الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون “الأبعاد والمحددات”
::cck::2748::/cck::
::introtext::
يمكن القول بداية إنه لا توجد وصفة محددة وقاطعة ووحيدة للإصلاح السياسي في العالم العربي بشكل عام، وفي دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، فلكل دولة المحددات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية الخاصة بها، والتي تؤطر وتحدد شكل ومسار التحولات السياسية المأمولة والمتوقعة منها.كما أن التطورات التاريخية المختلفة التي مرت بها كل دولة تكشف عن طبيعة التحولات السياسية الخاصة بها؛ فما يمكن أن يحدث سياسياً في دولة مثل مصر، الأقدم تاريخياً، من غير المتوقع أن يحدث في دول حديثة النشأة مثل الدول الخليجية.
::/introtext::
::fulltext::
يمكن القول بداية إنه لا توجد وصفة محددة وقاطعة ووحيدة للإصلاح السياسي في العالم العربي بشكل عام، وفي دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، فلكل دولة المحددات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية الخاصة بها، والتي تؤطر وتحدد شكل ومسار التحولات السياسية المأمولة والمتوقعة منها.كما أن التطورات التاريخية المختلفة التي مرت بها كل دولة تكشف عن طبيعة التحولات السياسية الخاصة بها؛ فما يمكن أن يحدث سياسياً في دولة مثل مصر، الأقدم تاريخياً، من غير المتوقع أن يحدث في دول حديثة النشأة مثل الدول الخليجية.
إن التاريخ عامل حاسم ومهم في تحديد طبيعة التطورات السياسية المختلفة التي يمكن أن تحدث في دولة ما، واضعين في الاعتبار أنه ليس من الضروري أن تقود التحولات التاريخية المختلفة لتطورات إيجابية دائماً.فحركة التاريخ قد تقود إلى الأمام، كما قد تقود في الوقت نفسه إلى الخلف.لكن المهم هنا، بالنسبة لتأثير التاريخ وعمقه، هو طبيعة القوى الاجتماعية التي تتشكل من رحم هذه التحولات التاريخية المختلفة، حتى لو لم تستطع هذه القوى تحديد مسار التاريخ وفقاً لمصالحها وتوجهاتها الأيديولوجية المختلفة.فمن دون قوى اجتماعية حقيقية لا يوجد تاريخ حقيقي، فمن دون قوى اجتماعية حقيقية لا يوجد إصلاح سياسي حقيقي.
وفي هذا الإطار يمكن فهم طبيعة ومسار الإصلاح السياسي في الدول الخليجية، من دون أن نفرض على الواقع الاجتماعي والسياسي الخليجي مقولات خارجة عن سياقه، ومن دون أن نلوي عنق التحولات التاريخية الخليجية المختلفة من أجل طروحات وتصورات، ربما قد تكون في الكثير من الأحيان غير موجودة، وفي أحيان أخرى غير ملحة، رغم أهميتها في مجتمعات أخرى.كما أن ذلك سوف يتيح فهم حقيقة الإصلاح السياسي في الدول الخليجية، ومدى أهميته، والتأثيرات المختلفة المرتبطة به واقعياً وموضوعياً.
وتتسم الدول في الخليج بأنها دول حديثة النشأة، ليس بالمعنى الجغرافي، ولكن بالمعنى التأسيسي لإعلان الدولة، وتشييد المؤسسات المختلفة الخاصة بها.كما أن هذه الدول لا تزال في طور التطور والنمو واكتساب الخبرات؛ بمعنى آخر أنها لا تزال، رغم الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الهائلة التي يصعب إنكارها، في مرحلة الانتقال نحو الوصول إلى أشكال نهائية شبه مستقرة، تحدد شكل الدولة السياسي، وأطر التفاعل بين القوى الاجتماعية المختلفة بما يحقق الرضا والأمن الاجتماعيين النسبيين.ويمكن القول، بقدر ما من التجاوز، إن الدول الخليجية ككيان سياسي معاصر، لا تزال تمر بمراحل تجريبية متواصلة، من أجل الوصول إلى شكل ثابت ومستقر من التشكل السياسي، مع صعوبة التسليم في الوقت نفسه بأي ثبات واستقرار لأي كيان سياسي ما، ناهيك عن الدولة بوصفها أهم وأرقى الكيانات السياسية المتغيرة والمتحولة في عالمنا المعاصر.
وبسبب حداثة هذه النشأة الخاصة بالدول الخليجية، لم يتجذر مفهوم الدولة، كما هو الحال في الكثير من الدول العربية الأخرى.ولذلك يبرز الارتباط والاحتكام والانتماء إلى التقاليد القبلية والوحدات الإثنية والدينية الضيقة بشكل كبير، وهو الأمر الذي يعيق لا محالة نشأة العلاقات الحاكمة بين المواطن بالمعنى المتعارف عليه، وبين الدولة ككيان سياسي مهم وحاكم ومركزي.ورغم أهمية القبيلة كوحدة اجتماعية وسياسية في المجتمعات الخليجية، وبعض التحولات التي مرت بها، وأضعفت من حجم تأثيراتها المجتمعية لصالح الدولة، إلا أن الملاحظ أن القبيلة كوحدة اجتماعية وسياسية لا تزال تلعب دوراً كبيراً ومحورياً في بنية العلاقات المجتمعية الخليجية.وهو الأمر الذي ينسحب لا محالة على بنية الممارسات السياسية المختلفة، وعلى طبيعة تشكيل القوى الاجتماعية والسياسية بمعزل عن هذه الانتماءات القبلية الضيقة، فالقبيلة تعيق تشكيل القوى الاجتماعية السياسية الحقيقية التي تجمع بين مواطنين مختلفي المشارب من شرائح اجتماعية متباينة، بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية والإثنية والدينية الضيقة.وهو ما يؤدي إلى اختفاء أي أشكال حقيقية من أشكال الصراعات السياسية المنضبطة والمؤطرة في الدول الخليجية، سواء أكانت بين القوى السياسية المختلفة والدولة، أو بين هذه القوى السياسية ذاتها.ومن المفترض أن تبلور هذه القوى السياسية، إضافة إلى تبلور مصالحها، ضمن إطار محدد للعمل السياسي، هو من أهم متطلبات تحقيق الإصلاح السياسي، وهو ما تفتقده معظم الدول الخليجية حتى الآن.فمن دون وجود قوى سياسية حقيقية متبلورة وواضحة لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي حقيقي، ينتقل من مستواه الفوقي النخبوي إلى مستواه الشعبي القاعدي المجتمعي الواسع المدى.
كما أن الولاءات القبلية الضيقة تعيق عملية التوسع في إنشاء منظمات أهلية غير حكومية تسد الفراغ الحادث بين الفرد من جانب وبين الدولة الخليجية من جانب آخر.وحتى إذا وُجدت هذه التنظيمات فإنها تكون أقرب إلى العمل الخيري الاجتماعي أو أقرب إلى العمل المظهري الديكوري منها إلى العمل السياسي المرتبط بمصالح قوى اجتماعية وسياسية محددة.
ففي معظم الدول الخليجية، تغيب على سبيل المثال العديد من مؤسسات المجتمع المدني الخاصة بحقوق الإنسان، وخاصة حقوق المرأة، مع ما تمثله هذه المنظمات من أهمية للتدريب السياسي من ناحية، ومواجهة المجتمع سياسياً والدعوة لتغييره من ناحية أخرى.ويرتبط بهذه المسألة ضعف الوعي السياسي لدى المواطن الخليجي بشكل عام.فمن المعروف أن مؤسسات العمل المدني في كافة أشكالها وتوجهاتها تمثل الحاضنة الرئيسية التي تتيح للمواطنين التدريب على خدمة المجتمع من ناحية، وتمنحهم القدرة على نقده ومواجهته بغية تحسين ظروف فئاته وقواه الاجتماعية المختلفة.وفي حالة غياب هذه المؤسسات المدنية الفاعلة يغيب الوعي السياسي والحركي، خاصة إذا ما وضعنا في اعتبارنا الغياب الكلي للأحزاب السياسية الفاعلة في المجتمعات الخليجية المعاصرة.
ومن الأمور اللافتة للنظر هنا أن أغلب البرامج الانتخابية للكثير من المرشحين في الدول الخليجية لا تزال تصب في تقديم الخدمات الاجتماعية للمواطنين، والعمل على تحسين ظروفهم المعيشية، مثل توفير المسكن وتحسين الأجور والقضاء على البطالة.ورغم أهمية هذا البعد الاجتماعي في البرامج الانتخابية إلا أنه يؤشر إلى غياب البرامج السياسية الحقيقية التي تريد الممارسات السياسية الفاعلة من موقع التغيير، وليس من موقع التلاحم والتوحد مع التوجهات السياسية القائمة.وهو ما يكشف عن غياب الوعي السياسي الحقيقي للمرشحين السياسيين من جانب، وعلى وجود صيغة مسبقة للمارسات السياسية تؤطر العمل السياسي للمرشحين ضمن رحم السلطات السياسية وتوجهاتها، وفي إطار من الاتفاق وليس الاختلاف.
وعلى ما يبدو أن ما بدأته الدولة في الخليج من إصلاحات سياسية جزئية يحتاج منها إلى البدء في فتح باب الإصلاحات السياسية من خلال حزمة تشريعات وتعديلات دستورية جديدة تتيح للمواطنين حرية تشكيل تنظيمات سياسية جديدة، أيا كانت تسمياتها سواء أكانت أحزاباً أو نقابات أو تجمعات أو منتديات أو حتى ديوانيات.والمهم أن تحرص الدولة في الخليج على إيجاد قوى اجتماعية سياسية حقيقية، من دون أن تخشى شيئاً على مصالحها.فالدولة القوية هي التي تقبل بوجود معارضة سياسية قوية وحقيقية.إضافة إلى ذلك، فإن الدولة بقبولها بوجود تنظيمات سياسية حقيقية تعبر عن قوى اجتماعية حقيقية، سوف تؤطر عمل التيار الإسلامي والقوى السياسية الفاعلة الأخرى ضمن الشرعية السياسية المقبولة والمتفق عليها دستورياً وسياسياً ونيابياً، بما يغلق الباب على أي أعمال غير شرعية، تضر في التحليل النهائي بالطرفين، وتهدد بنية المجتمعات الخليجية بالتصدع والتفكك.
إن الدولة في منطقة الخليج، وكما تحملت الكثير من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية منذ نشأتها وحتى الآن، فإنها على ما يبدو سوف تتحمل أيضاً هذا الدور في المجال والفضاء السياسي.فعليها أولاً فتح باب الحريات المدنية والسياسية، وعليها ثانيا القيام بتحديثات دستورية واسعة، وعليها أخيراً، وهذا هو الأهم، أن تقبل بوجود قوى سياسية فاعلة على الساحة.وعلى ما يبدو أن الدولة في منطقة الخليج لديها القبول والنيات في البدء بهذا التوجه الإصلاحي، تساعدها على ذلك الوفورات المادية من ناحية، وتلك اللُحمة المجتمعية بينها وبين مواطنيها، بما لا يخلق مجالاً واسعاً من الصراعات الاجتماعية والسياسية الحادة والقاصمة التي تشهدها العديد من دول المنطقة الأخرى.
وعلى الرغم من أهمية التدرج في الإصلاحات السياسية في منطقة الخليج، فإن هذا يجب ألا يأخذ كذريعة لتأخير أمد هذه الإصلاحات.فالدول الخليجية لديها الإمكانات الاقتصادية من ناحية والأمن والاستقرار الاجتماعيين من ناحية أخرى، بما يمكنها في النهاية من التدخل من أجل تسريع عملية الإصلاح السياسي، مستفيدة في ذلك من التجارب السياسية السابقة الحاصلة في المنطقة.
وفي هذا السياق، لا بد أن تستفيد الدولة الخليجية من نخبها المثقفة التي ترعرت ونضجت ضمن عملية تطور الدولة الخليجية ذاتها خلال العقود الخمسة الماضية.هذه النخب المثقفة لها الحق الآن أن تكون لها مشروعاتها وطروحاتها السياسية المختلفة، وربما المتعارضة مع رغبات وتوجهات الفئات الحاكمة، ضمن حدود المصلحة العامة، وضمن أطر الجدل السياسي الذي يقود المجتمعات إلى الأمام لا إلى الخلف.فمن غير اللائق مجتمعياً وحضارياً وسياسياً أن تهتم الدولة الخليجية بتعليم أبنائها، وترسلهم في بعثات تعليمية إلى الخارج من أجل الحصول على أعلى الشهادات العلمية، واكتساب أرقى الخبرات الحضارية، ثم بعد ذلك لا تترك لهم حيزاً للتعبير عن آرائهم، وتطبيق خبراتهم المختلفة.إن مسألة التعارض بين الدولة الخليجية من جانب ومثقفيها من جانب آخر لا تصب في مصلحة الطرفين، بقدر ما تصب في إعاقة التطور والتغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي المنشود.
وكما يجب على الدولة في الخليج أن تفتح الباب لنخبها المثقفة، فكذلك يجب أيضاً أن تفتح الباب واسعاً من أجل تفعيل دور المرأة مجتمعياً وسياسياً.فمن غير اللائق تهميش دور المرأة في أي عملية تدعي الإصلاح السياسي.لذلك على الدولة أن تتدخل سياسياً لصالح المرأة من خلال ما يُعرف بسياسة التمييز الإيجابي التي تمنحها نسباً محددة من التمثيل في المجالس النيابية وغيرها من المؤسسات الرسمية حتى يكون لها وجود داخل هذه المجالس والمؤسسات إلى حين اكتسابها هذه المكانة عن طريق الانتخابات المجتمعية الحقيقية التي تؤمن بضرورة وأهمية مشاركة المرأة سياسياً، حيث إن تفعيل دور المرأة يستدعي جهوداً مجتمعية عامة سواء من الدولة أو من الرجال المثقفين أو من خلال مؤسسات المجتمع المدني المعنية بشؤون وأوضاع المرأة الخليجية.
إن أمام الدول الخليجية شوطاً كبيراً لابد أن تقطعه من أجل تحقيق الإصلاحات السياسية الحقيقية.ورغم عظم المسؤوليات الملقاة على كاهل الدولة في الخليج، فإن مسألة تحقيق الإصلاحات السياسية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل إنها حاصل تفاعل الدولة مع بقية القوى الاجتماعية الأخرى، إضافة إلى تفاعل المواطنين وخروجهم من عزلتهم السياسية من أجل التحديث المنشود للمجتمعات الخليجية، ومن أجل التوصل لصيغة تعايش آمنة ومستقرة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2748::/cck::
::introtext::
يمكن القول بداية إنه لا توجد وصفة محددة وقاطعة ووحيدة للإصلاح السياسي في العالم العربي بشكل عام، وفي دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، فلكل دولة المحددات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية الخاصة بها، والتي تؤطر وتحدد شكل ومسار التحولات السياسية المأمولة والمتوقعة منها.كما أن التطورات التاريخية المختلفة التي مرت بها كل دولة تكشف عن طبيعة التحولات السياسية الخاصة بها؛ فما يمكن أن يحدث سياسياً في دولة مثل مصر، الأقدم تاريخياً، من غير المتوقع أن يحدث في دول حديثة النشأة مثل الدول الخليجية.
::/introtext::
::fulltext::
يمكن القول بداية إنه لا توجد وصفة محددة وقاطعة ووحيدة للإصلاح السياسي في العالم العربي بشكل عام، وفي دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، فلكل دولة المحددات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية الخاصة بها، والتي تؤطر وتحدد شكل ومسار التحولات السياسية المأمولة والمتوقعة منها.كما أن التطورات التاريخية المختلفة التي مرت بها كل دولة تكشف عن طبيعة التحولات السياسية الخاصة بها؛ فما يمكن أن يحدث سياسياً في دولة مثل مصر، الأقدم تاريخياً، من غير المتوقع أن يحدث في دول حديثة النشأة مثل الدول الخليجية.
إن التاريخ عامل حاسم ومهم في تحديد طبيعة التطورات السياسية المختلفة التي يمكن أن تحدث في دولة ما، واضعين في الاعتبار أنه ليس من الضروري أن تقود التحولات التاريخية المختلفة لتطورات إيجابية دائماً.فحركة التاريخ قد تقود إلى الأمام، كما قد تقود في الوقت نفسه إلى الخلف.لكن المهم هنا، بالنسبة لتأثير التاريخ وعمقه، هو طبيعة القوى الاجتماعية التي تتشكل من رحم هذه التحولات التاريخية المختلفة، حتى لو لم تستطع هذه القوى تحديد مسار التاريخ وفقاً لمصالحها وتوجهاتها الأيديولوجية المختلفة.فمن دون قوى اجتماعية حقيقية لا يوجد تاريخ حقيقي، فمن دون قوى اجتماعية حقيقية لا يوجد إصلاح سياسي حقيقي.
وفي هذا الإطار يمكن فهم طبيعة ومسار الإصلاح السياسي في الدول الخليجية، من دون أن نفرض على الواقع الاجتماعي والسياسي الخليجي مقولات خارجة عن سياقه، ومن دون أن نلوي عنق التحولات التاريخية الخليجية المختلفة من أجل طروحات وتصورات، ربما قد تكون في الكثير من الأحيان غير موجودة، وفي أحيان أخرى غير ملحة، رغم أهميتها في مجتمعات أخرى.كما أن ذلك سوف يتيح فهم حقيقة الإصلاح السياسي في الدول الخليجية، ومدى أهميته، والتأثيرات المختلفة المرتبطة به واقعياً وموضوعياً.
وتتسم الدول في الخليج بأنها دول حديثة النشأة، ليس بالمعنى الجغرافي، ولكن بالمعنى التأسيسي لإعلان الدولة، وتشييد المؤسسات المختلفة الخاصة بها.كما أن هذه الدول لا تزال في طور التطور والنمو واكتساب الخبرات؛ بمعنى آخر أنها لا تزال، رغم الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الهائلة التي يصعب إنكارها، في مرحلة الانتقال نحو الوصول إلى أشكال نهائية شبه مستقرة، تحدد شكل الدولة السياسي، وأطر التفاعل بين القوى الاجتماعية المختلفة بما يحقق الرضا والأمن الاجتماعيين النسبيين.ويمكن القول، بقدر ما من التجاوز، إن الدول الخليجية ككيان سياسي معاصر، لا تزال تمر بمراحل تجريبية متواصلة، من أجل الوصول إلى شكل ثابت ومستقر من التشكل السياسي، مع صعوبة التسليم في الوقت نفسه بأي ثبات واستقرار لأي كيان سياسي ما، ناهيك عن الدولة بوصفها أهم وأرقى الكيانات السياسية المتغيرة والمتحولة في عالمنا المعاصر.
وبسبب حداثة هذه النشأة الخاصة بالدول الخليجية، لم يتجذر مفهوم الدولة، كما هو الحال في الكثير من الدول العربية الأخرى.ولذلك يبرز الارتباط والاحتكام والانتماء إلى التقاليد القبلية والوحدات الإثنية والدينية الضيقة بشكل كبير، وهو الأمر الذي يعيق لا محالة نشأة العلاقات الحاكمة بين المواطن بالمعنى المتعارف عليه، وبين الدولة ككيان سياسي مهم وحاكم ومركزي.ورغم أهمية القبيلة كوحدة اجتماعية وسياسية في المجتمعات الخليجية، وبعض التحولات التي مرت بها، وأضعفت من حجم تأثيراتها المجتمعية لصالح الدولة، إلا أن الملاحظ أن القبيلة كوحدة اجتماعية وسياسية لا تزال تلعب دوراً كبيراً ومحورياً في بنية العلاقات المجتمعية الخليجية.وهو الأمر الذي ينسحب لا محالة على بنية الممارسات السياسية المختلفة، وعلى طبيعة تشكيل القوى الاجتماعية والسياسية بمعزل عن هذه الانتماءات القبلية الضيقة، فالقبيلة تعيق تشكيل القوى الاجتماعية السياسية الحقيقية التي تجمع بين مواطنين مختلفي المشارب من شرائح اجتماعية متباينة، بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية والإثنية والدينية الضيقة.وهو ما يؤدي إلى اختفاء أي أشكال حقيقية من أشكال الصراعات السياسية المنضبطة والمؤطرة في الدول الخليجية، سواء أكانت بين القوى السياسية المختلفة والدولة، أو بين هذه القوى السياسية ذاتها.ومن المفترض أن تبلور هذه القوى السياسية، إضافة إلى تبلور مصالحها، ضمن إطار محدد للعمل السياسي، هو من أهم متطلبات تحقيق الإصلاح السياسي، وهو ما تفتقده معظم الدول الخليجية حتى الآن.فمن دون وجود قوى سياسية حقيقية متبلورة وواضحة لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي حقيقي، ينتقل من مستواه الفوقي النخبوي إلى مستواه الشعبي القاعدي المجتمعي الواسع المدى.
كما أن الولاءات القبلية الضيقة تعيق عملية التوسع في إنشاء منظمات أهلية غير حكومية تسد الفراغ الحادث بين الفرد من جانب وبين الدولة الخليجية من جانب آخر.وحتى إذا وُجدت هذه التنظيمات فإنها تكون أقرب إلى العمل الخيري الاجتماعي أو أقرب إلى العمل المظهري الديكوري منها إلى العمل السياسي المرتبط بمصالح قوى اجتماعية وسياسية محددة.
ففي معظم الدول الخليجية، تغيب على سبيل المثال العديد من مؤسسات المجتمع المدني الخاصة بحقوق الإنسان، وخاصة حقوق المرأة، مع ما تمثله هذه المنظمات من أهمية للتدريب السياسي من ناحية، ومواجهة المجتمع سياسياً والدعوة لتغييره من ناحية أخرى.ويرتبط بهذه المسألة ضعف الوعي السياسي لدى المواطن الخليجي بشكل عام.فمن المعروف أن مؤسسات العمل المدني في كافة أشكالها وتوجهاتها تمثل الحاضنة الرئيسية التي تتيح للمواطنين التدريب على خدمة المجتمع من ناحية، وتمنحهم القدرة على نقده ومواجهته بغية تحسين ظروف فئاته وقواه الاجتماعية المختلفة.وفي حالة غياب هذه المؤسسات المدنية الفاعلة يغيب الوعي السياسي والحركي، خاصة إذا ما وضعنا في اعتبارنا الغياب الكلي للأحزاب السياسية الفاعلة في المجتمعات الخليجية المعاصرة.
ومن الأمور اللافتة للنظر هنا أن أغلب البرامج الانتخابية للكثير من المرشحين في الدول الخليجية لا تزال تصب في تقديم الخدمات الاجتماعية للمواطنين، والعمل على تحسين ظروفهم المعيشية، مثل توفير المسكن وتحسين الأجور والقضاء على البطالة.ورغم أهمية هذا البعد الاجتماعي في البرامج الانتخابية إلا أنه يؤشر إلى غياب البرامج السياسية الحقيقية التي تريد الممارسات السياسية الفاعلة من موقع التغيير، وليس من موقع التلاحم والتوحد مع التوجهات السياسية القائمة.وهو ما يكشف عن غياب الوعي السياسي الحقيقي للمرشحين السياسيين من جانب، وعلى وجود صيغة مسبقة للمارسات السياسية تؤطر العمل السياسي للمرشحين ضمن رحم السلطات السياسية وتوجهاتها، وفي إطار من الاتفاق وليس الاختلاف.
وعلى ما يبدو أن ما بدأته الدولة في الخليج من إصلاحات سياسية جزئية يحتاج منها إلى البدء في فتح باب الإصلاحات السياسية من خلال حزمة تشريعات وتعديلات دستورية جديدة تتيح للمواطنين حرية تشكيل تنظيمات سياسية جديدة، أيا كانت تسمياتها سواء أكانت أحزاباً أو نقابات أو تجمعات أو منتديات أو حتى ديوانيات.والمهم أن تحرص الدولة في الخليج على إيجاد قوى اجتماعية سياسية حقيقية، من دون أن تخشى شيئاً على مصالحها.فالدولة القوية هي التي تقبل بوجود معارضة سياسية قوية وحقيقية.إضافة إلى ذلك، فإن الدولة بقبولها بوجود تنظيمات سياسية حقيقية تعبر عن قوى اجتماعية حقيقية، سوف تؤطر عمل التيار الإسلامي والقوى السياسية الفاعلة الأخرى ضمن الشرعية السياسية المقبولة والمتفق عليها دستورياً وسياسياً ونيابياً، بما يغلق الباب على أي أعمال غير شرعية، تضر في التحليل النهائي بالطرفين، وتهدد بنية المجتمعات الخليجية بالتصدع والتفكك.
إن الدولة في منطقة الخليج، وكما تحملت الكثير من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية منذ نشأتها وحتى الآن، فإنها على ما يبدو سوف تتحمل أيضاً هذا الدور في المجال والفضاء السياسي.فعليها أولاً فتح باب الحريات المدنية والسياسية، وعليها ثانيا القيام بتحديثات دستورية واسعة، وعليها أخيراً، وهذا هو الأهم، أن تقبل بوجود قوى سياسية فاعلة على الساحة.وعلى ما يبدو أن الدولة في منطقة الخليج لديها القبول والنيات في البدء بهذا التوجه الإصلاحي، تساعدها على ذلك الوفورات المادية من ناحية، وتلك اللُحمة المجتمعية بينها وبين مواطنيها، بما لا يخلق مجالاً واسعاً من الصراعات الاجتماعية والسياسية الحادة والقاصمة التي تشهدها العديد من دول المنطقة الأخرى.
وعلى الرغم من أهمية التدرج في الإصلاحات السياسية في منطقة الخليج، فإن هذا يجب ألا يأخذ كذريعة لتأخير أمد هذه الإصلاحات.فالدول الخليجية لديها الإمكانات الاقتصادية من ناحية والأمن والاستقرار الاجتماعيين من ناحية أخرى، بما يمكنها في النهاية من التدخل من أجل تسريع عملية الإصلاح السياسي، مستفيدة في ذلك من التجارب السياسية السابقة الحاصلة في المنطقة.
وفي هذا السياق، لا بد أن تستفيد الدولة الخليجية من نخبها المثقفة التي ترعرت ونضجت ضمن عملية تطور الدولة الخليجية ذاتها خلال العقود الخمسة الماضية.هذه النخب المثقفة لها الحق الآن أن تكون لها مشروعاتها وطروحاتها السياسية المختلفة، وربما المتعارضة مع رغبات وتوجهات الفئات الحاكمة، ضمن حدود المصلحة العامة، وضمن أطر الجدل السياسي الذي يقود المجتمعات إلى الأمام لا إلى الخلف.فمن غير اللائق مجتمعياً وحضارياً وسياسياً أن تهتم الدولة الخليجية بتعليم أبنائها، وترسلهم في بعثات تعليمية إلى الخارج من أجل الحصول على أعلى الشهادات العلمية، واكتساب أرقى الخبرات الحضارية، ثم بعد ذلك لا تترك لهم حيزاً للتعبير عن آرائهم، وتطبيق خبراتهم المختلفة.إن مسألة التعارض بين الدولة الخليجية من جانب ومثقفيها من جانب آخر لا تصب في مصلحة الطرفين، بقدر ما تصب في إعاقة التطور والتغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي المنشود.
وكما يجب على الدولة في الخليج أن تفتح الباب لنخبها المثقفة، فكذلك يجب أيضاً أن تفتح الباب واسعاً من أجل تفعيل دور المرأة مجتمعياً وسياسياً.فمن غير اللائق تهميش دور المرأة في أي عملية تدعي الإصلاح السياسي.لذلك على الدولة أن تتدخل سياسياً لصالح المرأة من خلال ما يُعرف بسياسة التمييز الإيجابي التي تمنحها نسباً محددة من التمثيل في المجالس النيابية وغيرها من المؤسسات الرسمية حتى يكون لها وجود داخل هذه المجالس والمؤسسات إلى حين اكتسابها هذه المكانة عن طريق الانتخابات المجتمعية الحقيقية التي تؤمن بضرورة وأهمية مشاركة المرأة سياسياً، حيث إن تفعيل دور المرأة يستدعي جهوداً مجتمعية عامة سواء من الدولة أو من الرجال المثقفين أو من خلال مؤسسات المجتمع المدني المعنية بشؤون وأوضاع المرأة الخليجية.
إن أمام الدول الخليجية شوطاً كبيراً لابد أن تقطعه من أجل تحقيق الإصلاحات السياسية الحقيقية.ورغم عظم المسؤوليات الملقاة على كاهل الدولة في الخليج، فإن مسألة تحقيق الإصلاحات السياسية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل إنها حاصل تفاعل الدولة مع بقية القوى الاجتماعية الأخرى، إضافة إلى تفاعل المواطنين وخروجهم من عزلتهم السياسية من أجل التحديث المنشود للمجتمعات الخليجية، ومن أجل التوصل لصيغة تعايش آمنة ومستقرة.
::/fulltext::
::cck::2748::/cck::
