الواقع العربي الراهن.. نظرة عابرة على ما هو كائن وما يجب أن يكون

::cck::2870::/cck::
::introtext::

إن مستوى تحليل الواقع العربي الراهن – بصفة عامة، ومجردة – أو أي واقع سياسي آخر، عربي أو غير عربي، يمكن أن يقوم على عدة أسس ومنطلقات ومداخل مختلفة، منها (على سبيل المثال لا الحصر) هل هو مستوى الشعوب أم الحكومات العربية، أم جماعات عربية معينة أم جزء من هذا وذاك؟
يراهن الباحثون (الموضوعيون) على وجود فروق جوهرية في كل مستوى، بالنسبة للآخر. فإذا اعتمد مستوى الحكومات فإن نتيجة ومعطيات ذلك التحليل ستكون في الغالب مختلفة، عن نتيجة التحليل فيما لو كان (مثلاً) مستوى الشعوب العربية هو الأساس، وهكذا.

::/introtext::
::fulltext::

إن مستوى تحليل الواقع العربي الراهن – بصفة عامة، ومجردة – أو أي واقع سياسي آخر، عربي أو غير عربي، يمكن أن يقوم على عدة أسس ومنطلقات ومداخل مختلفة، منها (على سبيل المثال لا الحصر) هل هو مستوى الشعوب أم الحكومات العربية، أم جماعات عربية معينة أم جزء من هذا وذاك؟
يراهن الباحثون (الموضوعيون) على وجود فروق جوهرية في كل مستوى، بالنسبة للآخر. فإذا اعتمد مستوى الحكومات فإن نتيجة ومعطيات ذلك التحليل ستكون في الغالب مختلفة، عن نتيجة التحليل فيما لو كان (مثلاً) مستوى الشعوب العربية هو الأساس، وهكذا.
ويرجع أولئك المراقبون هذه الاختلافات – الجوهرية في كثير من الحالات – إلى وجود فجوة (البعض يقول هائلة) تتجسد في قضية عدم التمثيل التام بين معظم الحكومات، وكثير من الشعوب التي تديرها، فما قد تراه الأولى صالحاً قد يكون طالحاً في حسابات الثانية والعكس.
صحيح بالطبع. وذلك هو جوهر الأزمة السياسية العربية الراهنة كما يرى العلماء والمراقبون المعنيون.
وفي البلاد التي لا توجد فيها تلك الفجوة، وبذلك الاتساع الهائل أو الكبير (ومنها قلة من البلاد العربية) يكاد ينعدم الاختلاف بين حسابات الحكومات والشعوب، فما تراه الشعوب صالحاً، لابد أن تراه الحكومات كذلك. وما تراه طالحاً، على الحكومات أن تعتبره كذلك وإلا فقدت شرعيتها! لذلك، يتواجد (الرشد) غالباً في السياسات العامة، أو هكذا يجب، في تلك البلاد.
لقد حلت معظم بلاد العالم هذه الإشكالية – بأساليب منطقية وعلمية معروفة – وانحسرت الفجوات في تلك البلاد (وانتفى الاختلاف بين حسابات الطرفين) حتى تكاد تنعدم الفروق (الفجوات).. وإن وجدت مرحلياً ومؤقتاً في بعض الحالات والظروف. أما غالبية البلاد العربية، فلا تزال كما يبدو حبيسة تلك الإشكالية الخطيرة (أزمة الشرعية)، لأسباب ذاتية وخارجية و(تاريخية ونفسية) معروفة.
أما على مستوى كثير من الجماعات (المتنفذة) في عالمنا العربي – وما يمكن أن نشير إليها بالأحزاب وجماعات الضغط أو المصالح – فإن لمعظم تلك الجماعات طروحات (أو اجتهادات) يدعي كل منها أنه سيخرج الأمة من هذه الإشكالية المدمرة. وبعض هذه الجماعات تعكس فعلاً رأياً شعبياً عاماً إيجابياً وراسخاً، ولكن البعض الآخر من هذه الجماعات ومن حيث يدري أو لا يدري – له طروحات لو أخذ بها لتغيرت الشعارات فقط، أما القيود والمشكلات فقد تزداد صلابة وقوة ومنعة وتفاقماً. وبعض تلك الجماعات ليس لديها سوى شعارات براقة وجوفاء.
وكثيراً ما يضيع صوت العقل بين هذا الطرح الفاشستي أو ذاك، وتتوه أغلب الأمة، ويزداد عناؤها، ويسوء مستقبلها، إلى أن يأذن الله بأمر رشد يخرجها من هذه الظلمات إلى بر الأمان ونور اليقين.
وهناك مستويات وأسس أخرى للتحليل، منها مستوى (ما هو كائن).. ونقيضه – أو مقابله – مستوى (ما يجب أن يكون). الأول يركز على ما يجري وسيجري بالفعل على يد الأطراف الفاعلة الأهم في الساحة المعنية. أما مستوى (ما يجب أن يكون)، فيعني أن ينظر الباحث أو المحلل أو المراقب إلى واقع ما معين (ملماً بما هو كائن عليه بالفعل)، ثم يحاول – بناء على مبادئ ومنطلقات معينة وقدرة فكرية خلاقة – أن يوضح ما ينبغي أن يكون عليه ذلك الواقع بأمل تحسينه أو تغييره.
وعندما نطبق ذلك على معظم الأمة العربية وواقعها العام (السياسي) الحالي، نجد أن بإمكان الباحث – أو المحلل – أن ينظر إلى ذلك الواقع من منظار (ما هو كائن)، وإن فعل، فإنه سيقول لنا من (عمل) ماذا، ولماذا، وكيف وأين ومتى.. وماذا كان (رد الفعل)؟ وما الراجح أن يعمل، وما هي ردود الفعل المحتملة عليه.. إلخ، من دوامات الأخبار الحالية، السيئ والرديء غالبها شكلاً ومضموناً؟
هنا، سنجد أن (س) مثلاً سيعمل كذا، بينما يعمل (ص) كذا. أما (ج) فسيكون رد فعله كذا. ومن هذه الصورة سيرى الحصيف أن معظم هذه الأفعال، وردود الأفعال إن لم يكن كلها قائمة على حسابات (مصالح) كل طرف، تلك المصالح التي كثيراً ما تكون مناقضة لمصالح معظم الشعوب المعنية. فلا عجب إذن أن يتمخض عن أغلب (ما هو كائن) في الواقع العربي المزيد من الضعف والغبن والهوان لهذه الأمة. ومن العبث أن يتوقع العقلاء غير ذلك. بل إن من السذاجة أن يتوقع المرء (صلاح) معظم أمور الناس العامة في ظل ذلك (الواقع) المصلحي.
إن كل هذا كثيراً ما يقود المفكر أو المراقب العربي النزيه، والذي يهمه حاضر أمته ومستقبلها إلى البحث عن تجاوز ذلك الواقع، وتخطيه فكرياً تمهيداً لإضعافه وعزله. وهنا نجد ذلك الباحث يتجه (تلقائياً) إلى مستوى (ما يجب أن يكون). وفي هذا المستوى نجد عشرات الأطروحات الفكرية التي يزعم كل منها بأنه المخرج من ذلك الواقع (المزري) وكل منها (اجتهاد) يستحق بعضها الدراسة والحوار. ومع ذلك، فإن هناك (وصفة) علمية وموضوعية راسخة يقدمها أغلب علماء السياسة والفكر العرب – وغير العرب – كمضمون لـ (ما ينبغي أن يكون) عليه الحال (الواقع) العربي بصفة عامة في القرن الواحد والعشرين وما بعده. وعن هذه (الوصفة) نتحدث فيما يلي.أفضل (ما يجب أن يكون) عربياً
نعم، عندما ينظر المفكر – أو المراقب – العربي، الموضوعي المهتم بأمر أمته، والمتطلع لنهوضها، إلى (الواقع) العربي الراهن، كـ (ما هو كائن)، غالباً ما يخيم عليه الحزن والأسى، وينتابه غم عميق وقلق محيق؛ إذ يرى أمته تعاني من تخلف واضح وهوان فاضح وإذلال جارح تسببه عوامل أضحت معروفة للقاصي قبل الداني. فلا يلبث معظم هؤلاء (ومن منطلق أيديولوجي مشروع) إلا التسليم بحتمية التغيير والبحث الحثيث عن المخرج (الإصلاح) الأنسب والسبل المؤدية لرفع هذا الانحطاط، والانطلاق في طريق العزة والكرامة والتقدم الذي تاهت عنه هذه الأمة طويلاً. وهو اجتهاد محمود، فضلاً عن كونه جوهر رسالة المفكر النبيلة.
وإذا قصرنا النظرة إلى الفترة المعاصرة من التاريخ العربي، وهي عصر استقلال معظم البلدان العربية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فنجد أن هذه الأمة كانت ولا تزال تعاني الأمرين منذ ذلك (الاستقلال) الشكلي في الواقع. و(الأمرين) هنا – في رأي أغلب أولئك المفكرين هما: الدكتاتورية والتدخلات الأجنبية المعادية والطامعة، وبعضهم يشبهها بالسندان والمطرقة.
ولا شك أن طبيعة الشخصية العربية وخواص التكوين المجتمعي العربي ساهمت في قيام واستتباب هذين الأمرين، اللذين كانا ولا يزالان بمثابة خنجرين سامين يطعنان في الجسد العربي على مدار الساعة. ومع ذلك، فإن السبب الأساسي لازدهار هذين الأمرين ليس لعيب أخلاقي أو جيني في الشعب العربي ومكوناته، بل هي الظروف التي وجد أغلب العرب أنفسهم فيها. فقد وجدت معظم الأمة نفسها ممزقة أجزاءاً، واستيقظت على حدود جديدة رسمها الاستعمار – وفق اتفاقية (سايكس – بيكو) سيئة الذكر، وغيرها. وبدأت الهجمة الصهيونية على هذه الأمة، التي سادت (الأمية) أبناءها، وبعثرت الفرقة شملها، وضاقت فيها سبل العيش (رغم اتساعها) وسدت طرق الرقي والنمو، وعزت أدوات الانطلاق.
وفي ظل هذا الضعف المهين، تاق مصلحو الأمة للخلاص واستنفروا الهمم، وأثاروا المشاعر تجاه الاتحاد (ففيه القوة والتمكين) والحرية والعدالة والمساواة والازدهار. وكان واضحاً أن (الخلاص) يمر عبر وسيلتين، هما التحرر والاتحاد. وللالتفاف على المشاعر الاتحادية أنشئت جامعة الدول العربية كتنظيم حق يراد به باطل. إذ كان الهدف هو كبت أو تهدئة المشاعر التضامنية – وتسهيل الهيمنة الاستعمارية الجماعية على العرب – والحيلولة دون قيام اتحاد حقيقي بين عناصر هذه الأمة. ونجحت الحيلة، منذ ذلك الحين، وبشكل لم يتوقعه حتى أسوأ المعادين، وأخبث المتآمرين.
كما أفسدت الديكتاتورية النمو الطبيعي (الإيجابي) لكثير من البلاد العربية، وحالت دون ظهور المواطن المدني العربي. فأغلب الديكتاتوريات العربية كان من مصلحتها التأكيد على المركزية الصارمة، و(القطرية) الطاغية، التي جعلت الحياة العربية بأغلب فعالياتها تدور حول شخص (الزعيم) الأوحد، والمنقذ الأمجد، و(القائد الضرورة).. إلخ.
لقد ادعت أغلب الديكتاتوريات العربية – زوراً وبهتاناً – أن حكم وإدارة تلك البلاد العربية لا يتمان إلا بهذا الأسلوب الوحشي والصارم. والحقيقة أن تلك (الطواويس) لم يكن هدفها الأساسي هو الإبقاء على وحدة الشعوب، وضمان ازدهارها ورقيها، بقدر ما كان همها هو الإبقاء على زعامة الزعيم الأوحد وبطانته، وضمان امتيازاتهم وتكريس مصالحهم. وقد ثبت – بالبراهين والدلائل القاطعة – أن معظم تلك الدكتاتوريات تضعف ولا تقوي، وتذل ولا تعز، وتهين ولا تنقذ، وتمزق ولا توحد، وتهدم ولا تبني.
إن المفكرين المنصفين يعلمون (ما هو كائن) – الواقع العربي بعلاته، ولكنهم لا يعتبرونه أمراً مصيرياً ونهائياً. يجب أن تقام على أساسه الآمال والطموحات والحسابات. فما يؤسس على خطأ فهو خطأ، وما يقام على ضعف فهو ضعف. لذلك، لابد من (تجاوز) ما هو كائن – فكرياً أولاً. ولا مناص من الانطلاق في آفاق خير (ما يجب أن يكون) من وجهة النظر الموضوعية، والبراجماتية النزيهة والمخلصة والمستنيرة.
فمثلاً، عندما يتم انتقاد جامعة الدول العربية لابد من إدراك كامل الصورة، وكل الملابسات المحيطة، في الماضي والحاضر. ويجب عدم صب جام الغضب على هذه المنظمة لأنها مجرد نتيجة لما هو كائن. كما أن تخبط تلك المنظمة وهزالها يجب ألا يقود إلى تسفيه (مبدأ) ضرورة وحتمية الاتحاد العربي، ودعم التعاون العربي وتوثيقه في كل المجالات. هذه أمور يقتضيها التفريق (المنطقي والشرعي) بين (ما هو كائن) و(ما يجب أن يكون).
إن حل هذا الإشكال (المأساوي) العربي يكمن – كما يجمع أغلب مفكري السياسة العرب وغيرهم – في التطبيق السليم للديمقراطية أو اللاستبداد، وفي أفضل صيغ الانصهار الدولي المعروفة حتى الآن وهي الفيدرالية.
إن الفيدرالية السليمة لا يمكن أن تنجح إلا في ظل الأنظمة التمثيلية، وقيام مثل هذه الأنظمة سيدفع نحو التضامن الفعلي والاتحاد السليم. وإذا طبقت الفيدرالية بشكل سليم فإنها توحد ولا تفرق، وتقوي ولا تضعف. إنها (الصيغة السحرية) الأهم القادرة على خلق كيان واحد من عدة كيانات مختلفة، وهي اختراع سياسي وإداري حيوي مهم يحقق هذه المعادلة الصعبة عبر إقامة كيان واحد متحد مع تمتع كل من مكوناته بحق إدارة نفسها، والحفاظ على خصوصيتها، ومعظم ذاتيتها، وفق الأسلوب الذي ترتضيه ويناسبها، شريطة انسجامه مع الدستور الاتحادي العام للكيان الأكبر الواحد، ذلك القانون الذي يجب في حالة العرب أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع فيه.
ذلك هو أفضل وأسلم ما يجب أن يكون بشأن مستقبل العرب بعامة. وهو العلاج الأنجع – الذي يوصي به غالبية علماء ومفكري السياسة الحاليين من عرب وغيرهم – لأسوأ أمراض هذه الأمة، وأفدح العلل التي ابتليت بها. إنه الحلم الأجمل (المستقبلي) الذي يناقض الكابوس (الحاضر).
إن المنطق السليم يقتضي أن يتطلع المعنيون إلى هذا الوضع المأمول (الحلم) فور تسليمهم بالمرض، وعزمهم على السعي الجدي نحو العلاج الأنجع. وهذه الوصفة تصلح لبعض البلاد كما تصلح لمجموعة من البلاد. ويجب تبنيها بحذر وتدرج، ورغماً عن أعدائها الألداء، الذين يشككون حتى في مجرد طرحها لأسباب معروفة للمطلعين ووجيهة فقط، من وجهة نظر مصالح المناوئين، لأن تبنيها يعني ببساطة تغيير كل أو أغلب ما هو كائن وذلك يضر بمصالحهم التي طال أمد تقديمها على المصلحة العربية العليا.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2870::/cck::
::introtext::

إن مستوى تحليل الواقع العربي الراهن – بصفة عامة، ومجردة – أو أي واقع سياسي آخر، عربي أو غير عربي، يمكن أن يقوم على عدة أسس ومنطلقات ومداخل مختلفة، منها (على سبيل المثال لا الحصر) هل هو مستوى الشعوب أم الحكومات العربية، أم جماعات عربية معينة أم جزء من هذا وذاك؟
يراهن الباحثون (الموضوعيون) على وجود فروق جوهرية في كل مستوى، بالنسبة للآخر. فإذا اعتمد مستوى الحكومات فإن نتيجة ومعطيات ذلك التحليل ستكون في الغالب مختلفة، عن نتيجة التحليل فيما لو كان (مثلاً) مستوى الشعوب العربية هو الأساس، وهكذا.

::/introtext::
::fulltext::

إن مستوى تحليل الواقع العربي الراهن – بصفة عامة، ومجردة – أو أي واقع سياسي آخر، عربي أو غير عربي، يمكن أن يقوم على عدة أسس ومنطلقات ومداخل مختلفة، منها (على سبيل المثال لا الحصر) هل هو مستوى الشعوب أم الحكومات العربية، أم جماعات عربية معينة أم جزء من هذا وذاك؟
يراهن الباحثون (الموضوعيون) على وجود فروق جوهرية في كل مستوى، بالنسبة للآخر. فإذا اعتمد مستوى الحكومات فإن نتيجة ومعطيات ذلك التحليل ستكون في الغالب مختلفة، عن نتيجة التحليل فيما لو كان (مثلاً) مستوى الشعوب العربية هو الأساس، وهكذا.
ويرجع أولئك المراقبون هذه الاختلافات – الجوهرية في كثير من الحالات – إلى وجود فجوة (البعض يقول هائلة) تتجسد في قضية عدم التمثيل التام بين معظم الحكومات، وكثير من الشعوب التي تديرها، فما قد تراه الأولى صالحاً قد يكون طالحاً في حسابات الثانية والعكس.
صحيح بالطبع. وذلك هو جوهر الأزمة السياسية العربية الراهنة كما يرى العلماء والمراقبون المعنيون.
وفي البلاد التي لا توجد فيها تلك الفجوة، وبذلك الاتساع الهائل أو الكبير (ومنها قلة من البلاد العربية) يكاد ينعدم الاختلاف بين حسابات الحكومات والشعوب، فما تراه الشعوب صالحاً، لابد أن تراه الحكومات كذلك. وما تراه طالحاً، على الحكومات أن تعتبره كذلك وإلا فقدت شرعيتها! لذلك، يتواجد (الرشد) غالباً في السياسات العامة، أو هكذا يجب، في تلك البلاد.
لقد حلت معظم بلاد العالم هذه الإشكالية – بأساليب منطقية وعلمية معروفة – وانحسرت الفجوات في تلك البلاد (وانتفى الاختلاف بين حسابات الطرفين) حتى تكاد تنعدم الفروق (الفجوات).. وإن وجدت مرحلياً ومؤقتاً في بعض الحالات والظروف. أما غالبية البلاد العربية، فلا تزال كما يبدو حبيسة تلك الإشكالية الخطيرة (أزمة الشرعية)، لأسباب ذاتية وخارجية و(تاريخية ونفسية) معروفة.
أما على مستوى كثير من الجماعات (المتنفذة) في عالمنا العربي – وما يمكن أن نشير إليها بالأحزاب وجماعات الضغط أو المصالح – فإن لمعظم تلك الجماعات طروحات (أو اجتهادات) يدعي كل منها أنه سيخرج الأمة من هذه الإشكالية المدمرة. وبعض هذه الجماعات تعكس فعلاً رأياً شعبياً عاماً إيجابياً وراسخاً، ولكن البعض الآخر من هذه الجماعات ومن حيث يدري أو لا يدري – له طروحات لو أخذ بها لتغيرت الشعارات فقط، أما القيود والمشكلات فقد تزداد صلابة وقوة ومنعة وتفاقماً. وبعض تلك الجماعات ليس لديها سوى شعارات براقة وجوفاء.
وكثيراً ما يضيع صوت العقل بين هذا الطرح الفاشستي أو ذاك، وتتوه أغلب الأمة، ويزداد عناؤها، ويسوء مستقبلها، إلى أن يأذن الله بأمر رشد يخرجها من هذه الظلمات إلى بر الأمان ونور اليقين.
وهناك مستويات وأسس أخرى للتحليل، منها مستوى (ما هو كائن).. ونقيضه – أو مقابله – مستوى (ما يجب أن يكون). الأول يركز على ما يجري وسيجري بالفعل على يد الأطراف الفاعلة الأهم في الساحة المعنية. أما مستوى (ما يجب أن يكون)، فيعني أن ينظر الباحث أو المحلل أو المراقب إلى واقع ما معين (ملماً بما هو كائن عليه بالفعل)، ثم يحاول – بناء على مبادئ ومنطلقات معينة وقدرة فكرية خلاقة – أن يوضح ما ينبغي أن يكون عليه ذلك الواقع بأمل تحسينه أو تغييره.
وعندما نطبق ذلك على معظم الأمة العربية وواقعها العام (السياسي) الحالي، نجد أن بإمكان الباحث – أو المحلل – أن ينظر إلى ذلك الواقع من منظار (ما هو كائن)، وإن فعل، فإنه سيقول لنا من (عمل) ماذا، ولماذا، وكيف وأين ومتى.. وماذا كان (رد الفعل)؟ وما الراجح أن يعمل، وما هي ردود الفعل المحتملة عليه.. إلخ، من دوامات الأخبار الحالية، السيئ والرديء غالبها شكلاً ومضموناً؟
هنا، سنجد أن (س) مثلاً سيعمل كذا، بينما يعمل (ص) كذا. أما (ج) فسيكون رد فعله كذا. ومن هذه الصورة سيرى الحصيف أن معظم هذه الأفعال، وردود الأفعال إن لم يكن كلها قائمة على حسابات (مصالح) كل طرف، تلك المصالح التي كثيراً ما تكون مناقضة لمصالح معظم الشعوب المعنية. فلا عجب إذن أن يتمخض عن أغلب (ما هو كائن) في الواقع العربي المزيد من الضعف والغبن والهوان لهذه الأمة. ومن العبث أن يتوقع العقلاء غير ذلك. بل إن من السذاجة أن يتوقع المرء (صلاح) معظم أمور الناس العامة في ظل ذلك (الواقع) المصلحي.
إن كل هذا كثيراً ما يقود المفكر أو المراقب العربي النزيه، والذي يهمه حاضر أمته ومستقبلها إلى البحث عن تجاوز ذلك الواقع، وتخطيه فكرياً تمهيداً لإضعافه وعزله. وهنا نجد ذلك الباحث يتجه (تلقائياً) إلى مستوى (ما يجب أن يكون). وفي هذا المستوى نجد عشرات الأطروحات الفكرية التي يزعم كل منها بأنه المخرج من ذلك الواقع (المزري) وكل منها (اجتهاد) يستحق بعضها الدراسة والحوار. ومع ذلك، فإن هناك (وصفة) علمية وموضوعية راسخة يقدمها أغلب علماء السياسة والفكر العرب – وغير العرب – كمضمون لـ (ما ينبغي أن يكون) عليه الحال (الواقع) العربي بصفة عامة في القرن الواحد والعشرين وما بعده. وعن هذه (الوصفة) نتحدث فيما يلي.أفضل (ما يجب أن يكون) عربياً
نعم، عندما ينظر المفكر – أو المراقب – العربي، الموضوعي المهتم بأمر أمته، والمتطلع لنهوضها، إلى (الواقع) العربي الراهن، كـ (ما هو كائن)، غالباً ما يخيم عليه الحزن والأسى، وينتابه غم عميق وقلق محيق؛ إذ يرى أمته تعاني من تخلف واضح وهوان فاضح وإذلال جارح تسببه عوامل أضحت معروفة للقاصي قبل الداني. فلا يلبث معظم هؤلاء (ومن منطلق أيديولوجي مشروع) إلا التسليم بحتمية التغيير والبحث الحثيث عن المخرج (الإصلاح) الأنسب والسبل المؤدية لرفع هذا الانحطاط، والانطلاق في طريق العزة والكرامة والتقدم الذي تاهت عنه هذه الأمة طويلاً. وهو اجتهاد محمود، فضلاً عن كونه جوهر رسالة المفكر النبيلة.
وإذا قصرنا النظرة إلى الفترة المعاصرة من التاريخ العربي، وهي عصر استقلال معظم البلدان العربية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فنجد أن هذه الأمة كانت ولا تزال تعاني الأمرين منذ ذلك (الاستقلال) الشكلي في الواقع. و(الأمرين) هنا – في رأي أغلب أولئك المفكرين هما: الدكتاتورية والتدخلات الأجنبية المعادية والطامعة، وبعضهم يشبهها بالسندان والمطرقة.
ولا شك أن طبيعة الشخصية العربية وخواص التكوين المجتمعي العربي ساهمت في قيام واستتباب هذين الأمرين، اللذين كانا ولا يزالان بمثابة خنجرين سامين يطعنان في الجسد العربي على مدار الساعة. ومع ذلك، فإن السبب الأساسي لازدهار هذين الأمرين ليس لعيب أخلاقي أو جيني في الشعب العربي ومكوناته، بل هي الظروف التي وجد أغلب العرب أنفسهم فيها. فقد وجدت معظم الأمة نفسها ممزقة أجزاءاً، واستيقظت على حدود جديدة رسمها الاستعمار – وفق اتفاقية (سايكس – بيكو) سيئة الذكر، وغيرها. وبدأت الهجمة الصهيونية على هذه الأمة، التي سادت (الأمية) أبناءها، وبعثرت الفرقة شملها، وضاقت فيها سبل العيش (رغم اتساعها) وسدت طرق الرقي والنمو، وعزت أدوات الانطلاق.
وفي ظل هذا الضعف المهين، تاق مصلحو الأمة للخلاص واستنفروا الهمم، وأثاروا المشاعر تجاه الاتحاد (ففيه القوة والتمكين) والحرية والعدالة والمساواة والازدهار. وكان واضحاً أن (الخلاص) يمر عبر وسيلتين، هما التحرر والاتحاد. وللالتفاف على المشاعر الاتحادية أنشئت جامعة الدول العربية كتنظيم حق يراد به باطل. إذ كان الهدف هو كبت أو تهدئة المشاعر التضامنية – وتسهيل الهيمنة الاستعمارية الجماعية على العرب – والحيلولة دون قيام اتحاد حقيقي بين عناصر هذه الأمة. ونجحت الحيلة، منذ ذلك الحين، وبشكل لم يتوقعه حتى أسوأ المعادين، وأخبث المتآمرين.
كما أفسدت الديكتاتورية النمو الطبيعي (الإيجابي) لكثير من البلاد العربية، وحالت دون ظهور المواطن المدني العربي. فأغلب الديكتاتوريات العربية كان من مصلحتها التأكيد على المركزية الصارمة، و(القطرية) الطاغية، التي جعلت الحياة العربية بأغلب فعالياتها تدور حول شخص (الزعيم) الأوحد، والمنقذ الأمجد، و(القائد الضرورة).. إلخ.
لقد ادعت أغلب الديكتاتوريات العربية – زوراً وبهتاناً – أن حكم وإدارة تلك البلاد العربية لا يتمان إلا بهذا الأسلوب الوحشي والصارم. والحقيقة أن تلك (الطواويس) لم يكن هدفها الأساسي هو الإبقاء على وحدة الشعوب، وضمان ازدهارها ورقيها، بقدر ما كان همها هو الإبقاء على زعامة الزعيم الأوحد وبطانته، وضمان امتيازاتهم وتكريس مصالحهم. وقد ثبت – بالبراهين والدلائل القاطعة – أن معظم تلك الدكتاتوريات تضعف ولا تقوي، وتذل ولا تعز، وتهين ولا تنقذ، وتمزق ولا توحد، وتهدم ولا تبني.
إن المفكرين المنصفين يعلمون (ما هو كائن) – الواقع العربي بعلاته، ولكنهم لا يعتبرونه أمراً مصيرياً ونهائياً. يجب أن تقام على أساسه الآمال والطموحات والحسابات. فما يؤسس على خطأ فهو خطأ، وما يقام على ضعف فهو ضعف. لذلك، لابد من (تجاوز) ما هو كائن – فكرياً أولاً. ولا مناص من الانطلاق في آفاق خير (ما يجب أن يكون) من وجهة النظر الموضوعية، والبراجماتية النزيهة والمخلصة والمستنيرة.
فمثلاً، عندما يتم انتقاد جامعة الدول العربية لابد من إدراك كامل الصورة، وكل الملابسات المحيطة، في الماضي والحاضر. ويجب عدم صب جام الغضب على هذه المنظمة لأنها مجرد نتيجة لما هو كائن. كما أن تخبط تلك المنظمة وهزالها يجب ألا يقود إلى تسفيه (مبدأ) ضرورة وحتمية الاتحاد العربي، ودعم التعاون العربي وتوثيقه في كل المجالات. هذه أمور يقتضيها التفريق (المنطقي والشرعي) بين (ما هو كائن) و(ما يجب أن يكون).
إن حل هذا الإشكال (المأساوي) العربي يكمن – كما يجمع أغلب مفكري السياسة العرب وغيرهم – في التطبيق السليم للديمقراطية أو اللاستبداد، وفي أفضل صيغ الانصهار الدولي المعروفة حتى الآن وهي الفيدرالية.
إن الفيدرالية السليمة لا يمكن أن تنجح إلا في ظل الأنظمة التمثيلية، وقيام مثل هذه الأنظمة سيدفع نحو التضامن الفعلي والاتحاد السليم. وإذا طبقت الفيدرالية بشكل سليم فإنها توحد ولا تفرق، وتقوي ولا تضعف. إنها (الصيغة السحرية) الأهم القادرة على خلق كيان واحد من عدة كيانات مختلفة، وهي اختراع سياسي وإداري حيوي مهم يحقق هذه المعادلة الصعبة عبر إقامة كيان واحد متحد مع تمتع كل من مكوناته بحق إدارة نفسها، والحفاظ على خصوصيتها، ومعظم ذاتيتها، وفق الأسلوب الذي ترتضيه ويناسبها، شريطة انسجامه مع الدستور الاتحادي العام للكيان الأكبر الواحد، ذلك القانون الذي يجب في حالة العرب أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع فيه.
ذلك هو أفضل وأسلم ما يجب أن يكون بشأن مستقبل العرب بعامة. وهو العلاج الأنجع – الذي يوصي به غالبية علماء ومفكري السياسة الحاليين من عرب وغيرهم – لأسوأ أمراض هذه الأمة، وأفدح العلل التي ابتليت بها. إنه الحلم الأجمل (المستقبلي) الذي يناقض الكابوس (الحاضر).
إن المنطق السليم يقتضي أن يتطلع المعنيون إلى هذا الوضع المأمول (الحلم) فور تسليمهم بالمرض، وعزمهم على السعي الجدي نحو العلاج الأنجع. وهذه الوصفة تصلح لبعض البلاد كما تصلح لمجموعة من البلاد. ويجب تبنيها بحذر وتدرج، ورغماً عن أعدائها الألداء، الذين يشككون حتى في مجرد طرحها لأسباب معروفة للمطلعين ووجيهة فقط، من وجهة نظر مصالح المناوئين، لأن تبنيها يعني ببساطة تغيير كل أو أغلب ما هو كائن وذلك يضر بمصالحهم التي طال أمد تقديمها على المصلحة العربية العليا.

::/fulltext::
::cck::2870::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *