشريك الأضعف، فإنه لن تكون لهم إراداتهم السياسية المستقلة.
وإذا ظلت معظم دول الشرق الأوسط تجد أمنها واستقلالها طوال سنوات الحرب الباردة في حركة عدم الانحياز بين المعسكرين، وفي إطار مؤسساتها السياسية والأمنية الجماعية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، فإن التورط بربط الأمن العربي في المتوسط أو الأمن العربي الإسلامي في الخليج بأي أحلاف أو شراكات مع حلف الناتو ذي القيادة الأمريكية وصاحب استراتيجية حماية أمن إسرائيل وليس أمن الخليج إلا بما يحقق مصالحه ومصالح إسرائيل يكون خطأ استراتيجياً ينبغي بعد التجربة والقراءة ألا نقع فيه الآن.
وقبل الآن وعقب انتهاء الحرب الباردة ومع انهيار سور برلين، كان تفكك الاتحاد السوفييتي إخلالا بالتوازن الاستراتيجي بين القوى الكبرى في العالم قد ضيّق من هامش المناورة أمام الدول غير المنحازة، وسمح للولايات المتحدة العضو الأبرز في حلف شمال الأطلنطي أن تصبح القوة العظمى الأولى في العالم، ومع تطلعها لأن تجعل هذا القرن أمريكياً زادت نزعات الهيمنة ليس على الشرق الأوسط فقط، ولكن على أوروبا أيضاً في ظل متغيرات في داخل المنطقة وفي داخل أمريكا فتحت المجال لهذا التمدد الاستراتيجي الغربي في الشرق العربي:
المتغير الأول هو ما حدث داخل الولايات المتحدة الأمريكية من اعتداء خطير على رموز القوة والاقتصاد والسيادة الأمريكية في نيويورك وواشنطن، واتهمت الولايات المتحدة عناصر عربية وإسلامية في إطار تنظيم القاعدة، ومن هنا اندفعت في شراسة الأسد الجريح وبنوع من حماقة القوة لغزو أفغانستان والعراق، ودعم عدوان إسرائيل في فلسطين؛ وغيرت سياستها الاستراتيجية تجاه دول المنطقة مركزة على الحرب الاستباقية، ومحاربة الإرهاب على أرض الشرق الأوسط بعيداً عن الأرض الأمريكية، والعمل على عدم امتلاك دولة عربية أو إسلامية لأسلحة نووية في الوقت الذي تغض الطرف فيه عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي.
وقبل هذه الأحداث وقبل تلك الأهداف، كانت السيطرة على مصادر الطاقة هي الهدف الأول لتحركها باتجاه المنطقة لا ينافسه إلا ضمان الأمن الإسرائيلي ضد المخاطر العراقية العربية أو الإيرانية الإسلامية.والثاني هو المتغير الأوروبي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومع نمو الاتحاد الأوروبي، حيث شهد العام 2003 انقساماً أوروبياً محوره الولايات المتحدة والحرب على العراق ما زاد من نزعة الاستقلال الأوروبي عن أمريكا في مواجهة طرف أوروبي آخر يؤيد العلاقة القوية بين ضفتي الأطلنطي وتقوية الحلف.
ومع المهام الجديدة للحلف والمتغيرات الدولية التي شعرت معها أوروبا بالتهديد لجأت إلى التوافق مع الاستراتيجية الأمريكية، وانتهاج مبدأ التوسع شرقاً وجنوباً سواء تحت يافطة الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو.
ولأن الدول الخليجية العربية الست تجد نفسها واقعة تحت التأثيرات السلبية للتوترات على المحور الأمني العراقي من جهة، وعلى المحور النووي الإيراني من جهة أخرى، بينما الولايات المتحدة وأوروبا وهما محورا (الناتو) على ضفتي الأطلسي يمثلان الطرف الثاني لهذا التوتر، ولأن هذه الدول الخليجية ترتبط بالفعل بمعاهدات أمنية ثنائية مع لندن وواشنطن، ولأن الهاجس الأمني يشكل أولى اهتماماتها لدرجة أن ما أنفقته هذه الدول على التسليح خلال السنوات الست الأخيرة فقط ما يزيد على 100 مليار دولار، فلم تجد هذه الدول مانعاً من البحث مع الناتو في صيغة للتعاون؛ لكن التوصل إلى هذه الصيغة يواجه عدة عقبات، أولها أن ما تفكر فيه دول الناتو هو (ناتو شرق أوسطي)، وهذا يمثل جزءاً من مشروع الرئيس الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) وأسوأ ما في هذا التصور أنه يضم إسرائيل إلى جانب هذه الدول، وهذا يشكل معضلة أمام الدول الخليجية العربية في ظل التوجه الرسمي والشعبي الخليجي الرافض للتطبيع مع إسرائيل إلا بعد عودة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأداء إسرائيل لالتزاماتها لتحقيق السلام.
كما تواجه مثل هذه الصيغة إشكالية أخرى وهي التي تتعلق بالتصدي لأسلحة الدمار الشامل، والتساؤل المطروح حول ما إذا كان الهدف الغربي فقط هو منع العرب والمسلمين دون غيرهم من امتلاك مثل تلك الأسلحة، وذلك في ظل الاعتراض الغربي على الملف النووي الإيراني من دون الاعتراض نفسه على البرنامج النووي الحربي الإسرائيلي؟
بعد ذلك كله، أظن أنه يلزم إعادة مراجعة الموقف العربي عموماً والخليجي خصوصاً من كل تلك التحركات لتحديد أين تقع مصالحنا ومبادؤنا في التعامل مع كل تلك المتغيرات، وما هي السيناريوهات المحتملة لصيغة هذه العلاقة التي تجد بعض الدول العربية نفسها متورطة فيها أحياناً بحساباتها وغالباً اضطرارياً؟
وأقول، للأسف مع غياب تفعيل العرب والمسلمين لدور مؤسساتهم الرسمية الجماعية وهي جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في صياغة أي استراتيجية للتعامل مع أوروبا وأمريكا، وفي ظل غياب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك للتساند فيما بينهم، وغياب صيغة جامعة للأمن الإقليمي الخليجي العربي والإسلامي، تبدو العلاقة تسير في اتجاه واحد من الشمال الأطلسي الغربي إلى الجنوب العربي، وبالرغم من أن هذا أمر يضر بالأمن القومي العربي ويثير تحفظات واستياء معظم الدول والشعوب العربية، إلا أن المشكلة هي في غياب الإرادة السياسية العربية المشتركة التي إذا توافرت لأدركوا أن أمنهم، الذي تمثل إسرائيل التهديد الرئيسي الآني والفعلي له قبل غيرها، لا يتوفر إلا في تفعيلهم لميثاق أمنهم الجماعي وفي مؤسساتهم العربية والإسلامية مع تطويرها إلى مظلة اتحادية تجعل حوارهم مع أوروبا هو بين (اتحاد أوروبي واتحاد عربي)، وبين (غرب أوروبي أمريكي) و(شرق عربي إسلامي).
وحينها لن تكون حركة المرور من اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق فقط، بل ستكون الحركة على طريق له اتجاهان للمرور من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2866::/cck::
::introtext::

من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أمريكا وأوروبا وليس لدوله فقط لكونه مصدراً لثمانين في المائة من الاحتياطيات العالمية، ومصدراً لما يزيد على الثلاثين في المائة من الواردات العالمية للنفط، وكذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، ولوجوده في منطقة حساسة تشكل مركزاً للتوتر العالمي، لكن من غير الطبيعي أن تتمركز أساطيل الناتو العسكرية فيه فضلاً عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضماناً لتأمين الكيان العدواني الصهيوني. 

::/introtext::
::fulltext::

من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أمريكا وأوروبا وليس لدوله فقط لكونه مصدراً لثمانين في المائة من الاحتياطيات العالمية، ومصدراً لما يزيد على الثلاثين في المائة من الواردات العالمية للنفط، وكذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، ولوجوده في منطقة حساسة تشكل مركزاً للتوتر العالمي، لكن من غير الطبيعي أن تتمركز أساطيل الناتو العسكرية فيه فضلاً عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضماناً لتأمين الكيان العدواني الصهيوني.
ليس سراً أن حشد الأساطيل الأطلسية والمناورات الغربية البحرية الضخمة التي جرت في الخليج مؤخراً في ظل التوترات السياسية والأمنية الساخنة في الخليج واستغلالاً لها كذريعة لتأكيد الوجود العسكري الغربي في الخليج العربي، وللتغطية على فشلها العسكري في العراق، وتوجيه رسالة تهديد لأكثر من دولة من دول المنطقة أولها إيران استثماراً لمخاوف خليجية وللتأثير في موقفها مع الغرب في أزمة الملف النووي، يأتي تطبيقاً لتوجهات الحلف الجديدة في التمدد شرقاً باتجاه أوروبا الشرقية وجنوباً باتجاه الخليج العربي.
وليس سراً أيضاً أن حشد الأساطيل الأطلسية بهذا الحجم في البحر المتوسط قبالة لبنان وفلسطين المحتلة وقرب سوريا، في استعراض للقوة الأطلسية تحت لافتة (اليونيفيل)، ليست له علاقة بما زعم من مراقبة تهريب السلاح إلى جنوب لبنان وفقاً للقرار الدولي 1701 ولا لحماية لبنان من عدوان إسرائيل، بل (لحماية وجود إسرائيل) من المقاومة! على حد تعبير المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ولتهديد دول المنطقة وأولها سوريا لمحاولة ترويض مواقفها لصالح أمريكا وإسرائيل، وهو تطبيق أولي لاستراتيجية (الناتو) في التمدد جنوباً باتجاه البحرالمتوسط.
وجاء هذا التوجه في أعقاب عدة متغيرات ومستجدات عالمية، منها تنامي ظاهرة (الإرهاب) بعد الحادي عشر من سبتمبر، وزيادة المخاوف الأطلسية من انتشار أسلحة الدمار الشامل في أيدي غير صديقة للغرب، وغياب حلف (وارسو) من الساحة العالمية مما فتح شهية الناتو للتوسع شرقاً، وتغيرت استراتيجيته ليقوم بدور سياسي بعد أن كان عسكرياً فقط، وفي خارج أراضيه بعد أن كان قاصراً على أراضي دوله فقط، وبشن عمليات استباقية بعد أن كانت دفاعية فقط.
كما جاء أيضاً مع متغيرات إضافية عربية أهمها غياب المشروع العربي الاستراتيجي الواحد ليملأ الفراغ الدفاعي بفعل الضعف السياسي العربي الناتج عن الانقسام حول التصور الاستراتيجي للأمن القومي العربي سواء في مواجهة المشروع الصهيوني، أو المشروع الأمريكي، أو المشروع الأطلسي، وهي كلها في الواقع تمثل في النهاية مشروعاً استعمارياً غربياً واحداً تتعدد لافتاته ولكن تتكامل حلقاته، وتبقى أهدافه في النهاية هي عودة الغرب الأطلسي من الباب الخلفي بعد أن خرج من الباب الأمامي للهيمنة من جديد على الشرق العربي.
وقد تسارعت التحركات الأطلسية باتجاه الدول المتوسطية العربية من ناحية والدول الخليجية العربية من ناحية أخرى، مرة تحت اللافتة الأمريكية ومرة تحت اللافتة الأوروبية وأخرى وبصورة سافرة تحت اللافتة الأطلسية لحلف الناتو، تارة باسم الحوار وتارة تحت لافتة الشراكة وأخرى تحت لافتة التحالف، سعياً لتحقيق أهداف مشروعهم الموحد للسيطرة على المنطقة التي يغيب عنها تطبيق اتفاقية الدفاع العربي المشترك في إطار المشروع العربي الموحد.
وهذا التسارع في تحركات الناتو في محاولة ليكون طرفاً في معادلة صياغة أمن المنطقة يجعلنا نتساءل:
* ما هي الأهداف الأوروأطلنطية من وراء السعي إلى (شراكة) مع دول المنطقة؟ وما مدى ارتباط ذلك بمشروع (الشرق الأوسط الكبير) الأمريكي؟
* وماذا عن علاقة أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بإسرائيل؟ وما هي مواقفهما من القضية الفلسطينية وهي القضية الرئيسية لدول المنطقة؟
إن هذا التمدد الاستراتيجي الأمريكي والأوروبي الذي يمثله الحلف الأطلسي بهذا التوجه نحو المنطقة العربية عموماً والخليجية خصوصاً، إنما ينطلق من أجندة استراتيجية عالمية تتعدى حدود هذه المنطقة ولكن انطلاقاً من هذه المنطقة التي تمتد لتشمل العالم الإسلامي كله من أندونيسيا إلى المغرب والتي تطلق عليها الإدارة الأمريكية وصف (الشرق الأوسط الكبير).
ومع قمة حلف الناتو في (اسطنبول) اتجه الحلف لتطوير (الحوار) إلى اسم جديد هو (الشراكة) في إطار عملية تمدد استراتيجي للناتو في المنطقة، حيث دعت قمة الحلف إلى التوصل إلى شراكة مع دول الشرق الأوسط والخليج العربي في مجالات الأمن والدفاع لمواجهة (الإرهاب)، خصوصاً بعدما تلقى الناتو إشارات مشجعة خلال الحوار.
وذلك على الرغم من الخلاف الذي لا يزال قائماً بين الجانبين حول الموقف من القضية الفلسطينية وعلاقات الحلف الوثيقة مع (إسرائيل)، وحول مفهوم الإرهاب، خصوصاً أن التعريف الغربي للإرهاب لا يفرق بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، والإرهاب العدواني العشوائي الذي يقتل المسالمين الأبرياء بغير ذنب والمخالف لشرائع الأديان والذي تجرمه القوانين الوضعية في دول العالم.إن سر الاهتمام بهذه المنطقة ينبع من وجهة نظر الناتو من أن (الشرق الأوسط) يأتي تطبيقاً لاستراتيجية الحلف الجديدة وتحوله من منظمة دفاعية لا تتدخل إلا بعد وقوع اعتداء على إحدى الدول الأعضاء على أرض دول الحلف، إلى منظمة سياسية أمنية تهدف إلى (درء المخاطر) أي إلى المبادرة الاستباقية أو الحروب الوقائية في خارج أرض الحلف وفي نطاق أوسع يمتد من غرب الأطلنطي إلى شرق أوروبا وحتى جنوب المتوسط، إلا أن ذلك لا يعني أنه ليست للطرفين مصالح مشتركة ترتبط بالنفط والأمن الذي اضطرت فيه دول المنطقة للاعتماد على الغرب.
هذه المتغيرات فتحت الطريق للحوار ولمحاولة الغرب تطوير هذا الحوار إلى شراكة بين دول مجلس التعاون وحلف شمال الأطلنطي. وعقدت عدة جولات بين الجانب الخليجي والناتو لبحث صيغة هذا التعاون، فشهدت العاصمة الإيطالية روما (مقر الحلف) مناقشة سياسية أمنية حول المصالح الآنية والمستقبلية لتحقيق الأهداف الأطلسية في المجالات المختلفة الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
لكن ما يجب على العرب التوقف عنده بكثير من الدراسة هو أن الصيغة الصحيحة لـ (أمن الخليج) يجب أن تعني ضمان تأمين الأمن والمصالح الإقليمية للدول العربية والإسلامية المطلة عليه أولاً قبل تأمين المصالح النفطية والاستراتيجية الأمريكية والأوروبية، مما يجعل من الأولى البحث في صيغة أمن إقليمي شامل بين ضفتي الخليج وليس في صيغة تحالف مع استراتيجية عسكرية لدول كبرى متحالفة على ضفتي الأطلسي.
ولم يعد سراً أن هذه الاستراتيجية الأطلسية تتراجع الآن بعد أن أصبحت تواجه شبح الهزيمة في (الشرق الكبير)، وبدا هذا الشبح واضحاً بصورة لافتة في مؤتمر الحلف الأخير في (لاتفيا) التي حذر فيها الرئيس الأمريكي من أن أفغانستان قد تصبح مقبرة للناتو إذا لم تبادر دول الحلف الخائفة من مزيد من الخسائر في أفغانستان إلى نجدة القوات الأطلسية التي تتآكل قوتها تدريجياً هناك.
كما لم يعد سراً أن هذه الاستراتيجية الأطلسية التي تواجه شبح الهزيمة في العراق بفعل الخسائر المتزايدة على يد المقاومة الوطنية ضد الاحتلال باعتراف جميع المسؤولين الأمريكيين بدءاً من الرئيس الأمريكي جورج بوش ومروراً بلجنة (بيكر ـ هاملتون) وصولاً إلى مذكرة وزير الدفاع السابق رامسفيلد تبشر بالفشل القائم والكارثة القادمة، مما دفعهم إلى التراجع والمراجعة، والبحث عن استراتيجية جديدة مغايرة تركز على التحاور مع سوريا وإيران لتأمين انسحابهم التدريجي.
والسؤال هو، إذا كانوا هم في أمريكا وفي دوائر الأطلسي يعترفون بالفشل، ويراجعون أنفسهم ويبحثون عن صيغة للتفاهم مع سوريا على المتوسط ومع إيران في الخليج، أوليس الأولى بنا كعرب ومسلمين على المتوسط وفي الخليج أن نقرأ ما يجري لندرك خطأ تحالفنا أو شراكتنا مع استراتيجية أطلسية ثبت فشلها وخطأها، ولندرك أن أمننا في قوتنا، وأن قوتنا في وحدتنا، وأن وحدتنا هي في شراكتنا وتحالفنا مع أنفسنا في منظومة أمن إقليمية مشتركة، وليس مع غيرنا من خارج المنطقة، خصوصاً أن الذين فشلوا في حماية أمن قواتهم الغازية في هذه المنطقة لن يكون بمقدورهم توفير الحماية لغيرهم في المنطقة نفسها؟
وإذا كانت دول وشعوب هذه المنطقة وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تنأى بنفسها عن سياسة الأحلاف العسكرية مع القوى الكبرى للتباين الطبيعي في الأهداف والاختلاف في القيم والمصالح، ولعدم التوازن في القوى بين الطرفين، مما يجعل العرب في حالة الدخول في أحلاف أو شراكات من خارج المنطقة هم الشريك الأضعف، فإنه لن تكون لهم إراداتهم السياسية المستقلة.
وإذا ظلت معظم دول الشرق الأوسط تجد أمنها واستقلالها طوال سنوات الحرب الباردة في حركة عدم الانحياز بين المعسكرين، وفي إطار مؤسساتها السياسية والأمنية الجماعية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، فإن التورط بربط الأمن العربي في المتوسط أو الأمن العربي الإسلامي في الخليج بأي أحلاف أو شراكات مع حلف الناتو ذي القيادة الأمريكية وصاحب استراتيجية حماية أمن إسرائيل وليس أمن الخليج إلا بما يحقق مصالحه ومصالح إسرائيل يكون خطأ استراتيجياً ينبغي بعد التجربة والقراءة ألا نقع فيه الآن.
وقبل الآن وعقب انتهاء الحرب الباردة ومع انهيار سور برلين، كان تفكك الاتحاد السوفييتي إخلالا بالتوازن الاستراتيجي بين القوى الكبرى في العالم قد ضيّق من هامش المناورة أمام الدول غير المنحازة، وسمح للولايات المتحدة العضو الأبرز في حلف شمال الأطلنطي أن تصبح القوة العظمى الأولى في العالم، ومع تطلعها لأن تجعل هذا القرن أمريكياً زادت نزعات الهيمنة ليس على الشرق الأوسط فقط، ولكن على أوروبا أيضاً في ظل متغيرات في داخل المنطقة وفي داخل أمريكا فتحت المجال لهذا التمدد الاستراتيجي الغربي في الشرق العربي:
المتغير الأول هو ما حدث داخل الولايات المتحدة الأمريكية من اعتداء خطير على رموز القوة والاقتصاد والسيادة الأمريكية في نيويورك وواشنطن، واتهمت الولايات المتحدة عناصر عربية وإسلامية في إطار تنظيم القاعدة، ومن هنا اندفعت في شراسة الأسد الجريح وبنوع من حماقة القوة لغزو أفغانستان والعراق، ودعم عدوان إسرائيل في فلسطين؛ وغيرت سياستها الاستراتيجية تجاه دول المنطقة مركزة على الحرب الاستباقية، ومحاربة الإرهاب على أرض الشرق الأوسط بعيداً عن الأرض الأمريكية، والعمل على عدم امتلاك دولة عربية أو إسلامية لأسلحة نووية في الوقت الذي تغض الطرف فيه عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي.
وقبل هذه الأحداث وقبل تلك الأهداف، كانت السيطرة على مصادر الطاقة هي الهدف الأول لتحركها باتجاه المنطقة لا ينافسه إلا ضمان الأمن الإسرائيلي ضد المخاطر العراقية العربية أو الإيرانية الإسلامية.والثاني هو المتغير الأوروبي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومع نمو الاتحاد الأوروبي، حيث شهد العام 2003 انقساماً أوروبياً محوره الولايات المتحدة والحرب على العراق ما زاد من نزعة الاستقلال الأوروبي عن أمريكا في مواجهة طرف أوروبي آخر يؤيد العلاقة القوية بين ضفتي الأطلنطي وتقوية الحلف.
ومع المهام الجديدة للحلف والمتغيرات الدولية التي شعرت معها أوروبا بالتهديد لجأت إلى التوافق مع الاستراتيجية الأمريكية، وانتهاج مبدأ التوسع شرقاً وجنوباً سواء تحت يافطة الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو.
ولأن الدول الخليجية العربية الست تجد نفسها واقعة تحت التأثيرات السلبية للتوترات على المحور الأمني العراقي من جهة، وعلى المحور النووي الإيراني من جهة أخرى، بينما الولايات المتحدة وأوروبا وهما محورا (الناتو) على ضفتي الأطلسي يمثلان الطرف الثاني لهذا التوتر، ولأن هذه الدول الخليجية ترتبط بالفعل بمعاهدات أمنية ثنائية مع لندن وواشنطن، ولأن الهاجس الأمني يشكل أولى اهتماماتها لدرجة أن ما أنفقته هذه الدول على التسليح خلال السنوات الست الأخيرة فقط ما يزيد على 100 مليار دولار، فلم تجد هذه الدول مانعاً من البحث مع الناتو في صيغة للتعاون؛ لكن التوصل إلى هذه الصيغة يواجه عدة عقبات، أولها أن ما تفكر فيه دول الناتو هو (ناتو شرق أوسطي)، وهذا يمثل جزءاً من مشروع الرئيس الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) وأسوأ ما في هذا التصور أنه يضم إسرائيل إلى جانب هذه الدول، وهذا يشكل معضلة أمام الدول الخليجية العربية في ظل التوجه الرسمي والشعبي الخليجي الرافض للتطبيع مع إسرائيل إلا بعد عودة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأداء إسرائيل لالتزاماتها لتحقيق السلام.
كما تواجه مثل هذه الصيغة إشكالية أخرى وهي التي تتعلق بالتصدي لأسلحة الدمار الشامل، والتساؤل المطروح حول ما إذا كان الهدف الغربي فقط هو منع العرب والمسلمين دون غيرهم من امتلاك مثل تلك الأسلحة، وذلك في ظل الاعتراض الغربي على الملف النووي الإيراني من دون الاعتراض نفسه على البرنامج النووي الحربي الإسرائيلي؟
بعد ذلك كله، أظن أنه يلزم إعادة مراجعة الموقف العربي عموماً والخليجي خصوصاً من كل تلك التحركات لتحديد أين تقع مصالحنا ومبادؤنا في التعامل مع كل تلك المتغيرات، وما هي السيناريوهات المحتملة لصيغة هذه العلاقة التي تجد بعض الدول العربية نفسها متورطة فيها أحياناً بحساباتها وغالباً اضطرارياً؟
وأقول، للأسف مع غياب تفعيل العرب والمسلمين لدور مؤسساتهم الرسمية الجماعية وهي جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في صياغة أي استراتيجية للتعامل مع أوروبا وأمريكا، وفي ظل غياب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك للتساند فيما بينهم، وغياب صيغة جامعة للأمن الإقليمي الخليجي العربي والإسلامي، تبدو العلاقة تسير في اتجاه واحد من الشمال الأطلسي الغربي إلى الجنوب العربي، وبالرغم من أن هذا أمر يضر بالأمن القومي العربي ويثير تحفظات واستياء معظم الدول والشعوب العربية، إلا أن المشكلة هي في غياب الإرادة السياسية العربية المشتركة التي إذا توافرت لأدركوا أن أمنهم، الذي تمثل إسرائيل التهديد الرئيسي الآني والفعلي له قبل غيرها، لا يتوفر إلا في تفعيلهم لميثاق أمنهم الجماعي وفي مؤسساتهم العربية والإسلامية مع تطويرها إلى مظلة اتحادية تجعل حوارهم مع أوروبا هو بين (اتحاد أوروبي واتحاد عربي)، وبين (غرب أوروبي أمريكي) و(شرق عربي إسلامي).
وحينها لن تكون حركة المرور من اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق فقط، بل ستكون الحركة على طريق له اتجاهان للمرور من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب.

::/fulltext::
::cck::2866::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *