الدور السعودي في إعادة ترتيب أوراق المنطقة
::cck::2717::/cck::
::introtext::
تم تمزيق الوطن العربي وفق (سايكس-بيكو)، وتشكيل دول عربية بعد الحرب العالمية الثانية، ولازمت هذا التمزيق هجمة أشد خطورة على الأمة العربية تعمد إلى إلغاء البعد القومي للأزمات التي تواجهها دول المنطقة، لأن البعد القومي أساس في فهم ومعالجة الأزمات المتلاحقة التي تصيب الأمة، بهدف إخفاء الهدف الحقيقي وراء هذه الهجمات، ألا وهو النفط الذي تعوم عليه دول الخليج، ولا يعني هذا النفط فقط، بل من أجل حرمان دول المنطقة من استخدامه في النهوض والتنمية، والهدف الآخر هو الهيمنة من أجل حرمان الأمم المنافسة مستقبلاً مثل الصين والهند من وضع يدها على أي من هذه المصادر.
::/introtext::
::fulltext::
تم تمزيق الوطن العربي وفق (سايكس-بيكو)، وتشكيل دول عربية بعد الحرب العالمية الثانية، ولازمت هذا التمزيق هجمة أشد خطورة على الأمة العربية تعمد إلى إلغاء البعد القومي للأزمات التي تواجهها دول المنطقة، لأن البعد القومي أساس في فهم ومعالجة الأزمات المتلاحقة التي تصيب الأمة، بهدف إخفاء الهدف الحقيقي وراء هذه الهجمات، ألا وهو النفط الذي تعوم عليه دول الخليج، ولا يعني هذا النفط فقط، بل من أجل حرمان دول المنطقة من استخدامه في النهوض والتنمية، والهدف الآخر هو الهيمنة من أجل حرمان الأمم المنافسة مستقبلاً مثل الصين والهند من وضع يدها على أي من هذه المصادر.
لقد كان غزو أمريكا للعراق من أجل تأجيج الصراع بين الأصوليتين الأصولية السنية والأصولية الشيعية، بل إن هذا الصراع لن يضر مصالح أمريكا في المنطقة. فالفتنة المذهبية التي ولّدها الاحتلال مكسب يحسب لصالح الطرف الأمريكي الذي دخل العراق في سياق الحرب المعلنة على الإرهاب، فتحولت الساحة العراقية إلى بؤرة استقطاب وتصدير لكل أشكال الإرهاب.
ومن يقرأ أدبيات المحافظين الجدد في أمريكا يجد أن تدخلهم في الساحة العراقية هو المشروع الأمثل لتغيير أوضاع المنطقة، واستندت هذه التصورات إلى بعض الأعمال الاستشراقية المؤدلجة أمثال (برنارد لويس)، كما لا يخفي كبار مثقفي الغرب أمثال الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو وفوكوياما صاحب نظرية (نهاية التاريخ) وغيرهما افتتانهم بالثورة الشيعية على اعتبار أنها أول ثورة دينية ديمقراطية منفتحة وذات قدرة على التجدد والنظرة الواسعة المتاحة للمرجعيات الدينية في تأويل النص وتطبيقه على الواقع ، فيسمى الإسلام الشيعي الثوري مقارنة بالإسلام السني الدوغمائي الذي يعتبر العدو الأكبر للمحافظين.
لكن سرعان ما تحولت إيران في الوعي الغربي إلى نموذج للدولة القمعية ذات الخط التقليدي المتشدد، وأصبحت تقود غلياناً سياسياً في المنطقة، وتسهم في تصعيده بنصيب وافر بعامل سياسي ذي طابع مذهبي.
وعلى مر التاريخ كان الصراع المذهبي وقوداً للصراعات السياسية . فالمعارك الكبرى بين علي ومعاوية رضوان الله عليهما هي معارك سياسية، وحتى اليوم تثور وتهدأ تبعاً لميزان القوى بين المذهبين السني والشيعي باعتبارهما أكبر مذهبين في العالم الإسلامي، فالسنة يمثلون نحو 90 في المائة والشيعة 9 في المائة وبقية المذاهب الأخرى واحداً في المائة. لذلك تحاول إيران تقوية المذهب الشيعي على حساب المذهب السني، ومن أكبر الأمثلة في تاريخ الإسلام الملحمة الكبرى التي حدثت بين العثمانيين والدولة الصفوية، التي حاول فيها مؤسس الدولة الصفوية الشاة إسماعيل الصفوي توسيع نفوذ دولته تحت شعار الطائفية الشيعية، وقمع السنة واستطاع نشر المذهب الشيعي في إيران وطمع في العراق بحجة السيطرة على العتبات الدينية، (وهو ما يحدث اليوم تماماً، ولكن هذه المرة تستثمر إيران الأخطاء الأمريكية)، وحاول بايزيد والد السلطان سليم الأول إقناع الشاة إسماعيل الصفوي بالتوقف عن التمدد وقمع السنة ونصحه بالرفق وعدم الاعتداء على السنة، ولكن ابنه سليم الأول حينما وجد أن الإمبراطورية الصفوية تتمدد وتشكل خطراً حقيقياً على الدولة العثمانية من خلال نشر الصيغة المتشددة من التشيع وتوفير أرضية ثقافية ملائمة لتمدد الدولة الصفوية اشتبك الطرفان في معركة (جالديران) سنة 1514 التي أوقفت المد الشيعي في حدوده الحالية في إيران.
وفي الوقت الحاضر سعت إيران إلى تكوين حلف في ظاهره مضاد للهيمنة والضغوط الأمريكية وفي باطنه امتداد للهيمنة الإيرانية في المنطقة. ورغم الحلف الإيراني-السوري الذي سعت إليه إيران، إلا أن الأولويات تتضارب بين إيران وسوريا. فسوريا ترى الملف النووي الإيراني لديها ثانوياً، وإيران ترى أن مسألة المحكمة الدولية قضية ثانوية لا تحتاج إلى التأزيم المتصاعد في لبنان، ولا تسبب كل هذا التوتر الذي تشهده المنطقة.
هذه المعطيات استفادت منها الدبلوماسية السعودية من أجل لعب دور أساسي في تفكيك هذا التحالف الإيراني المتعدد، وتقليص النفوذ الإيراني، ولكن من دون مواجهة عسكرية أو الانجرار والدخول في حلف مشترك مع أمريكا ضد إيران، وإنما عبر القيام بأدوار تكتيكية تستفيد من المعطيات الإقليمية والغطاء الدولي ومن مكانتها الاقتصادية والإسلامية والسياسية أيضاً.
إن نجاح الدبلوماسية السعودية في احتواء الأزمة الفلسطينية في لقاء مكة المكرمة جعل صحيفة الـ (واشنطن بوست) تقول في افتتاحية حول لقاء مكة إن الدبلوماسية السعودية تملأ فراغاً تخلفه إدارة بوش في الشرق الأوسط، وقالت الصحيفة مدى الخسارة التي منيت بها الولايات المتحدة كانت بسبب سياساتها المتصلبة ، وقاربت جهود الملك عبدالله بن عبدالعزيز في التوفيق بين الفصيلين الفلسطينيين، مقارنة بمساعي وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس لإجراء محادثات خاصة بين الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، واعتبرت أن الحوار الفلسطيني أهم بكثير فهو – أي الحوار – يمكن أن يقرر ما إذا كان من الممكن أن تكون راغبة وقادرة على التسوية مع إسرائيل أو ما اذا كانت المعارك بين الفصائل الفلسطينية ستتصاعد . واعتبرت الصحيفة نجاح لقاء مكة المكرمة الذي شارك فيه خالد مشعل المقيم في دمشق، وعرقل محاولات سابقة نحو اتفاق فلسطيني، وكيف تحسنت العلاقات السعودية-السورية، وتنتظر الرياض زيارة الرئيس بشار الأسد قريباً للمشاركة في مؤتمر القمة العربية التي تستضيفه المملكة.
كما أن الدبلوماسية السعودية رفضت مراراً الاستجابة للمطلب الأمريكي الدخول في مواجهة ضد إيران، فالعلاقة بين السعودية وإيران بدأت منذ عشر سنوات في إسلام آباد الباكستانية عندما فاجأ الملك عبدالله بن عبدالعزيز الجميع بمساندة المطلب الإيراني استضافة القمة الإسلامية في وجه المقاطعة الكبيرة لطهران.
ولم يستغرق الأمر أكثر من ساعة من الاتصالات الهاتفية بين الرياض وطهران وبيروت حتى توقفت المواجهة في لبنان التي حاصرت العاصمة بالحرائق والحواجز الترابية، وتحولت إلى مواجهات بالرصاص في أماكن متفرقة من بيروت.
وتتعامل السعودية مع إيران مخالفة النهج الأمريكي على اعتبار أن إيران دولة إسلامية، وليست دولة (عدوة)، فالسعوديون يتميزون بقدرتهم على الانضباط وعدم الانجراف وراء الأزمات، ولديهم مهارة الحساب السياسي التي تبقيهم دائماً خارج مرمى النيران من دون أن يكونوا بعيدين عنها أيضاً. وإن كانت حسابات إيران غير حساباتنا أو لا تتفق مع حساباتنا ولها مصالح إقليمية تتعارض مع مصالحنا كدولة إقليمية وهو أمر لا خلاف عليه، إلا أنه يمكن أن نتقاسم المصالح من دون استئثار طرف على آخر التي بسببها تبدأ الاشتباكات وتنفجر على أثرها الحروب الإقليمية.
وقد بدأت الاتصالات الدبلوماسية بين السعودية وإيران بزيارة لرئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى المملكة، وزار كذلك الأمير بندر بن سلطان طهران، واستقبل الملك عبدالله بن عبدالعزيز قادة حزب الله. وإذا كانت الدبلوماسية لم تحقق أو لم تحرز التقدم المطلوب، إلا أنها استطاعت تهدئة النزاعات.
فالمبادرات السعودية تدحض أساساً سياسة الإدارة الأمريكية المتمثلة في الفرز بين الأعداء والأصدقاء وخاصة أن الإدارة الأمريكية لا ترى أن التعامل والحوار مع خالد مشعل يؤديان إلى التسوية، ولكن السعودية خالفت هذا الاتجاه وهذه النظرة الخاصة بالإدارة الأمريكية، وانطلقت من مبدأ الإخوة الإسلامية والحاجة إلى الوحدة بين جميع الأشقاء مهما اختلفت توجهاتهم.
وتمكنت السعودية أيضاً بدبلوماسيتها الفطنة من إنقاذ اليمن من الابتزاز الإيراني، وقدمت له منحة الملك عبد الله البالغة مليار دولار، وحصل اليمن على أكثر من خمسين في المائة منها على شكل منح وقروض جعلت الرئيس علي عبد الله صالح أكثر انسجاماً مع الموقف الخليجي.
وتتعامل السعودية مع الملف النووي الإيراني على أن إسرائيل هي صاحبة الخطيئة الأصلية في ما يخص الأسلحة النووية، حسب تصريح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، حتى أصبحت إيران أكثر استعداداً لوقف التصعيد في المنطقة، وقال الأمير سعود الفيصل للصحيفة الألمانية في 8/2/ 2007 (إننا تحدثنا مع الإيرانيين وهم يحسون بالعزلة وعدم القدرة على لعب الدور الذي يشعرون بأنهم مخولون بالقيام به) وأضاف (لقد اقتربوا منا الآن وأفصحوا عن استعدادهم لتفادي أي تصعيد إضافي). وقال أيضاً (قلنا لهم إذا أردتم أن تكونوا قوة قيادية فيجب أن تحترموا الآخرين، ولا يمكنكم متابعة تنفيذ استراتيجيتكم بشكل حصري. إن امتلاك النوايا الطيبة غير كاف. يجب أن تظهروا بوضوح عبر السلوك الذي تتبعونه أنكم لا تحرضون على النزاع والشقاق بين السنة والشيعة).
فإذا كانت أمريكا تنظر إلى المنطقة بأنها مشكلة أمنية تحتاج إلى معالجة أمنية، فإن دول المنطقة وعلى الأخص السعودية ترى أن جو الخلاف سياسي وليس مذهبياً ودخول العامل الإيراني سياسياً وبقاعدة شيعية. ولذلك تسعى المملكة العربية السعودية إلى إيجاد قوة إقليمية متناغمة قادرة على التفاوض البيني بشكل منطقي وعقلاني من أجل جلب الاستقرار إلى المنطقة برمتها وتقليص النفوذ الأجنبي فيها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2717::/cck::
::introtext::
تم تمزيق الوطن العربي وفق (سايكس-بيكو)، وتشكيل دول عربية بعد الحرب العالمية الثانية، ولازمت هذا التمزيق هجمة أشد خطورة على الأمة العربية تعمد إلى إلغاء البعد القومي للأزمات التي تواجهها دول المنطقة، لأن البعد القومي أساس في فهم ومعالجة الأزمات المتلاحقة التي تصيب الأمة، بهدف إخفاء الهدف الحقيقي وراء هذه الهجمات، ألا وهو النفط الذي تعوم عليه دول الخليج، ولا يعني هذا النفط فقط، بل من أجل حرمان دول المنطقة من استخدامه في النهوض والتنمية، والهدف الآخر هو الهيمنة من أجل حرمان الأمم المنافسة مستقبلاً مثل الصين والهند من وضع يدها على أي من هذه المصادر.
::/introtext::
::fulltext::
تم تمزيق الوطن العربي وفق (سايكس-بيكو)، وتشكيل دول عربية بعد الحرب العالمية الثانية، ولازمت هذا التمزيق هجمة أشد خطورة على الأمة العربية تعمد إلى إلغاء البعد القومي للأزمات التي تواجهها دول المنطقة، لأن البعد القومي أساس في فهم ومعالجة الأزمات المتلاحقة التي تصيب الأمة، بهدف إخفاء الهدف الحقيقي وراء هذه الهجمات، ألا وهو النفط الذي تعوم عليه دول الخليج، ولا يعني هذا النفط فقط، بل من أجل حرمان دول المنطقة من استخدامه في النهوض والتنمية، والهدف الآخر هو الهيمنة من أجل حرمان الأمم المنافسة مستقبلاً مثل الصين والهند من وضع يدها على أي من هذه المصادر.
لقد كان غزو أمريكا للعراق من أجل تأجيج الصراع بين الأصوليتين الأصولية السنية والأصولية الشيعية، بل إن هذا الصراع لن يضر مصالح أمريكا في المنطقة. فالفتنة المذهبية التي ولّدها الاحتلال مكسب يحسب لصالح الطرف الأمريكي الذي دخل العراق في سياق الحرب المعلنة على الإرهاب، فتحولت الساحة العراقية إلى بؤرة استقطاب وتصدير لكل أشكال الإرهاب.
ومن يقرأ أدبيات المحافظين الجدد في أمريكا يجد أن تدخلهم في الساحة العراقية هو المشروع الأمثل لتغيير أوضاع المنطقة، واستندت هذه التصورات إلى بعض الأعمال الاستشراقية المؤدلجة أمثال (برنارد لويس)، كما لا يخفي كبار مثقفي الغرب أمثال الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو وفوكوياما صاحب نظرية (نهاية التاريخ) وغيرهما افتتانهم بالثورة الشيعية على اعتبار أنها أول ثورة دينية ديمقراطية منفتحة وذات قدرة على التجدد والنظرة الواسعة المتاحة للمرجعيات الدينية في تأويل النص وتطبيقه على الواقع ، فيسمى الإسلام الشيعي الثوري مقارنة بالإسلام السني الدوغمائي الذي يعتبر العدو الأكبر للمحافظين.
لكن سرعان ما تحولت إيران في الوعي الغربي إلى نموذج للدولة القمعية ذات الخط التقليدي المتشدد، وأصبحت تقود غلياناً سياسياً في المنطقة، وتسهم في تصعيده بنصيب وافر بعامل سياسي ذي طابع مذهبي.
وعلى مر التاريخ كان الصراع المذهبي وقوداً للصراعات السياسية . فالمعارك الكبرى بين علي ومعاوية رضوان الله عليهما هي معارك سياسية، وحتى اليوم تثور وتهدأ تبعاً لميزان القوى بين المذهبين السني والشيعي باعتبارهما أكبر مذهبين في العالم الإسلامي، فالسنة يمثلون نحو 90 في المائة والشيعة 9 في المائة وبقية المذاهب الأخرى واحداً في المائة. لذلك تحاول إيران تقوية المذهب الشيعي على حساب المذهب السني، ومن أكبر الأمثلة في تاريخ الإسلام الملحمة الكبرى التي حدثت بين العثمانيين والدولة الصفوية، التي حاول فيها مؤسس الدولة الصفوية الشاة إسماعيل الصفوي توسيع نفوذ دولته تحت شعار الطائفية الشيعية، وقمع السنة واستطاع نشر المذهب الشيعي في إيران وطمع في العراق بحجة السيطرة على العتبات الدينية، (وهو ما يحدث اليوم تماماً، ولكن هذه المرة تستثمر إيران الأخطاء الأمريكية)، وحاول بايزيد والد السلطان سليم الأول إقناع الشاة إسماعيل الصفوي بالتوقف عن التمدد وقمع السنة ونصحه بالرفق وعدم الاعتداء على السنة، ولكن ابنه سليم الأول حينما وجد أن الإمبراطورية الصفوية تتمدد وتشكل خطراً حقيقياً على الدولة العثمانية من خلال نشر الصيغة المتشددة من التشيع وتوفير أرضية ثقافية ملائمة لتمدد الدولة الصفوية اشتبك الطرفان في معركة (جالديران) سنة 1514 التي أوقفت المد الشيعي في حدوده الحالية في إيران.
وفي الوقت الحاضر سعت إيران إلى تكوين حلف في ظاهره مضاد للهيمنة والضغوط الأمريكية وفي باطنه امتداد للهيمنة الإيرانية في المنطقة. ورغم الحلف الإيراني-السوري الذي سعت إليه إيران، إلا أن الأولويات تتضارب بين إيران وسوريا. فسوريا ترى الملف النووي الإيراني لديها ثانوياً، وإيران ترى أن مسألة المحكمة الدولية قضية ثانوية لا تحتاج إلى التأزيم المتصاعد في لبنان، ولا تسبب كل هذا التوتر الذي تشهده المنطقة.
هذه المعطيات استفادت منها الدبلوماسية السعودية من أجل لعب دور أساسي في تفكيك هذا التحالف الإيراني المتعدد، وتقليص النفوذ الإيراني، ولكن من دون مواجهة عسكرية أو الانجرار والدخول في حلف مشترك مع أمريكا ضد إيران، وإنما عبر القيام بأدوار تكتيكية تستفيد من المعطيات الإقليمية والغطاء الدولي ومن مكانتها الاقتصادية والإسلامية والسياسية أيضاً.
إن نجاح الدبلوماسية السعودية في احتواء الأزمة الفلسطينية في لقاء مكة المكرمة جعل صحيفة الـ (واشنطن بوست) تقول في افتتاحية حول لقاء مكة إن الدبلوماسية السعودية تملأ فراغاً تخلفه إدارة بوش في الشرق الأوسط، وقالت الصحيفة مدى الخسارة التي منيت بها الولايات المتحدة كانت بسبب سياساتها المتصلبة ، وقاربت جهود الملك عبدالله بن عبدالعزيز في التوفيق بين الفصيلين الفلسطينيين، مقارنة بمساعي وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس لإجراء محادثات خاصة بين الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، واعتبرت أن الحوار الفلسطيني أهم بكثير فهو – أي الحوار – يمكن أن يقرر ما إذا كان من الممكن أن تكون راغبة وقادرة على التسوية مع إسرائيل أو ما اذا كانت المعارك بين الفصائل الفلسطينية ستتصاعد . واعتبرت الصحيفة نجاح لقاء مكة المكرمة الذي شارك فيه خالد مشعل المقيم في دمشق، وعرقل محاولات سابقة نحو اتفاق فلسطيني، وكيف تحسنت العلاقات السعودية-السورية، وتنتظر الرياض زيارة الرئيس بشار الأسد قريباً للمشاركة في مؤتمر القمة العربية التي تستضيفه المملكة.
كما أن الدبلوماسية السعودية رفضت مراراً الاستجابة للمطلب الأمريكي الدخول في مواجهة ضد إيران، فالعلاقة بين السعودية وإيران بدأت منذ عشر سنوات في إسلام آباد الباكستانية عندما فاجأ الملك عبدالله بن عبدالعزيز الجميع بمساندة المطلب الإيراني استضافة القمة الإسلامية في وجه المقاطعة الكبيرة لطهران.
ولم يستغرق الأمر أكثر من ساعة من الاتصالات الهاتفية بين الرياض وطهران وبيروت حتى توقفت المواجهة في لبنان التي حاصرت العاصمة بالحرائق والحواجز الترابية، وتحولت إلى مواجهات بالرصاص في أماكن متفرقة من بيروت.
وتتعامل السعودية مع إيران مخالفة النهج الأمريكي على اعتبار أن إيران دولة إسلامية، وليست دولة (عدوة)، فالسعوديون يتميزون بقدرتهم على الانضباط وعدم الانجراف وراء الأزمات، ولديهم مهارة الحساب السياسي التي تبقيهم دائماً خارج مرمى النيران من دون أن يكونوا بعيدين عنها أيضاً. وإن كانت حسابات إيران غير حساباتنا أو لا تتفق مع حساباتنا ولها مصالح إقليمية تتعارض مع مصالحنا كدولة إقليمية وهو أمر لا خلاف عليه، إلا أنه يمكن أن نتقاسم المصالح من دون استئثار طرف على آخر التي بسببها تبدأ الاشتباكات وتنفجر على أثرها الحروب الإقليمية.
وقد بدأت الاتصالات الدبلوماسية بين السعودية وإيران بزيارة لرئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى المملكة، وزار كذلك الأمير بندر بن سلطان طهران، واستقبل الملك عبدالله بن عبدالعزيز قادة حزب الله. وإذا كانت الدبلوماسية لم تحقق أو لم تحرز التقدم المطلوب، إلا أنها استطاعت تهدئة النزاعات.
فالمبادرات السعودية تدحض أساساً سياسة الإدارة الأمريكية المتمثلة في الفرز بين الأعداء والأصدقاء وخاصة أن الإدارة الأمريكية لا ترى أن التعامل والحوار مع خالد مشعل يؤديان إلى التسوية، ولكن السعودية خالفت هذا الاتجاه وهذه النظرة الخاصة بالإدارة الأمريكية، وانطلقت من مبدأ الإخوة الإسلامية والحاجة إلى الوحدة بين جميع الأشقاء مهما اختلفت توجهاتهم.
وتمكنت السعودية أيضاً بدبلوماسيتها الفطنة من إنقاذ اليمن من الابتزاز الإيراني، وقدمت له منحة الملك عبد الله البالغة مليار دولار، وحصل اليمن على أكثر من خمسين في المائة منها على شكل منح وقروض جعلت الرئيس علي عبد الله صالح أكثر انسجاماً مع الموقف الخليجي.
وتتعامل السعودية مع الملف النووي الإيراني على أن إسرائيل هي صاحبة الخطيئة الأصلية في ما يخص الأسلحة النووية، حسب تصريح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، حتى أصبحت إيران أكثر استعداداً لوقف التصعيد في المنطقة، وقال الأمير سعود الفيصل للصحيفة الألمانية في 8/2/ 2007 (إننا تحدثنا مع الإيرانيين وهم يحسون بالعزلة وعدم القدرة على لعب الدور الذي يشعرون بأنهم مخولون بالقيام به) وأضاف (لقد اقتربوا منا الآن وأفصحوا عن استعدادهم لتفادي أي تصعيد إضافي). وقال أيضاً (قلنا لهم إذا أردتم أن تكونوا قوة قيادية فيجب أن تحترموا الآخرين، ولا يمكنكم متابعة تنفيذ استراتيجيتكم بشكل حصري. إن امتلاك النوايا الطيبة غير كاف. يجب أن تظهروا بوضوح عبر السلوك الذي تتبعونه أنكم لا تحرضون على النزاع والشقاق بين السنة والشيعة).
فإذا كانت أمريكا تنظر إلى المنطقة بأنها مشكلة أمنية تحتاج إلى معالجة أمنية، فإن دول المنطقة وعلى الأخص السعودية ترى أن جو الخلاف سياسي وليس مذهبياً ودخول العامل الإيراني سياسياً وبقاعدة شيعية. ولذلك تسعى المملكة العربية السعودية إلى إيجاد قوة إقليمية متناغمة قادرة على التفاوض البيني بشكل منطقي وعقلاني من أجل جلب الاستقرار إلى المنطقة برمتها وتقليص النفوذ الأجنبي فيها.
::/fulltext::
::cck::2717::/cck::
