العوامل الداخلية والخارجية الدافعة للإصلاح السياسي في دول الخليج
::cck::2747::/cck::
::introtext::
شهدت دول مجلس التعاون الخليجي تطورات مهمة على صعيد الإصلاح السياسي منذ بداية التسعينات، وتحديداً في أعقاب الغزو العراقي للكويت، وقد تسارعت وتيرة الإصلاحات بعض الشيء في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعلى الأخص في ظل بروز قضية الإصلاح السياسي والديمقراطي ضمن أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت دول مجلس التعاون الخليجي تطورات مهمة على صعيد الإصلاح السياسي منذ بداية التسعينات، وتحديداً في أعقاب الغزو العراقي للكويت، وقد تسارعت وتيرة الإصلاحات بعض الشيء في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعلى الأخص في ظل بروز قضية الإصلاح السياسي والديمقراطي ضمن أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة.
ثمة مجموعة من التفسيرات المختلفة للتحول نحو الديمقراطية في منطقة الخليج العربي سواء العوامل الداخلية أو العوامل الخارجية ممثلة في التغييرات الإقليمية والضغوط الدولية، وفي هذا السياق يؤكد صمويل هنتنجتون في كتابه (الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي) أن أسباب التحول الديمقراطي تختلف بصورة جذرية من مكان إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى ويؤكد على عدة نقاط منها:
1- ليس هناك عامل واحد كاف لتفسير نمو الديمقراطية في كل الدول أو دولة واحدة.
2- لا يحتاج نمو الديمقراطية في كل الدول إلى عامل واحد بعينه.
3- إن التحول الديمقراطي في كل دولة هو نتيجة مجموعة من الأسباب.
4- تتفاوت مجموعة الأسباب المؤدية إلى الديمقراطية من دولة إلى أخرى.
وبالرغم من أن هناك بعض العوامل والظروف التي أدت بكل دولة إلى إجراء بعض الإصلاحات السياسية في نهاية القرن العشرين، فإن هناك بعض العوامل والأسباب المشتركة التي دفعت معظم الدول إلى قبول فكرة التحول الديمقراطي مع اختلاف المظهر الذي اتخذه شكل هذا التحول سواء كان مقيداً أو على شكل وعود سياسية بانتظار صياغة القوانين والأنظمة التي تمكن من إرساء قواعد التحول والإصلاح السياسي. والأمر الذي لا شك فيه أن تشابه السياقات المجتمعية لمجموعة النظم السياسية الخليجية وأيضاً تشابه خبرات عمليات التطور السياسي في هذه النظم أديا إلى تشابه عوامل التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي وهو ما نعالجه على النحو التالي:
أولاً: العوامل الداخلية
هناك العديد من الأسباب الداخلية التي دفعت في سبيل الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في دول الخليج، ويختلف مدى تأثير كل منها من حالة إلى أخرى وتتمثل أهم هذه العوامل فيما يلي:
1 – العوامل الاجتماعية
تتمثل في اتجاه الدول الخليجية إلى الإنفاق المكثف على التعليم بكل أنواعه ومراحله والإنفاق على التحديث والتوظيف وغيرها، وكان هذا وراء المطالب المتزايدة للمشاركة السياسية والرقابة على الحكومة، وقد تزامن مع هذه الأوضاع تضاؤل قدرة الدول الخليجية على إرضاء قاعدة سكانية كبيرة تنقصها الخدمات والاحتياجات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية، وهكذا تحولت بعض المناطق السكانية إلى مناطق ذات منزلة أقل في خدماتها، لذلك بدأت تبرز بين سكان هذه المناطق حالة من الحرمان النسبي، وأصبح من الطبيعي أن يميل هؤلاء السكان للغضب، وأن يعبروا عن عدم رضاهم من النظام السياسي، كما أن الطبقات المتوسطة بمثقفيها وعناصرها المستنيرة استمرت في المناداة بالإصلاح السياسي وإدخال قدر من الليبرالية على أنظمة الحكم، وعدم الاستجابة لها يعني اصطدام هذه الطبقات بالأنظمة السياسية وإصرارها على تجاهل الضغوط المحلية، ولكي تتجنب الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي النتائج السلبية التي قد تصل إليها الأوضاع الداخلية فإنها أخذت المبادرة إلى إجراء بعض الإصلاحات السياسية التي تؤدي إلى الاستقرار الداخلي.
2- العوامل الاقتصادية وتراجع دولة الرفاه
دفعت العائدات النفطية الضخمة لدول مجلس التعاون الخليجي إلى تبني برامج تنموية طموحة في مجال الإعلام والإسكان والرعاية والصحة، فقد مكّن الريع النفطي النظم الحاكمة في دول المجلس من إقامة علاقة مباشرة مع مواطنيها، حيث وجدت مجموعة ضخمة من العائدات والمنافع متاحة للمواطنين بتكلفة بسيطة أو من دون تكلفة على الإطلاق والمطلوب منهم فقط هو إبقاء نشاطهم السياسي في الحدود الدنيا، إلا أنه في عقد التسعينات كانت دول مجلس التعاون غير قادرة على إيجاد الرفاه الاجتماعي لمعظم شعوبها لذلك قبلت بأنصاف الحلول وأجرت بعض التغيرات في المعادلة السياسية، ومعنى ذلك أن الدولة التي كانت توفر السلع والمنتجات المدعومة حكومياً بشكل كبير وكذلك تقدم الخدمات الاجتماعية المجانية مقابل الولاء السياسي تغيرت وتحولت إلى سياسة التقشف الاقتصادي والإصلاح السياسي، لذلك لجأت معظم هذه الدول إلى مجموعة سياسات اقتصادية تشير إلى تراجع الإنفاق الحكومي وإعادة تسعير الخدمات وإعادة النظر في برامج الدعم المباشر وفرض بعض الضرائب، وكذلك التركيز على القطاع الخاص، الأمر الذي أعطى مؤشراً إلى بداية مرحلة جديدة تتميز بتقليص الاعتماد على الحكومة، وهذا يضيف بدوره مؤشراً آخر إلى مجموعة من الضغوط الجديدة التي يتعرض لها المواطن الخليجي بشكل لم يتعود عليه من قبل. مما يعني أن حكومات المنطقة بدأت تواجه أوضاعاً مختلفة لن تجدي الأساليب السابقة في معالجتها، الأمر الذي جعل الحكومات تعيد النظر فيها، وبالتالي تفسح المجال للقطاع الخاص الإنتاجي، وتشجع المهنيين على الحرف الحرة، وتهتم بالتنمية الاقتصادية لتوفير فرص عمل منتجة وتوليد مصادر دخل للمواطنين وللدولة نفسها. 3- العوامل السياسية
واجهت دول مجلس التعاون الخليجي بدرجات وأشكال متفاوتة مشكلات وضغوطاً سياسية طيلة عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين رافضة احتكار السلطة والثروة الوطنية من جانب فئة محددة ومطالبة بالديمقراطية والمشاركة السياسية وتوسيع قاعدة شرعية الحكم لتكون تعبيراً عن قطاعات شعبية واسعة، وفي الفترة التي تلت حرب الخليج الثانية أخذت المشكلات والاضطرابات السياسية أبعاداً واسعة وأشمل وذلك لعدة أسباب منها:
1- الخلل الذي أصاب النسيج الاجتماعي والناتج عن التحول السريع من اقتصاد البداوة إلى التحديث الاقتصادي المرتبط بالرأسمالية العالمية، فتصاعدت حدة عدم الاستقرار السياسي، وتكثفت الدعوة للمطالبة بالديمقراطية والمشاركة السياسية وبرزت حركات العنف.
2- التخلي عن صيغة دولة الرفاهية التي كانت ترتكز على قاعدة أساسية وهي وجود واستمرارية الدولة الريعية.
وبالإضافة إلى ما سبق كانت حرب تحرير الكويت من أهم الأحداث التي فرضت معطيات جديدة على الساحة السياسية في دول مجلس التعاون، وأثارت العديد من التساؤلات حول واقع ومستقبل التطور السياسي والاجتماعي في هذه الدول وخاصة قدراتها العسكرية ومدى كفاءة قدراتها الدفاعية على حماية شعوبها.
ثانياً: العوامل الإقليمية
1- تأثيرات حرب الخليج الثانية (1990-1991): كما أشرنا سلفاً إلى أن حرب تحرير الكويت في عام 1991 تعد من أبرز التفاعلات الإقليمية التي كانت لها تداعياتها وانعكاساتها على الداخل في كل دول الخليج العربية مثلما كان لها دور مهم في الدفع باتجاه تغذية التيار الإصلاحي في هذه الدول، حيث وفرت تلك الحرب مبررات للنخب الثقافية في هذه الدول حتى تمضي قدماً في طريق المطالبة بالتغيير والإصلاح، بل يذهب البعض إلى أن حرب تحرير الكويت كانت المحرك الأول لفكر التغيير والإصلاح في دول مجلس التعاون وهي التي رسخت من التوجه الإصلاحي في هذه الدول، لذلك أضحى الحديث عن ضرورة تفعيل المشاركة السياسية مطلباً حيوياً داخل دول مجلس التعاون، حيث أدت أحداث حرب الخليج الثانية إلى إثارة مسألة المشاركة السياسية وأظهرتها على السطح من جديد بين القوى السياسية والاجتماعية، وأجبرت الأنظمة السياسية في دول مجلس التعاون على تقديم الوعود بإجراء الإصلاحات السياسية، وأدت إلى ظهور مطالبات شعبية في بعض دول مجلس التعاون مثل العرائض والمطالب الشعبية التي شهدتها كل من الكويت والبحرين والتي سرت في بقية دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بعد ذلك.
2- التهديدات الإقليمية: كما شكّل الشعور بالتهديد الخارجي عنصراً مهماً في تحريك الاتجاه نحو الانفتاح السياسي الداخلي خاصة في حالة وجود تماسك داخلي، ومع أن هذا التهديد قد لا يكون حقيقياً وإنما متصوراً إلا أنه يلعب دوراً مؤثراً في ذهنية الحاكم وفي تحديد اتجاهاته للداخل، فعلى سبيل المثال شكلت التهديدات العراقية بضم الكويت منذ عام 1961 وحتى وقوعها فعلاً عام 1990 عاملاً مهماً في دفع النظام الكويتي نحو إقامة حياة نيابية. فإضافة إلى التأثيرات المختلفة لأزمة الخليج الثانية على كل دول مجلس التعاون إلا أن تأثيرات هذه الأزمة كانت كبيرة على الكويت بالذات.
3- ظاهرة العدوى السياسية أو (كرة الثلج): لاشك في أن التجارب الديمقراطية لعبت دوراً مؤثراً في مجتمعات الخليج وهو ما يطلق عليه صمويل هنتنجتون ظاهرة (كرة الثلج) أو تأثير العرض العلني، فهذا العامل ذو تأثير كبير بين الدول المتقاربة جغرافياً والمتشابهة ثقافياً. وبالإضافة إلى تأثير كرة الثلج كان هناك أيضاً التطور الهائل في الاتصالات والأقمار الصناعية التي سمحت للأفراد في المجتمعات الخليجية بالاطلاع على الأوضاع الداخلية والتطورات السياسية التي تشهدها البلاد العربية في مجال التطور الديمقراطي والمشاركة السياسية وهو ما يسمى ثورة المعلومات.
ثالثاً: الضغوط الخارجية
تصاعدت حدة الضغوط الأمريكية المطالبة بالتحول الديمقراطي والإصلاح السياسي على أثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، فقد تصورت الولايات المتحدة أن غياب الديمقراطية أسهم في إيجاد بيئة ملائمة لتنامي العنف والإرهاب، ومن هنا بدأت تطالب دول المنطقة باتخاذ خطوات جادة على طريق تحقيق الإصلاح والديمقراطية، وبدأت أيضاً دول مجلس التعاون في اتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي لاعتبارات داخلية من ناحية وكذلك لتجنب الانتقادات التي استمرت واشنطن على توجيهها من زاوية أن حلفاءها في المنطقة غير ديمقراطيين.
وإجمالاً يمكن القول إن هناك العديد من العوامل والمؤثرات التي دفعت في اتجاه الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي، وهذه العوامل سواء كانت داخلية أو إقليمية أو عالمية ساهمت مجتمعة في التأثير في هذه الدول وبالتالي دفعها إلى إجراء العديد من الإصلاحات في نظمها السياسية، وكان الطابع السلمي هو الغالب على إدارة عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس سواء لجهة رفع المطالب من قبل الفئات الإصلاحية أو جهة ممارسة المعارضة السياسية من قبل القوى والجمعيات السياسية أو جهة تقارب السلطة الحاكمة مع هذه المطالب وأساليب تعاملها مع قوى المعارضة، إضافة إلى ذلك تندرج تجارب الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي في صورة الإصلاح من أعلى والذي جاء في بعض الحالات استجابة لتصاعد مطالب بعض الفئات الداخلية بالإصلاح، كما هو الحال في البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية من ناحية، فضلاً عن وجود بعض العوامل الخارجية التي دفعت في اتجاه هذا الإصلاح من ناحية أخرى.
وعلى أية حال يمكن القول إن عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي لم تقتصر على إصلاح دساتير أو إجراء انتخابات أو إنشاء جمعيات لحقوق الإنسان فحسب، بل إنها تضمنت كل ذلك إلى جانب اتخاذ خطوات جادة على طريق تأسيس ثقافة سياسية ديمقراطية ونشرها في المجتمع، حيث تتحول الديمقراطية إلى أسلوب للتعامل. وتعتبر مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة وغيرها بمثابة الأدوات الرئيسية لنشر ثقافة سياسية ديمقراطية بين مختلف فئات المجتمع، الأمر الذي يتطلب مواصلة جهود إصلاح السياسات الإعلامية والتعليمية والثقافية في دول مجلس التعاون بما يعزز من أدوارها في نشر قيم الديمقراطية والإصلاح السياسي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2747::/cck::
::introtext::
شهدت دول مجلس التعاون الخليجي تطورات مهمة على صعيد الإصلاح السياسي منذ بداية التسعينات، وتحديداً في أعقاب الغزو العراقي للكويت، وقد تسارعت وتيرة الإصلاحات بعض الشيء في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعلى الأخص في ظل بروز قضية الإصلاح السياسي والديمقراطي ضمن أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت دول مجلس التعاون الخليجي تطورات مهمة على صعيد الإصلاح السياسي منذ بداية التسعينات، وتحديداً في أعقاب الغزو العراقي للكويت، وقد تسارعت وتيرة الإصلاحات بعض الشيء في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعلى الأخص في ظل بروز قضية الإصلاح السياسي والديمقراطي ضمن أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة.
ثمة مجموعة من التفسيرات المختلفة للتحول نحو الديمقراطية في منطقة الخليج العربي سواء العوامل الداخلية أو العوامل الخارجية ممثلة في التغييرات الإقليمية والضغوط الدولية، وفي هذا السياق يؤكد صمويل هنتنجتون في كتابه (الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي) أن أسباب التحول الديمقراطي تختلف بصورة جذرية من مكان إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى ويؤكد على عدة نقاط منها:
1- ليس هناك عامل واحد كاف لتفسير نمو الديمقراطية في كل الدول أو دولة واحدة.
2- لا يحتاج نمو الديمقراطية في كل الدول إلى عامل واحد بعينه.
3- إن التحول الديمقراطي في كل دولة هو نتيجة مجموعة من الأسباب.
4- تتفاوت مجموعة الأسباب المؤدية إلى الديمقراطية من دولة إلى أخرى.
وبالرغم من أن هناك بعض العوامل والظروف التي أدت بكل دولة إلى إجراء بعض الإصلاحات السياسية في نهاية القرن العشرين، فإن هناك بعض العوامل والأسباب المشتركة التي دفعت معظم الدول إلى قبول فكرة التحول الديمقراطي مع اختلاف المظهر الذي اتخذه شكل هذا التحول سواء كان مقيداً أو على شكل وعود سياسية بانتظار صياغة القوانين والأنظمة التي تمكن من إرساء قواعد التحول والإصلاح السياسي. والأمر الذي لا شك فيه أن تشابه السياقات المجتمعية لمجموعة النظم السياسية الخليجية وأيضاً تشابه خبرات عمليات التطور السياسي في هذه النظم أديا إلى تشابه عوامل التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي وهو ما نعالجه على النحو التالي:
أولاً: العوامل الداخلية
هناك العديد من الأسباب الداخلية التي دفعت في سبيل الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في دول الخليج، ويختلف مدى تأثير كل منها من حالة إلى أخرى وتتمثل أهم هذه العوامل فيما يلي:
1 – العوامل الاجتماعية
تتمثل في اتجاه الدول الخليجية إلى الإنفاق المكثف على التعليم بكل أنواعه ومراحله والإنفاق على التحديث والتوظيف وغيرها، وكان هذا وراء المطالب المتزايدة للمشاركة السياسية والرقابة على الحكومة، وقد تزامن مع هذه الأوضاع تضاؤل قدرة الدول الخليجية على إرضاء قاعدة سكانية كبيرة تنقصها الخدمات والاحتياجات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية، وهكذا تحولت بعض المناطق السكانية إلى مناطق ذات منزلة أقل في خدماتها، لذلك بدأت تبرز بين سكان هذه المناطق حالة من الحرمان النسبي، وأصبح من الطبيعي أن يميل هؤلاء السكان للغضب، وأن يعبروا عن عدم رضاهم من النظام السياسي، كما أن الطبقات المتوسطة بمثقفيها وعناصرها المستنيرة استمرت في المناداة بالإصلاح السياسي وإدخال قدر من الليبرالية على أنظمة الحكم، وعدم الاستجابة لها يعني اصطدام هذه الطبقات بالأنظمة السياسية وإصرارها على تجاهل الضغوط المحلية، ولكي تتجنب الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي النتائج السلبية التي قد تصل إليها الأوضاع الداخلية فإنها أخذت المبادرة إلى إجراء بعض الإصلاحات السياسية التي تؤدي إلى الاستقرار الداخلي.
2- العوامل الاقتصادية وتراجع دولة الرفاه
دفعت العائدات النفطية الضخمة لدول مجلس التعاون الخليجي إلى تبني برامج تنموية طموحة في مجال الإعلام والإسكان والرعاية والصحة، فقد مكّن الريع النفطي النظم الحاكمة في دول المجلس من إقامة علاقة مباشرة مع مواطنيها، حيث وجدت مجموعة ضخمة من العائدات والمنافع متاحة للمواطنين بتكلفة بسيطة أو من دون تكلفة على الإطلاق والمطلوب منهم فقط هو إبقاء نشاطهم السياسي في الحدود الدنيا، إلا أنه في عقد التسعينات كانت دول مجلس التعاون غير قادرة على إيجاد الرفاه الاجتماعي لمعظم شعوبها لذلك قبلت بأنصاف الحلول وأجرت بعض التغيرات في المعادلة السياسية، ومعنى ذلك أن الدولة التي كانت توفر السلع والمنتجات المدعومة حكومياً بشكل كبير وكذلك تقدم الخدمات الاجتماعية المجانية مقابل الولاء السياسي تغيرت وتحولت إلى سياسة التقشف الاقتصادي والإصلاح السياسي، لذلك لجأت معظم هذه الدول إلى مجموعة سياسات اقتصادية تشير إلى تراجع الإنفاق الحكومي وإعادة تسعير الخدمات وإعادة النظر في برامج الدعم المباشر وفرض بعض الضرائب، وكذلك التركيز على القطاع الخاص، الأمر الذي أعطى مؤشراً إلى بداية مرحلة جديدة تتميز بتقليص الاعتماد على الحكومة، وهذا يضيف بدوره مؤشراً آخر إلى مجموعة من الضغوط الجديدة التي يتعرض لها المواطن الخليجي بشكل لم يتعود عليه من قبل. مما يعني أن حكومات المنطقة بدأت تواجه أوضاعاً مختلفة لن تجدي الأساليب السابقة في معالجتها، الأمر الذي جعل الحكومات تعيد النظر فيها، وبالتالي تفسح المجال للقطاع الخاص الإنتاجي، وتشجع المهنيين على الحرف الحرة، وتهتم بالتنمية الاقتصادية لتوفير فرص عمل منتجة وتوليد مصادر دخل للمواطنين وللدولة نفسها. 3- العوامل السياسية
واجهت دول مجلس التعاون الخليجي بدرجات وأشكال متفاوتة مشكلات وضغوطاً سياسية طيلة عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين رافضة احتكار السلطة والثروة الوطنية من جانب فئة محددة ومطالبة بالديمقراطية والمشاركة السياسية وتوسيع قاعدة شرعية الحكم لتكون تعبيراً عن قطاعات شعبية واسعة، وفي الفترة التي تلت حرب الخليج الثانية أخذت المشكلات والاضطرابات السياسية أبعاداً واسعة وأشمل وذلك لعدة أسباب منها:
1- الخلل الذي أصاب النسيج الاجتماعي والناتج عن التحول السريع من اقتصاد البداوة إلى التحديث الاقتصادي المرتبط بالرأسمالية العالمية، فتصاعدت حدة عدم الاستقرار السياسي، وتكثفت الدعوة للمطالبة بالديمقراطية والمشاركة السياسية وبرزت حركات العنف.
2- التخلي عن صيغة دولة الرفاهية التي كانت ترتكز على قاعدة أساسية وهي وجود واستمرارية الدولة الريعية.
وبالإضافة إلى ما سبق كانت حرب تحرير الكويت من أهم الأحداث التي فرضت معطيات جديدة على الساحة السياسية في دول مجلس التعاون، وأثارت العديد من التساؤلات حول واقع ومستقبل التطور السياسي والاجتماعي في هذه الدول وخاصة قدراتها العسكرية ومدى كفاءة قدراتها الدفاعية على حماية شعوبها.
ثانياً: العوامل الإقليمية
1- تأثيرات حرب الخليج الثانية (1990-1991): كما أشرنا سلفاً إلى أن حرب تحرير الكويت في عام 1991 تعد من أبرز التفاعلات الإقليمية التي كانت لها تداعياتها وانعكاساتها على الداخل في كل دول الخليج العربية مثلما كان لها دور مهم في الدفع باتجاه تغذية التيار الإصلاحي في هذه الدول، حيث وفرت تلك الحرب مبررات للنخب الثقافية في هذه الدول حتى تمضي قدماً في طريق المطالبة بالتغيير والإصلاح، بل يذهب البعض إلى أن حرب تحرير الكويت كانت المحرك الأول لفكر التغيير والإصلاح في دول مجلس التعاون وهي التي رسخت من التوجه الإصلاحي في هذه الدول، لذلك أضحى الحديث عن ضرورة تفعيل المشاركة السياسية مطلباً حيوياً داخل دول مجلس التعاون، حيث أدت أحداث حرب الخليج الثانية إلى إثارة مسألة المشاركة السياسية وأظهرتها على السطح من جديد بين القوى السياسية والاجتماعية، وأجبرت الأنظمة السياسية في دول مجلس التعاون على تقديم الوعود بإجراء الإصلاحات السياسية، وأدت إلى ظهور مطالبات شعبية في بعض دول مجلس التعاون مثل العرائض والمطالب الشعبية التي شهدتها كل من الكويت والبحرين والتي سرت في بقية دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بعد ذلك.
2- التهديدات الإقليمية: كما شكّل الشعور بالتهديد الخارجي عنصراً مهماً في تحريك الاتجاه نحو الانفتاح السياسي الداخلي خاصة في حالة وجود تماسك داخلي، ومع أن هذا التهديد قد لا يكون حقيقياً وإنما متصوراً إلا أنه يلعب دوراً مؤثراً في ذهنية الحاكم وفي تحديد اتجاهاته للداخل، فعلى سبيل المثال شكلت التهديدات العراقية بضم الكويت منذ عام 1961 وحتى وقوعها فعلاً عام 1990 عاملاً مهماً في دفع النظام الكويتي نحو إقامة حياة نيابية. فإضافة إلى التأثيرات المختلفة لأزمة الخليج الثانية على كل دول مجلس التعاون إلا أن تأثيرات هذه الأزمة كانت كبيرة على الكويت بالذات.
3- ظاهرة العدوى السياسية أو (كرة الثلج): لاشك في أن التجارب الديمقراطية لعبت دوراً مؤثراً في مجتمعات الخليج وهو ما يطلق عليه صمويل هنتنجتون ظاهرة (كرة الثلج) أو تأثير العرض العلني، فهذا العامل ذو تأثير كبير بين الدول المتقاربة جغرافياً والمتشابهة ثقافياً. وبالإضافة إلى تأثير كرة الثلج كان هناك أيضاً التطور الهائل في الاتصالات والأقمار الصناعية التي سمحت للأفراد في المجتمعات الخليجية بالاطلاع على الأوضاع الداخلية والتطورات السياسية التي تشهدها البلاد العربية في مجال التطور الديمقراطي والمشاركة السياسية وهو ما يسمى ثورة المعلومات.
ثالثاً: الضغوط الخارجية
تصاعدت حدة الضغوط الأمريكية المطالبة بالتحول الديمقراطي والإصلاح السياسي على أثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، فقد تصورت الولايات المتحدة أن غياب الديمقراطية أسهم في إيجاد بيئة ملائمة لتنامي العنف والإرهاب، ومن هنا بدأت تطالب دول المنطقة باتخاذ خطوات جادة على طريق تحقيق الإصلاح والديمقراطية، وبدأت أيضاً دول مجلس التعاون في اتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي لاعتبارات داخلية من ناحية وكذلك لتجنب الانتقادات التي استمرت واشنطن على توجيهها من زاوية أن حلفاءها في المنطقة غير ديمقراطيين.
وإجمالاً يمكن القول إن هناك العديد من العوامل والمؤثرات التي دفعت في اتجاه الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي، وهذه العوامل سواء كانت داخلية أو إقليمية أو عالمية ساهمت مجتمعة في التأثير في هذه الدول وبالتالي دفعها إلى إجراء العديد من الإصلاحات في نظمها السياسية، وكان الطابع السلمي هو الغالب على إدارة عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس سواء لجهة رفع المطالب من قبل الفئات الإصلاحية أو جهة ممارسة المعارضة السياسية من قبل القوى والجمعيات السياسية أو جهة تقارب السلطة الحاكمة مع هذه المطالب وأساليب تعاملها مع قوى المعارضة، إضافة إلى ذلك تندرج تجارب الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي في صورة الإصلاح من أعلى والذي جاء في بعض الحالات استجابة لتصاعد مطالب بعض الفئات الداخلية بالإصلاح، كما هو الحال في البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية من ناحية، فضلاً عن وجود بعض العوامل الخارجية التي دفعت في اتجاه هذا الإصلاح من ناحية أخرى.
وعلى أية حال يمكن القول إن عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي لم تقتصر على إصلاح دساتير أو إجراء انتخابات أو إنشاء جمعيات لحقوق الإنسان فحسب، بل إنها تضمنت كل ذلك إلى جانب اتخاذ خطوات جادة على طريق تأسيس ثقافة سياسية ديمقراطية ونشرها في المجتمع، حيث تتحول الديمقراطية إلى أسلوب للتعامل. وتعتبر مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة وغيرها بمثابة الأدوات الرئيسية لنشر ثقافة سياسية ديمقراطية بين مختلف فئات المجتمع، الأمر الذي يتطلب مواصلة جهود إصلاح السياسات الإعلامية والتعليمية والثقافية في دول مجلس التعاون بما يعزز من أدوارها في نشر قيم الديمقراطية والإصلاح السياسي.
::/fulltext::
::cck::2747::/cck::
