طهران “جسر العبور” في عالم متحول!
::cck::2718::/cck::
::introtext::
كل الأزمات الساخنة في المنطقة العربية الإسلامية التي يفضل الأمريكيون والإسرائيليون تسميتها بـ (الشرق الأوسط) تتجه بخطى متوازية وحثيثة نحو (الحسم)، لكن لا أحد يعرف بالضبط نحو الحسم بالسيف والقوة أو بـ (التسويات) أو التوافقات أو اتفاقيات (تقاسم النفوذ)!
::/introtext::
::fulltext::
كل الأزمات الساخنة في المنطقة العربية الإسلامية التي يفضل الأمريكيون والإسرائيليون تسميتها بـ (الشرق الأوسط) تتجه بخطى متوازية وحثيثة نحو (الحسم)، لكن لا أحد يعرف بالضبط نحو الحسم بالسيف والقوة أو بـ (التسويات) أو التوافقات أو اتفاقيات (تقاسم النفوذ)!
في فلسطين كما في العراق، كما في لبنان، كما في السودان أو في الصومال، واللاعبون الدوليون باتوا كثراً ولم يعودوا قطباً واحداً أوحد كما كان يخطط، ويتمنى المحافظون الجدد الذين بدت أمورهم تنحسر وبدا نفوذهم ينكفئ ليس في الداخل الأمريكي فقط، بل وعلى المستوى العالمي أيضاً لما بات يهدد استراتيجية أمريكا و(سمعتها) الإمبراطورية العالمية في الصميم. وأوج التحول بدأ من العراق وبفضل مقاومته المتميزة والنادرة والتي فاجأت الجميع.
وانطلاقاً مما حصل في العراق وتلاه بشكل بديع ومذهل في لبنان بدأت الخريطة الدولية تتغير شيئاً فشيئاً، وبدأنا نسمع كلاماً جديداً ونلحظ تحركات جديدة لم يألفها المجتمع الدولي من قبل.
صحيح أن الأمريكيين في الداخل صعّدوا من حملتهم المعارضة لسياسة بوش الرعناء في كل مكان لاسيما في العراق وقد لخص بريجينسكي مؤخراً هذا الانطباع عندما قال (إن الحرب في العراق كارثة تاريخية استراتيجية وأخلاقية نفذت بموجب افتراضات زائفة وهي تقوض شرعية أمريكا العالمية).
لكن نهضة الدب الروسي من سباته وتحركاته وسياساته المعارضة بشكل علني ومتنام للسياسة الأمريكية في العالم أصبحت الآن هي المعلم الرئيسي للخريطة الدولية التي تتم إعادة رسمها من جديد على خلفية هزيمة الأمريكيين في العراق والإسرائيليين والأمريكيين في لبنان وعلى صخرة صمود الفلسطينيين بوجه سياسة التجويع والحصار.
منذ مؤتمر شنغهاي للأمن والتعاون الدولي انطلاقاً من آسيا والرعاية الصينية لعالم متعدد الأقطاب بوجه الأحادية الأمريكية والروس يتقدمون بخطى سريعة باتجاه أخذ موقعهم اللائق بهم في المعادلة الجديدة.
في 10 فبراير 2007 وصلت الانتقادات الروسية للسياسات الأمريكية أوجها عندما قال بوتين بالحرف الواحد (إن التصرفات الأحادية غير المشروعة للأمريكيين في العالم لم تحل مشكلة واحدة، بل تسببت في مزيد من النزاعات، وأن واشنطن تخطت حدودها الوطنية، وباتت تشكل تهديداً للأمن العالمي…).
وأضاف في سياق دفاعه عن سياسته تجاه إيران فقال ضمن ما قال وهو يدافع عن سياسة التسلح مع طهران (لقد أمدت روسيا إيران بدفاعات جوية لأننا لا نريد الشعور بأننا محاصرون).
وإذا ما وضعنا هذا الكلام إلى جانب الرسائل المتبادلة التي حملها (حواريو) القيادتين الروسية والإيرانية بين موسكو وطهران والتحركات الروسية الجديدة باتجاه بعض دول المنطقة ومنها المملكة العربية السعودية نستطيع القول إن روسيا بدأت تنفذ سياسة مزدوجة في إطار الدفاع عن أمنها القومي تتمثل بكسر الأحادية الأمريكية من جهة وعودة روسيا الدولة العظمى إلى المسرح الدولي بقوة! وهنا تستحضرني قمة روزفلت – تشرتشل – ستالين في العاصمة الإيرانية طهران في العام 1945، والتي اعتبرت بمثابة قمة حسم نتائج الحرب العالمية الثانية، حيث تم فيها التوافق على كيفية فك الحصار عن الاتحاد السوفييتي مما تبقى من مخالب النازية الألمانية.
ويومها سميت العملية بـ (جسر النصر) بعد أن فتحت طهران أجواءها وأرضها للحلفاء.
لا أحد يعرف بالضبط فحوى ما يتردد في بعض الأروقة هنا في طهران وفي موسكو وفي بكين عما يشبه (الاتفاق الاستراتيجي) بين هذه العواصم الثلاث تم التوصل إليه في قمة شنغهاي الشهيرة.
ولكن تصريح بوتين الأخير حول إمداد إيران بالدفاعات الجوية المتطورة الآنف الذكر، وتصريحات كبار المسؤولين الروس المتكررة حول الموقف من الملف النووي الإيراني تفيد بأن ثمة رهاناً روسياً – صينياً – إيرانياً – هندياً على ضرورة كسر الأحادية الأمريكية في أكثر من ساحة انطلاقاً من الوضع الكارثي الذي تعيشه إدارة المحافظين الجدد في العراق.
ولكن السؤال الآن هو: هل أصبحت طهران بالفعل حاجة استراتيجية ماسة لموسكو في مشروعها الأمني القومي الجديد؟ بل هل أصبحت مرة أخرى (جسر نصر) جديداً لموسكو المحاصرة بأحادية بوش ولفك الحصار عن كل المتضررين من الأحادية الأمريكية المتغطرسة، وبالتالي الإجهاز على ما تبقى من سياسات المحافظين الجدد (الحمقاء) في العالم؟
إن الأمر يعتمد على مدى الثقة التي تبلورت بين موسكو وطهران من جهة وإلى أي حد يتم التنسيق بشكل مكثف مع كل من بكين ونيودلهي بهذا الخصوص وهما العاصمتان (المتخاصمتان) على الحدود التاريخية سابقاً وعلى دور باكستان في المعادلة الدولية.
لكن السؤال الذي لا جواب عليه للأسف الشديد هو: أين دور العرب في هذه التحولات الدولية المتسارعة والجوهرية؟
فالعالم تُرسم خرائطه من جديد وأبناء الوطن العربي من عامة الناس هم الصاعق الأساسي في التغييرات الحاصلة بسبب المقاومة والممانعة والجهاد الذي يمارسونه، ولكن ذلك كله ورغم أهميته البالغة لا يجد له انعكاساً يليق به في سياسات العديد من دوله وأقطاره. ومع ذلك كله نرى بعض الأمل وبصيصاً من الضوء في آخر النفق تحاول بعض الدول العربية وفي طليعتها المملكة العربية السعودية استنباط بعض الخطوات التضامنية الرائدة في هذا السياق.
في البدء كانت (وثيقة مكة) لوقف نزيف الدم العراقي، ومن ثم جاء (اتفاق مكة) لوقف الاقتتال الفلسطيني العبثي، وكما تأملنا خيراً من الحدث الأول ولم يصمد طويلاً، نتأمل خيراً من الثاني ونأمل أن يصمد وينتج حلاً دائماً. فإننا كنا ولا نزال نأمل أن تبلور المساعي الحميدة التي تبذلها الرياض وطهران وجامعة الدول العربية حلاً مشرفاً للأزمة اللبنانية يعيد لبنان إلى دائرة عروبته ومقاومته وتوازنه الداخلي.
إن الذين يبحثون عن حلول سحرية وجذرية تشبه (المعجزة) لهذه الملفات المعقدة والمتشابكة بـ (فرمانات) وملكية أو جمهورية – لا فرق – يحلمون أحلاماً وردية في النهار، ويطلبون حلولاً (تعجيزية) في الواقع أكثر مما يبحثون عن حلول واقعية معقولة. ثم إن كل من يبحث في هذه اللحظة التاريخية المتشابكة عن حلول (أيديولوجية) أو (رؤيوية) أو (فقهية) أو (دعووية) لهذه الملفات السياسية الأمنية والعسكرية منه للإخلاص والإيمان أو العقل مهما كانت درجات علمه أو تقواه أو ورعه.
ليس صحيحاً أبداً أن مجرد اقتناع طهران ودمشق بحل ما لملف العراق يمكن وقف التقاتل العراقي الداخلي. تماماً كما أنه ليس صحيحاً أن مجرد توافق مصر وسوريا على توافق ما بشأن مستقبل التسوية الفلسطينية ينتج حلاً للتناحر الفلسطيني.
والشيء نفسه ينطبق على الحالة اللبنانية رغم اختلاف وضعها وخصوصياتها وعدم وقوعها بعد في فخ الاقتتال، ولكن ليس بالضرورة أبداً بفضل طهران والرياض أو أي عاصمة أخرى مهما علا شأنها أو كبر نفوذها أو صغر.
وبتقديري الشخصي المتواضع أن ما يجمع بين هذه الملفات الثلاثة السياسية والأمنية والاستراتيجية بامتياز نقطة واحدة يكمن فيها اتجاه الحل أو الفشل وما عدا ذلك يحسب في التفاصيل. والأمر يعود إلى أصحاب الدار قبل دول الجوار.
وهنالك في السياسة أمر مهم للغاية اسمه (تقدير الموقف) وأمر آخر لا يقل عنه أهمية اسمه (اتجاه البوصلة) في الصراعات.
وللعراق كانت تدور نقاشات موسعة في العاصمة الإيرانية داخل أوساط المعارضة العراقية (المفككة) والمتنازعة و(المتناحرة) أحياناً حول السبل الكفيلة للإطاحة بحكم صدام وما هي الأنجع أكثر من غيرها .. وفجأة ظهر في الأفق رجل سياسي محنك لكنه متهم بأنه (تاجر سياسة) استطاع من خلال علاقاته الوثيقة بدوائر الاستخبارات الأمريكية وغيرها أن يقنع دوائر العراقيين (المفككة) بأن الأمريكيين بصدد إحداث تغيير جذري في معادلة حكم العراق التاريخية، وأنهم مستعدون أن ينقلوا الحكم في بغداد من (السنية السياسية) إلى (الشيعية السياسية) ولكن بتحالفات وتحركات ومناورات و.. معقدة ومتشابكة للغاية. وكان يقول (كل ما أريده منكم إطلاق يدي في المناورة وأنا آتي لكم بالحل، ودخل الرجل على كل الدوائر التي تخطر على بال أحد).
لقد قلت يومها إنه يريد أن يلبس (عباءة) الشرعية الدينية (الشيعية) ولا غير، وبعد ذلك لن يهمه شيء آخر وفي نهاية المطاف عندما تتحقق المهمة سيقول: (لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل …). فمثله كثير يظهرون ويختفون في الأزمات والحروب، وهو قطعاً لم يكن العامل الوحيد فيما حصل بعد ذلك في العراق، والأمر يتعدى بعض رجال الدين في هذه الطائفة أو تلك أو في هذه القومية أو تلك .. ما أردته من استحضار هذه القصة هو ذلك الاعتقاد السائد الذي نشأ على قواعد ذلك الزيف والخداع الكبير من وجود أسلحة دمار شامل إلى … الاعتقاد الذي انقسم إلى قسمين قسم صار معتقداً اعتقاداً راسخاً بأن أمريكا قادمة إلى العراق (لإطفاء النيران) التي أشعلتها لعقود في الجسم العراقي لمصلحة لها تبدو أنها (متفقة) أو تتقاطع مع مصالحنا! والقسم الثاني وبسبب (عجزه التكويني) في صفوف المعارضة صار يقول إن ما صنعه الاستعمار من معادلة (كمبيوترية) معقدة في العراق لا يمكن لأحد تفكيكها وإعادة بنائها على أسس مختلفة سوى الاستعمار نفسه .. ومن ثم ندخل نحن على الخط لنقطف الثمار.
وهنا كانت المصيبة، وهنا أيضاً كان بيت القصيد، وهنا اشتبكنا مع (الإخوان) وقلنا لهم إن تقديركم للموقف خاطئ وخطير واتجاه البوصلة عندكم لن يؤدي إلى الفلاح بل إلى التجزئة والتفكيك وخسارة الموقف بالتأكيد.
وأضفنا إليهم أن أمريكا قادمة إلى المنطقة لتنقل الحرب من ديار الغرب الكبرى إلى ديار الشرق الصغرى، وأنها مصممة على إشعال عشرات الحرائق الصغرى فوق بلادنا وتفكيك كل شيء، وليس النظام الذي تقاتلون فقط!
ولم يكن وقتها قد حان الإعلان بعد عن (الشرق الأوسط لا الكبير ولا الموسع ولا الجديد) من قبل المحافظين الجدد، لكننا وبسبب التجربة الفلسطينية واللبنانية المليئة بالدروس والعبر استشرفنا المستقبل ولم يقتنع أحد من كبار الرموز المعنية بالملف العراقي (وناموا على بساط من حرير) إلى أن (استفاقوا) أخيراً أو هكذا أرادوا الإيحاء وربما لركوب موجة الوعي العربي الإسلامي العام فقالوا في دافوس أخيراً (لقد كان قرار غزو العراق قراراً أحمق أو أبله…) ولكن بعد فوات الأوان أو بعد خراب البصرة وبغداد والموصل والعراق للأسف الشديد!
واستحضرت هذه الحكاية في هذه اللحظة التاريخية باعتباري كنت (شاهداً على العصر) فيها في كثير من تفاصيل لا مجال لشرحها هنا وإنما فقط لأقول إن المشكلة الرئيسية في الملفات الثلاثة التي ابتدأنا بها المقال هي من صنع أهل البلد أنفسهم أولاً، وأن الحل الأمثل يكمن عندهم أيضاً، وأن نجاعة أي حل حتى لو أتى بمساعدة الجوار القريب أو البعيد لابد أن تكون مستندة إلى (تقدير صحيح) وسليم للموقف، وأن يكون اتجاه البوصلة أثناء خوض الصراعات صحيحاً، وأن المشكلة بالأساس سياسية بامتياز.
ولهذا فإن القيادة اللبنانية للمعارضة وبزعامة الأمين العام لحزب الله اللبناني وبعد الملحمة البطولية التي سطرتها على أرض المعركة الأصلية مع (الجيش الذي لا يقهر) والدولة العظمى التي لم يتجرأ أحد على رفض طلب لها، كان باستطاعتها بعد انتهاء المعارك العسكرية وبدء المعارك السياسية أن تحسم المعركة الثانية بـ 24 ساعة إن أرادت، ولكن بأي ثمن؟ حرب مذهبية ! تفكيك البلاد وتقسيمها! حرب أهلية..إلخ، ولذلك تراها صبرت وغطت على الجرح ولاتزال إلى حين حلول (تقدير الموقف الصحيح) إلخ هكذا يجب أن يرتقي أصحاب الشأن العراقي في الموقف، وهذا ما نتأمله من أخوتنا الفلسطينيين وهم أصحاب المدرسة الأولى، وكل اتفاق جديد في مكة وأنتم بألف خير .. (وأهل مكة أدرى بشعابها) بالتأكيد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2718::/cck::
::introtext::
كل الأزمات الساخنة في المنطقة العربية الإسلامية التي يفضل الأمريكيون والإسرائيليون تسميتها بـ (الشرق الأوسط) تتجه بخطى متوازية وحثيثة نحو (الحسم)، لكن لا أحد يعرف بالضبط نحو الحسم بالسيف والقوة أو بـ (التسويات) أو التوافقات أو اتفاقيات (تقاسم النفوذ)!
::/introtext::
::fulltext::
كل الأزمات الساخنة في المنطقة العربية الإسلامية التي يفضل الأمريكيون والإسرائيليون تسميتها بـ (الشرق الأوسط) تتجه بخطى متوازية وحثيثة نحو (الحسم)، لكن لا أحد يعرف بالضبط نحو الحسم بالسيف والقوة أو بـ (التسويات) أو التوافقات أو اتفاقيات (تقاسم النفوذ)!
في فلسطين كما في العراق، كما في لبنان، كما في السودان أو في الصومال، واللاعبون الدوليون باتوا كثراً ولم يعودوا قطباً واحداً أوحد كما كان يخطط، ويتمنى المحافظون الجدد الذين بدت أمورهم تنحسر وبدا نفوذهم ينكفئ ليس في الداخل الأمريكي فقط، بل وعلى المستوى العالمي أيضاً لما بات يهدد استراتيجية أمريكا و(سمعتها) الإمبراطورية العالمية في الصميم. وأوج التحول بدأ من العراق وبفضل مقاومته المتميزة والنادرة والتي فاجأت الجميع.
وانطلاقاً مما حصل في العراق وتلاه بشكل بديع ومذهل في لبنان بدأت الخريطة الدولية تتغير شيئاً فشيئاً، وبدأنا نسمع كلاماً جديداً ونلحظ تحركات جديدة لم يألفها المجتمع الدولي من قبل.
صحيح أن الأمريكيين في الداخل صعّدوا من حملتهم المعارضة لسياسة بوش الرعناء في كل مكان لاسيما في العراق وقد لخص بريجينسكي مؤخراً هذا الانطباع عندما قال (إن الحرب في العراق كارثة تاريخية استراتيجية وأخلاقية نفذت بموجب افتراضات زائفة وهي تقوض شرعية أمريكا العالمية).
لكن نهضة الدب الروسي من سباته وتحركاته وسياساته المعارضة بشكل علني ومتنام للسياسة الأمريكية في العالم أصبحت الآن هي المعلم الرئيسي للخريطة الدولية التي تتم إعادة رسمها من جديد على خلفية هزيمة الأمريكيين في العراق والإسرائيليين والأمريكيين في لبنان وعلى صخرة صمود الفلسطينيين بوجه سياسة التجويع والحصار.
منذ مؤتمر شنغهاي للأمن والتعاون الدولي انطلاقاً من آسيا والرعاية الصينية لعالم متعدد الأقطاب بوجه الأحادية الأمريكية والروس يتقدمون بخطى سريعة باتجاه أخذ موقعهم اللائق بهم في المعادلة الجديدة.
في 10 فبراير 2007 وصلت الانتقادات الروسية للسياسات الأمريكية أوجها عندما قال بوتين بالحرف الواحد (إن التصرفات الأحادية غير المشروعة للأمريكيين في العالم لم تحل مشكلة واحدة، بل تسببت في مزيد من النزاعات، وأن واشنطن تخطت حدودها الوطنية، وباتت تشكل تهديداً للأمن العالمي…).
وأضاف في سياق دفاعه عن سياسته تجاه إيران فقال ضمن ما قال وهو يدافع عن سياسة التسلح مع طهران (لقد أمدت روسيا إيران بدفاعات جوية لأننا لا نريد الشعور بأننا محاصرون).
وإذا ما وضعنا هذا الكلام إلى جانب الرسائل المتبادلة التي حملها (حواريو) القيادتين الروسية والإيرانية بين موسكو وطهران والتحركات الروسية الجديدة باتجاه بعض دول المنطقة ومنها المملكة العربية السعودية نستطيع القول إن روسيا بدأت تنفذ سياسة مزدوجة في إطار الدفاع عن أمنها القومي تتمثل بكسر الأحادية الأمريكية من جهة وعودة روسيا الدولة العظمى إلى المسرح الدولي بقوة! وهنا تستحضرني قمة روزفلت – تشرتشل – ستالين في العاصمة الإيرانية طهران في العام 1945، والتي اعتبرت بمثابة قمة حسم نتائج الحرب العالمية الثانية، حيث تم فيها التوافق على كيفية فك الحصار عن الاتحاد السوفييتي مما تبقى من مخالب النازية الألمانية.
ويومها سميت العملية بـ (جسر النصر) بعد أن فتحت طهران أجواءها وأرضها للحلفاء.
لا أحد يعرف بالضبط فحوى ما يتردد في بعض الأروقة هنا في طهران وفي موسكو وفي بكين عما يشبه (الاتفاق الاستراتيجي) بين هذه العواصم الثلاث تم التوصل إليه في قمة شنغهاي الشهيرة.
ولكن تصريح بوتين الأخير حول إمداد إيران بالدفاعات الجوية المتطورة الآنف الذكر، وتصريحات كبار المسؤولين الروس المتكررة حول الموقف من الملف النووي الإيراني تفيد بأن ثمة رهاناً روسياً – صينياً – إيرانياً – هندياً على ضرورة كسر الأحادية الأمريكية في أكثر من ساحة انطلاقاً من الوضع الكارثي الذي تعيشه إدارة المحافظين الجدد في العراق.
ولكن السؤال الآن هو: هل أصبحت طهران بالفعل حاجة استراتيجية ماسة لموسكو في مشروعها الأمني القومي الجديد؟ بل هل أصبحت مرة أخرى (جسر نصر) جديداً لموسكو المحاصرة بأحادية بوش ولفك الحصار عن كل المتضررين من الأحادية الأمريكية المتغطرسة، وبالتالي الإجهاز على ما تبقى من سياسات المحافظين الجدد (الحمقاء) في العالم؟
إن الأمر يعتمد على مدى الثقة التي تبلورت بين موسكو وطهران من جهة وإلى أي حد يتم التنسيق بشكل مكثف مع كل من بكين ونيودلهي بهذا الخصوص وهما العاصمتان (المتخاصمتان) على الحدود التاريخية سابقاً وعلى دور باكستان في المعادلة الدولية.
لكن السؤال الذي لا جواب عليه للأسف الشديد هو: أين دور العرب في هذه التحولات الدولية المتسارعة والجوهرية؟
فالعالم تُرسم خرائطه من جديد وأبناء الوطن العربي من عامة الناس هم الصاعق الأساسي في التغييرات الحاصلة بسبب المقاومة والممانعة والجهاد الذي يمارسونه، ولكن ذلك كله ورغم أهميته البالغة لا يجد له انعكاساً يليق به في سياسات العديد من دوله وأقطاره. ومع ذلك كله نرى بعض الأمل وبصيصاً من الضوء في آخر النفق تحاول بعض الدول العربية وفي طليعتها المملكة العربية السعودية استنباط بعض الخطوات التضامنية الرائدة في هذا السياق.
في البدء كانت (وثيقة مكة) لوقف نزيف الدم العراقي، ومن ثم جاء (اتفاق مكة) لوقف الاقتتال الفلسطيني العبثي، وكما تأملنا خيراً من الحدث الأول ولم يصمد طويلاً، نتأمل خيراً من الثاني ونأمل أن يصمد وينتج حلاً دائماً. فإننا كنا ولا نزال نأمل أن تبلور المساعي الحميدة التي تبذلها الرياض وطهران وجامعة الدول العربية حلاً مشرفاً للأزمة اللبنانية يعيد لبنان إلى دائرة عروبته ومقاومته وتوازنه الداخلي.
إن الذين يبحثون عن حلول سحرية وجذرية تشبه (المعجزة) لهذه الملفات المعقدة والمتشابكة بـ (فرمانات) وملكية أو جمهورية – لا فرق – يحلمون أحلاماً وردية في النهار، ويطلبون حلولاً (تعجيزية) في الواقع أكثر مما يبحثون عن حلول واقعية معقولة. ثم إن كل من يبحث في هذه اللحظة التاريخية المتشابكة عن حلول (أيديولوجية) أو (رؤيوية) أو (فقهية) أو (دعووية) لهذه الملفات السياسية الأمنية والعسكرية منه للإخلاص والإيمان أو العقل مهما كانت درجات علمه أو تقواه أو ورعه.
ليس صحيحاً أبداً أن مجرد اقتناع طهران ودمشق بحل ما لملف العراق يمكن وقف التقاتل العراقي الداخلي. تماماً كما أنه ليس صحيحاً أن مجرد توافق مصر وسوريا على توافق ما بشأن مستقبل التسوية الفلسطينية ينتج حلاً للتناحر الفلسطيني.
والشيء نفسه ينطبق على الحالة اللبنانية رغم اختلاف وضعها وخصوصياتها وعدم وقوعها بعد في فخ الاقتتال، ولكن ليس بالضرورة أبداً بفضل طهران والرياض أو أي عاصمة أخرى مهما علا شأنها أو كبر نفوذها أو صغر.
وبتقديري الشخصي المتواضع أن ما يجمع بين هذه الملفات الثلاثة السياسية والأمنية والاستراتيجية بامتياز نقطة واحدة يكمن فيها اتجاه الحل أو الفشل وما عدا ذلك يحسب في التفاصيل. والأمر يعود إلى أصحاب الدار قبل دول الجوار.
وهنالك في السياسة أمر مهم للغاية اسمه (تقدير الموقف) وأمر آخر لا يقل عنه أهمية اسمه (اتجاه البوصلة) في الصراعات.
وللعراق كانت تدور نقاشات موسعة في العاصمة الإيرانية داخل أوساط المعارضة العراقية (المفككة) والمتنازعة و(المتناحرة) أحياناً حول السبل الكفيلة للإطاحة بحكم صدام وما هي الأنجع أكثر من غيرها .. وفجأة ظهر في الأفق رجل سياسي محنك لكنه متهم بأنه (تاجر سياسة) استطاع من خلال علاقاته الوثيقة بدوائر الاستخبارات الأمريكية وغيرها أن يقنع دوائر العراقيين (المفككة) بأن الأمريكيين بصدد إحداث تغيير جذري في معادلة حكم العراق التاريخية، وأنهم مستعدون أن ينقلوا الحكم في بغداد من (السنية السياسية) إلى (الشيعية السياسية) ولكن بتحالفات وتحركات ومناورات و.. معقدة ومتشابكة للغاية. وكان يقول (كل ما أريده منكم إطلاق يدي في المناورة وأنا آتي لكم بالحل، ودخل الرجل على كل الدوائر التي تخطر على بال أحد).
لقد قلت يومها إنه يريد أن يلبس (عباءة) الشرعية الدينية (الشيعية) ولا غير، وبعد ذلك لن يهمه شيء آخر وفي نهاية المطاف عندما تتحقق المهمة سيقول: (لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل …). فمثله كثير يظهرون ويختفون في الأزمات والحروب، وهو قطعاً لم يكن العامل الوحيد فيما حصل بعد ذلك في العراق، والأمر يتعدى بعض رجال الدين في هذه الطائفة أو تلك أو في هذه القومية أو تلك .. ما أردته من استحضار هذه القصة هو ذلك الاعتقاد السائد الذي نشأ على قواعد ذلك الزيف والخداع الكبير من وجود أسلحة دمار شامل إلى … الاعتقاد الذي انقسم إلى قسمين قسم صار معتقداً اعتقاداً راسخاً بأن أمريكا قادمة إلى العراق (لإطفاء النيران) التي أشعلتها لعقود في الجسم العراقي لمصلحة لها تبدو أنها (متفقة) أو تتقاطع مع مصالحنا! والقسم الثاني وبسبب (عجزه التكويني) في صفوف المعارضة صار يقول إن ما صنعه الاستعمار من معادلة (كمبيوترية) معقدة في العراق لا يمكن لأحد تفكيكها وإعادة بنائها على أسس مختلفة سوى الاستعمار نفسه .. ومن ثم ندخل نحن على الخط لنقطف الثمار.
وهنا كانت المصيبة، وهنا أيضاً كان بيت القصيد، وهنا اشتبكنا مع (الإخوان) وقلنا لهم إن تقديركم للموقف خاطئ وخطير واتجاه البوصلة عندكم لن يؤدي إلى الفلاح بل إلى التجزئة والتفكيك وخسارة الموقف بالتأكيد.
وأضفنا إليهم أن أمريكا قادمة إلى المنطقة لتنقل الحرب من ديار الغرب الكبرى إلى ديار الشرق الصغرى، وأنها مصممة على إشعال عشرات الحرائق الصغرى فوق بلادنا وتفكيك كل شيء، وليس النظام الذي تقاتلون فقط!
ولم يكن وقتها قد حان الإعلان بعد عن (الشرق الأوسط لا الكبير ولا الموسع ولا الجديد) من قبل المحافظين الجدد، لكننا وبسبب التجربة الفلسطينية واللبنانية المليئة بالدروس والعبر استشرفنا المستقبل ولم يقتنع أحد من كبار الرموز المعنية بالملف العراقي (وناموا على بساط من حرير) إلى أن (استفاقوا) أخيراً أو هكذا أرادوا الإيحاء وربما لركوب موجة الوعي العربي الإسلامي العام فقالوا في دافوس أخيراً (لقد كان قرار غزو العراق قراراً أحمق أو أبله…) ولكن بعد فوات الأوان أو بعد خراب البصرة وبغداد والموصل والعراق للأسف الشديد!
واستحضرت هذه الحكاية في هذه اللحظة التاريخية باعتباري كنت (شاهداً على العصر) فيها في كثير من تفاصيل لا مجال لشرحها هنا وإنما فقط لأقول إن المشكلة الرئيسية في الملفات الثلاثة التي ابتدأنا بها المقال هي من صنع أهل البلد أنفسهم أولاً، وأن الحل الأمثل يكمن عندهم أيضاً، وأن نجاعة أي حل حتى لو أتى بمساعدة الجوار القريب أو البعيد لابد أن تكون مستندة إلى (تقدير صحيح) وسليم للموقف، وأن يكون اتجاه البوصلة أثناء خوض الصراعات صحيحاً، وأن المشكلة بالأساس سياسية بامتياز.
ولهذا فإن القيادة اللبنانية للمعارضة وبزعامة الأمين العام لحزب الله اللبناني وبعد الملحمة البطولية التي سطرتها على أرض المعركة الأصلية مع (الجيش الذي لا يقهر) والدولة العظمى التي لم يتجرأ أحد على رفض طلب لها، كان باستطاعتها بعد انتهاء المعارك العسكرية وبدء المعارك السياسية أن تحسم المعركة الثانية بـ 24 ساعة إن أرادت، ولكن بأي ثمن؟ حرب مذهبية ! تفكيك البلاد وتقسيمها! حرب أهلية..إلخ، ولذلك تراها صبرت وغطت على الجرح ولاتزال إلى حين حلول (تقدير الموقف الصحيح) إلخ هكذا يجب أن يرتقي أصحاب الشأن العراقي في الموقف، وهذا ما نتأمله من أخوتنا الفلسطينيين وهم أصحاب المدرسة الأولى، وكل اتفاق جديد في مكة وأنتم بألف خير .. (وأهل مكة أدرى بشعابها) بالتأكيد.
::/fulltext::
::cck::2718::/cck::
