قنواتنا الفضائية وصياغة الوعي السياسي والاجتماعي
::cck::2698::/cck::
::introtext::
ندلف إلى العام السابع عشر من عمر البث الفضائي في عالمنا العربي ونحن بين مؤمن بأهمية تلك القنوات في صياغة وعي سياسي واقتصادي واجتماعي حقيقي، وزاعم بأن كل الذي أحدثته إنما هو تغيير سطحي لا يعول عليه في مفهوم تنمية الوعي الإنساني.
::/introtext::
::fulltext::
ندلف إلى العام السابع عشر من عمر البث الفضائي في عالمنا العربي ونحن بين مؤمن بأهمية تلك القنوات في صياغة وعي سياسي واقتصادي واجتماعي حقيقي، وزاعم بأن كل الذي أحدثته إنما هو تغيير سطحي لا يعول عليه في مفهوم تنمية الوعي الإنساني. ومن المهم التأكيد على أن الوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي هو الخطوة الأولى في التعرف إلى أفكار وآراء جديدة لم يكن لنا علم بها من قبل.
لذلك فإننا نجزم بأن القنوات الفضائية أسهمت بشكل كبير على مستوى المعرفة في صياغة تغيير سياسي واجتماعي واقتصادي في مجتمعاتنا العربية عموماً والخليجية على وجه التحديد، لكن المرحلة الثانية في هذه العملية وهي تكوين رأي واتخاذ مواقف وتغيير سلوك في عملية تسمى بناء الوعي تتطلب إخضاع أثر القنوات الفضائية في المجتمعات الخليجية إلى دراسات ميدانية دقيقة. ومن البدهي القول إنه على مستوى المعرفة نشرت القنوات الفضائية وروجت لمصطلحات ومفاهيم كثيرة مثل: المشاركة في صناعة القرار، والمحاسبة والفساد الإداري، والانتخابات بأنواعها، وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني ومراكز الدراسات وجماعات الضغط والشفافية والمحاسبة والسوق الاقتصادية الحرة وانتقال رأس المال وغسل الأموال وحقوق المرأة والطفولة والعنف الأسري وحقوق المتهمين ومناهضة التعذيب في السجون إلى غير ذلك مما لم يكن متداولاً على نطاق واسع. كما أن قنوات فضائية خليجية زفت لنا وجوه المسؤولين والمحللين الإسرائيليين فألفنا طلعاتهم البهية عبر (قناة الجزيرة) بداية وفي هذا تطور دراماتيكي مهول جعل إسرائيل تبدو أكثر قرباً لنا، وأصبحت ديمقراطيتها أنموذجاً يحلم به بعض العرب. لقد وجد المعارضون السياسيون منابر يتحدثون عليها من قنوات فضائية بعضها خاص وبعضها حكومي كجزء من إعادة توجيه الإعلام تحت بند حرية الممارسة الإعلامية في استخدام واضح للبث الفضائي في تصفية الحسابات بين الجيران والأشقاء والأخوة الألداء.
لقد وحدت القنوات الفضائية الشعور العربي تجاه قضايا وأحداث ومناسبات معينة من خلال تهييج الرأي العام، وفي الوقت ذاته مزقته حول قضايا أخرى وعملت على نبش الماضي والحاضر بغرض تشويه أجزاء وأشخاص في النظام العربي لصالح أجزاء وأشخاص آخرين في النظام نفسه. وبحسب الدكتورة نعومي صقر فإن القنوات الفضائية أحدثت تغييراً سطحياً على مستوى السياسات والاستراتيجيات وربما لم يكن أصلاً من أهدافها التوسع بإخلاص في هذا التوجه لأن الإصلاح سيعني بكل تأكيد التوقف عند تمويل وأهداف ومهنية تلك الوسائل.
لقد كانت الدول من خلال المثقفين والعلماء والباحثين تخطط لأي تغيير مجتمعي وتعمل على حدوثه بشكل متدرج، وكانت السلطات الحاكمة تملك النهائي والوحيد في الموضوع، غير أن دخول البث الفضائي إلى حلبة السباق أتاح الفرصة لأصوات لا ترضى عنها الحكومات كي ترسل رسائلها في خطاب مباشر للجمهور المحلي فيما يعتقد أنه اختراق لحاجز السيادة الوطنية وتجاوز لسيطرة الدول وتحكمها بالمعلومة. لكن الباحث المتابع يدرك حقيقة أخرى وهي أن بعض هذا البث الفضائي وخصوصاً القنوات ذات الانتشار الجماهيري الكبير يملكها رجال أعمال قريبون جداً للسلطات الحاكمة في دول الخليج ما يعني أن توظيف القنوات الفضائية وفق استراتيجية إصلاح وتغيير طويلة المدى بناء على حاجات تنموية محلية أو تحت ضغوط نخبوية أو دولية هو توافق يحقق مصالح جميع الأطراف. لكن أثر القنوات الفضائية بما في ذلك الموالية والتي تسير وفق رؤية الأجهزة الرسمية كانت له نتائج سلبية أو غير محسوبة، وهو ما أدى إلى تغييرات مجتمعية سريعة كانت ضريبتها كبيرة على عاتق أنظمة إدارية وسياسية واجتماعية لم تستجب بسرعة وفاعلية للتجربة العالمية التي تعرضها القنوات الفضائية في التنمية والفكر والسياسة والاقتصاد والإدارة وهو ما صنع تطلعات شعبية اصطدمت بمرارة الواقع، ما أدى إلى حالة استنكار صامتة من قبل المجتمع الذي يتعرض إلى أنماط مكثفة وموجهة من الرسائل التي تدفعه باتجاه النقمة على واقعه، وهذه النقمة قد تلبس حلة مسالمة إلى حين.
ويتذكر من عايشوا بداية البث الفضائي إبان حرب الخليج الثانية كيف تابع المشاهدون الخليجيون الانتخابات الأمريكية سنة 1992م وخروج بعض المشجعين للحزب الجمهوري إلى الشوارع يحملون العلم الأمريكي وصور الرئيس بوش الأب، ما أثار حفيظة بعض المسؤولين المحليين، ومنذ ذلك الحين ونحن نشاهد الحملات الانتخابية النيابية والرئاسية في دول أقل تعليماً وإمكانات من دول الخليج، وآخرها بالتأكيد الانتخابات الرئاسية في موريتانيا، وهو ما يثير أسئلة لصالح وضد القنوات الفضائية، فمن جانب نجح بعضها في تحويل تلك الأحداث السياسية والمناسبات إلى مشاهد ترفيهية على الطريقة الأمريكية مع تحييد تام لكل ما يثير الرأي العام نحو توقع خطوات محلية في الاتجاه نفسه، ومن جانب آخر وظفت قنوات فضائية تلك الانتخابات في متلازمة جلد الذات وتعميق الفجوة بين القيادات والشعوب.
إن استثمار عشق العرب لجلد الذات والشعور بالاضطهاد والظلم وبعث المشاعر السلبية أدى إلى (تطبير) اجتماعي من نوع جديد يتوقف بنا عند حدود المتعة الاستثنائية بالألم، واستغلال قنوات فضائية لهذه المشاعر زاد من رصيد مشاهدتها وولدت منه مادة مثيرة وجاذبة للجماهير في خطاب شعبوي يهيج المشاعر ويثير العامة ويفجر العلاقة بين السلطات الحاكمة وشعوبها في تبادل صريح للتهم وتأكيد على مسؤولية الحكومات في الحالة المأساوية التي تعيشها بلاد العرب.وبعيداً عن السياسة فإن التغيير على الصعيد الاجتماعي كان مهولاً في بيئتنا الخليجية رغم تباين في وجهات النظر حول تأثير البث الفضائي على الهوية وتهديده القيم الاجتماعية ومدى سلبية هذا الغزو الثقافي الفضائي من عدمه، إذ يرى 75 في المائة من البالغين العرب أن الغزو الفضائي يهدد الهوية وله أثر سلبي في مجتمعنا المشرقي، ويرى 49 في المائة من اللبنانيين، و42 في المائة من الأردنيين و25 في المائة من السعوديين و21 في المائة من الكويتيين أن هناك تأثيراً سلبياً للفضاء والغزو الثقافي على القيم والهوية العربية، كما أشارت إلى ذلك الأستاذة ليلى الأطرش في ورقة عمل لها عن تأثير البث الفضائي. لكن الشباب الذين يمثلون ما يصل إلى 80 في المائة من سكان بعض الأقطار العربية لا يوافقون على هذا القلق الذي يثيره الكبار، فهم يرون أن هناك غزواً ثقافياً، لكنه ليس بالضرورة سلبياً في كل جوانبه وفقاً للمصدر نفسه.
وأيا كان منطوق الأرقام فإن مقارنة بسيطة بين واقعنا الاجتماعي بمفهومه الواسع اليوم وما كان عليه قبل أقل من عقدين من الزمن تثبت حجم التغير السلبي والإيجابي، وأفترض شخصياً أن القنوات الفضائية لعبت دور البطولة في هذا التغيير، فلقد أدت الفضائيات دوراً مهماً في كسر احتكار الإعلام الحكومي للمعلومة، وكرست الدول في العصور التي سبقت البث الفضائي سياسات حجب وصول المعلومة والتحكم بمحتواها، وإعادة توجيهها بما يخدم سياستها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، إدراكاً منها لأهمية المعلومة وخطورتها في الوقت نفسه، ولذلك انتشرت عادة متابعة وسائل إعلامية أجنبية مثل هيئة الإذاعة البريطانية وغدت معه تلك الإذاعة مصدر المعلومة عن منطقتنا حتى للأميين الذين يتابعونها. لكن دخول قنوات فضائية جديدة أدى إلى انصراف المشاهدين عن القنوات الرسمية انصرافاً بائناً، فقد أتيحت لهم مصادر للترفيه والأخبار مبهرة في الشكل ممتعة في المحتوى والمعالجة، وبقدر ما أحدثته قناة مثل (إم بي سي) من جذب كبير للمشاهدين بقدر ما واجهت نقداً لاذعاً وحجباً رسمياً أو اجتماعياً تحت مظلة الدين والأخلاق.
إن التأثير الشعوري الذي جمع العرب في المشرق والمغرب والمهجر حول صندوق يتحدث بلسان عربي فصيح ويناقش قضايا ذات هم للجميع لم يبرهن أحد على أنه أحدث تأثيرات اجتماعية إيجابية داعمة للتنمية في مجالاتها الواسعة سواء على المستوى الفكري أو الثقافي أو العادات والتقاليد، بل على العكس قد يتحدث البعض عن تأثيرات سلبية سببها فتنة الإعلام الفضائي العربي بالثقافة الغربية والعمل على تمريرها إلى المتلقي العربي أمياً ومتعلماً وتسهيل هضمها بعد أن أزيل حاجز اللغة عن محتواها.
وأدى هذا التكثيف في برامج ترفيهية معينة إلى تراجع ملحوظ لحساسية الناس تجاه التابوهات التي كانت تحكم العقلية الجمعية العربية والمسلمة، وتراجعت حساسية الناس تجاه الحلال والحرام وبدأ المشاهدون يبحثون عن آراء خارج نطاق المذهبية والمدارس الفقهية التي تأسر الناس على رأي واحد وتقمع أي تطلع نحو اجتهادات علماء آخرين تحت مطرقة سد الذرائع.
فالاختلاط على سبيل المثال لم يعد يشكل هماً كبيراً للمشاهدين عندما يرون رجلاً وامرأة يتحاوران على شاشة التلفزيون السعودي أو امرأة تقرأ الأخبار في قناة (الإخبارية) وهو ما كان إلى سنوات قليلة مضت من المحرمات التي لا يجرؤ الناس على مجرد التفكير فيها. وخرجت المرأة السعودية والخليجية بفضل القنوات الفضائية باحثة ومفكرة وصحفية ومراسلة وسيدة أعمال في مواقف يثير معظمها الاعتزاز بقدرات المرأة عندما تجد الفرصة مواتية للتعبير عن طاقاتها الإبداعية، لكن ذلك طرح أسئلة عديدة عن المسوغ الشرعي لكثير من التغيرات المجتمعية في ظل صمت من الهيئات الشرعية الرسمية وأصوات مرتفعة من فئات متدينة غير ذات صفة رسمية، ما أوجد تيارات عدة في المجتمع الواحد لم تكن معروفة من قبل.
وفي مقابل بروز نماذج نسائية رائعة مثلت القنوات الفضائية أكبر عامل، وأخطره في تهميش المرأة و(حيونتها) وتحويلها إلى عنصر مفجر للغرائز من خلال الفيديو كليب والفن الرخيص الذي أسهم في ظهور فجوة بين واقع المرأة التي تعاني في الحصول على أبسط حقوقها وبين امرأة مبتذلة سطحية في عالم تخيلي لا وجود له على أرض الواقع، وهو الذي أسهم بقدر ما في ظهور جرائم الخطف والاغتصاب والتفسخ الأخلاقي لأن الشباب يدفعون دفعاً نحو الرذيلة، كما أن القنوات الفضائية أسهمت في إعادة صياغة النموذج خاصة في شقه الأنثوي، وفرضت على المشاهد نساء كل مقوماتهن أنهن غردن خارج السرب فتحولن إلى بطلات البرامج الجماهيرية إعداداً وتقديماً رغم المضامين الضحلة التي يصببنها في آذان المشاهدين.
إن تحول كثير من القنوات الفضائية الممولة خليجياً إلى نواد ليلية محمولة فضائياً هو -من وجهة نظري الشخصية- إجراء يتعارض مع متطلبات التنمية في بلدان نامية تحتاج إلى الجدية في البناء أكثر من حاجتها إلى الترفيه المبتذل، وأثبتت القنوات الفضائية أننا قوم لا توسط بيننا رغم ادعاء الوسطية.
وأخيراً إن غياب مراكز المجتمع المدني التي تراقب البث الفضائي وتوجهه ضمن أطر وقيم وحاجات وخصوصيات سيؤخر إلى حد بعيد الجزم بإسهام القنوات الفضائية في صياغة وعي سياسي واجتماعي واقتصادي حقيقي ومناسب.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2698::/cck::
::introtext::
ندلف إلى العام السابع عشر من عمر البث الفضائي في عالمنا العربي ونحن بين مؤمن بأهمية تلك القنوات في صياغة وعي سياسي واقتصادي واجتماعي حقيقي، وزاعم بأن كل الذي أحدثته إنما هو تغيير سطحي لا يعول عليه في مفهوم تنمية الوعي الإنساني.
::/introtext::
::fulltext::
ندلف إلى العام السابع عشر من عمر البث الفضائي في عالمنا العربي ونحن بين مؤمن بأهمية تلك القنوات في صياغة وعي سياسي واقتصادي واجتماعي حقيقي، وزاعم بأن كل الذي أحدثته إنما هو تغيير سطحي لا يعول عليه في مفهوم تنمية الوعي الإنساني. ومن المهم التأكيد على أن الوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي هو الخطوة الأولى في التعرف إلى أفكار وآراء جديدة لم يكن لنا علم بها من قبل.
لذلك فإننا نجزم بأن القنوات الفضائية أسهمت بشكل كبير على مستوى المعرفة في صياغة تغيير سياسي واجتماعي واقتصادي في مجتمعاتنا العربية عموماً والخليجية على وجه التحديد، لكن المرحلة الثانية في هذه العملية وهي تكوين رأي واتخاذ مواقف وتغيير سلوك في عملية تسمى بناء الوعي تتطلب إخضاع أثر القنوات الفضائية في المجتمعات الخليجية إلى دراسات ميدانية دقيقة. ومن البدهي القول إنه على مستوى المعرفة نشرت القنوات الفضائية وروجت لمصطلحات ومفاهيم كثيرة مثل: المشاركة في صناعة القرار، والمحاسبة والفساد الإداري، والانتخابات بأنواعها، وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني ومراكز الدراسات وجماعات الضغط والشفافية والمحاسبة والسوق الاقتصادية الحرة وانتقال رأس المال وغسل الأموال وحقوق المرأة والطفولة والعنف الأسري وحقوق المتهمين ومناهضة التعذيب في السجون إلى غير ذلك مما لم يكن متداولاً على نطاق واسع. كما أن قنوات فضائية خليجية زفت لنا وجوه المسؤولين والمحللين الإسرائيليين فألفنا طلعاتهم البهية عبر (قناة الجزيرة) بداية وفي هذا تطور دراماتيكي مهول جعل إسرائيل تبدو أكثر قرباً لنا، وأصبحت ديمقراطيتها أنموذجاً يحلم به بعض العرب. لقد وجد المعارضون السياسيون منابر يتحدثون عليها من قنوات فضائية بعضها خاص وبعضها حكومي كجزء من إعادة توجيه الإعلام تحت بند حرية الممارسة الإعلامية في استخدام واضح للبث الفضائي في تصفية الحسابات بين الجيران والأشقاء والأخوة الألداء.
لقد وحدت القنوات الفضائية الشعور العربي تجاه قضايا وأحداث ومناسبات معينة من خلال تهييج الرأي العام، وفي الوقت ذاته مزقته حول قضايا أخرى وعملت على نبش الماضي والحاضر بغرض تشويه أجزاء وأشخاص في النظام العربي لصالح أجزاء وأشخاص آخرين في النظام نفسه. وبحسب الدكتورة نعومي صقر فإن القنوات الفضائية أحدثت تغييراً سطحياً على مستوى السياسات والاستراتيجيات وربما لم يكن أصلاً من أهدافها التوسع بإخلاص في هذا التوجه لأن الإصلاح سيعني بكل تأكيد التوقف عند تمويل وأهداف ومهنية تلك الوسائل.
لقد كانت الدول من خلال المثقفين والعلماء والباحثين تخطط لأي تغيير مجتمعي وتعمل على حدوثه بشكل متدرج، وكانت السلطات الحاكمة تملك النهائي والوحيد في الموضوع، غير أن دخول البث الفضائي إلى حلبة السباق أتاح الفرصة لأصوات لا ترضى عنها الحكومات كي ترسل رسائلها في خطاب مباشر للجمهور المحلي فيما يعتقد أنه اختراق لحاجز السيادة الوطنية وتجاوز لسيطرة الدول وتحكمها بالمعلومة. لكن الباحث المتابع يدرك حقيقة أخرى وهي أن بعض هذا البث الفضائي وخصوصاً القنوات ذات الانتشار الجماهيري الكبير يملكها رجال أعمال قريبون جداً للسلطات الحاكمة في دول الخليج ما يعني أن توظيف القنوات الفضائية وفق استراتيجية إصلاح وتغيير طويلة المدى بناء على حاجات تنموية محلية أو تحت ضغوط نخبوية أو دولية هو توافق يحقق مصالح جميع الأطراف. لكن أثر القنوات الفضائية بما في ذلك الموالية والتي تسير وفق رؤية الأجهزة الرسمية كانت له نتائج سلبية أو غير محسوبة، وهو ما أدى إلى تغييرات مجتمعية سريعة كانت ضريبتها كبيرة على عاتق أنظمة إدارية وسياسية واجتماعية لم تستجب بسرعة وفاعلية للتجربة العالمية التي تعرضها القنوات الفضائية في التنمية والفكر والسياسة والاقتصاد والإدارة وهو ما صنع تطلعات شعبية اصطدمت بمرارة الواقع، ما أدى إلى حالة استنكار صامتة من قبل المجتمع الذي يتعرض إلى أنماط مكثفة وموجهة من الرسائل التي تدفعه باتجاه النقمة على واقعه، وهذه النقمة قد تلبس حلة مسالمة إلى حين.
ويتذكر من عايشوا بداية البث الفضائي إبان حرب الخليج الثانية كيف تابع المشاهدون الخليجيون الانتخابات الأمريكية سنة 1992م وخروج بعض المشجعين للحزب الجمهوري إلى الشوارع يحملون العلم الأمريكي وصور الرئيس بوش الأب، ما أثار حفيظة بعض المسؤولين المحليين، ومنذ ذلك الحين ونحن نشاهد الحملات الانتخابية النيابية والرئاسية في دول أقل تعليماً وإمكانات من دول الخليج، وآخرها بالتأكيد الانتخابات الرئاسية في موريتانيا، وهو ما يثير أسئلة لصالح وضد القنوات الفضائية، فمن جانب نجح بعضها في تحويل تلك الأحداث السياسية والمناسبات إلى مشاهد ترفيهية على الطريقة الأمريكية مع تحييد تام لكل ما يثير الرأي العام نحو توقع خطوات محلية في الاتجاه نفسه، ومن جانب آخر وظفت قنوات فضائية تلك الانتخابات في متلازمة جلد الذات وتعميق الفجوة بين القيادات والشعوب.
إن استثمار عشق العرب لجلد الذات والشعور بالاضطهاد والظلم وبعث المشاعر السلبية أدى إلى (تطبير) اجتماعي من نوع جديد يتوقف بنا عند حدود المتعة الاستثنائية بالألم، واستغلال قنوات فضائية لهذه المشاعر زاد من رصيد مشاهدتها وولدت منه مادة مثيرة وجاذبة للجماهير في خطاب شعبوي يهيج المشاعر ويثير العامة ويفجر العلاقة بين السلطات الحاكمة وشعوبها في تبادل صريح للتهم وتأكيد على مسؤولية الحكومات في الحالة المأساوية التي تعيشها بلاد العرب.وبعيداً عن السياسة فإن التغيير على الصعيد الاجتماعي كان مهولاً في بيئتنا الخليجية رغم تباين في وجهات النظر حول تأثير البث الفضائي على الهوية وتهديده القيم الاجتماعية ومدى سلبية هذا الغزو الثقافي الفضائي من عدمه، إذ يرى 75 في المائة من البالغين العرب أن الغزو الفضائي يهدد الهوية وله أثر سلبي في مجتمعنا المشرقي، ويرى 49 في المائة من اللبنانيين، و42 في المائة من الأردنيين و25 في المائة من السعوديين و21 في المائة من الكويتيين أن هناك تأثيراً سلبياً للفضاء والغزو الثقافي على القيم والهوية العربية، كما أشارت إلى ذلك الأستاذة ليلى الأطرش في ورقة عمل لها عن تأثير البث الفضائي. لكن الشباب الذين يمثلون ما يصل إلى 80 في المائة من سكان بعض الأقطار العربية لا يوافقون على هذا القلق الذي يثيره الكبار، فهم يرون أن هناك غزواً ثقافياً، لكنه ليس بالضرورة سلبياً في كل جوانبه وفقاً للمصدر نفسه.
وأيا كان منطوق الأرقام فإن مقارنة بسيطة بين واقعنا الاجتماعي بمفهومه الواسع اليوم وما كان عليه قبل أقل من عقدين من الزمن تثبت حجم التغير السلبي والإيجابي، وأفترض شخصياً أن القنوات الفضائية لعبت دور البطولة في هذا التغيير، فلقد أدت الفضائيات دوراً مهماً في كسر احتكار الإعلام الحكومي للمعلومة، وكرست الدول في العصور التي سبقت البث الفضائي سياسات حجب وصول المعلومة والتحكم بمحتواها، وإعادة توجيهها بما يخدم سياستها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، إدراكاً منها لأهمية المعلومة وخطورتها في الوقت نفسه، ولذلك انتشرت عادة متابعة وسائل إعلامية أجنبية مثل هيئة الإذاعة البريطانية وغدت معه تلك الإذاعة مصدر المعلومة عن منطقتنا حتى للأميين الذين يتابعونها. لكن دخول قنوات فضائية جديدة أدى إلى انصراف المشاهدين عن القنوات الرسمية انصرافاً بائناً، فقد أتيحت لهم مصادر للترفيه والأخبار مبهرة في الشكل ممتعة في المحتوى والمعالجة، وبقدر ما أحدثته قناة مثل (إم بي سي) من جذب كبير للمشاهدين بقدر ما واجهت نقداً لاذعاً وحجباً رسمياً أو اجتماعياً تحت مظلة الدين والأخلاق.
إن التأثير الشعوري الذي جمع العرب في المشرق والمغرب والمهجر حول صندوق يتحدث بلسان عربي فصيح ويناقش قضايا ذات هم للجميع لم يبرهن أحد على أنه أحدث تأثيرات اجتماعية إيجابية داعمة للتنمية في مجالاتها الواسعة سواء على المستوى الفكري أو الثقافي أو العادات والتقاليد، بل على العكس قد يتحدث البعض عن تأثيرات سلبية سببها فتنة الإعلام الفضائي العربي بالثقافة الغربية والعمل على تمريرها إلى المتلقي العربي أمياً ومتعلماً وتسهيل هضمها بعد أن أزيل حاجز اللغة عن محتواها.
وأدى هذا التكثيف في برامج ترفيهية معينة إلى تراجع ملحوظ لحساسية الناس تجاه التابوهات التي كانت تحكم العقلية الجمعية العربية والمسلمة، وتراجعت حساسية الناس تجاه الحلال والحرام وبدأ المشاهدون يبحثون عن آراء خارج نطاق المذهبية والمدارس الفقهية التي تأسر الناس على رأي واحد وتقمع أي تطلع نحو اجتهادات علماء آخرين تحت مطرقة سد الذرائع.
فالاختلاط على سبيل المثال لم يعد يشكل هماً كبيراً للمشاهدين عندما يرون رجلاً وامرأة يتحاوران على شاشة التلفزيون السعودي أو امرأة تقرأ الأخبار في قناة (الإخبارية) وهو ما كان إلى سنوات قليلة مضت من المحرمات التي لا يجرؤ الناس على مجرد التفكير فيها. وخرجت المرأة السعودية والخليجية بفضل القنوات الفضائية باحثة ومفكرة وصحفية ومراسلة وسيدة أعمال في مواقف يثير معظمها الاعتزاز بقدرات المرأة عندما تجد الفرصة مواتية للتعبير عن طاقاتها الإبداعية، لكن ذلك طرح أسئلة عديدة عن المسوغ الشرعي لكثير من التغيرات المجتمعية في ظل صمت من الهيئات الشرعية الرسمية وأصوات مرتفعة من فئات متدينة غير ذات صفة رسمية، ما أوجد تيارات عدة في المجتمع الواحد لم تكن معروفة من قبل.
وفي مقابل بروز نماذج نسائية رائعة مثلت القنوات الفضائية أكبر عامل، وأخطره في تهميش المرأة و(حيونتها) وتحويلها إلى عنصر مفجر للغرائز من خلال الفيديو كليب والفن الرخيص الذي أسهم في ظهور فجوة بين واقع المرأة التي تعاني في الحصول على أبسط حقوقها وبين امرأة مبتذلة سطحية في عالم تخيلي لا وجود له على أرض الواقع، وهو الذي أسهم بقدر ما في ظهور جرائم الخطف والاغتصاب والتفسخ الأخلاقي لأن الشباب يدفعون دفعاً نحو الرذيلة، كما أن القنوات الفضائية أسهمت في إعادة صياغة النموذج خاصة في شقه الأنثوي، وفرضت على المشاهد نساء كل مقوماتهن أنهن غردن خارج السرب فتحولن إلى بطلات البرامج الجماهيرية إعداداً وتقديماً رغم المضامين الضحلة التي يصببنها في آذان المشاهدين.
إن تحول كثير من القنوات الفضائية الممولة خليجياً إلى نواد ليلية محمولة فضائياً هو -من وجهة نظري الشخصية- إجراء يتعارض مع متطلبات التنمية في بلدان نامية تحتاج إلى الجدية في البناء أكثر من حاجتها إلى الترفيه المبتذل، وأثبتت القنوات الفضائية أننا قوم لا توسط بيننا رغم ادعاء الوسطية.
وأخيراً إن غياب مراكز المجتمع المدني التي تراقب البث الفضائي وتوجهه ضمن أطر وقيم وحاجات وخصوصيات سيؤخر إلى حد بعيد الجزم بإسهام القنوات الفضائية في صياغة وعي سياسي واجتماعي واقتصادي حقيقي ومناسب.
::/fulltext::
::cck::2698::/cck::
