مجلس التعاون الخليجي بعد ربع قرن: أجواء النشأة وتحديات الحاضر
::cck::2737::/cck::
::introtext::
جاءت نشأة مجلس التعاون الخليجي في إطار التحولات الإقليمية العديدة التي شهدتها المنطقة العربية بعامة، ومنطقة الخليج على وجه الخصوص. فلم تكن نشأة المجلس طبيعية وفي ظل ظروف عادية، بل جاءت تعبيراً عن حجم الأزمات والمخاطر التي تواجهها الدول الخليجية مُجتمعة. وظلت ظروف هذه النشأة مصاحبة للمجلس منذ ظهوره إلى الوجود عام 1981 وحتى الآن، بل يمكن القول أيضاً إن ظروف النشأة هذه قد ألقت بظلالها على عمل المجلس، كما ألقت أيضاً بظلالها على كافة الممارسات الخاصة به فيما بعد.
::/introtext::
::fulltext::
جاءت نشأة مجلس التعاون الخليجي في إطار التحولات الإقليمية العديدة التي شهدتها المنطقة العربية بعامة، ومنطقة الخليج على وجه الخصوص. فلم تكن نشأة المجلس طبيعية وفي ظل ظروف عادية، بل جاءت تعبيراً عن حجم الأزمات والمخاطر التي تواجهها الدول الخليجية مُجتمعة. وظلت ظروف هذه النشأة مصاحبة للمجلس منذ ظهوره إلى الوجود عام 1981 وحتى الآن، بل يمكن القول أيضاً إن ظروف النشأة هذه قد ألقت بظلالها على عمل المجلس، كما ألقت أيضاً بظلالها على كافة الممارسات الخاصة به فيما بعد.
ظهر مجلس التعاون الخليجي في فترة ما بعد سقوط شاه إيران، وظهور الدولة الإسلامية في إيران عام 1979، مع ما صاحب ذلك من مواجهات أيديولوجية عدائية بين إيران وبين دول الخليج المجاورة، وبشكل خاص المملكة العربية السعودية، بما تمثله من دور مركزي بين دول الخليج الست، سواء من الناحية الدينية أو من ناحية حجم الإنتاج البترولي أو من ناحية الحجم السكاني والمساحة الجغرافية. وجاءت نشأة المجلس كمحاولة جادة لمواجهة المد الإيراني في المنطقة، مع ما يقتضيه ذلك من إيجاد جبهة خليجية تمثل تكتلاً إقليمياً قوياً ومانعاً في وجه محاولات الهيمنة الإيرانية. من هنا يمكن القول إن نشأة المجلس جاءت كرد فعل للمستجدات الإقليمية على الساحة المحيطة أكثر منها تعبيراً عن الأسباب الحقيقية والظروف الموضوعية التي يُمليها الواقع الخليجي المعيش، رغم توفر العديد من هذه الأسباب والظروف المدعمة لنشأة المجلس وتفعيل أدواره المختلفة.
ومن اللافت للنظر هنا أن أكثر الأوقات التي يبرز من خلالها دور المجلس هى أوقات وظروف الأزمات التي تواجهها الدول الخليجية. فالثورة الإسلامية في إيران دفعت لنشأة المجلس، كما أن الأحداث الجسام الهائلة التي حدثت فيما بعد، وعلى رأسها الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، وغزو الكويت 1990، ثم أحداث سبتمبر 2001، قد شكلت بدرجة أو أخرى حركة المجلس والقرارات المختلفة المرتبطة به. ومرة أخرى كانت معظم هذه التوجهات والنشاطات مرتبطة بإملاءات الظروف والقوى المحيطة، أكثر منها تعبيراً عن مخطط واضح ومستمر ومثابر لا تحكمه الظروف المحيطة أو التغييرات الإقليمية الحادثة في المنطقة إلى حد كبير. فالمجلس ينشط وتزداد أهميته في ظل الأزمات، وبشكل خاص تلك التي تواجه أية دولة من أعضائه، بينما تخفت أنشطته، وربما تتلاشى، في ظل الظروف العادية، بحيث تقوم كل دولة بما يتوافق مع مصالحها، بغض النظر عن المعنى الجمعي الخليجي الذي صاحب نشأة المجلس.
ورغم التعاون الاقتصادي المتزايد بين دول الخليج الست منذ نشأة مجلس التعاون الخليجي، إلا أنه يمكن القول إن هاجس الأمن والدفاع كان العامل الرئيسي والدافع الجوهري لتأسيس المجلس. فمما لا شك فيه أن اكتشاف النفط وضع دول المنطقة في المركز من الكثير من الصراعات الدولية والإقليمية، كما أن الموقع الملاحي للدول الخليجية قد فرض عليها أن تكون في المركز من هذه الصراعات. وعلى ما يبدو أن دول الخليج سوف تظل تواجه العديد من تبعات الصراعات المختلفة المحيطة بها طالما استمر تدفق البترول بين أراضيها، وما دامت لم تستطع أن توجد لنفسها صيغة أمنية حقيقية تتجنب بها، بدرجة كبيرة من الموثوقية، تدخلات الآخرين في شؤونها، وهو الأمر الذي عجز مجلس التعاون الخليجي عن إيجاد حلول جذرية له حتى الآن.
ففي سياق حرب الخليج الأولى انجرفت دول الخليج لمساعدة العراق بغية إيقاف المد العسكري الإيراني في المنطقة، وكان للولايات المتحدة الأمريكية دور كبير في تمرير المساعدات العسكرية المختلفة للعراق. فقد توافقت السياسة الأمريكة الخليجية في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي أدى بدول الخليج إلى تمويل الأسلحة العراقية في حرب روّج العراق لها بوصفها دفاعاً عن منطقة الخليج بأكملها. وفيما بعد اتضحت خيوط المؤامرة الأمريكية على المنطقة ككل من خلال موافقتها على بيع أسلحة أمريكية لإيران بما عُرف في ذلك الوقت بفضيحة (إيران-كونترا)، من أجل إطالة أمد الحرب، الأمر الذي كان يجب على دول الخليج استيعابه من أجل تجنب الاعتماد المستقبلي على الولايات المتحدة كعنصر وحيد وضامن لأمن واستقرار المنطقة.
وفي سياق حرب الخليج الثانية لم يكن أمام دول الخليج من بد سوى الاعتماد على الوجود الأمريكي من أجل استرداد الكويت. ولقد كشف غزو واحتلالها الكويت، بما لا يدع مجالاً للشك، عن ضرورة وجود قوات عسكرية خليجية حقيقية تكفل للمنطقة الدفاع عن أي مخاطر حقيقية وغير متوقعة، مثلما حدث مع الكويت. ورغم الدعوات التي انطلقت في أعقاب هذه الحرب من أجل ضرورة إنشاء قوات خليجية تحت مسمى (درع الصحراء)، فما حدث بعد ذلك كان معاكساً تماماً لهذا الأمر، حيث وقّعت العديد من الدول الخليجية اتفاقيات دفاع مشتركة وفردية مع أمريكا.
وفرضت حرب الخليج الثانية العديد من الخيارات الأمنية المختلفة أمام الدول الخليجية، وتمثلت في الخيار المحلي الخليجي الذي يعتمد على الداخل الخليجي في الدفاع عن المنطقة، ثم الخيار العربي المتمثل في (إعلان دمشق)، والذي يتمثل في وجود قوات مصرية – سورية ثابتة في منطقة الخليج كنواة للدفاع عنها، ثم الخيار الثالث والأخير المتمثل في العلاقات مع الغرب بشكل عام ، ومع أمريكا بشكل خاص. أي أن الخيارات تتمثل في الاختيار بين الخليجي – العربي من ناحية وبين الغربي – الأمريكي من ناحية أخرى.
ومن أسف أن دول الخليج أهملت الخيارين الأوليين، ولم تظهر محاولات حقيقية وجادة من أجل التعاطي معهما، ومحاولة تفعيلهما، بما يمنح الأمن الخليجي درجة أكبر من الاستقلالية والثبات على المدى البعيد. وما حدث أنه، وربما في ظل عدم الثقة التي أوجدها غزو الكويت، أن الخيار الثالث قد فرض نفسه بدرجة كبيرة، مع ما يرتبط بذلك من مخاطر الارتباط بالمصالح الأمريكية بدرجة كبيرة. ولا تكمن المخاطر فقط في الارتباط بأمريكا، لكنها ترتبط أيضاً بترك المصائر الأمنية الخليجية مرتبطة بالتوجهات الفردية لكل دولة على حدة، وحسب رغباتها، وما تراه متوافقاً مع مصالحها الخاصة، وهو الأمر الذي يتعارض في جوهره مع الهدف من إنشاء مجلس التعاون الخليجي لجعل الدول الخليجية الست قوة إقليمية حقيقية وفاعلة على كافة المستويات.
إن الانفتاح الأمني على دول عديدة، إضافة للولايات المتحدة الأمريكية، يساعد على تنويع مصادر السلاح، كما يساعد أيضاًَ على حرية المناورة والتحرك من خلال أطراف فاعلين مختلفين. وفي عالم السياسة، ومصالحها ودهاليزها، لا يوجد حليف واحد مضمون إلى الأبد. ولا يرتبط الأمر بتنويع مسارات التعاون العسكري فقط ، بل يتعداه إلى ضرورة التعاون الاقتصادي، وبشكل خاص في الصناعات الاستراتيجية الحيوية مثل استخراج البترول والغاز الطبيعي. ولعل ما قامت به المملكة العربية السعودية حديثاً من التعامل مع شركات أخرى للتنقيب عن الغاز الطبيعي، إضافة للشركات الأمريكية، مثل الشركات الروسية والفرنسية والصينية والإسبانية، يمثل أهمية كبيرة وعامل أمان اقتصادياً وسياسياً للمملكة. وهي سياسة يجب أن يتبناها مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير، وتكون ملزمة لكل أعضائه.
كما أن الاعتماد الأمني شبه المطلق على الولايات المتحدة لن يساعد دول الخليج على البدء بصناعة السلاح الخاصة بها، وهو الأمر الذي يجب أن يوليه مجلس التعاون الخليجي أهمية كبيرة. فالبدء بصناعات تسليحية معينة سوف يساعد أيضاً على تطوير الصناعات المدنية الثقيلة والحقيقية، ويفتح مجالات وآفاق جديدة أمام الدول الخليجية، تجنبها الاعتماد شبه المطلق على تصدير النفط الخام. وفي هذا السياق هناك مجالات عديدة ومتسعة للتعاون العسكري بين الدول الخليجية وغيرها من الدول العربية الأخرى، مثل مصر على سبيل المثال، بما يؤسس لصناعة سلاح عربية حقيقية تستفيد منها كل الأطراف العربية.
ولا تنحصر مخاطر الارتباط الأمني بوضع كل الرهانات والخيارات بيد الولايات المتحدة الأمريكية فقط، وإضعاف التوجه الجمعي الإقليمي لمجلس التعاون الخليجي، بل إنها تتعدى ذلك إلى إضعاف الروابط الخليجية العربية ذاتها. فمن أسف أيضاً أن غزو العراق للكويت ومواقف بعض الدول العربية المناصرة للعراق فيما بعد أوجدا حاجزاً نفسياً خطيراً في السياسة الخليجية تجاه العرب، بحيث بدا التوجه الخليجي راغباً في الابتعاد عن مشكلات المشرق والمغرب العربيين. وهو توجه خطير على المدى البعيد، من حيث إن الدول والشعوب الخليجية عربية بالجغرافيا والتاريخ والانتماء والهموم المشتركة، ومن حيث إن الثروات النفطية الخليجية يجب ألا تكون عامل عزل بين الدول والشعوب الخليجية وغيرها من الدول والشعوب العربية الأخرى.
وأثبتت الكوارث المختلفة التي واجهتها المنطقة بعد أحداث سبتمبر 2001، وعلى رأسها احتلال العراق 2003، أن الجميع في مركب واحد، وأن العالم العربي بدوله الغنية والفقيرة على السواء محفوف بالمخاطر الهائلة، الأمر الذي يجب أن يدعم من التلاحم الخليجي العربي بشكل كبير ومستمر ومتواصل، مما يفرض على مجلس التعاون الخليجي ضرورة العمل على توسيع دائرة عضويته، وبشكل خاص لكل من العراق واليمن. وقد جاء قرار المجلس بقبول عضوية البلدين في بعض المؤسسات الخاصة بمجلس التعاون الخليجي مثل المؤسسات الصحية والرياضية خطوة على طريق القبول الكامل لعضوية البلدين، فاليمن، على سبيل المثال، بما يمثله من عمق جغرافي استراتيجي، يضيف أهمية كبيرة للدول الخليجية، كما أنه بكثافته السكانية يمكن أن يمثل مصدراً مهماً وحيوياً للدول الخليجية، ويشكل معادلاً للوافدين من الجنسيات الأخرى الذين قد يشكلون تهديداً أمنياً على المدى البعيد للدول الخليجية ذات الخلل الكبير في التركيبة السكانية.
لقد نجح مجلس التعاون الخليجي منذ نشأته في إيجاد سياق جامع للدول الخليجية. وما حققه على المستوى الاقتصادي من اتفاقيات مختلفة مثل الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في نوفمبر 1981، وما صاحب ذلك من زيادة للتجارة البينية بين دوله، ثم اتفاقية التعرفة الجمركية الموحدة، وأخيراً محاولة التوصل لعملة موحدة بحلول عام 2010 ، يكشف عن الكثير من الإنجازات التي يصعب إنكارها، لكن الشيء المهم هنا أن الكثير من هذه الإنجازات لا يتناسب مع طول مدة نشأة المجلس التي تجاوزت الربع قرن من ناحية، ولا مع حجم الاتفاقيات المبرمة والقرارات الموقعة. فمما لا شك فيه أنه في ظل التجانس الجغرافي والبشري والتاريخي بين الدول والشعوب الخليجية، كان من المأمول أن تسير مجريات الوحدة الخليجية بشكل أسرع مما هي عليه الآن. فمستوى التبادلات الاقتصادية البينية بين الدول الخليجية لايزال ضعيفاً قياساً بالجوار الجغرافي والقرب المكاني. كما أن مستوى الاتفاق الأمني بين الدول الخليجية لا يزال دون المأمول بين دول تواجهها العديد من المشكلات الأمنية المختلفة، وتعيش في منطقة مهددة بدرجة كبيرة. لذلك نقول إن الأعباء الملقاة على عاتق مجلس التعاون الخليجي كثيرة وجمة، يتصدرها الهاجس الأمني الذي يجب أن تتحول مساراته من الخارج إلى الداخل، إضافة إلى ضرورة إيجاد حالة من التجانس الاقتصادي بين دول المجلس الست بما يسرع من وتيرة التعاون الاقتصادي والتنموي بين دول المجلس، وأخيراً تعميق الارتباط الخليجي – العربي بما يسمح بالتواصل الأمني والاقتصادي العربي – الخليجي بدرجة أكبر مما عليه الحال الآن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2737::/cck::
::introtext::
جاءت نشأة مجلس التعاون الخليجي في إطار التحولات الإقليمية العديدة التي شهدتها المنطقة العربية بعامة، ومنطقة الخليج على وجه الخصوص. فلم تكن نشأة المجلس طبيعية وفي ظل ظروف عادية، بل جاءت تعبيراً عن حجم الأزمات والمخاطر التي تواجهها الدول الخليجية مُجتمعة. وظلت ظروف هذه النشأة مصاحبة للمجلس منذ ظهوره إلى الوجود عام 1981 وحتى الآن، بل يمكن القول أيضاً إن ظروف النشأة هذه قد ألقت بظلالها على عمل المجلس، كما ألقت أيضاً بظلالها على كافة الممارسات الخاصة به فيما بعد.
::/introtext::
::fulltext::
جاءت نشأة مجلس التعاون الخليجي في إطار التحولات الإقليمية العديدة التي شهدتها المنطقة العربية بعامة، ومنطقة الخليج على وجه الخصوص. فلم تكن نشأة المجلس طبيعية وفي ظل ظروف عادية، بل جاءت تعبيراً عن حجم الأزمات والمخاطر التي تواجهها الدول الخليجية مُجتمعة. وظلت ظروف هذه النشأة مصاحبة للمجلس منذ ظهوره إلى الوجود عام 1981 وحتى الآن، بل يمكن القول أيضاً إن ظروف النشأة هذه قد ألقت بظلالها على عمل المجلس، كما ألقت أيضاً بظلالها على كافة الممارسات الخاصة به فيما بعد.
ظهر مجلس التعاون الخليجي في فترة ما بعد سقوط شاه إيران، وظهور الدولة الإسلامية في إيران عام 1979، مع ما صاحب ذلك من مواجهات أيديولوجية عدائية بين إيران وبين دول الخليج المجاورة، وبشكل خاص المملكة العربية السعودية، بما تمثله من دور مركزي بين دول الخليج الست، سواء من الناحية الدينية أو من ناحية حجم الإنتاج البترولي أو من ناحية الحجم السكاني والمساحة الجغرافية. وجاءت نشأة المجلس كمحاولة جادة لمواجهة المد الإيراني في المنطقة، مع ما يقتضيه ذلك من إيجاد جبهة خليجية تمثل تكتلاً إقليمياً قوياً ومانعاً في وجه محاولات الهيمنة الإيرانية. من هنا يمكن القول إن نشأة المجلس جاءت كرد فعل للمستجدات الإقليمية على الساحة المحيطة أكثر منها تعبيراً عن الأسباب الحقيقية والظروف الموضوعية التي يُمليها الواقع الخليجي المعيش، رغم توفر العديد من هذه الأسباب والظروف المدعمة لنشأة المجلس وتفعيل أدواره المختلفة.
ومن اللافت للنظر هنا أن أكثر الأوقات التي يبرز من خلالها دور المجلس هى أوقات وظروف الأزمات التي تواجهها الدول الخليجية. فالثورة الإسلامية في إيران دفعت لنشأة المجلس، كما أن الأحداث الجسام الهائلة التي حدثت فيما بعد، وعلى رأسها الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، وغزو الكويت 1990، ثم أحداث سبتمبر 2001، قد شكلت بدرجة أو أخرى حركة المجلس والقرارات المختلفة المرتبطة به. ومرة أخرى كانت معظم هذه التوجهات والنشاطات مرتبطة بإملاءات الظروف والقوى المحيطة، أكثر منها تعبيراً عن مخطط واضح ومستمر ومثابر لا تحكمه الظروف المحيطة أو التغييرات الإقليمية الحادثة في المنطقة إلى حد كبير. فالمجلس ينشط وتزداد أهميته في ظل الأزمات، وبشكل خاص تلك التي تواجه أية دولة من أعضائه، بينما تخفت أنشطته، وربما تتلاشى، في ظل الظروف العادية، بحيث تقوم كل دولة بما يتوافق مع مصالحها، بغض النظر عن المعنى الجمعي الخليجي الذي صاحب نشأة المجلس.
ورغم التعاون الاقتصادي المتزايد بين دول الخليج الست منذ نشأة مجلس التعاون الخليجي، إلا أنه يمكن القول إن هاجس الأمن والدفاع كان العامل الرئيسي والدافع الجوهري لتأسيس المجلس. فمما لا شك فيه أن اكتشاف النفط وضع دول المنطقة في المركز من الكثير من الصراعات الدولية والإقليمية، كما أن الموقع الملاحي للدول الخليجية قد فرض عليها أن تكون في المركز من هذه الصراعات. وعلى ما يبدو أن دول الخليج سوف تظل تواجه العديد من تبعات الصراعات المختلفة المحيطة بها طالما استمر تدفق البترول بين أراضيها، وما دامت لم تستطع أن توجد لنفسها صيغة أمنية حقيقية تتجنب بها، بدرجة كبيرة من الموثوقية، تدخلات الآخرين في شؤونها، وهو الأمر الذي عجز مجلس التعاون الخليجي عن إيجاد حلول جذرية له حتى الآن.
ففي سياق حرب الخليج الأولى انجرفت دول الخليج لمساعدة العراق بغية إيقاف المد العسكري الإيراني في المنطقة، وكان للولايات المتحدة الأمريكية دور كبير في تمرير المساعدات العسكرية المختلفة للعراق. فقد توافقت السياسة الأمريكة الخليجية في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي أدى بدول الخليج إلى تمويل الأسلحة العراقية في حرب روّج العراق لها بوصفها دفاعاً عن منطقة الخليج بأكملها. وفيما بعد اتضحت خيوط المؤامرة الأمريكية على المنطقة ككل من خلال موافقتها على بيع أسلحة أمريكية لإيران بما عُرف في ذلك الوقت بفضيحة (إيران-كونترا)، من أجل إطالة أمد الحرب، الأمر الذي كان يجب على دول الخليج استيعابه من أجل تجنب الاعتماد المستقبلي على الولايات المتحدة كعنصر وحيد وضامن لأمن واستقرار المنطقة.
وفي سياق حرب الخليج الثانية لم يكن أمام دول الخليج من بد سوى الاعتماد على الوجود الأمريكي من أجل استرداد الكويت. ولقد كشف غزو واحتلالها الكويت، بما لا يدع مجالاً للشك، عن ضرورة وجود قوات عسكرية خليجية حقيقية تكفل للمنطقة الدفاع عن أي مخاطر حقيقية وغير متوقعة، مثلما حدث مع الكويت. ورغم الدعوات التي انطلقت في أعقاب هذه الحرب من أجل ضرورة إنشاء قوات خليجية تحت مسمى (درع الصحراء)، فما حدث بعد ذلك كان معاكساً تماماً لهذا الأمر، حيث وقّعت العديد من الدول الخليجية اتفاقيات دفاع مشتركة وفردية مع أمريكا.
وفرضت حرب الخليج الثانية العديد من الخيارات الأمنية المختلفة أمام الدول الخليجية، وتمثلت في الخيار المحلي الخليجي الذي يعتمد على الداخل الخليجي في الدفاع عن المنطقة، ثم الخيار العربي المتمثل في (إعلان دمشق)، والذي يتمثل في وجود قوات مصرية – سورية ثابتة في منطقة الخليج كنواة للدفاع عنها، ثم الخيار الثالث والأخير المتمثل في العلاقات مع الغرب بشكل عام ، ومع أمريكا بشكل خاص. أي أن الخيارات تتمثل في الاختيار بين الخليجي – العربي من ناحية وبين الغربي – الأمريكي من ناحية أخرى.
ومن أسف أن دول الخليج أهملت الخيارين الأوليين، ولم تظهر محاولات حقيقية وجادة من أجل التعاطي معهما، ومحاولة تفعيلهما، بما يمنح الأمن الخليجي درجة أكبر من الاستقلالية والثبات على المدى البعيد. وما حدث أنه، وربما في ظل عدم الثقة التي أوجدها غزو الكويت، أن الخيار الثالث قد فرض نفسه بدرجة كبيرة، مع ما يرتبط بذلك من مخاطر الارتباط بالمصالح الأمريكية بدرجة كبيرة. ولا تكمن المخاطر فقط في الارتباط بأمريكا، لكنها ترتبط أيضاً بترك المصائر الأمنية الخليجية مرتبطة بالتوجهات الفردية لكل دولة على حدة، وحسب رغباتها، وما تراه متوافقاً مع مصالحها الخاصة، وهو الأمر الذي يتعارض في جوهره مع الهدف من إنشاء مجلس التعاون الخليجي لجعل الدول الخليجية الست قوة إقليمية حقيقية وفاعلة على كافة المستويات.
إن الانفتاح الأمني على دول عديدة، إضافة للولايات المتحدة الأمريكية، يساعد على تنويع مصادر السلاح، كما يساعد أيضاًَ على حرية المناورة والتحرك من خلال أطراف فاعلين مختلفين. وفي عالم السياسة، ومصالحها ودهاليزها، لا يوجد حليف واحد مضمون إلى الأبد. ولا يرتبط الأمر بتنويع مسارات التعاون العسكري فقط ، بل يتعداه إلى ضرورة التعاون الاقتصادي، وبشكل خاص في الصناعات الاستراتيجية الحيوية مثل استخراج البترول والغاز الطبيعي. ولعل ما قامت به المملكة العربية السعودية حديثاً من التعامل مع شركات أخرى للتنقيب عن الغاز الطبيعي، إضافة للشركات الأمريكية، مثل الشركات الروسية والفرنسية والصينية والإسبانية، يمثل أهمية كبيرة وعامل أمان اقتصادياً وسياسياً للمملكة. وهي سياسة يجب أن يتبناها مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير، وتكون ملزمة لكل أعضائه.
كما أن الاعتماد الأمني شبه المطلق على الولايات المتحدة لن يساعد دول الخليج على البدء بصناعة السلاح الخاصة بها، وهو الأمر الذي يجب أن يوليه مجلس التعاون الخليجي أهمية كبيرة. فالبدء بصناعات تسليحية معينة سوف يساعد أيضاً على تطوير الصناعات المدنية الثقيلة والحقيقية، ويفتح مجالات وآفاق جديدة أمام الدول الخليجية، تجنبها الاعتماد شبه المطلق على تصدير النفط الخام. وفي هذا السياق هناك مجالات عديدة ومتسعة للتعاون العسكري بين الدول الخليجية وغيرها من الدول العربية الأخرى، مثل مصر على سبيل المثال، بما يؤسس لصناعة سلاح عربية حقيقية تستفيد منها كل الأطراف العربية.
ولا تنحصر مخاطر الارتباط الأمني بوضع كل الرهانات والخيارات بيد الولايات المتحدة الأمريكية فقط، وإضعاف التوجه الجمعي الإقليمي لمجلس التعاون الخليجي، بل إنها تتعدى ذلك إلى إضعاف الروابط الخليجية العربية ذاتها. فمن أسف أيضاً أن غزو العراق للكويت ومواقف بعض الدول العربية المناصرة للعراق فيما بعد أوجدا حاجزاً نفسياً خطيراً في السياسة الخليجية تجاه العرب، بحيث بدا التوجه الخليجي راغباً في الابتعاد عن مشكلات المشرق والمغرب العربيين. وهو توجه خطير على المدى البعيد، من حيث إن الدول والشعوب الخليجية عربية بالجغرافيا والتاريخ والانتماء والهموم المشتركة، ومن حيث إن الثروات النفطية الخليجية يجب ألا تكون عامل عزل بين الدول والشعوب الخليجية وغيرها من الدول والشعوب العربية الأخرى.
وأثبتت الكوارث المختلفة التي واجهتها المنطقة بعد أحداث سبتمبر 2001، وعلى رأسها احتلال العراق 2003، أن الجميع في مركب واحد، وأن العالم العربي بدوله الغنية والفقيرة على السواء محفوف بالمخاطر الهائلة، الأمر الذي يجب أن يدعم من التلاحم الخليجي العربي بشكل كبير ومستمر ومتواصل، مما يفرض على مجلس التعاون الخليجي ضرورة العمل على توسيع دائرة عضويته، وبشكل خاص لكل من العراق واليمن. وقد جاء قرار المجلس بقبول عضوية البلدين في بعض المؤسسات الخاصة بمجلس التعاون الخليجي مثل المؤسسات الصحية والرياضية خطوة على طريق القبول الكامل لعضوية البلدين، فاليمن، على سبيل المثال، بما يمثله من عمق جغرافي استراتيجي، يضيف أهمية كبيرة للدول الخليجية، كما أنه بكثافته السكانية يمكن أن يمثل مصدراً مهماً وحيوياً للدول الخليجية، ويشكل معادلاً للوافدين من الجنسيات الأخرى الذين قد يشكلون تهديداً أمنياً على المدى البعيد للدول الخليجية ذات الخلل الكبير في التركيبة السكانية.
لقد نجح مجلس التعاون الخليجي منذ نشأته في إيجاد سياق جامع للدول الخليجية. وما حققه على المستوى الاقتصادي من اتفاقيات مختلفة مثل الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في نوفمبر 1981، وما صاحب ذلك من زيادة للتجارة البينية بين دوله، ثم اتفاقية التعرفة الجمركية الموحدة، وأخيراً محاولة التوصل لعملة موحدة بحلول عام 2010 ، يكشف عن الكثير من الإنجازات التي يصعب إنكارها، لكن الشيء المهم هنا أن الكثير من هذه الإنجازات لا يتناسب مع طول مدة نشأة المجلس التي تجاوزت الربع قرن من ناحية، ولا مع حجم الاتفاقيات المبرمة والقرارات الموقعة. فمما لا شك فيه أنه في ظل التجانس الجغرافي والبشري والتاريخي بين الدول والشعوب الخليجية، كان من المأمول أن تسير مجريات الوحدة الخليجية بشكل أسرع مما هي عليه الآن. فمستوى التبادلات الاقتصادية البينية بين الدول الخليجية لايزال ضعيفاً قياساً بالجوار الجغرافي والقرب المكاني. كما أن مستوى الاتفاق الأمني بين الدول الخليجية لا يزال دون المأمول بين دول تواجهها العديد من المشكلات الأمنية المختلفة، وتعيش في منطقة مهددة بدرجة كبيرة. لذلك نقول إن الأعباء الملقاة على عاتق مجلس التعاون الخليجي كثيرة وجمة، يتصدرها الهاجس الأمني الذي يجب أن تتحول مساراته من الخارج إلى الداخل، إضافة إلى ضرورة إيجاد حالة من التجانس الاقتصادي بين دول المجلس الست بما يسرع من وتيرة التعاون الاقتصادي والتنموي بين دول المجلس، وأخيراً تعميق الارتباط الخليجي – العربي بما يسمح بالتواصل الأمني والاقتصادي العربي – الخليجي بدرجة أكبر مما عليه الحال الآن.
::/fulltext::
::cck::2737::/cck::
