التنظيمات النسائية في العراق بين الحركات الدينية والدعوات الليبرالية

::cck::2884::/cck::
::introtext::

يحفل واقع الحركة النسائية في العراق بالعديد من التناقضات، فالعراق يعيش مرحلة تحول خطيرة في تاريخه تهيمن عليها ثقافة الاحتلال والقادمين معه، وحالة التشظي في العمل السياسي عموماً، ومحاولة الأحزاب السرية التي خرجت إلى العلن وتلك التي نشأت حديثاً طرح أولوياتها وبرامجها، وهي في مجملها تبحث عن دور أو مكان في المرحلة اللاحقة.

::/introtext::
::fulltext::

يحفل واقع الحركة النسائية في العراق بالعديد من التناقضات، فالعراق يعيش مرحلة تحول خطيرة في تاريخه تهيمن عليها ثقافة الاحتلال والقادمين معه، وحالة التشظي في العمل السياسي عموماً، ومحاولة الأحزاب السرية التي خرجت إلى العلن وتلك التي نشأت حديثاً طرح أولوياتها وبرامجها، وهي في مجملها تبحث عن دور أو مكان في المرحلة اللاحقة.
من التناقضات الأساسية أن المرأة العراقية التي كانت قد حققت الكثير من المكاسب، وتبوأت مواقع متميزة في المشاركة السياسية في المرحلة الماضية، إضافة إلى دورها الفاعل في البناء الاقتصادي والاجتماعي والتربوي، بعد أكثر من عقدين من الحروب والحصار، وجدت نفسها مطالبة بالبدء من جديد، وكأن المطلوب هو محو سجل المرحلة الماضية بإيجابياته وسلبياته.
ويتضح التناقض الآخر في كثرة المنظمات النسائية التي ظهرت على الساحة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي، واتخذ بعضها شكل تنظيمات سياسية، كما هي الحال مع المنظمات الشيوعية التي برز نشاطها واضحاً بعد الاحتلال مباشرة، ثم عاد ليضمحل في مرحلة لاحقة بسبب دخولها في معارك جانبية واستعدائها للحركات الدينية، وقابل ذلك اتساع نشاط الأحزاب الدينية ودعمها للحركات النسائية التي نشأت في ظلها، والتضييق على الحركات والمنظمات المناوئة، كما هي الحال مع بعض التنظيمات المنبثقة من الأحزاب العاملة على الساحة العراقية مثل تنظيم بنت الهدى الذي يمثل حزب الدعوة الإسلامية أو تنظيم الاتحاد النسائي الإسلامي الذي يمثل الحزب الإسلامي العراقي، وهما من الأحزاب الأكثر نشاطاً على الساحة العراقية ولديهما ممثلون في مجلس الحكم المنحل والحكومة المؤقتة التي أنشئت في المرحلة التالية لحل مجلس الحكم والتي سميت بمرحلة (نقل السيادة للعراقيين) ومن ثم في البرلمان العراقي الذي بدأ أعماله في عام 2005.
ورغم صعوبة حصر عدد التنظيمات النسائية في الساحة العراقية إلا أنها بلغت المئات، وإذا كان ظهور بعض هذه التنظيمات عبّر عن حاجة فعلية لدور المرأة في هذه المرحلة فإن أغلبها جاء بفعل ثلاثة عوامل رئيسية هي:
أولاً: حاجة الأحزاب السياسية للعنصر النسائي في دعم مطالبتها بدور سياسي في المرحلة المقبلة بعد أن أقر مبدأ المشاركة في الانتخابات على أساس اللائحة، وأن تتضمن كل لائحة حزبية ما نسبته 25 في المائة من النساء. وهو الأمر الذي أدى إلى تنافس بين الأحزاب لاستقطاب العناصر النسائية المستقلة ومحاولة ضمها إليها مع التلويح بالمقاعد النيابية لجذب العناصر المعروفة اجتماعياً أو على المستوى الأكاديمي، مثل المدرسات الجامعيات والفنانات والأديبات وما إلى ذلك.
ثانياً: دعم سلطات الاحتلال الأمريكي مادياً ومعنوياً لنشوء مثل هذه التنظيمات وتمثل الدعم المادي بتقديم مبالغ كبيرة تجاوزت 37 مليون دولار أمريكي خلال عام واحد من أجل تأسيس مراكز نسائية في بغداد وجميع المحافظات العراقية. أما الدعم المعنوي فتمثل في حرص المسؤولين الأمريكيين على طرح قضية المرأة العراقية بمناسبة أو من دونها بدءاً من الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش ومروراً بوزيري الخارجية والدفاع السابقين كولن باول ودونالد رامسفيلد ومستشارة الأمن القومي ثم وزيرة الخارجية فيما بعد كوندليزا رايس وصولاً إلى بول بريمر الحاكم المدني الذي كان يرعى المؤتمرات النسائية ويستقبل الوفود ويشجع عملية دمج التنظيمات النسائية.
ويمكن القول إن الاهتمامات الأمريكية بقضية المرأة ارتبطت بالمشروع الأمريكي في المنطقة الذي دعا إلى تحقيق تغيير في المنطقة العربية عبر ثلاثة مداخل هي الأمن والإصلاح والديمقراطية، وقد لخصت الإدارة الأمريكية وقبيل الاحتلال مشكلات نساء العراق في ظل نظام صدام حسين بأنهن حرمن من الحقوق التي تكفل لهن حياة كريمة، وأفاضت الدعاية الأمريكية في وصف وتعداد هذه الحقوق المهدورة حتى بدا كما لو أن احتلال العراق سيصنع المعجزة التي تعيد إلى النساء كرامتهن وحقوقهن، بل وتقدم لهن الديمقراطية على طبق من ذهب، إلا أن مشروع الديمقراطية الأمريكي تعثر كثيراً بفعل عدم استقرار الأوضاع في العراق، الساحة التي أعلنت الإدارة الأمريكية انطلاق المشروع منها.ثالثاً: موقف الدول المانحة للمساعدات التي اشترطت تقديم المنح إلى مؤسسات المجتمع المدني، تجنباً لإساءة استخدامها من قبل المؤسسات الحكومية، وهذا الأمر شجع على قيام مئات المنظمات الوهمية مستغلة الفوضى التي شاعت في العراق بعد الاحتلال وصعوبة التأكد من حقيقة وجود تلك المنظمات أو طبيعة نشاطاتها، وقد استغلت قضية المرأة بشكل واسع لانسجامها مع دعوات التحرر التي تطالب بها الدول الغربية، فأنشئت الكثير من المنظمات تحت تسميات، رعاية الأمومة والطفولة أو حماية الأسرة أو النهوض بالمرأة وما إلى ذلك، وهي في واقع الأمر لم تكن موجودة إلا على الورق، وكانت وراءها في الغالب بعض الشخصيات السياسية أو المغامرين وعصابات الاحتيال والكثير منهم جاءوا مع الاحتلال ومن دول أخرى رغم أن أغلبهم عراقيون في الأصل.
أما القضايا المطروحة ضمن برامج التنظيمات النسائية فهي متشابهة إلى حد كبير يتقدمها المطلب السياسي حول دور أكبر في المؤسسات السياسية، مثل الحصول على نسبة 40 في المائة من المقاعد النيابية، والحصول على حقائب وزارية للنساء، والاعتراض على إلغاء قانون الأحوال الشخصية، كما تبنت بعض التنظيمات قضية الدفاع عن المعتقلات السياسيات بعد فضيحة سجن أبو غريب.
وقد طرحت المنظمات النسائية العديد من الشعارات، ولكنها في العموم لم تكن شعارات جريئة، فلم تتبن أي من المنظمات قضية الدفاع عن المقاومة المسلحة، وركزت جميعها على إنهاء الاحتلال بالطرق السلمية، ومناشدة المنظمات الدولية ومطالبة العالم بالتعاطف مع قضايا المرأة العراقية.
أما القضية الاقتصادية فقد طرحت عبر الدفاع عن فرص عمل للمرأة ومحاولة طرح مشكلة البطالة، وفتح مراكز للتدريب على بعض المهن مثل الخياطة، ودورات الحاسوب لتأهيلهن للعمل، وهي في غالبيتها نشاطات دعائية وليست حقيقية لأنها لم تؤد دوراً ملموساً في تحسين واقع المرأة.
ولم يكن حال القضايا الاجتماعية أفضل بعد أن أثقلت مشكلة البطالة وزيادة عدد الأرامل بشكل كبير جداً، بفعل تردي الأوضاع الأمنية ومقتل مئات الآلاف من العراقيين على أيدي قوات الاحتلال أو على أيدي العناصر الإرهابية التي تستظل بالاحتلال وتحظى بحمايته، الواقع الاجتماعي العراقي، وصارت هموم المرأة العراقية أشد وطأة، ولم تستطع التنظيمات النسائية الوصول إلى معالجات حقيقية لهذه المشكلات، واكتفت بالمناشدات والطروحات الإعلامية الخجولة.
وجرت محاولات لتوحيد المنظمات النسائية في تنظيم واسع، لكنها عكست حالة التشرذم والانقسام بين العناصر الساعية أو المكلفة بأداء تلك المهمة، حيث قادت رجاء الخزاعي عضو مجلس الحكم المنحل إحدى تلك المحاولات، بينما قادت العضو الأخرى في المجلس صن كول جابوك محاولة أخرى تحت شعار (المرأة لدعم المرأة)- وهو اسم لمنظمة عالمية- وكذلك ظهرت العضو الثالث سلامة الخفاجي وهي تقود تظاهرة في مدينة الصدر(الثورة سابقاً) تحمل شعارات الوحدة الوطنية وصور مقتدى الصدر (الذي كان في تلك الفترة يقود صراعاً مسلحاً مع قوات الاحتلال).
ان تعدد عمليات التوحيد يعكس حالة التشرذم وعدم وضوح الرؤية، كما يعكس في الوقت نفسه رغبة أمريكية في عملية التوحيد لتقديم الحركة النسائية المقبولة أمريكياً للانتخابات خاصة أن هذه المحاولات بدأت قبل مغادرة بول بريمر للعراق، وتمت على أيدي عناصر مدعومة من الجانب الأمريكي، رغم الإقرار الضمني بأن أياً من تلك الشخصيات لم تستطع أن تستقطب القبول النسائي مع أنهن حظين بدعم إعلامي وتغطية لنشاطاتهن لا يمكن للنسوة الأخريات الحصول عليهما.
وتحولت أغلب هذه التنظيمات للعمل تحت وصاية الدولة بعد إنشاء وزارة الدولة لشؤون المرأة التي قامت برعاية عدة مؤتمرات نسائية، لكن نشاط هذه الوزارة عانى من الإهمال بفعل هامشية الدور المنوط بها وعدم تخصيص ميزانية أو حتى مبنى مستقل، ويبدو أن نشاطها اقتصر على اللقاءات الصحفية وعقد المؤتمرات المحدودة جداً والتي لا تحظى بتغطية إعلامية كافية، كما اختلطت القضايا المطروحة في تلك المؤتمرات وضاعت فيها قضايا المرأة في زحمة الطروحات السياسية للحزب الذي يقود الوزارة. لقد اصطدمت عملية البحث عن دور سياسي للمرأة العراقية بمشكلات تعانيها المرأة تجعل التفكير في السياسة آخر اهتماماتها هذا إن فكرت فيها أصلاً، فأولى مشكلات المرأة هي مشكلة انعدام الأمن وهو هم عام للعراقيين جميعاً، ولكن انعكاساته على المرأة أكثر حدة بفعل المشكلات المرافقة للانفلات الأمني، وخاصة تلك المتعلقة بعمليات الخطف والسجن وبيع النساء، حيث بات الشارع العراقي ولعدة أشهر بعد دخول القوات الأمريكية يوصف بأنه ذكوري إلى حد ما بسبب إحساس النساء بانعدام الأمن مما جعلهن حبيسات دورهن، وإلى جانب ذلك تأتي ندرة الخدمات، بل وانعدامها في بعض المناطق، إضافة إلى انتشار الأمية بنسب عالية بين النساء، مما يقلل فرصها في الحصول على العمل، وفي ظل عمليات تسريح العاملين في أكثر من نصف دوائر الدولة (الجيش والإعلام والدوائر الأمنية والاستخباراتية الخاصة وديوان الرئاسة والتصنيع العسكري)، والعمليات الحربية والإرهابية التي أدت إلى زيادة كبيرة في أعداد الأرامل واليتامى وغياب المعيل بفعل القتل أو الأسر لدى قوات الاحتلال، مما زاد من حدة الأزمة التي تعانيها الأسرة العراقية في غياب الأمن الاجتماعي والاقتصادي، ومع ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على الخدمات وتفشي الرشوة والفساد في دوائر الدولة، وزيادة الضغوط المسلطة على المرأة، يضاف إلى ذلك جهل الكثير من النساء ليس فقط بالقراءة والكتابة ومعطيات العلوم الحديثة وإنما أيضاً بحقوقهن القانونية، كما أن التقاليد الاجتماعية والدينية والعشائرية تدخل عمل المرأة بالسياسة في خانة العيب في كثير من الأحيان، لذا فمن الصعب تصور توجههن إلى المنظمات والأحزاب والبحث عن فرص سياسية، من هنا فإن الحديث عن فسحة الحرية لا يعني المرأة العراقية عموماً بل إنه اقتصر على النساء اللواتي عملن في ظل الأحزاب والحركات السياسية.
أما القضايا الدينية، فالمعروف أن الدين يمثل عاملاً فاعلاً في المجتمع العراقي، وقد كانت قضية المرأة بأبعادها المختلفة من الشؤون التي تعاطت معها المؤسسة الدينية في العراق على اختلاف اتجاهاتها، وعندما اندلعت الأحداث في الفلوجة على خلفية تحرش جنود الاحتلال بنساء المنطقة فإن أول مسيرة سلمية خرجت للمطالبة بمغادرة جنود الاحتلال، كانت بعد صلاة العشاء وانطلقت من أحد جوامع المدينة، حيث خرجت جموع المصلين في تظاهرة سلمية، احتجاجاً على التصرفات الشائنة لجنود الاحتلال بحق النساء.
وحاولت بعض الحركات الدينية رسم حدود لدور المرأة متذرعة بتفسيرات معينة ومحاولة فرض الحجاب أو تمرير بعض التشريعات إلا أن هذه القضايا لم تأخذ الكثير من الاهتمام، حيث طغت عليها المطامع السياسية والصراع على السلطة، وتعاملت الحركات الدينية بأسلوب مصلحي وبازدواجية واضحة بهذا الخصوص.
وارتبطت التنظيمات النسائية ذات الطابع الديني بالأحزاب السياسية وبتوجهاتها الدينية والمذهبية، وظهرت على الساحة العراقية منظمات نسائية مسيحية إلى جانب المنظمات الإسلامية مثل (اتحاد نساء بيت نهرين الحر) التابع لحزب بيت نهرين الوطني – وهو حزب يضم الطائفة الكلدانية والآشورية والسريانية، وقد رشّح التجمع إحدى عضواته لعضوية المؤتمر الوطني العراقي المؤقت. وفي المؤتمر الوطني ترشحت امرأة أخرى عن الكلدان بناء على توصيات من الكنيسة، لأنها مستقلة عن التنظيمات الحزبية، وهناك أيضاً جمعية المرأة المندائية الصابئية وغيرها.
وفي ظل محاولات إشاعة العنف والتطرف وإعطائه هوية دينية وجدت المرأة العراقية نفسها محاصرة بتداعيات المشكلة الأمنية وبدلاً من التمتع بما يوصف (مساحة الحرية) التي قيل إنها حصلت عليها بفعل التغييرات السياسية، فإنها الآن مشغولة بحماية الزوج والأخ والولد والاضطرار إلى ترك حياة الاستقرار والقبول ببيت بديل أو خيمة ضمن الأسر المهجرة وهي بعشرات الآلاف وفي كل مدن العراق، بما فيها تلك التي توصف بأنها أكثر أمناً. وهذه الحال تعني مصاعب ومخاوف إضافية لا تتفق مع الحديث عن الحرية أو السياسة، فكل ذلك بات من قبيل الترف الفكري، حتى بات الكثيرون يتساءلون عن مدى فاعلية المنظمات الكثيرة التي تعمل على الساحة العراقية.
إن محاولة رسم صورة مستقبلية لدور المرأة العراقية تصطدم بضبابية الأوضاع عموماً، كما أن بناء المشاهد يجري على قاعدة غير متينة، وهناك من يرى أن الأمر سابق لأوانه، فالتفاعلات على الساحة العراقية بأبعادها المختلفة مستمرة وهي تفاجئنا في كل يوم بالجديد، والجديد ليس دائماً هو الأفضل، فالعراق مليء بالأحزاب السياسية ذات الشعارات البراقة، وكذلك الأمر مع قوات الاحتلال التي جاءت إلى العراق تحت شعارات التحرير وحقوق الإنسان، والكل يعد المرأة بأنها ستكون في مقدمة اهتماماته، في مجتمع يتعايش فيه التطرف مع شعارات الحرية والمجتمع الجديد، حيث الواقع يشير إلى أن لكل أولوياته، وبينما المحتلون يبحثون عن أمنهم ومصالحهم، تتنافس الأحزاب للوصول إلى السلطة، وما لم تتحرك النساء من أجل تفعيل دورهن فإن عملية الاستقطاب السياسي ستأخذ زمناً أطول.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2884::/cck::
::introtext::

يحفل واقع الحركة النسائية في العراق بالعديد من التناقضات، فالعراق يعيش مرحلة تحول خطيرة في تاريخه تهيمن عليها ثقافة الاحتلال والقادمين معه، وحالة التشظي في العمل السياسي عموماً، ومحاولة الأحزاب السرية التي خرجت إلى العلن وتلك التي نشأت حديثاً طرح أولوياتها وبرامجها، وهي في مجملها تبحث عن دور أو مكان في المرحلة اللاحقة.

::/introtext::
::fulltext::

يحفل واقع الحركة النسائية في العراق بالعديد من التناقضات، فالعراق يعيش مرحلة تحول خطيرة في تاريخه تهيمن عليها ثقافة الاحتلال والقادمين معه، وحالة التشظي في العمل السياسي عموماً، ومحاولة الأحزاب السرية التي خرجت إلى العلن وتلك التي نشأت حديثاً طرح أولوياتها وبرامجها، وهي في مجملها تبحث عن دور أو مكان في المرحلة اللاحقة.
من التناقضات الأساسية أن المرأة العراقية التي كانت قد حققت الكثير من المكاسب، وتبوأت مواقع متميزة في المشاركة السياسية في المرحلة الماضية، إضافة إلى دورها الفاعل في البناء الاقتصادي والاجتماعي والتربوي، بعد أكثر من عقدين من الحروب والحصار، وجدت نفسها مطالبة بالبدء من جديد، وكأن المطلوب هو محو سجل المرحلة الماضية بإيجابياته وسلبياته.
ويتضح التناقض الآخر في كثرة المنظمات النسائية التي ظهرت على الساحة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي، واتخذ بعضها شكل تنظيمات سياسية، كما هي الحال مع المنظمات الشيوعية التي برز نشاطها واضحاً بعد الاحتلال مباشرة، ثم عاد ليضمحل في مرحلة لاحقة بسبب دخولها في معارك جانبية واستعدائها للحركات الدينية، وقابل ذلك اتساع نشاط الأحزاب الدينية ودعمها للحركات النسائية التي نشأت في ظلها، والتضييق على الحركات والمنظمات المناوئة، كما هي الحال مع بعض التنظيمات المنبثقة من الأحزاب العاملة على الساحة العراقية مثل تنظيم بنت الهدى الذي يمثل حزب الدعوة الإسلامية أو تنظيم الاتحاد النسائي الإسلامي الذي يمثل الحزب الإسلامي العراقي، وهما من الأحزاب الأكثر نشاطاً على الساحة العراقية ولديهما ممثلون في مجلس الحكم المنحل والحكومة المؤقتة التي أنشئت في المرحلة التالية لحل مجلس الحكم والتي سميت بمرحلة (نقل السيادة للعراقيين) ومن ثم في البرلمان العراقي الذي بدأ أعماله في عام 2005.
ورغم صعوبة حصر عدد التنظيمات النسائية في الساحة العراقية إلا أنها بلغت المئات، وإذا كان ظهور بعض هذه التنظيمات عبّر عن حاجة فعلية لدور المرأة في هذه المرحلة فإن أغلبها جاء بفعل ثلاثة عوامل رئيسية هي:
أولاً: حاجة الأحزاب السياسية للعنصر النسائي في دعم مطالبتها بدور سياسي في المرحلة المقبلة بعد أن أقر مبدأ المشاركة في الانتخابات على أساس اللائحة، وأن تتضمن كل لائحة حزبية ما نسبته 25 في المائة من النساء. وهو الأمر الذي أدى إلى تنافس بين الأحزاب لاستقطاب العناصر النسائية المستقلة ومحاولة ضمها إليها مع التلويح بالمقاعد النيابية لجذب العناصر المعروفة اجتماعياً أو على المستوى الأكاديمي، مثل المدرسات الجامعيات والفنانات والأديبات وما إلى ذلك.
ثانياً: دعم سلطات الاحتلال الأمريكي مادياً ومعنوياً لنشوء مثل هذه التنظيمات وتمثل الدعم المادي بتقديم مبالغ كبيرة تجاوزت 37 مليون دولار أمريكي خلال عام واحد من أجل تأسيس مراكز نسائية في بغداد وجميع المحافظات العراقية. أما الدعم المعنوي فتمثل في حرص المسؤولين الأمريكيين على طرح قضية المرأة العراقية بمناسبة أو من دونها بدءاً من الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش ومروراً بوزيري الخارجية والدفاع السابقين كولن باول ودونالد رامسفيلد ومستشارة الأمن القومي ثم وزيرة الخارجية فيما بعد كوندليزا رايس وصولاً إلى بول بريمر الحاكم المدني الذي كان يرعى المؤتمرات النسائية ويستقبل الوفود ويشجع عملية دمج التنظيمات النسائية.
ويمكن القول إن الاهتمامات الأمريكية بقضية المرأة ارتبطت بالمشروع الأمريكي في المنطقة الذي دعا إلى تحقيق تغيير في المنطقة العربية عبر ثلاثة مداخل هي الأمن والإصلاح والديمقراطية، وقد لخصت الإدارة الأمريكية وقبيل الاحتلال مشكلات نساء العراق في ظل نظام صدام حسين بأنهن حرمن من الحقوق التي تكفل لهن حياة كريمة، وأفاضت الدعاية الأمريكية في وصف وتعداد هذه الحقوق المهدورة حتى بدا كما لو أن احتلال العراق سيصنع المعجزة التي تعيد إلى النساء كرامتهن وحقوقهن، بل وتقدم لهن الديمقراطية على طبق من ذهب، إلا أن مشروع الديمقراطية الأمريكي تعثر كثيراً بفعل عدم استقرار الأوضاع في العراق، الساحة التي أعلنت الإدارة الأمريكية انطلاق المشروع منها.ثالثاً: موقف الدول المانحة للمساعدات التي اشترطت تقديم المنح إلى مؤسسات المجتمع المدني، تجنباً لإساءة استخدامها من قبل المؤسسات الحكومية، وهذا الأمر شجع على قيام مئات المنظمات الوهمية مستغلة الفوضى التي شاعت في العراق بعد الاحتلال وصعوبة التأكد من حقيقة وجود تلك المنظمات أو طبيعة نشاطاتها، وقد استغلت قضية المرأة بشكل واسع لانسجامها مع دعوات التحرر التي تطالب بها الدول الغربية، فأنشئت الكثير من المنظمات تحت تسميات، رعاية الأمومة والطفولة أو حماية الأسرة أو النهوض بالمرأة وما إلى ذلك، وهي في واقع الأمر لم تكن موجودة إلا على الورق، وكانت وراءها في الغالب بعض الشخصيات السياسية أو المغامرين وعصابات الاحتيال والكثير منهم جاءوا مع الاحتلال ومن دول أخرى رغم أن أغلبهم عراقيون في الأصل.
أما القضايا المطروحة ضمن برامج التنظيمات النسائية فهي متشابهة إلى حد كبير يتقدمها المطلب السياسي حول دور أكبر في المؤسسات السياسية، مثل الحصول على نسبة 40 في المائة من المقاعد النيابية، والحصول على حقائب وزارية للنساء، والاعتراض على إلغاء قانون الأحوال الشخصية، كما تبنت بعض التنظيمات قضية الدفاع عن المعتقلات السياسيات بعد فضيحة سجن أبو غريب.
وقد طرحت المنظمات النسائية العديد من الشعارات، ولكنها في العموم لم تكن شعارات جريئة، فلم تتبن أي من المنظمات قضية الدفاع عن المقاومة المسلحة، وركزت جميعها على إنهاء الاحتلال بالطرق السلمية، ومناشدة المنظمات الدولية ومطالبة العالم بالتعاطف مع قضايا المرأة العراقية.
أما القضية الاقتصادية فقد طرحت عبر الدفاع عن فرص عمل للمرأة ومحاولة طرح مشكلة البطالة، وفتح مراكز للتدريب على بعض المهن مثل الخياطة، ودورات الحاسوب لتأهيلهن للعمل، وهي في غالبيتها نشاطات دعائية وليست حقيقية لأنها لم تؤد دوراً ملموساً في تحسين واقع المرأة.
ولم يكن حال القضايا الاجتماعية أفضل بعد أن أثقلت مشكلة البطالة وزيادة عدد الأرامل بشكل كبير جداً، بفعل تردي الأوضاع الأمنية ومقتل مئات الآلاف من العراقيين على أيدي قوات الاحتلال أو على أيدي العناصر الإرهابية التي تستظل بالاحتلال وتحظى بحمايته، الواقع الاجتماعي العراقي، وصارت هموم المرأة العراقية أشد وطأة، ولم تستطع التنظيمات النسائية الوصول إلى معالجات حقيقية لهذه المشكلات، واكتفت بالمناشدات والطروحات الإعلامية الخجولة.
وجرت محاولات لتوحيد المنظمات النسائية في تنظيم واسع، لكنها عكست حالة التشرذم والانقسام بين العناصر الساعية أو المكلفة بأداء تلك المهمة، حيث قادت رجاء الخزاعي عضو مجلس الحكم المنحل إحدى تلك المحاولات، بينما قادت العضو الأخرى في المجلس صن كول جابوك محاولة أخرى تحت شعار (المرأة لدعم المرأة)- وهو اسم لمنظمة عالمية- وكذلك ظهرت العضو الثالث سلامة الخفاجي وهي تقود تظاهرة في مدينة الصدر(الثورة سابقاً) تحمل شعارات الوحدة الوطنية وصور مقتدى الصدر (الذي كان في تلك الفترة يقود صراعاً مسلحاً مع قوات الاحتلال).
ان تعدد عمليات التوحيد يعكس حالة التشرذم وعدم وضوح الرؤية، كما يعكس في الوقت نفسه رغبة أمريكية في عملية التوحيد لتقديم الحركة النسائية المقبولة أمريكياً للانتخابات خاصة أن هذه المحاولات بدأت قبل مغادرة بول بريمر للعراق، وتمت على أيدي عناصر مدعومة من الجانب الأمريكي، رغم الإقرار الضمني بأن أياً من تلك الشخصيات لم تستطع أن تستقطب القبول النسائي مع أنهن حظين بدعم إعلامي وتغطية لنشاطاتهن لا يمكن للنسوة الأخريات الحصول عليهما.
وتحولت أغلب هذه التنظيمات للعمل تحت وصاية الدولة بعد إنشاء وزارة الدولة لشؤون المرأة التي قامت برعاية عدة مؤتمرات نسائية، لكن نشاط هذه الوزارة عانى من الإهمال بفعل هامشية الدور المنوط بها وعدم تخصيص ميزانية أو حتى مبنى مستقل، ويبدو أن نشاطها اقتصر على اللقاءات الصحفية وعقد المؤتمرات المحدودة جداً والتي لا تحظى بتغطية إعلامية كافية، كما اختلطت القضايا المطروحة في تلك المؤتمرات وضاعت فيها قضايا المرأة في زحمة الطروحات السياسية للحزب الذي يقود الوزارة. لقد اصطدمت عملية البحث عن دور سياسي للمرأة العراقية بمشكلات تعانيها المرأة تجعل التفكير في السياسة آخر اهتماماتها هذا إن فكرت فيها أصلاً، فأولى مشكلات المرأة هي مشكلة انعدام الأمن وهو هم عام للعراقيين جميعاً، ولكن انعكاساته على المرأة أكثر حدة بفعل المشكلات المرافقة للانفلات الأمني، وخاصة تلك المتعلقة بعمليات الخطف والسجن وبيع النساء، حيث بات الشارع العراقي ولعدة أشهر بعد دخول القوات الأمريكية يوصف بأنه ذكوري إلى حد ما بسبب إحساس النساء بانعدام الأمن مما جعلهن حبيسات دورهن، وإلى جانب ذلك تأتي ندرة الخدمات، بل وانعدامها في بعض المناطق، إضافة إلى انتشار الأمية بنسب عالية بين النساء، مما يقلل فرصها في الحصول على العمل، وفي ظل عمليات تسريح العاملين في أكثر من نصف دوائر الدولة (الجيش والإعلام والدوائر الأمنية والاستخباراتية الخاصة وديوان الرئاسة والتصنيع العسكري)، والعمليات الحربية والإرهابية التي أدت إلى زيادة كبيرة في أعداد الأرامل واليتامى وغياب المعيل بفعل القتل أو الأسر لدى قوات الاحتلال، مما زاد من حدة الأزمة التي تعانيها الأسرة العراقية في غياب الأمن الاجتماعي والاقتصادي، ومع ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على الخدمات وتفشي الرشوة والفساد في دوائر الدولة، وزيادة الضغوط المسلطة على المرأة، يضاف إلى ذلك جهل الكثير من النساء ليس فقط بالقراءة والكتابة ومعطيات العلوم الحديثة وإنما أيضاً بحقوقهن القانونية، كما أن التقاليد الاجتماعية والدينية والعشائرية تدخل عمل المرأة بالسياسة في خانة العيب في كثير من الأحيان، لذا فمن الصعب تصور توجههن إلى المنظمات والأحزاب والبحث عن فرص سياسية، من هنا فإن الحديث عن فسحة الحرية لا يعني المرأة العراقية عموماً بل إنه اقتصر على النساء اللواتي عملن في ظل الأحزاب والحركات السياسية.
أما القضايا الدينية، فالمعروف أن الدين يمثل عاملاً فاعلاً في المجتمع العراقي، وقد كانت قضية المرأة بأبعادها المختلفة من الشؤون التي تعاطت معها المؤسسة الدينية في العراق على اختلاف اتجاهاتها، وعندما اندلعت الأحداث في الفلوجة على خلفية تحرش جنود الاحتلال بنساء المنطقة فإن أول مسيرة سلمية خرجت للمطالبة بمغادرة جنود الاحتلال، كانت بعد صلاة العشاء وانطلقت من أحد جوامع المدينة، حيث خرجت جموع المصلين في تظاهرة سلمية، احتجاجاً على التصرفات الشائنة لجنود الاحتلال بحق النساء.
وحاولت بعض الحركات الدينية رسم حدود لدور المرأة متذرعة بتفسيرات معينة ومحاولة فرض الحجاب أو تمرير بعض التشريعات إلا أن هذه القضايا لم تأخذ الكثير من الاهتمام، حيث طغت عليها المطامع السياسية والصراع على السلطة، وتعاملت الحركات الدينية بأسلوب مصلحي وبازدواجية واضحة بهذا الخصوص.
وارتبطت التنظيمات النسائية ذات الطابع الديني بالأحزاب السياسية وبتوجهاتها الدينية والمذهبية، وظهرت على الساحة العراقية منظمات نسائية مسيحية إلى جانب المنظمات الإسلامية مثل (اتحاد نساء بيت نهرين الحر) التابع لحزب بيت نهرين الوطني – وهو حزب يضم الطائفة الكلدانية والآشورية والسريانية، وقد رشّح التجمع إحدى عضواته لعضوية المؤتمر الوطني العراقي المؤقت. وفي المؤتمر الوطني ترشحت امرأة أخرى عن الكلدان بناء على توصيات من الكنيسة، لأنها مستقلة عن التنظيمات الحزبية، وهناك أيضاً جمعية المرأة المندائية الصابئية وغيرها.
وفي ظل محاولات إشاعة العنف والتطرف وإعطائه هوية دينية وجدت المرأة العراقية نفسها محاصرة بتداعيات المشكلة الأمنية وبدلاً من التمتع بما يوصف (مساحة الحرية) التي قيل إنها حصلت عليها بفعل التغييرات السياسية، فإنها الآن مشغولة بحماية الزوج والأخ والولد والاضطرار إلى ترك حياة الاستقرار والقبول ببيت بديل أو خيمة ضمن الأسر المهجرة وهي بعشرات الآلاف وفي كل مدن العراق، بما فيها تلك التي توصف بأنها أكثر أمناً. وهذه الحال تعني مصاعب ومخاوف إضافية لا تتفق مع الحديث عن الحرية أو السياسة، فكل ذلك بات من قبيل الترف الفكري، حتى بات الكثيرون يتساءلون عن مدى فاعلية المنظمات الكثيرة التي تعمل على الساحة العراقية.
إن محاولة رسم صورة مستقبلية لدور المرأة العراقية تصطدم بضبابية الأوضاع عموماً، كما أن بناء المشاهد يجري على قاعدة غير متينة، وهناك من يرى أن الأمر سابق لأوانه، فالتفاعلات على الساحة العراقية بأبعادها المختلفة مستمرة وهي تفاجئنا في كل يوم بالجديد، والجديد ليس دائماً هو الأفضل، فالعراق مليء بالأحزاب السياسية ذات الشعارات البراقة، وكذلك الأمر مع قوات الاحتلال التي جاءت إلى العراق تحت شعارات التحرير وحقوق الإنسان، والكل يعد المرأة بأنها ستكون في مقدمة اهتماماته، في مجتمع يتعايش فيه التطرف مع شعارات الحرية والمجتمع الجديد، حيث الواقع يشير إلى أن لكل أولوياته، وبينما المحتلون يبحثون عن أمنهم ومصالحهم، تتنافس الأحزاب للوصول إلى السلطة، وما لم تتحرك النساء من أجل تفعيل دورهن فإن عملية الاستقطاب السياسي ستأخذ زمناً أطول.

::/fulltext::
::cck::2884::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *