بعد ربع قرن مجلس التعاون الخليجي.. إلى أين؟
::cck::2738::/cck::
::introtext::
بانتهاء شهر مايو 2006، يكون قد انقضى ربع قرن على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ومن ثم يجدر السؤال: هل أنجز المجلس المهام التي تأسس من أجلها؟ من دون شك، ثمة إنجازات عدة حققها مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في 25 مايو من العام 1981، كما أنه يمثل حالياً الكيان العربي الوحيد الذي يمنح أملاً في إمكانية تدشين تكامل عربي مشترك بين دوله الست. لكن في المقابل، لم يستطع المجلس إنجاز الهدف الأهم وهو تدشين رؤية خليجية متكاملة إزاء ما يطرأ على الساحتين الإقليمية والدولية من تطورات سياسية مهمة تفرض تحديات مباشرة على مصالح وأمن دول المجلس.
::/introtext::
::fulltext::
بانتهاء شهر مايو 2006، يكون قد انقضى ربع قرن على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ومن ثم يجدر السؤال: هل أنجز المجلس المهام التي تأسس من أجلها؟ من دون شك، ثمة إنجازات عدة حققها مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في 25 مايو من العام 1981، كما أنه يمثل حالياً الكيان العربي الوحيد الذي يمنح أملاً في إمكانية تدشين تكامل عربي مشترك بين دوله الست. لكن في المقابل، لم يستطع المجلس إنجاز الهدف الأهم وهو تدشين رؤية خليجية متكاملة إزاء ما يطرأ على الساحتين الإقليمية والدولية من تطورات سياسية مهمة تفرض تحديات مباشرة على مصالح وأمن دول المجلس.
يمكن القول في هذا السياق أن مجلس التعاون الخليجي يواجه في طور تطوره الراهن تحديين شديدي الخطورة:
التحدي الأول يتمثل في سيادة النزعة القطرية على السياسة الخارجية لدول المجلس، والتي تتعاطى مع التطورات الخارجية بناءً على رؤيتها لمصالحها الوطنية، ومن ثم فإنه في حالة تعارض هذه المصالح الوطنية مع المصالح الجماعية يتم اختيار المصالح الوطنية. وهذا التحدي قديم قدم المجلس، وهو وليد نظامه الأساسي، الذي لم يجعل من المجلس منظمة فوق قطرية لها أهلية إصدار قرارات وفرض التزامات وامتلاك القدرة على المحاسبة لمن يخرج عن القرارات، بل إن المجلس بالنسبة للبعض مجرد إطار تشاوري بين القادة أو في أحسن الأحوال إطار للتنسيق، والدولة العضو كاملة السيادة غير مستعدة للتخلي عن جزء، ولو يسيراً، من هذه السيادة الوطنية لصالح (سيادة جماعية) تعمل في صالح الجميع وتقود المجلس إلى التكامل.
وأكد النظام الأساسي للمجلس على قاعدة الإجماع وبالتالي منح كل دولة عضو حق (الفيتو)، ومن ثم فإن الدولة غير مضطرة لتنفيذ توصية لم توافق عليها، وعندما تقبل دولة عضو في المجلس بتوصية فإنها تصدر بها قراراً داخلياً من مؤسساتها الوطنية المسؤولة عن إصدار تلك القرارات، أي أن الدولة العضو لا تنفذ قراراً صادراً عن المجلس في تلك الحالة، بل هي تنفذ قراراً وطنياً تعبيراً عن درجة عالية من الحساسية تجاه كل ما يمس السيادة الوطنية.
أما التحدي الثاني فيتمثل في حرص الولايات المتحدة الأمريكية، وهي فاعل أساسي في منطقة الخليج، على تفكيك المنظومة الإقليمية لمجلس التعاون الخليجي والتعامل مع دول المجلس بشكل منفرد. هذا الحرص بدا جلياً في الرفض الأمريكي المتكرر لمبدأ الحوار الجماعي الذي دعت إليه بعض دول المجلس وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، والإصرار على توقيع اتفاقيات التجارة الحرة بشكل منفرد مع دول المجلس، الأمر الذي تسبب في حدوث خلافات في بعض الأحيان بين دول المجلس على غرار الخلاف السعودي – البحريني في القمة الخامسة والعشرين لمجلس التعاون التي استضافتها العاصمة البحرينية المنامة يومي 20 و21 ديسمبر 2004، على خلفية توقيع البحرين اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي اعتبرته السعودية مخالفاً لقرارات المجلس القائمة على ضرورة انتهاج موقف موحد من جانب دول المجلس ملتزم بالإطار الجماعي في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.
إن الولايات المتحدة صاحبة مصلحة حقيقية في إبقاء المجلس كياناً غير قادر على المنافسة أو التحدي أو حتى الصمود أمام التحديات. والمملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة الأكبر في المجلس يهمها أن يتحول المجلس إلى قوة قادرة على المساومة، وهنا تكون الدول الأعضاء بين خيارين: إما القبول بالموقف السعودي الخاص بتوجيه المجلس نحو مزيد من التكامل والتكتل باعتبار أن ذلك هو الطريق الأمثل لبناء القوة وموازنة قوة الأطراف الأخرى الإقليمية والدولية التي تتحرك في المنطقة وبذلك تتحدى الإرادة الأمريكية، أو القبول بالمطالب الأمريكية ووضع مستقبل المجلس في مهب الريح.
لكن واقع الحال في الخليج الآن، وبالذات واقع الاتفاقيات الأمنية الثنائية بين الولايات المتحدة وكل دول المجلس، وواقع النظام الأمني في الخليج القائم على الدور الأمريكي في الأساس منذ حرب تحرير الكويت وحتى الآن لا يعطي لدول المجلس فرصة الاختيار، بل هي مضطرة للقبول بالمطالب الأمريكية نظراً لأولوية الاعتبارات الأمنية، ولقناعتها بأنها منفردة أو جماعية في إطار المجلس لن تكون قادرة على الحفاظ على الأمن الوطني أو الإقليمي من دون دعم أمريكي. وإلى جانب الدافع الأمني، فإن دول المجلس مضطرة للقبول بالشرط الأمريكي للتوقيع على اتفاقيات منفردة للتجارة الحرة بدافع آخر لا يقل أهمية هو المكاسب الاقتصادية، وهي مكاسب لم يستطع المجلس وعلى مدى ربع قرن أن يوفر مكاسب تنافسها أو تتفوق عليها.
لكن رغم ذلك، فإن ثمة مؤشرين مهمين يؤكدون وجود اتجاه خليجي في طور التبلور يدعو إلى صياغة موقف مشترك إزاء التطورات السياسية التي تشهدها منطقة الخليج: أولهما، يتمثل في الاهتمام الواسع بالقضايا الإقليمية والدولية الذي أبدته دول مجلس التعاون خلال القمة السابعة والعشرين للمجلس التي عقدت في الرياض يومي 9 و10 ديسمبر 2006. هذا الاهتمام عكسه البيان الختامي للقمة الذي تحدث عن ضرورة التوصل إلى حل سلمي لأزمة الملف النووي الإيراني، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وشدد البيان على دعم حق دولة الإمارات العربية المتحدة في استعادة سيادتها على جزرها الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى وعلى المياه الإقليمية والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر الثلاث باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات العربية المتحدة، معبراً عن أسفه لعدم إحراز أي تقدم في الاتصالات المباشرة والإقليمية والدولية التي تجري مع إيران أو أية نتائج من شأنها الإسهام في حل القضية بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة. كما تحدث البيان عن مستقبل العراق معرباً عن القلق الشديد إزاء الانفلات الأمني وتأييد الحكومة العراقية في التصدي لأعمال العنف ومطالبتها بحل الميليشيات فوراً وإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية التي تسهم في ازدياد حدة التوتر في العراق. إلا أن الأهم في هذا السياق هو التوجيه الذي أصدره المجلس الأعلى لمجلس التعاون بإجراء دراسة مشتركة لدول مجلس التعاون لتأسيس برنامج مشترك في مجال التقنية النووية للأغراض السلمية طبقاً للمعايير والأنظمة الدولية.
وثانيهما، يتعلق بالورقة التي تقدمت بها الكويت إلى القمة الخليجية التشاورية التي عقدت في السعودية في 6 مايو 2006، وقد أخذت الورقة بعدين: الأول أمني والثاني اقتصادي تنموي. في ما يتعلق بالبعد الأمني، ركزت الورقة على خمس قضايا هي الملف النووي الإيراني، والعراق، وعملية السلام في الشرق الأوسط، والإرهاب، والخطاب السياسي. وفي هذا السياق، طالبت الورقة الكويتية بإعداد خطة استراتيجية لمواجهة التحديات الراهنة في المنطقة، وشددت على السعي الحثيث لنزع فتيل أزمة الملف النووي الإيراني، وصياغة موقف سياسي خليجي مشترك، والعمل على تحديد التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن أسوأ الاحتمالات في الأزمة، ومنها وضع خطة عمل وقائية لمواجهة احتمالات وقوع كارثة بيئية في مياه الخليج، كما طرحت الورقة بدائل لضمان تدفق النفط في حال تعرض مضيق هرمز للإغلاق. وفي ما يتعلق بالوضع في العراق، طالبت الورقة الكويتية بإعداد برنامج عمل موحد لمنع انزلاق العراق في أتون حرب أهلية، وتحصين دول مجلس التعاون من أي انعكاسات طائفية، والتنسيق لحماية حدود دول المجلس مع العراق، والاستعداد للتعامل مع أي مستجدات قد تطرأ عن الوضع في العراق سواء من جهة حدوث نزوح بشري أو تصدير لأعمال الإرهاب، ووضع خطة طوارئ لذلك، كما طالبت الورقة بضرورة الالتزام بالمواقف الخليجية المشتركة الصادرة عن اللقاءات الرسمية والتشاورية، وأكدت أن المستجدات السياسية التي تطرأ ما بين أدوار الانعقاد تتطلب إيجاد آلية مناسبة تضمن توحيد الرؤى والمواقف تجاهها، إضافة إلى ضرورة تبني دول المجلس لسياسة موحدة وفاعلة في ما يتعلق بالقضايا ذات التأثير المباشر على مصالحها وأمنها مثل الوضع في العراق والملف النووي الإيراني.
وفي ما يتعلق بالبعد الاقتصادي، طالبت الورقة بضرورة الاتفاق على برنامج اقتصادي تنموي مشترك لاستغلال جزء من الفوائض النفطية من شأنه أن يعزز من هياكل الإنتاج في اقتصادات دول الخليج، والإسراع في إزالة العقبات التي تواجه خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي والمتمثلة في الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي.
وعند هذا الحد يجدر السؤال: على ضوء الاتجاه نحو توسيع نطاق الاهتمام الخليجي بالقضايا الإقليمية والدولية، هل يمكن الحديث عن (حقبة خليجية) يضطلع فيها مجلس التعاون الخليجي بدور إقليمي أكبر، خصوصاً في ظل تراجع الدور الإقليمي للمراكز العربية التقليدية والمتمثلة في مصر وسوريا، على خلفية التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة والتي فرضت على سوريا ضغوطاً دولية مكثفة أصابت دورها الإقليمي بشلل تام، ودفعت مصر إلى إبداء اهتمام أكبر بالملفات التي تمس مصالحها وأمنها القومي مباشرة وعلى رأسها الملفان الفلسطيني والسوداني؟
الإجابة عن هذا السؤال تحكمها اعتبارات أساسية ثلاثة: أولاً، أن تمتلك دول مجلس التعاون الإرادة والقدرة الشاملة، وليس القدرة المالية فقط، على القيام بدور إقليمي أكبر في المنطقة لفترة طويلة مقبلة، وأن ترتضي شعوبها تحمل تبعات هذا الدور. وثانياً، أن يحظى هذا الدور بقبول دولي خصوصاً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي طالما عملت على منع تبلور أي موقف خليجي موحد. وثالثاً، أن تتعاطى المراكز العربية التقليدية بإيجابية مع قيام دول مجلس التعاون بدور إقليمي أكبر.
وهذه الاعتبارات في حالة تحققها، يمكن أن تهيئ المناخ لتدشين سياسة خارجية خليجية مشتركة وتفعيل الدور الخليجي على الساحة الإقليمية، ومن دونها يبقى الحال على ما هو عليه، أي غياب الرؤية الخليجية المتكاملة للتعاطي مع التحديات المفروضة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2738::/cck::
::introtext::
بانتهاء شهر مايو 2006، يكون قد انقضى ربع قرن على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ومن ثم يجدر السؤال: هل أنجز المجلس المهام التي تأسس من أجلها؟ من دون شك، ثمة إنجازات عدة حققها مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في 25 مايو من العام 1981، كما أنه يمثل حالياً الكيان العربي الوحيد الذي يمنح أملاً في إمكانية تدشين تكامل عربي مشترك بين دوله الست. لكن في المقابل، لم يستطع المجلس إنجاز الهدف الأهم وهو تدشين رؤية خليجية متكاملة إزاء ما يطرأ على الساحتين الإقليمية والدولية من تطورات سياسية مهمة تفرض تحديات مباشرة على مصالح وأمن دول المجلس.
::/introtext::
::fulltext::
بانتهاء شهر مايو 2006، يكون قد انقضى ربع قرن على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ومن ثم يجدر السؤال: هل أنجز المجلس المهام التي تأسس من أجلها؟ من دون شك، ثمة إنجازات عدة حققها مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في 25 مايو من العام 1981، كما أنه يمثل حالياً الكيان العربي الوحيد الذي يمنح أملاً في إمكانية تدشين تكامل عربي مشترك بين دوله الست. لكن في المقابل، لم يستطع المجلس إنجاز الهدف الأهم وهو تدشين رؤية خليجية متكاملة إزاء ما يطرأ على الساحتين الإقليمية والدولية من تطورات سياسية مهمة تفرض تحديات مباشرة على مصالح وأمن دول المجلس.
يمكن القول في هذا السياق أن مجلس التعاون الخليجي يواجه في طور تطوره الراهن تحديين شديدي الخطورة:
التحدي الأول يتمثل في سيادة النزعة القطرية على السياسة الخارجية لدول المجلس، والتي تتعاطى مع التطورات الخارجية بناءً على رؤيتها لمصالحها الوطنية، ومن ثم فإنه في حالة تعارض هذه المصالح الوطنية مع المصالح الجماعية يتم اختيار المصالح الوطنية. وهذا التحدي قديم قدم المجلس، وهو وليد نظامه الأساسي، الذي لم يجعل من المجلس منظمة فوق قطرية لها أهلية إصدار قرارات وفرض التزامات وامتلاك القدرة على المحاسبة لمن يخرج عن القرارات، بل إن المجلس بالنسبة للبعض مجرد إطار تشاوري بين القادة أو في أحسن الأحوال إطار للتنسيق، والدولة العضو كاملة السيادة غير مستعدة للتخلي عن جزء، ولو يسيراً، من هذه السيادة الوطنية لصالح (سيادة جماعية) تعمل في صالح الجميع وتقود المجلس إلى التكامل.
وأكد النظام الأساسي للمجلس على قاعدة الإجماع وبالتالي منح كل دولة عضو حق (الفيتو)، ومن ثم فإن الدولة غير مضطرة لتنفيذ توصية لم توافق عليها، وعندما تقبل دولة عضو في المجلس بتوصية فإنها تصدر بها قراراً داخلياً من مؤسساتها الوطنية المسؤولة عن إصدار تلك القرارات، أي أن الدولة العضو لا تنفذ قراراً صادراً عن المجلس في تلك الحالة، بل هي تنفذ قراراً وطنياً تعبيراً عن درجة عالية من الحساسية تجاه كل ما يمس السيادة الوطنية.
أما التحدي الثاني فيتمثل في حرص الولايات المتحدة الأمريكية، وهي فاعل أساسي في منطقة الخليج، على تفكيك المنظومة الإقليمية لمجلس التعاون الخليجي والتعامل مع دول المجلس بشكل منفرد. هذا الحرص بدا جلياً في الرفض الأمريكي المتكرر لمبدأ الحوار الجماعي الذي دعت إليه بعض دول المجلس وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، والإصرار على توقيع اتفاقيات التجارة الحرة بشكل منفرد مع دول المجلس، الأمر الذي تسبب في حدوث خلافات في بعض الأحيان بين دول المجلس على غرار الخلاف السعودي – البحريني في القمة الخامسة والعشرين لمجلس التعاون التي استضافتها العاصمة البحرينية المنامة يومي 20 و21 ديسمبر 2004، على خلفية توقيع البحرين اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي اعتبرته السعودية مخالفاً لقرارات المجلس القائمة على ضرورة انتهاج موقف موحد من جانب دول المجلس ملتزم بالإطار الجماعي في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.
إن الولايات المتحدة صاحبة مصلحة حقيقية في إبقاء المجلس كياناً غير قادر على المنافسة أو التحدي أو حتى الصمود أمام التحديات. والمملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة الأكبر في المجلس يهمها أن يتحول المجلس إلى قوة قادرة على المساومة، وهنا تكون الدول الأعضاء بين خيارين: إما القبول بالموقف السعودي الخاص بتوجيه المجلس نحو مزيد من التكامل والتكتل باعتبار أن ذلك هو الطريق الأمثل لبناء القوة وموازنة قوة الأطراف الأخرى الإقليمية والدولية التي تتحرك في المنطقة وبذلك تتحدى الإرادة الأمريكية، أو القبول بالمطالب الأمريكية ووضع مستقبل المجلس في مهب الريح.
لكن واقع الحال في الخليج الآن، وبالذات واقع الاتفاقيات الأمنية الثنائية بين الولايات المتحدة وكل دول المجلس، وواقع النظام الأمني في الخليج القائم على الدور الأمريكي في الأساس منذ حرب تحرير الكويت وحتى الآن لا يعطي لدول المجلس فرصة الاختيار، بل هي مضطرة للقبول بالمطالب الأمريكية نظراً لأولوية الاعتبارات الأمنية، ولقناعتها بأنها منفردة أو جماعية في إطار المجلس لن تكون قادرة على الحفاظ على الأمن الوطني أو الإقليمي من دون دعم أمريكي. وإلى جانب الدافع الأمني، فإن دول المجلس مضطرة للقبول بالشرط الأمريكي للتوقيع على اتفاقيات منفردة للتجارة الحرة بدافع آخر لا يقل أهمية هو المكاسب الاقتصادية، وهي مكاسب لم يستطع المجلس وعلى مدى ربع قرن أن يوفر مكاسب تنافسها أو تتفوق عليها.
لكن رغم ذلك، فإن ثمة مؤشرين مهمين يؤكدون وجود اتجاه خليجي في طور التبلور يدعو إلى صياغة موقف مشترك إزاء التطورات السياسية التي تشهدها منطقة الخليج: أولهما، يتمثل في الاهتمام الواسع بالقضايا الإقليمية والدولية الذي أبدته دول مجلس التعاون خلال القمة السابعة والعشرين للمجلس التي عقدت في الرياض يومي 9 و10 ديسمبر 2006. هذا الاهتمام عكسه البيان الختامي للقمة الذي تحدث عن ضرورة التوصل إلى حل سلمي لأزمة الملف النووي الإيراني، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وشدد البيان على دعم حق دولة الإمارات العربية المتحدة في استعادة سيادتها على جزرها الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى وعلى المياه الإقليمية والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر الثلاث باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات العربية المتحدة، معبراً عن أسفه لعدم إحراز أي تقدم في الاتصالات المباشرة والإقليمية والدولية التي تجري مع إيران أو أية نتائج من شأنها الإسهام في حل القضية بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة. كما تحدث البيان عن مستقبل العراق معرباً عن القلق الشديد إزاء الانفلات الأمني وتأييد الحكومة العراقية في التصدي لأعمال العنف ومطالبتها بحل الميليشيات فوراً وإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية التي تسهم في ازدياد حدة التوتر في العراق. إلا أن الأهم في هذا السياق هو التوجيه الذي أصدره المجلس الأعلى لمجلس التعاون بإجراء دراسة مشتركة لدول مجلس التعاون لتأسيس برنامج مشترك في مجال التقنية النووية للأغراض السلمية طبقاً للمعايير والأنظمة الدولية.
وثانيهما، يتعلق بالورقة التي تقدمت بها الكويت إلى القمة الخليجية التشاورية التي عقدت في السعودية في 6 مايو 2006، وقد أخذت الورقة بعدين: الأول أمني والثاني اقتصادي تنموي. في ما يتعلق بالبعد الأمني، ركزت الورقة على خمس قضايا هي الملف النووي الإيراني، والعراق، وعملية السلام في الشرق الأوسط، والإرهاب، والخطاب السياسي. وفي هذا السياق، طالبت الورقة الكويتية بإعداد خطة استراتيجية لمواجهة التحديات الراهنة في المنطقة، وشددت على السعي الحثيث لنزع فتيل أزمة الملف النووي الإيراني، وصياغة موقف سياسي خليجي مشترك، والعمل على تحديد التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن أسوأ الاحتمالات في الأزمة، ومنها وضع خطة عمل وقائية لمواجهة احتمالات وقوع كارثة بيئية في مياه الخليج، كما طرحت الورقة بدائل لضمان تدفق النفط في حال تعرض مضيق هرمز للإغلاق. وفي ما يتعلق بالوضع في العراق، طالبت الورقة الكويتية بإعداد برنامج عمل موحد لمنع انزلاق العراق في أتون حرب أهلية، وتحصين دول مجلس التعاون من أي انعكاسات طائفية، والتنسيق لحماية حدود دول المجلس مع العراق، والاستعداد للتعامل مع أي مستجدات قد تطرأ عن الوضع في العراق سواء من جهة حدوث نزوح بشري أو تصدير لأعمال الإرهاب، ووضع خطة طوارئ لذلك، كما طالبت الورقة بضرورة الالتزام بالمواقف الخليجية المشتركة الصادرة عن اللقاءات الرسمية والتشاورية، وأكدت أن المستجدات السياسية التي تطرأ ما بين أدوار الانعقاد تتطلب إيجاد آلية مناسبة تضمن توحيد الرؤى والمواقف تجاهها، إضافة إلى ضرورة تبني دول المجلس لسياسة موحدة وفاعلة في ما يتعلق بالقضايا ذات التأثير المباشر على مصالحها وأمنها مثل الوضع في العراق والملف النووي الإيراني.
وفي ما يتعلق بالبعد الاقتصادي، طالبت الورقة بضرورة الاتفاق على برنامج اقتصادي تنموي مشترك لاستغلال جزء من الفوائض النفطية من شأنه أن يعزز من هياكل الإنتاج في اقتصادات دول الخليج، والإسراع في إزالة العقبات التي تواجه خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي والمتمثلة في الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي.
وعند هذا الحد يجدر السؤال: على ضوء الاتجاه نحو توسيع نطاق الاهتمام الخليجي بالقضايا الإقليمية والدولية، هل يمكن الحديث عن (حقبة خليجية) يضطلع فيها مجلس التعاون الخليجي بدور إقليمي أكبر، خصوصاً في ظل تراجع الدور الإقليمي للمراكز العربية التقليدية والمتمثلة في مصر وسوريا، على خلفية التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة والتي فرضت على سوريا ضغوطاً دولية مكثفة أصابت دورها الإقليمي بشلل تام، ودفعت مصر إلى إبداء اهتمام أكبر بالملفات التي تمس مصالحها وأمنها القومي مباشرة وعلى رأسها الملفان الفلسطيني والسوداني؟
الإجابة عن هذا السؤال تحكمها اعتبارات أساسية ثلاثة: أولاً، أن تمتلك دول مجلس التعاون الإرادة والقدرة الشاملة، وليس القدرة المالية فقط، على القيام بدور إقليمي أكبر في المنطقة لفترة طويلة مقبلة، وأن ترتضي شعوبها تحمل تبعات هذا الدور. وثانياً، أن يحظى هذا الدور بقبول دولي خصوصاً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي طالما عملت على منع تبلور أي موقف خليجي موحد. وثالثاً، أن تتعاطى المراكز العربية التقليدية بإيجابية مع قيام دول مجلس التعاون بدور إقليمي أكبر.
وهذه الاعتبارات في حالة تحققها، يمكن أن تهيئ المناخ لتدشين سياسة خارجية خليجية مشتركة وتفعيل الدور الخليجي على الساحة الإقليمية، ومن دونها يبقى الحال على ما هو عليه، أي غياب الرؤية الخليجية المتكاملة للتعاطي مع التحديات المفروضة.
::/fulltext::
::cck::2738::/cck::
