العوامل الدافعة للإصلاح السياسي
::cck::2746::/cck::
::introtext::
الإصلاح السياسي أو ما كان يسمى (الحداثة)، هو مجرد جزء من معركة سياسية، لم يتجاوز الانشغال بها في المجال الثقافي والمعرفي حدود ما تمليه السياسة وتفرضه، كما لم يقدر للحداثة أن تبني سلطتها في معركة مع الواقع ومن أجله.
::/introtext::
::fulltext::
الإصلاح السياسي أو ما كان يسمى (الحداثة)، هو مجرد جزء من معركة سياسية، لم يتجاوز الانشغال بها في المجال الثقافي والمعرفي حدود ما تمليه السياسة وتفرضه، كما لم يقدر للحداثة أن تبني سلطتها في معركة مع الواقع ومن أجله.
رغم انبهار العرب بالمشهد (الما بعد الحداثي) إلا أنهم لم يتمكنوا من التخلص من ملامح عالمهم السابق، عالم البداوة الذي لم يفارق نظامه بناء عالمهم أبداً. وإن حدث تماثل بين اليسار ونقيضه (التأسلم السياسي) بحيث أصبح هناك خلط بين الذوات والنموذج الذي صنعته الأيديولوجيا، وعاقت الفعل الإبداعي من أجل التحرر والانطلاق، وحتى استراتيجية النقد التي مورست انحصرت في الإحلال والإبدال دون النفاذ للعمق المعرفي الذي يفترض ترافق الفعل السياسي مع الفعل المعرفي نتيجة فصل المشرق عن المغرب، واستبدلت بقياس الماضي على الحاضر، فأصبح كلاهما غائبين، فعلاقة القرابة وسيطرة القبيلة، وعلاقات الدم تتحكم بالتاريخ العربي بين الأيديولوجيا والقبيلة، فالنصر كان دائماً حليف القبيلة من معاوية حتى العصر الحاضر، حتى ممن تبنوا الأيديولوجيا مثل البعث تخلوا عن الأيديولوجية، ويطمحون إلى أن يخلفهم أبناؤهم في الحكم.
ومن يتتبع سيرورة النظم والمفاهيم السياسية الغربية بشكل موجز عبر التاريخ، وتحول الأفكار والمحاولات إلى مؤسسات، وما كان يناظرها في عالم الإسلام، وما آلت إليه الأوضاع الآن، وقد نبه إلى ذلك طارق البشري في كتابه (منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الاسلامي) يلاحظ تباين المضامين بين المفاهيم برغم تماثل العناوين الأوروبية المتنازعة في العالمين الغربي والإسلامي نتيجة السيرورة التاريخية المختلفة، واختلاف أشكال التعبير عن قرار الجماعة. فالتنظيم الحزبي الغربي نشأ تعبيراً عن أوضاع الجماعات الفرعية الأوروبية المتنازعة نصيب كل منها في حصيلة المنتج الوطني العام، في ظروف كانت المجتمعات القومية الأوروبية آمنة على نفسها من أي خطر خارجي عليها، بينما الأحزاب في بلادنا الشرقية (سواء كانت عربية أو إسلامية أو غير ذلك من بلاد الهند والصين.. إلخ) نشأت فيها الأحزاب بعد سقوط مقاومة دولة في مواجهة الغزو الأجنبي في القرنين الماضيين، ونشأت كتجمع وطني ينظم الجماعة الأهلية لمهام مقاومة ذلك الغزو. ومن الطبيعي أن (التعددية) لم تكن من القوة بحيث تقوم بالأداء المطلوب لهذه المهمة حتى إنجاز الاستقلال. فالكيانات السياسية تعاني من اضطراب كبير نتيجة دمار أو تراجع الوسائل التقليدية التي كانت تستخدمها (الجماعة) للتعبير، وعدم ملاءمة النظم والمؤسسات البديلة أو عدم كفاءتها في إعادة اللحمة بين السلطة والمجتمع. وعندما نستحسن أخذ النظم الحديثة من تجارب الغرب المعاصر، بدا لنا أن أمورنا تتحسن ونهوضنا يقوى بقدر ما نتبنى هذه النظم الغربية، إلا أننا ما لبثنا أن اكتشفنا أن هناك فرقاً بين أن تنبثق أساليب الإصلاح الاجتماعي والتنظيمي من داخل النسق التنظيمي والحضاري، كمعاملات وكلفة ثقافية ومرجعية شرعية، وبين أساليب اصلاح ترد من بيئة حضارية مختلفة، ومن نسق تاريخي متباين. وأكبر مثال على ذلك الديمقراطية في العراق، فهي ديمقراطية تعتمد (إدارة التنوع والاختلاف) بين القبائل المختلفة، فالأكراد يخلقون توازناً لقبائل الشيعة في الجنوب، وكذلك يوازنون سيطرة قبائل الوسط السنية، لأن الدولة المركزية الديمقراطية في الغرب ظهرت من حصيلة ما أفضى إليه التطور الفكري الغربي ذو التقبل الشعبي العام من قيم ومبادئ وأصول، وبلورت خلاصات وإيجابيات الفكر الغربي عبر تاريخه الطويل. فالجماعة السياسية يجب أن تتبلور ضمن أطرها مع دراسة التركيب العضوي للدولة ومدى تبلور العلاقة بينهما إرادة وفعلاً.
فالنضج الحضاري الذي تتمتع به شعوب الغرب تصعب مقارنته بشعوب منطقة الخليج التي تسيّرها الشعارات العاطفية أكثر مما تسيرها المقولات العقلانية لأن النوايا الطيبة وحدها لا تصنع المعجزات.
فإذا تساءلنا لماذا تتوحد أوروبا المختلفة في القوميات والأعراق واللغات، ولا يتوحد العرب أو الخليجيون الذين يتكلمون لغة واحدة ؟ فاللغة طرحت في أوروبا كعائق، ولكن الإنجليزية فرضت نفسها في المحافل الأوروبية، وهذا ما آلم الفرنسيين كثيراً لأنهم متعلقون بلغتهم، ولكنهم رضخوا للأمر الواقع، ولم يمنعهم من تحقيق قفزات كبيرة إلى الأمام على مدار الخمسين سنة الماضية. بينما العرب يشهدون حركة تفكيكية لا حركة توحيدية على عكس أوروبا تماماً بسبب التناقضات العرقية والطائفية التي لا تزال قوية جداً، ولم يتمكن العرب من تخطيها وتجاوزها، ومواجهتها وإنما يتحدثون عن واقع وهمي خيالي غير موجود ولن يتحقق. فالاتحاد الأوروبي تأسس على قيم عصر النهضة والتنوير وقيم النزعة الإنسانية الكونية المقبولة من قبل جميع شعوب أوروبا بلا استثناء.
إننا أمام معادلة صعبة أو شبه مستحيلة، فهو من جهة مطالب بدخول العصر الديمقراطي والانتخابات الحرة، وهو من جهة أخرى يخشى أن يؤدي ذلك إلى انتصار التيار الأصولي الذي لا يؤمن بالديمقراطية والانتخابات إلا كأداة للوصول إلى الحكم الذي يقض مضاجع صناع القرار ليس داخل الأنظمة المعنية فقط، بل في عواصم الدول الكبرى أيضاً.
إن المشكلة مع الديمقراطية تكمن في أن الناخبين عندما تتاح لهم حرية الاختيار يذهبون في الغالب إلى الخيار الخطأ الذي يتحدى الأمر الواقع مثلما كّدرت نتائج الانتخابات الرضا الذي غمر الإدارة الأمريكية عندما تدفق ملايين العراقيين إلى مراكز الاقتراع، في تحد لتهديدات المتمردين، كما تسميهم أمريكا، وأظهرت أن غالبية الناخبين تجنبت دعم المرشحين المفضلين لواشنطن، وصوتت للمرشحين المدعومين من قبل المراجع الدينية الشيعية مثلما أهدى الفلسطينيون نصراً مؤزراً لحماس ولكن أمريكا لم تحترم الإرادة الشعبية، واعتبرت حماس لا تزال (منظمة إرهابية) وليس لديها أي شيء بنّاء لتقدمه للعملية السياسية طالما استمرت الحركة في انتهاج طريق العنف. ومنذ الخمسينات من القرن الماضي أعاقت بعض الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط عموماً ظهور حركات المجتمع المدني التي كان من الممكن أن تؤسس الأرضية الصلبة لديمقراطية على النهج الغربي، بينما تمكن الإسلاميون من ملء هذا الفراغ، وعملوا على مستوى القاعدة لتأسيس البديل المحلي للأيديولوجيات المستوردة التي فشلت في تحقيق آمال الشعوب. هذا ما جعل الرئيس بوش الأب لا يهب لمساعدة العراقيين على الإطاحة بصدام حسين خوفاً من استبدال نظام صدام بنظام إسلامي، والسنة التي تلت تلك المحاولة سمحت أمريكا بتدخل الجيش الجزائري لإلغاء النجاح الانتخابي لجبهة الإنقاذ الإسلامية المعادية للولايات المتحدة. ويبدو أن أمريكا تفضل الدكتاتورية العسكرية على ظهور نظام أصولي.
وإن كانت أمريكا اضطرت أخيراً إلى قبول ديمقراطية تتضمن وجوداً إسلامياً مع التفريق والتمييز بين المتشددين الذين يقول بوش أن وجودهم يزداد في غياب الديمقراطية وبين التيارات الإسلامية الأخرى الأكثر براجماتية، وكانت أول مبادرة المشاركة الشرق أوسطية التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكية آنذاك أمام مؤسسة (هيرتيج) في 12 ديسمبر 2002، ولكن بعد عامين من إطلاق تلك المبادرة وجدت تمارا ويتس وسارة يركيس الباحثتان في المركز أن المبادرة لا تستطيع إجبار الحكام العرب على التنازل عن سلطاتهم إلى مؤسسات منتخبة أو حتى شبه منتخبة، كما أن قيامها بإعداد المرشحين ودفع الأحزاب نحو المشاركة الديمقراطية هي عملية بلا معنى ما لم تكن هناك مشاركة سياسية في المقام الأول، وحلّت محلها مبادرات أخرى الشرق الأوسط الكبير ثم الشرق الأوسط الجديد وهكذا بسبب غياب المفهوم والمؤسسات القادرة على استيعاب الجديد.
فالأجيال الجديدة تتردد على أسماعهم مصطلحات الديمقراطية والمشاركة السياسية من دون دراية ومعرفة بمعناها.
فالمشاركة السياسية هي تجربة طويلة تشارك فيها كل مؤسسات المجتمع المدني بدءاً من الأسرة والمدرسة حتى يتضح لدى الفرد أخيراً السلوك السياسي العربي ويرسم الحدود الفاصلة بين حقوق المواطنة وواجباتها، ويأخذ المجتمع أجيالاً حتى تتم عملية تنشئتهم على مسؤوليات وحقوق المشاركة السياسية قبل أن تتطور لديهم ممارسة سياسية صلبة وفاعلة ومستمرة. وأثبتت ذلك دراسة أجرتها الباحثة هنادي بنت عبدالله المسن من عمان في رسالة ماجستير حول التثقيف السياسي لطلاب الجامعات في دول مجلس التعاون الخليجي في جامعة القاهرة، مستندة إلى استبيان ميداني توصلت فيه إلى أن شبان الخليج لا يعرفون مفهوم الحقوق التي يطالبون بها حتى إن كانت سياسية، وأنهم لا يعلمون أدوارهم في المجتمع، فيما أثبتت الدراسة رغبتهم في المشاركة. ومن نتائج الدراسة أيضاً أن المعلومات السياسية لدى شباب الخليج ضئيلة للغاية في معظمها، وأن أفكارهم مستقاة من معلومات خارجية وليست داخلية ومداخلاتهم غالباً ما تكون مشوشة، بل كانت مجموعة من المفاهيم المغلوطة التي لا تعكس وعياً حقيقياً بأبجديات الوعي الداخلي الذي يجب أن يعرفها كل الشبان.
إن التثقيف السياسي للشباب الذي يعتبر الثروة الحقيقية للمجتمع الخليجي هو مهمة الدولة ومثقفي المجتمع حتى لا تتمزق هذه الثروة بين التعصب المذهبي، بل مساعدتهم على الوصول إلى القنوات الشرعية التي تسمح لهم بالمشاركة. لأن الإصلاح الداخلي يتطلب إصلاحاً مؤسسياً للدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتعزيز مبادئ الإدارة الرشيدة، كما يتطلب تصحيحاً لمسار التنمية، وإصلاحاً سياسياً يشتمل على الإصلاح في الممارسات كأولوية قصوى.
لذلك دائماً ما نجد تصريحات للمسؤولين كوزير الخارجية السعودي سعود الفيصل يقول حول حل الإصلاح يجب أن (يفي بمتطلبات شعبنا ويحافظ على نسيجه الاجتماعي) الأمر الذي يستوجب القيام به تدريجياً.
وبالتالي أقيمت ندوات عديدة مثل ندوة الشورى والديمقراطية والحكم الرشيد في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية تحت رعاية رئيس مجلس الشورى السعودي الدكتور صالح بن حميد من أجل تقريب وجهات نظر الشوريين والديمقراطيين للوصول إلى الحكم الرشيد بالتعاون مع مركز دراسة الإسلام والديمقراطية الأمريكي بهدف تحقيق التحول الديمقراطي المنشود في العالم العربي وخاصة في منطقة الخليج وترسيخ قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والتسامح.
والحقيقة أن دول مجلس التعاون بدأت تدرك أن هناك علاقة عضوية وثيقة بين تحرير الاقتصاد والتجارة والتنمية والديمقراطية، مما يعني أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تكتمل أو تزدهر في مناخ منغلق اقتصادياً أو سياسياً، فالتأكيد على تبني قواعد الشفافية والمساءلة وتحسين حاكمية الدوائر الحكومية والشركات ينطبق على العملية الاقتصادية كما ينطبق على العملية السياسية، كما أن توفير بيئة قانونية وإدارية مالية وقضائية نزيهة وعادلة مستقلة أمر تقتضيه أسس النظام الديمقراطي ومبادئ منظمة التجارة العالمية على حد سواء.
وقد أدركت دول المجلس أن الركود الاقتصادي في عام 1998 الذي مرت به بسبب انخفاض سعر النفط إلى أقل من 10 دولارات للبرميل، وأن الاقتصاد عملية معقدة يجب أن تعتمد على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على المصدر الريعي من أجل تحرير الاقتصاد، وأن التنمية يجب ألا تختزل في تشييد المباني وبناء الطرق أو تحسين الظروف المعاشية، بل يجب أن تشمل تنمية المواطنين رجالاً ونساء وتمكينهم من المشاركة السياسية والاجتماعية إلى جانب تنمية قدراتهم الاقتصادية.
وبالفعل خطت دول مجلس التعاون خطوات كبيرة سواء في الإصلاح الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي وهي خطوات مهمة وغير مسبوقة، إلا أن هناك المزيد مما يمكن القيام به. وما قامت به دول مجلس التعاون هو تعديل لما هو معوج وليس إصلاحاً كاملاً، ولكن هذا التعديل في نهاية المطاف قد يقود إلى إصلاح.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2746::/cck::
::introtext::
الإصلاح السياسي أو ما كان يسمى (الحداثة)، هو مجرد جزء من معركة سياسية، لم يتجاوز الانشغال بها في المجال الثقافي والمعرفي حدود ما تمليه السياسة وتفرضه، كما لم يقدر للحداثة أن تبني سلطتها في معركة مع الواقع ومن أجله.
::/introtext::
::fulltext::
الإصلاح السياسي أو ما كان يسمى (الحداثة)، هو مجرد جزء من معركة سياسية، لم يتجاوز الانشغال بها في المجال الثقافي والمعرفي حدود ما تمليه السياسة وتفرضه، كما لم يقدر للحداثة أن تبني سلطتها في معركة مع الواقع ومن أجله.
رغم انبهار العرب بالمشهد (الما بعد الحداثي) إلا أنهم لم يتمكنوا من التخلص من ملامح عالمهم السابق، عالم البداوة الذي لم يفارق نظامه بناء عالمهم أبداً. وإن حدث تماثل بين اليسار ونقيضه (التأسلم السياسي) بحيث أصبح هناك خلط بين الذوات والنموذج الذي صنعته الأيديولوجيا، وعاقت الفعل الإبداعي من أجل التحرر والانطلاق، وحتى استراتيجية النقد التي مورست انحصرت في الإحلال والإبدال دون النفاذ للعمق المعرفي الذي يفترض ترافق الفعل السياسي مع الفعل المعرفي نتيجة فصل المشرق عن المغرب، واستبدلت بقياس الماضي على الحاضر، فأصبح كلاهما غائبين، فعلاقة القرابة وسيطرة القبيلة، وعلاقات الدم تتحكم بالتاريخ العربي بين الأيديولوجيا والقبيلة، فالنصر كان دائماً حليف القبيلة من معاوية حتى العصر الحاضر، حتى ممن تبنوا الأيديولوجيا مثل البعث تخلوا عن الأيديولوجية، ويطمحون إلى أن يخلفهم أبناؤهم في الحكم.
ومن يتتبع سيرورة النظم والمفاهيم السياسية الغربية بشكل موجز عبر التاريخ، وتحول الأفكار والمحاولات إلى مؤسسات، وما كان يناظرها في عالم الإسلام، وما آلت إليه الأوضاع الآن، وقد نبه إلى ذلك طارق البشري في كتابه (منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الاسلامي) يلاحظ تباين المضامين بين المفاهيم برغم تماثل العناوين الأوروبية المتنازعة في العالمين الغربي والإسلامي نتيجة السيرورة التاريخية المختلفة، واختلاف أشكال التعبير عن قرار الجماعة. فالتنظيم الحزبي الغربي نشأ تعبيراً عن أوضاع الجماعات الفرعية الأوروبية المتنازعة نصيب كل منها في حصيلة المنتج الوطني العام، في ظروف كانت المجتمعات القومية الأوروبية آمنة على نفسها من أي خطر خارجي عليها، بينما الأحزاب في بلادنا الشرقية (سواء كانت عربية أو إسلامية أو غير ذلك من بلاد الهند والصين.. إلخ) نشأت فيها الأحزاب بعد سقوط مقاومة دولة في مواجهة الغزو الأجنبي في القرنين الماضيين، ونشأت كتجمع وطني ينظم الجماعة الأهلية لمهام مقاومة ذلك الغزو. ومن الطبيعي أن (التعددية) لم تكن من القوة بحيث تقوم بالأداء المطلوب لهذه المهمة حتى إنجاز الاستقلال. فالكيانات السياسية تعاني من اضطراب كبير نتيجة دمار أو تراجع الوسائل التقليدية التي كانت تستخدمها (الجماعة) للتعبير، وعدم ملاءمة النظم والمؤسسات البديلة أو عدم كفاءتها في إعادة اللحمة بين السلطة والمجتمع. وعندما نستحسن أخذ النظم الحديثة من تجارب الغرب المعاصر، بدا لنا أن أمورنا تتحسن ونهوضنا يقوى بقدر ما نتبنى هذه النظم الغربية، إلا أننا ما لبثنا أن اكتشفنا أن هناك فرقاً بين أن تنبثق أساليب الإصلاح الاجتماعي والتنظيمي من داخل النسق التنظيمي والحضاري، كمعاملات وكلفة ثقافية ومرجعية شرعية، وبين أساليب اصلاح ترد من بيئة حضارية مختلفة، ومن نسق تاريخي متباين. وأكبر مثال على ذلك الديمقراطية في العراق، فهي ديمقراطية تعتمد (إدارة التنوع والاختلاف) بين القبائل المختلفة، فالأكراد يخلقون توازناً لقبائل الشيعة في الجنوب، وكذلك يوازنون سيطرة قبائل الوسط السنية، لأن الدولة المركزية الديمقراطية في الغرب ظهرت من حصيلة ما أفضى إليه التطور الفكري الغربي ذو التقبل الشعبي العام من قيم ومبادئ وأصول، وبلورت خلاصات وإيجابيات الفكر الغربي عبر تاريخه الطويل. فالجماعة السياسية يجب أن تتبلور ضمن أطرها مع دراسة التركيب العضوي للدولة ومدى تبلور العلاقة بينهما إرادة وفعلاً.
فالنضج الحضاري الذي تتمتع به شعوب الغرب تصعب مقارنته بشعوب منطقة الخليج التي تسيّرها الشعارات العاطفية أكثر مما تسيرها المقولات العقلانية لأن النوايا الطيبة وحدها لا تصنع المعجزات.
فإذا تساءلنا لماذا تتوحد أوروبا المختلفة في القوميات والأعراق واللغات، ولا يتوحد العرب أو الخليجيون الذين يتكلمون لغة واحدة ؟ فاللغة طرحت في أوروبا كعائق، ولكن الإنجليزية فرضت نفسها في المحافل الأوروبية، وهذا ما آلم الفرنسيين كثيراً لأنهم متعلقون بلغتهم، ولكنهم رضخوا للأمر الواقع، ولم يمنعهم من تحقيق قفزات كبيرة إلى الأمام على مدار الخمسين سنة الماضية. بينما العرب يشهدون حركة تفكيكية لا حركة توحيدية على عكس أوروبا تماماً بسبب التناقضات العرقية والطائفية التي لا تزال قوية جداً، ولم يتمكن العرب من تخطيها وتجاوزها، ومواجهتها وإنما يتحدثون عن واقع وهمي خيالي غير موجود ولن يتحقق. فالاتحاد الأوروبي تأسس على قيم عصر النهضة والتنوير وقيم النزعة الإنسانية الكونية المقبولة من قبل جميع شعوب أوروبا بلا استثناء.
إننا أمام معادلة صعبة أو شبه مستحيلة، فهو من جهة مطالب بدخول العصر الديمقراطي والانتخابات الحرة، وهو من جهة أخرى يخشى أن يؤدي ذلك إلى انتصار التيار الأصولي الذي لا يؤمن بالديمقراطية والانتخابات إلا كأداة للوصول إلى الحكم الذي يقض مضاجع صناع القرار ليس داخل الأنظمة المعنية فقط، بل في عواصم الدول الكبرى أيضاً.
إن المشكلة مع الديمقراطية تكمن في أن الناخبين عندما تتاح لهم حرية الاختيار يذهبون في الغالب إلى الخيار الخطأ الذي يتحدى الأمر الواقع مثلما كّدرت نتائج الانتخابات الرضا الذي غمر الإدارة الأمريكية عندما تدفق ملايين العراقيين إلى مراكز الاقتراع، في تحد لتهديدات المتمردين، كما تسميهم أمريكا، وأظهرت أن غالبية الناخبين تجنبت دعم المرشحين المفضلين لواشنطن، وصوتت للمرشحين المدعومين من قبل المراجع الدينية الشيعية مثلما أهدى الفلسطينيون نصراً مؤزراً لحماس ولكن أمريكا لم تحترم الإرادة الشعبية، واعتبرت حماس لا تزال (منظمة إرهابية) وليس لديها أي شيء بنّاء لتقدمه للعملية السياسية طالما استمرت الحركة في انتهاج طريق العنف. ومنذ الخمسينات من القرن الماضي أعاقت بعض الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط عموماً ظهور حركات المجتمع المدني التي كان من الممكن أن تؤسس الأرضية الصلبة لديمقراطية على النهج الغربي، بينما تمكن الإسلاميون من ملء هذا الفراغ، وعملوا على مستوى القاعدة لتأسيس البديل المحلي للأيديولوجيات المستوردة التي فشلت في تحقيق آمال الشعوب. هذا ما جعل الرئيس بوش الأب لا يهب لمساعدة العراقيين على الإطاحة بصدام حسين خوفاً من استبدال نظام صدام بنظام إسلامي، والسنة التي تلت تلك المحاولة سمحت أمريكا بتدخل الجيش الجزائري لإلغاء النجاح الانتخابي لجبهة الإنقاذ الإسلامية المعادية للولايات المتحدة. ويبدو أن أمريكا تفضل الدكتاتورية العسكرية على ظهور نظام أصولي.
وإن كانت أمريكا اضطرت أخيراً إلى قبول ديمقراطية تتضمن وجوداً إسلامياً مع التفريق والتمييز بين المتشددين الذين يقول بوش أن وجودهم يزداد في غياب الديمقراطية وبين التيارات الإسلامية الأخرى الأكثر براجماتية، وكانت أول مبادرة المشاركة الشرق أوسطية التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكية آنذاك أمام مؤسسة (هيرتيج) في 12 ديسمبر 2002، ولكن بعد عامين من إطلاق تلك المبادرة وجدت تمارا ويتس وسارة يركيس الباحثتان في المركز أن المبادرة لا تستطيع إجبار الحكام العرب على التنازل عن سلطاتهم إلى مؤسسات منتخبة أو حتى شبه منتخبة، كما أن قيامها بإعداد المرشحين ودفع الأحزاب نحو المشاركة الديمقراطية هي عملية بلا معنى ما لم تكن هناك مشاركة سياسية في المقام الأول، وحلّت محلها مبادرات أخرى الشرق الأوسط الكبير ثم الشرق الأوسط الجديد وهكذا بسبب غياب المفهوم والمؤسسات القادرة على استيعاب الجديد.
فالأجيال الجديدة تتردد على أسماعهم مصطلحات الديمقراطية والمشاركة السياسية من دون دراية ومعرفة بمعناها.
فالمشاركة السياسية هي تجربة طويلة تشارك فيها كل مؤسسات المجتمع المدني بدءاً من الأسرة والمدرسة حتى يتضح لدى الفرد أخيراً السلوك السياسي العربي ويرسم الحدود الفاصلة بين حقوق المواطنة وواجباتها، ويأخذ المجتمع أجيالاً حتى تتم عملية تنشئتهم على مسؤوليات وحقوق المشاركة السياسية قبل أن تتطور لديهم ممارسة سياسية صلبة وفاعلة ومستمرة. وأثبتت ذلك دراسة أجرتها الباحثة هنادي بنت عبدالله المسن من عمان في رسالة ماجستير حول التثقيف السياسي لطلاب الجامعات في دول مجلس التعاون الخليجي في جامعة القاهرة، مستندة إلى استبيان ميداني توصلت فيه إلى أن شبان الخليج لا يعرفون مفهوم الحقوق التي يطالبون بها حتى إن كانت سياسية، وأنهم لا يعلمون أدوارهم في المجتمع، فيما أثبتت الدراسة رغبتهم في المشاركة. ومن نتائج الدراسة أيضاً أن المعلومات السياسية لدى شباب الخليج ضئيلة للغاية في معظمها، وأن أفكارهم مستقاة من معلومات خارجية وليست داخلية ومداخلاتهم غالباً ما تكون مشوشة، بل كانت مجموعة من المفاهيم المغلوطة التي لا تعكس وعياً حقيقياً بأبجديات الوعي الداخلي الذي يجب أن يعرفها كل الشبان.
إن التثقيف السياسي للشباب الذي يعتبر الثروة الحقيقية للمجتمع الخليجي هو مهمة الدولة ومثقفي المجتمع حتى لا تتمزق هذه الثروة بين التعصب المذهبي، بل مساعدتهم على الوصول إلى القنوات الشرعية التي تسمح لهم بالمشاركة. لأن الإصلاح الداخلي يتطلب إصلاحاً مؤسسياً للدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتعزيز مبادئ الإدارة الرشيدة، كما يتطلب تصحيحاً لمسار التنمية، وإصلاحاً سياسياً يشتمل على الإصلاح في الممارسات كأولوية قصوى.
لذلك دائماً ما نجد تصريحات للمسؤولين كوزير الخارجية السعودي سعود الفيصل يقول حول حل الإصلاح يجب أن (يفي بمتطلبات شعبنا ويحافظ على نسيجه الاجتماعي) الأمر الذي يستوجب القيام به تدريجياً.
وبالتالي أقيمت ندوات عديدة مثل ندوة الشورى والديمقراطية والحكم الرشيد في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية تحت رعاية رئيس مجلس الشورى السعودي الدكتور صالح بن حميد من أجل تقريب وجهات نظر الشوريين والديمقراطيين للوصول إلى الحكم الرشيد بالتعاون مع مركز دراسة الإسلام والديمقراطية الأمريكي بهدف تحقيق التحول الديمقراطي المنشود في العالم العربي وخاصة في منطقة الخليج وترسيخ قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والتسامح.
والحقيقة أن دول مجلس التعاون بدأت تدرك أن هناك علاقة عضوية وثيقة بين تحرير الاقتصاد والتجارة والتنمية والديمقراطية، مما يعني أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تكتمل أو تزدهر في مناخ منغلق اقتصادياً أو سياسياً، فالتأكيد على تبني قواعد الشفافية والمساءلة وتحسين حاكمية الدوائر الحكومية والشركات ينطبق على العملية الاقتصادية كما ينطبق على العملية السياسية، كما أن توفير بيئة قانونية وإدارية مالية وقضائية نزيهة وعادلة مستقلة أمر تقتضيه أسس النظام الديمقراطي ومبادئ منظمة التجارة العالمية على حد سواء.
وقد أدركت دول المجلس أن الركود الاقتصادي في عام 1998 الذي مرت به بسبب انخفاض سعر النفط إلى أقل من 10 دولارات للبرميل، وأن الاقتصاد عملية معقدة يجب أن تعتمد على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على المصدر الريعي من أجل تحرير الاقتصاد، وأن التنمية يجب ألا تختزل في تشييد المباني وبناء الطرق أو تحسين الظروف المعاشية، بل يجب أن تشمل تنمية المواطنين رجالاً ونساء وتمكينهم من المشاركة السياسية والاجتماعية إلى جانب تنمية قدراتهم الاقتصادية.
وبالفعل خطت دول مجلس التعاون خطوات كبيرة سواء في الإصلاح الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي وهي خطوات مهمة وغير مسبوقة، إلا أن هناك المزيد مما يمكن القيام به. وما قامت به دول مجلس التعاون هو تعديل لما هو معوج وليس إصلاحاً كاملاً، ولكن هذا التعديل في نهاية المطاف قد يقود إلى إصلاح.
::/fulltext::
::cck::2746::/cck::
