قناة “الجزيرة الدولية” بين المحلية والعالمية
::cck::2699::/cck::
::introtext::
شهد العالم العربي منذ بداية التسعينات وحتى الآن حمى إنشاء القنوات الفضائية سواء الحكومية أو الخاصة منها. ورغم ظهور العديد من هذه القنوات منذ ذلك التاريخ وحتى الآن إلا أن معظمها بدا أنه لا يحمل أي توجهات وأسس فكرية وإعلامية واضحة، على الأقل في المدى المنظور؛ فقد تحولت معظم هذه القنوات إما إلى وسائل تعيد بث التوجهات ذاتها الخاصة بالأنظمة العربية التي تتبعها هذه القنوات وتروج لها، أو إلى مجرد بوق ترفيهي هدفه الرئيسي تعظيم المكاسب المادية بغض النظر عن طبيعة المادة الترفيهية المقدمة.
::/introtext::
::fulltext::
شهد العالم العربي منذ بداية التسعينات وحتى الآن حمى إنشاء القنوات الفضائية سواء الحكومية أو الخاصة منها. ورغم ظهور العديد من هذه القنوات منذ ذلك التاريخ وحتى الآن إلا أن معظمها بدا أنه لا يحمل أي توجهات وأسس فكرية وإعلامية واضحة، على الأقل في المدى المنظور؛ فقد تحولت معظم هذه القنوات إما إلى وسائل تعيد بث التوجهات ذاتها الخاصة بالأنظمة العربية التي تتبعها هذه القنوات وتروج لها، أو إلى مجرد بوق ترفيهي هدفه الرئيسي تعظيم المكاسب المادية بغض النظر عن طبيعة المادة الترفيهية المقدمة.
لقد حاولت بعض القنوات الفضائية العربية، وبشكل خاص الإخبارية منها، مثل الجزيرة والعربية، أن تقدم مادة إخبارية وإعلامية جيدة، وسط هذا الكم الهائل من قنوات الدعاية الفضائية سواء من خلال الانغماس الأيديولوجي البحت أو الانغماس الترفيهي الضحل. إضافة إلى ذلك، فقد حاولت بعض القنوات الفضائية الأخرى أن تقدم مادة وسطية تجمع بين الجانب الإخباري التثقيفي والجانب الترفيهي، مثل قناة دبي وبعض القنوات اللبنانية والمصرية. وبشكل عام يمكن القول إن مسيرة القنوات الفضائية العربية لم تتضح معالمها حتى الآن، وربما يعود ذلك لعقود طويلة من تبعية الإعلام العربي للنظم السياسية الحاكمة، إضافة لنقص الكوادر الإعلامية العربية الجيدة القادرة على وضع الخطط الاستراتيجية الإعلامية. إذ إن عملية تقييم أداء القنوات الفضائية تحتاج لوقت إضافي حتى يمكن التثبت من عمل هذه القنوات وأدوارها المجتمعية والإعلامية المختلفة.
وربما كانت قناة (الجزيرة) العربية هي الأكثر ظهوراً من بين القنوات الفضائية العربية الإخبارية، بسبب قدرتها على طرح بعض القضايا الجريئة التي تمس العديد من الدول في العالم العربي، وهو ما أثار الكثير من المشكلات بين القناة والعديد من الدول العربية الأخرى. وبغض النظر عن تقييمنا لهذه المشكلات، ومدى موضوعيتها، فإن الأمر الذي لا مراء فيه أن قناة (الجزيرة) العربية قدمت قالباً إعلامياً جديداً منح المشاهد العربي فضاءً إعلامياً جديداً، كما أنه حفز بعض القنوات العربية الأخرى على تقديم مادة إعلامية جيدة تنافس قناة الجزيرة.
ويجب في هذا السياق أن نشير إلى أن الإعلام في العالم العربي لايزال يتأثر بتلك الحساسيات القائمة بين بعض الدول العربية، وأيضاً بمستوى الرقابة العالي نسبياً في الكثير من الدول العربية. وهنا يجب التأكيد على أن أحد أهم متطلبات وجود إعلام عربي حقيقي هو منحه مساحة واسعة من حرية العمل والتعرض للقضايا الساخنة المختلفة، من دون أن يُأخذ ذلك على أنه نيل من نظام معين، أو من شعب بعينه. ولعل ذلك يفرض أيضاً على القائمين على القنوات الفضائية العربية ضرورة أن تكون لهم رؤى إعلامية جيدة وراقية وتثقيفية تتيح تطوير عقلية المشاهد العربي، من دون انتقاص منه أو من انتماءاته المختلفة.
وإذا كانت كل هذه المشكلات والمتطلبات تواجه القنوات الفضائية المحلية، فلنا أن نتوقع كم المشكلات والمتطلبات التي تواجه القنوات الفضائية العربية الناطقة باللغة الإنجليزية والموجهة للمشاهد العالمي، مثلما الحال مع ما بدأته قناة الجزيرة الدولية بدءاً من منتصف نوفمبر في العام الماضي. فإذا كانت القنوات المحلية محكومة في النهاية بالسياق المحلي العربي ومشكلاته ومتطلباته، وإذا كانت أيضاً مشمولة بدعائيته وتوجهاته الأيديولوجية، فإنها حينما تتوجه للمشاهد الأجنبي العالمي الناطق بلغة أجنبية يجب أن تتخلص من دعائيتها وحدتّها الأيديولوجية. وهذه إحدى أخطر المشكلات التي تواجه القنوات الفضائية العربية التي تنتقل من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي، خصوصاً في ظل الهجمة الإعلامية الغربية الشرسة على العالمين العربي والإسلامي.
لقد ساعد النجاح، وربما الجانب الدعائي الهائل، الذي ارتبط بقناة (الجزيرة) العربية، القائمين عليها على أن ينتقلوا من المستوى العربي إلى المستوى العالمي. فبعد أحداث سبتمبر 2001، انطلقت قناة الجزيرة العربية من خلال وجودها المباشر، وربما الوحيد في ذلك الوقت في أفغانستان، لتصبح الصوت العربي الذي ينقل الأخبار مباشرة من قلب الحدث، حيث نقلت عنها بعد ذلك العديد من المحطات العالمية مثل الـ (سي إن إن)، وغيرها من المحطات العالمية التي عجزت في هذا السياق، رغم إمكاناتها الهائلة، أن تصل إلى قلب الحدث مثلما استطاعت قناة الجزيرة العربية في ذلك الوقت. ورغم ما ارتبط بذلك من اتهامات للجزيرة بالإرهاب وصلاتها بتنظيم القاعدة، فإن الجزيرة اكتسبت أرضية إعلامية واسعة النطاق منذ غزو أفغانستان، وما تبع ذلك من غزو للعراق، وغيرها من أحداث عديدة شهدتها المنطقة فيما بعد. والهدف هنا أن نوضح أن تأسيس قناة (الجزيرة الدولية)، بوصفها أول قناة إخبارية ناطقة باللغة الإنجليزية مركزها الرئيسي الشرق الأوسط، تم على أرضية دعائية ارتبطت بالدور الذي اضطلعت به قناة الجزيرة العربية منذ نشأتها عام 1996 وحتى الآن.
واعتمدت قناة الجزيرة الدولية على وجوه إعلامية مرموقة؛ فمديرها التنفيذي نايجل بارسونز أحد العاملين السابقين في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ووكالة (الأسوشيتدبرس) للأخبار، كما تم استقطاب السير ديفيد فروست أحد أبرز مقدمي البرامج لدى هيئة الإذاعة البريطانية، إضافة إلى تعيين ريز خان أحد العاملين السابقين بهيئة الإذاعة البريطانية وأحد المراسلين السابقين لشبكة الـ (سي إن إن)، وغيره الكثير من الوجوه العربية والأجنبية وشبكة مراسلين في الكثير من مواقع العالم، الذين يعملون لصالح قناة الجزيرة الدولية. واختارت قناة الجزيرة أربعة مكاتب يتم من خلالها البث على مدار اليوم الواحد وهي الدوحة وكوالالمبور ولندن وواشنطن (دي سي). وهو ما يعني أن القناة جمعت ما بين أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، إضافة لشبكة المراسلين الذين يغطون العديد من الأحداث المختلفة حول العالم، انطلقت القناة مصحوبة بهدف محدد ألا وهو الرغبة في نقل الأحداث العالمية مصحوبة بمنظور عربي. ويعني ذلك أن الهدف الرئيسي للقناة هو الخروج من محدودية المشاهد العربي إلى المشاهدين الغربيين الناطقين بالإنجليزية، مع الرغبة في خلق نكهة عربية لهذه الأخبار والأحداث والبرامج.
ورغم المدة القصيرة من عمر القناة التي لم تتجاوز نصف العام فإن إثارة بعض التساؤلات تظل قائمة ومشروعة مثل: هل استطاعت قناة الجزيرة الدولية أن تحقق تلك المعادلة الصعبة بين الانطلاق نحو العالمية من ناحية والحفاظ على المنظور العربي من ناحية أخرى؟ وهل استطاعت أن تتخلص من بعض الشوائب التي ارتبطت بالقناة العربية الأم، وعلى رأسها دعائية التناول في بعض الأحيان، في تقديم بعض الأخبار والتعامل مع بعض الأحداث والبرامج المختلفة؟ وهل استطاعت أيضاً القناة بعد هذه المدة القصيرة أن تساعد على التعريف بقضايا المنطقة في العالمين العربي والإسلامي عامة، وفي الخليج خاصة؟
ويمكن القول بدايةً إنه في ظل الهيمنة الإعلامية الأمريكية – الغربية على مجريات الإعلام الكوني بشكل لم تشهده أية حقبة في التاريخ القديم والحديث على السواء، يصبح ظهور قنوات فضائية إعلامية جديدة موجهة للمشاهد العالمي مسألة على قدر كبير من الأهمية تستدعي منا المدح والتشجيع. فوجود قناة فضائية إعلامية جديدة، بغض النظر عن مكان ظهورها أو جنسيتها، يساعد بدرجة أو أخرى على مزاحمة الإعلام الأمريكي الغربي، ويساعد أيضاً على خلق إعلام جديد يصحح الكثير من المفاهيم والتنميطات الخاطئة والمغرضة التي يقدمها الإعلام الأمريكي الغربي للمشاهدين المقبلين عليه. وفي هذا السياق يبرز دور قناة الجزيرة الدولية من حيث قدرتها على تقديم صورة إخبارية ومعلوماتية، وربما أيديولوجية جديدة لهذا المشاهد الغربي بما يغير من طريقة رؤيته للقضايا والمشكلات الدولية.
ورغم أن شكل قناة الجزيرة الدولية وشبكة المذيعين المرتبطين بها يجعلنا نشعر بأننا أمام إحدى الشبكات الإخبارية العالمية، بحيث ننسى تماماً أننا أمام قناة مركزها الرئيسي يقع في مدينة الدوحة العربية، إلا أننا بمرور الوقت نندمج في إطار الأنشطة الإخبارية المختلفة للقناة والبرامج العديدة التي تقدمها، بحيث نشعر بوجود اختلافات حقيقية بين الشبكات العالمية الغربية وبين قناة الجزيرة الدولية. وربما يأتي هذا الشعور من طبيعة الموضوعات المطروحة عبر القناة من جانب، ومن زاوية الطرح من جانب ثان، ومن المفردات المعروضة عبر الشاشة من ناحية ثالثة.
وأهم ما يلفت النظر في قناة الجزيرة الدولية أنها تكمل جوانب النقص المتعمدة لدى الإعلام الغربي، ولعل ذلك ما يجعلها تقدم مادة جديدة من ناحية، وتجذب المشاهد الغربي الذي اعتاد على نمط واحد وصوت واحد عبر الموضوعات المقدمة عبر الشبكات الإخبارية من ناحية أخرى. وربما تمنحنا بعض الأمثلة قدراً كبيراً من التوضيح؛ فمثلاً تهتم القناة بأوضاع المرأة عبر مناطق كثيرة في العالم، وهي حينما تقدم المرأة تقدمها كما هي من خلال واقعها المعيش من دون أن تفرض رؤيتها المسبقة عليها، كما تفعل ذلك العديد من القنوات الغربية، وبشكل خاص تجاه المرأة المسلمة المحجبة. وإذا كانت الشبكات الغربية تحرص على استضافة المرأة المسلمة المحجبة من أجل الكشف عما تتعرض له من ظلم اجتماعي، فإن قناة الجزيرة الدولية يمكن أن تتعرض لوضعية هذه المرأة الاجتماعية، حيث تتناول أيضاً جوانب التمايزات المجتمعية التي تتعرض لها، لكنها تتيح للأصوات المختلفة تناول وضعية المرأة، على عكس الإعلام الغربي الذي يوجه رؤيته المسبقة نحو استضافة من يخدم هذه الرؤية ويؤكدها ويزيد من تنميط المرأة العربية المسلمة.
إضافة إلى ذلك، فإنه من المسائل المهمة تجاه موضوع المرأة أن تتم استضافتها عبر قناة الجزيرة الدولية وهي ترتدي حجابها، وهو ما يضفي على الحجاب ضرورة تقبله من قبل المشاهد الغربي، والتعامل معه في إطار الاختلافات الثقافية بين المجتمعات الإنسانية المختلفة. ولعل هذا هو ما قصدناه حينما أشرنا إلى قيمة وأهمية المفردات التي تعرض لها القناة عبر شاشتها للمشاهد الغربي المتابع. فالحجاب والبشر والعادات والتقاليد والإعلانات المختلفة التي تشمل رموزاً ومدناً ومنتجات عربية مختلفة كلها تنقل واقع العالم العربي بتجلياته وأشكاله ومفرداته المختلفة إلى حيث يطالع المشاهد الغربي المقيم في أمريكا أو لندن أو كندا أو أستراليا أو أي من المدن الأوروبية الأخرى.
إن هذا التناول، وبشكل خاص في ما يتعلق بالعالم العربي، ينقل العالم العربي من مستواه الضبابي والغائم في عقلية المشاهد الغربي إلى مستواه العادي الإنساني، فما يتم تقديمه من برامج للمرأة والتعليم والازدحام والبيئة والرياضة والطقس وغيرها من الموضوعات الأخرى التي تتناولها قناة الجزيرة الدولية تجعل المشاهد الغربي يدرك أنه أمام مجتمعات إنسانية لها ما لها وعليها ما عليها مثلها في ذلك مثل غيرها من المجتمعات الإنسانية الأخرى.
فحينما يتم تقديم الأحداث الرياضية في العالم العربي بالتفصيل، أو يتم تناول جوانب الطقس المختلفة في العالم العربي، أو حتى يتم الحديث عن بعض الجوانب البيئية السلبية، كل ذلك يتم تقديمه من منظور القناة من جانب، كما أنه يتيح تقديم جوانب عن العالم العربي، كان يتجاهلها الإعلام الغربي أو يتعرض لها عابراً من جانب آخر. ومن الأهمية بمكان هنا أن نشير إلى أن وجود نافذة إعلامية عربية ناطقة باللغة الإنجليزية يتيح فرض قضايا وموضوعات وجوانب مجتمعية تتعلق بالعالم العربي لا يوليها الإعلام الغربي أي اهتمام، إلا في ما يتعلق بتأكيد صورته السلبية المسبقة عن العالم العربي وشعوبه. وهنا تنتج قناة الجزيرة الدولية موضوعاتها الخاصة بها، كما تنتج فضاءها الإعلامي الخاص بها، الذي قد يتماثل مع ما تنتجه القنوات الفضائية الغربية وقد يختلف، لكنه يظل محكوماً في النهاية بالمنظور الذي تفرضه القناة نفسها.ومثال آخر يكشف عن كيفية تعامل القناة مع القضايا العربية المختلفة، فمن خلال عرض تقرير اليونسكو الأخير حول الأمية في العالم العربي، تمكنت القناة من خلال استضافتها مسؤولين عرباً مختلفين أن تقدم تغطية حقيقية وجيدة للمشكلة، من واقع معايشة المسؤولين العرب لواقع الأمية في العالم العربي. وهذا على العكس مما يمكن أن تقدمه قناة أمريكية أو غربية لا تتحلى بالموضوعية، حيث تقدم الأمية في إطار الرؤى المسبقة التي تفرض على المجتمعات العربية صورة أخلاقية أكثر منها صورة مجتمعية يتم تفسيرها في إطار التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المختلفة. إن قناة الجزيرة الدولية بهذه الطريقة، تتيح تعدد الأصوات، وخصوصاً من جانب أصحاب المصلحة الحقيقيين في التعبير عن أنفسهم وتناول قضاياهم المختلفة.
ويكشف تناول قناة الجزيرة الدولية للقضايا السياسية في العالم العربي عن منظور مخالف للقنوات الأمريكية، فالقناة تحرص أيضاً على المنظور المحايد الذي يعرض للجوانب المختلفة للقضية. وهو منظور محايد، لكنه ينطوي أيضاً على رؤية مُسبقة تسعى من خلال التعرض للأصوات والآراء المختلفة أن تستثير المشاهد الغربي من أجل أن يغير عاداته الفكرية الكسولة التي اكتسبها جراء التعود على نمط واحد من الإعلام الذي يكرس رؤية واحدة للقضايا الشائكة في العالم العربي، وعلى رأسها الصراع العربي – الإسرائيلي والاحتلال الأمريكي للعراق.
ويمكن القول هنا إن قناة الجزيرة الدولية، وهي تركز على الكثير من القضايا المحلية فإنها لا تهمل القضايا العالمية. ولا تعني كلمة (محلية) هنا الانغلاق على القضايا العربية والإسلامية، بقدر ما تعني التركيز على القضايا التي تفرض منظوراً إنسانيا عاماً، فهي محلية من حيث كونها إنسانية، وهي إنسانية من حيث تغلغلها في المحلية. فحينما تركز القناة على قضايا المفقودين السياسيين في أمريكا اللاتينية أو تركز على قضايا الفقر في إفريقيا، أو تتناول الجانب غير المحكي من تحولات الصين المعاصرة، حيث ملايين الفقراء في الريف الصيني، فإنها لا تنفصل في الوقت نفسه عن تلك القضايا المحلية العربية مثل الأوضاع في العراق أو دارفور أو فلسطين. فالقناة تحقق عالميتها من خلال ارتكازها إلى قضايا محلية في أماكن كثيرة في العالم، على رأسها بالطبع العالمان العربي والإسلامي، من نوعية تلك القضايا التي تفضح الاستغلال والهيمنة والاستبداد، وإن كان ذلك يتم بشكل هادئ وموضوعي ورصين.
وما تحتاجه قناة الجزيرة الدولية في المستقبل هو التركيز بشكل أكبر على قضايا الدول الفقيرة التي ليس لها صوت إعلامي يعبر عنها، إضافة إلى تناولها للقضايا العربية المختلفة بشكل أكثر توضيحاً ورصانة واستيعاباً وشمولاً. وهنا تحقق القناة عالميتها الخاصة بها من خلال التركيز على تلك المواقع المهملة والمهمة في الوقت نفسه من العالم، والتي لا توليها أجهزة الإعلام الغربي أهمية. فإذا أرادت القناة أن تحقق عالميتها، فإن عليها أن تحدد تلك المواقع من الكرة الأرضية التي يمكن أن تكون لها الريادة فيها من ناحية، ويمكن أن تجذب المشاهد الراغب في معرفة تلك الكتل الجغرافية المهملة وفهمها من ناحية أخرى.
وفي هذا الإطار، يحتاج الخليج لأن يُعاد تقديمه بشكل بالغ المحلية من خلال منظور يتوخى الآخر الغربي والمشاهد العالمي، بحيث يبدو الخليج ليس مجرد واقع جغرافي مُتخمم بالنفط، كما يتصوره ويشكله الغرب. ولكن على العكس من ذلك، يجب أن يُقدّم الخليج من خلال التاريخ والجغرافيا الحقيقيين والمعيشين، ويجب أن يُقدّم أيضاً من خلال المواطنين الخليجيين كما هم، وكما يعيشون، كبشر ومشاعر وطموحات وعلاقات ونساء ورجال وأطفال وأحداث، وليس مجرد حجم إنتاجي في دائرة الصراعات الاقتصادية العالمية النفطية المعاصرة فقط.
ويقع على عاتق قناة الجزيرة الدولية الإسهام بدرجة أو بأخرى في تخليص المشاهد الغربي من أدران وخبائث التنميطات التي يتصورها ويستدمجها بخصوص الإنسان المسلم عامة، والإنسان العربي خاصة. وهنا يجب التأكيد على أن أهمية قناة الجزيرة الدولية، وتحقيقها لمصداقية عالميتها، سواء بين المشاهدين العرب والمسلمين أو بين المشاهدين الغربيين، لن تتم من خلال التركيز على الجانب الخبري للقناة، وتتبعها للأحداث العالمية، رغم الأهمية المنقطعة النظير لذلك، بل إنها ستتحقق من خلال ابتكار وإبداع برامج جديدة تخص القناة ذاتها، وتنطلق من منظورها وفكرها وأيديولوجيتها الخاصة بها، بما يساعد على تقديم صورة جيدة وموضوعية للعرب وللمسلمين من جانب، وعلى مناقشة وتحليل وتفنيد تلك التنميطات الجامدة والسلبية الموجهة لهم من جانب آخر.
ورغم الأدوار المهمة التي قامت بها قناة الجزيرة الدولية حتى الآن، فإن أمامها أشواطاً عديدة عليها أن تقطعها حتى تثبت جدارتها الدولية، وأهميتها في عيون المشاهد الغربي. وفي كلمة، فإن نجاح قناة الجزيرة الدولية يتم من خلال توسيع وتعميق الرؤية الدولية عبر إكسابها منظوراً محلياً يرتبط بالقضايا المصيرية للشعوب العربية والشعوب الأخرى الفقيرة وصاحبة القضايا السياسية التواقة للتقدم والازدهار والحرية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2699::/cck::
::introtext::
شهد العالم العربي منذ بداية التسعينات وحتى الآن حمى إنشاء القنوات الفضائية سواء الحكومية أو الخاصة منها. ورغم ظهور العديد من هذه القنوات منذ ذلك التاريخ وحتى الآن إلا أن معظمها بدا أنه لا يحمل أي توجهات وأسس فكرية وإعلامية واضحة، على الأقل في المدى المنظور؛ فقد تحولت معظم هذه القنوات إما إلى وسائل تعيد بث التوجهات ذاتها الخاصة بالأنظمة العربية التي تتبعها هذه القنوات وتروج لها، أو إلى مجرد بوق ترفيهي هدفه الرئيسي تعظيم المكاسب المادية بغض النظر عن طبيعة المادة الترفيهية المقدمة.
::/introtext::
::fulltext::
شهد العالم العربي منذ بداية التسعينات وحتى الآن حمى إنشاء القنوات الفضائية سواء الحكومية أو الخاصة منها. ورغم ظهور العديد من هذه القنوات منذ ذلك التاريخ وحتى الآن إلا أن معظمها بدا أنه لا يحمل أي توجهات وأسس فكرية وإعلامية واضحة، على الأقل في المدى المنظور؛ فقد تحولت معظم هذه القنوات إما إلى وسائل تعيد بث التوجهات ذاتها الخاصة بالأنظمة العربية التي تتبعها هذه القنوات وتروج لها، أو إلى مجرد بوق ترفيهي هدفه الرئيسي تعظيم المكاسب المادية بغض النظر عن طبيعة المادة الترفيهية المقدمة.
لقد حاولت بعض القنوات الفضائية العربية، وبشكل خاص الإخبارية منها، مثل الجزيرة والعربية، أن تقدم مادة إخبارية وإعلامية جيدة، وسط هذا الكم الهائل من قنوات الدعاية الفضائية سواء من خلال الانغماس الأيديولوجي البحت أو الانغماس الترفيهي الضحل. إضافة إلى ذلك، فقد حاولت بعض القنوات الفضائية الأخرى أن تقدم مادة وسطية تجمع بين الجانب الإخباري التثقيفي والجانب الترفيهي، مثل قناة دبي وبعض القنوات اللبنانية والمصرية. وبشكل عام يمكن القول إن مسيرة القنوات الفضائية العربية لم تتضح معالمها حتى الآن، وربما يعود ذلك لعقود طويلة من تبعية الإعلام العربي للنظم السياسية الحاكمة، إضافة لنقص الكوادر الإعلامية العربية الجيدة القادرة على وضع الخطط الاستراتيجية الإعلامية. إذ إن عملية تقييم أداء القنوات الفضائية تحتاج لوقت إضافي حتى يمكن التثبت من عمل هذه القنوات وأدوارها المجتمعية والإعلامية المختلفة.
وربما كانت قناة (الجزيرة) العربية هي الأكثر ظهوراً من بين القنوات الفضائية العربية الإخبارية، بسبب قدرتها على طرح بعض القضايا الجريئة التي تمس العديد من الدول في العالم العربي، وهو ما أثار الكثير من المشكلات بين القناة والعديد من الدول العربية الأخرى. وبغض النظر عن تقييمنا لهذه المشكلات، ومدى موضوعيتها، فإن الأمر الذي لا مراء فيه أن قناة (الجزيرة) العربية قدمت قالباً إعلامياً جديداً منح المشاهد العربي فضاءً إعلامياً جديداً، كما أنه حفز بعض القنوات العربية الأخرى على تقديم مادة إعلامية جيدة تنافس قناة الجزيرة.
ويجب في هذا السياق أن نشير إلى أن الإعلام في العالم العربي لايزال يتأثر بتلك الحساسيات القائمة بين بعض الدول العربية، وأيضاً بمستوى الرقابة العالي نسبياً في الكثير من الدول العربية. وهنا يجب التأكيد على أن أحد أهم متطلبات وجود إعلام عربي حقيقي هو منحه مساحة واسعة من حرية العمل والتعرض للقضايا الساخنة المختلفة، من دون أن يُأخذ ذلك على أنه نيل من نظام معين، أو من شعب بعينه. ولعل ذلك يفرض أيضاً على القائمين على القنوات الفضائية العربية ضرورة أن تكون لهم رؤى إعلامية جيدة وراقية وتثقيفية تتيح تطوير عقلية المشاهد العربي، من دون انتقاص منه أو من انتماءاته المختلفة.
وإذا كانت كل هذه المشكلات والمتطلبات تواجه القنوات الفضائية المحلية، فلنا أن نتوقع كم المشكلات والمتطلبات التي تواجه القنوات الفضائية العربية الناطقة باللغة الإنجليزية والموجهة للمشاهد العالمي، مثلما الحال مع ما بدأته قناة الجزيرة الدولية بدءاً من منتصف نوفمبر في العام الماضي. فإذا كانت القنوات المحلية محكومة في النهاية بالسياق المحلي العربي ومشكلاته ومتطلباته، وإذا كانت أيضاً مشمولة بدعائيته وتوجهاته الأيديولوجية، فإنها حينما تتوجه للمشاهد الأجنبي العالمي الناطق بلغة أجنبية يجب أن تتخلص من دعائيتها وحدتّها الأيديولوجية. وهذه إحدى أخطر المشكلات التي تواجه القنوات الفضائية العربية التي تنتقل من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي، خصوصاً في ظل الهجمة الإعلامية الغربية الشرسة على العالمين العربي والإسلامي.
لقد ساعد النجاح، وربما الجانب الدعائي الهائل، الذي ارتبط بقناة (الجزيرة) العربية، القائمين عليها على أن ينتقلوا من المستوى العربي إلى المستوى العالمي. فبعد أحداث سبتمبر 2001، انطلقت قناة الجزيرة العربية من خلال وجودها المباشر، وربما الوحيد في ذلك الوقت في أفغانستان، لتصبح الصوت العربي الذي ينقل الأخبار مباشرة من قلب الحدث، حيث نقلت عنها بعد ذلك العديد من المحطات العالمية مثل الـ (سي إن إن)، وغيرها من المحطات العالمية التي عجزت في هذا السياق، رغم إمكاناتها الهائلة، أن تصل إلى قلب الحدث مثلما استطاعت قناة الجزيرة العربية في ذلك الوقت. ورغم ما ارتبط بذلك من اتهامات للجزيرة بالإرهاب وصلاتها بتنظيم القاعدة، فإن الجزيرة اكتسبت أرضية إعلامية واسعة النطاق منذ غزو أفغانستان، وما تبع ذلك من غزو للعراق، وغيرها من أحداث عديدة شهدتها المنطقة فيما بعد. والهدف هنا أن نوضح أن تأسيس قناة (الجزيرة الدولية)، بوصفها أول قناة إخبارية ناطقة باللغة الإنجليزية مركزها الرئيسي الشرق الأوسط، تم على أرضية دعائية ارتبطت بالدور الذي اضطلعت به قناة الجزيرة العربية منذ نشأتها عام 1996 وحتى الآن.
واعتمدت قناة الجزيرة الدولية على وجوه إعلامية مرموقة؛ فمديرها التنفيذي نايجل بارسونز أحد العاملين السابقين في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ووكالة (الأسوشيتدبرس) للأخبار، كما تم استقطاب السير ديفيد فروست أحد أبرز مقدمي البرامج لدى هيئة الإذاعة البريطانية، إضافة إلى تعيين ريز خان أحد العاملين السابقين بهيئة الإذاعة البريطانية وأحد المراسلين السابقين لشبكة الـ (سي إن إن)، وغيره الكثير من الوجوه العربية والأجنبية وشبكة مراسلين في الكثير من مواقع العالم، الذين يعملون لصالح قناة الجزيرة الدولية. واختارت قناة الجزيرة أربعة مكاتب يتم من خلالها البث على مدار اليوم الواحد وهي الدوحة وكوالالمبور ولندن وواشنطن (دي سي). وهو ما يعني أن القناة جمعت ما بين أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، إضافة لشبكة المراسلين الذين يغطون العديد من الأحداث المختلفة حول العالم، انطلقت القناة مصحوبة بهدف محدد ألا وهو الرغبة في نقل الأحداث العالمية مصحوبة بمنظور عربي. ويعني ذلك أن الهدف الرئيسي للقناة هو الخروج من محدودية المشاهد العربي إلى المشاهدين الغربيين الناطقين بالإنجليزية، مع الرغبة في خلق نكهة عربية لهذه الأخبار والأحداث والبرامج.
ورغم المدة القصيرة من عمر القناة التي لم تتجاوز نصف العام فإن إثارة بعض التساؤلات تظل قائمة ومشروعة مثل: هل استطاعت قناة الجزيرة الدولية أن تحقق تلك المعادلة الصعبة بين الانطلاق نحو العالمية من ناحية والحفاظ على المنظور العربي من ناحية أخرى؟ وهل استطاعت أن تتخلص من بعض الشوائب التي ارتبطت بالقناة العربية الأم، وعلى رأسها دعائية التناول في بعض الأحيان، في تقديم بعض الأخبار والتعامل مع بعض الأحداث والبرامج المختلفة؟ وهل استطاعت أيضاً القناة بعد هذه المدة القصيرة أن تساعد على التعريف بقضايا المنطقة في العالمين العربي والإسلامي عامة، وفي الخليج خاصة؟
ويمكن القول بدايةً إنه في ظل الهيمنة الإعلامية الأمريكية – الغربية على مجريات الإعلام الكوني بشكل لم تشهده أية حقبة في التاريخ القديم والحديث على السواء، يصبح ظهور قنوات فضائية إعلامية جديدة موجهة للمشاهد العالمي مسألة على قدر كبير من الأهمية تستدعي منا المدح والتشجيع. فوجود قناة فضائية إعلامية جديدة، بغض النظر عن مكان ظهورها أو جنسيتها، يساعد بدرجة أو أخرى على مزاحمة الإعلام الأمريكي الغربي، ويساعد أيضاً على خلق إعلام جديد يصحح الكثير من المفاهيم والتنميطات الخاطئة والمغرضة التي يقدمها الإعلام الأمريكي الغربي للمشاهدين المقبلين عليه. وفي هذا السياق يبرز دور قناة الجزيرة الدولية من حيث قدرتها على تقديم صورة إخبارية ومعلوماتية، وربما أيديولوجية جديدة لهذا المشاهد الغربي بما يغير من طريقة رؤيته للقضايا والمشكلات الدولية.
ورغم أن شكل قناة الجزيرة الدولية وشبكة المذيعين المرتبطين بها يجعلنا نشعر بأننا أمام إحدى الشبكات الإخبارية العالمية، بحيث ننسى تماماً أننا أمام قناة مركزها الرئيسي يقع في مدينة الدوحة العربية، إلا أننا بمرور الوقت نندمج في إطار الأنشطة الإخبارية المختلفة للقناة والبرامج العديدة التي تقدمها، بحيث نشعر بوجود اختلافات حقيقية بين الشبكات العالمية الغربية وبين قناة الجزيرة الدولية. وربما يأتي هذا الشعور من طبيعة الموضوعات المطروحة عبر القناة من جانب، ومن زاوية الطرح من جانب ثان، ومن المفردات المعروضة عبر الشاشة من ناحية ثالثة.
وأهم ما يلفت النظر في قناة الجزيرة الدولية أنها تكمل جوانب النقص المتعمدة لدى الإعلام الغربي، ولعل ذلك ما يجعلها تقدم مادة جديدة من ناحية، وتجذب المشاهد الغربي الذي اعتاد على نمط واحد وصوت واحد عبر الموضوعات المقدمة عبر الشبكات الإخبارية من ناحية أخرى. وربما تمنحنا بعض الأمثلة قدراً كبيراً من التوضيح؛ فمثلاً تهتم القناة بأوضاع المرأة عبر مناطق كثيرة في العالم، وهي حينما تقدم المرأة تقدمها كما هي من خلال واقعها المعيش من دون أن تفرض رؤيتها المسبقة عليها، كما تفعل ذلك العديد من القنوات الغربية، وبشكل خاص تجاه المرأة المسلمة المحجبة. وإذا كانت الشبكات الغربية تحرص على استضافة المرأة المسلمة المحجبة من أجل الكشف عما تتعرض له من ظلم اجتماعي، فإن قناة الجزيرة الدولية يمكن أن تتعرض لوضعية هذه المرأة الاجتماعية، حيث تتناول أيضاً جوانب التمايزات المجتمعية التي تتعرض لها، لكنها تتيح للأصوات المختلفة تناول وضعية المرأة، على عكس الإعلام الغربي الذي يوجه رؤيته المسبقة نحو استضافة من يخدم هذه الرؤية ويؤكدها ويزيد من تنميط المرأة العربية المسلمة.
إضافة إلى ذلك، فإنه من المسائل المهمة تجاه موضوع المرأة أن تتم استضافتها عبر قناة الجزيرة الدولية وهي ترتدي حجابها، وهو ما يضفي على الحجاب ضرورة تقبله من قبل المشاهد الغربي، والتعامل معه في إطار الاختلافات الثقافية بين المجتمعات الإنسانية المختلفة. ولعل هذا هو ما قصدناه حينما أشرنا إلى قيمة وأهمية المفردات التي تعرض لها القناة عبر شاشتها للمشاهد الغربي المتابع. فالحجاب والبشر والعادات والتقاليد والإعلانات المختلفة التي تشمل رموزاً ومدناً ومنتجات عربية مختلفة كلها تنقل واقع العالم العربي بتجلياته وأشكاله ومفرداته المختلفة إلى حيث يطالع المشاهد الغربي المقيم في أمريكا أو لندن أو كندا أو أستراليا أو أي من المدن الأوروبية الأخرى.
إن هذا التناول، وبشكل خاص في ما يتعلق بالعالم العربي، ينقل العالم العربي من مستواه الضبابي والغائم في عقلية المشاهد الغربي إلى مستواه العادي الإنساني، فما يتم تقديمه من برامج للمرأة والتعليم والازدحام والبيئة والرياضة والطقس وغيرها من الموضوعات الأخرى التي تتناولها قناة الجزيرة الدولية تجعل المشاهد الغربي يدرك أنه أمام مجتمعات إنسانية لها ما لها وعليها ما عليها مثلها في ذلك مثل غيرها من المجتمعات الإنسانية الأخرى.
فحينما يتم تقديم الأحداث الرياضية في العالم العربي بالتفصيل، أو يتم تناول جوانب الطقس المختلفة في العالم العربي، أو حتى يتم الحديث عن بعض الجوانب البيئية السلبية، كل ذلك يتم تقديمه من منظور القناة من جانب، كما أنه يتيح تقديم جوانب عن العالم العربي، كان يتجاهلها الإعلام الغربي أو يتعرض لها عابراً من جانب آخر. ومن الأهمية بمكان هنا أن نشير إلى أن وجود نافذة إعلامية عربية ناطقة باللغة الإنجليزية يتيح فرض قضايا وموضوعات وجوانب مجتمعية تتعلق بالعالم العربي لا يوليها الإعلام الغربي أي اهتمام، إلا في ما يتعلق بتأكيد صورته السلبية المسبقة عن العالم العربي وشعوبه. وهنا تنتج قناة الجزيرة الدولية موضوعاتها الخاصة بها، كما تنتج فضاءها الإعلامي الخاص بها، الذي قد يتماثل مع ما تنتجه القنوات الفضائية الغربية وقد يختلف، لكنه يظل محكوماً في النهاية بالمنظور الذي تفرضه القناة نفسها.ومثال آخر يكشف عن كيفية تعامل القناة مع القضايا العربية المختلفة، فمن خلال عرض تقرير اليونسكو الأخير حول الأمية في العالم العربي، تمكنت القناة من خلال استضافتها مسؤولين عرباً مختلفين أن تقدم تغطية حقيقية وجيدة للمشكلة، من واقع معايشة المسؤولين العرب لواقع الأمية في العالم العربي. وهذا على العكس مما يمكن أن تقدمه قناة أمريكية أو غربية لا تتحلى بالموضوعية، حيث تقدم الأمية في إطار الرؤى المسبقة التي تفرض على المجتمعات العربية صورة أخلاقية أكثر منها صورة مجتمعية يتم تفسيرها في إطار التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المختلفة. إن قناة الجزيرة الدولية بهذه الطريقة، تتيح تعدد الأصوات، وخصوصاً من جانب أصحاب المصلحة الحقيقيين في التعبير عن أنفسهم وتناول قضاياهم المختلفة.
ويكشف تناول قناة الجزيرة الدولية للقضايا السياسية في العالم العربي عن منظور مخالف للقنوات الأمريكية، فالقناة تحرص أيضاً على المنظور المحايد الذي يعرض للجوانب المختلفة للقضية. وهو منظور محايد، لكنه ينطوي أيضاً على رؤية مُسبقة تسعى من خلال التعرض للأصوات والآراء المختلفة أن تستثير المشاهد الغربي من أجل أن يغير عاداته الفكرية الكسولة التي اكتسبها جراء التعود على نمط واحد من الإعلام الذي يكرس رؤية واحدة للقضايا الشائكة في العالم العربي، وعلى رأسها الصراع العربي – الإسرائيلي والاحتلال الأمريكي للعراق.
ويمكن القول هنا إن قناة الجزيرة الدولية، وهي تركز على الكثير من القضايا المحلية فإنها لا تهمل القضايا العالمية. ولا تعني كلمة (محلية) هنا الانغلاق على القضايا العربية والإسلامية، بقدر ما تعني التركيز على القضايا التي تفرض منظوراً إنسانيا عاماً، فهي محلية من حيث كونها إنسانية، وهي إنسانية من حيث تغلغلها في المحلية. فحينما تركز القناة على قضايا المفقودين السياسيين في أمريكا اللاتينية أو تركز على قضايا الفقر في إفريقيا، أو تتناول الجانب غير المحكي من تحولات الصين المعاصرة، حيث ملايين الفقراء في الريف الصيني، فإنها لا تنفصل في الوقت نفسه عن تلك القضايا المحلية العربية مثل الأوضاع في العراق أو دارفور أو فلسطين. فالقناة تحقق عالميتها من خلال ارتكازها إلى قضايا محلية في أماكن كثيرة في العالم، على رأسها بالطبع العالمان العربي والإسلامي، من نوعية تلك القضايا التي تفضح الاستغلال والهيمنة والاستبداد، وإن كان ذلك يتم بشكل هادئ وموضوعي ورصين.
وما تحتاجه قناة الجزيرة الدولية في المستقبل هو التركيز بشكل أكبر على قضايا الدول الفقيرة التي ليس لها صوت إعلامي يعبر عنها، إضافة إلى تناولها للقضايا العربية المختلفة بشكل أكثر توضيحاً ورصانة واستيعاباً وشمولاً. وهنا تحقق القناة عالميتها الخاصة بها من خلال التركيز على تلك المواقع المهملة والمهمة في الوقت نفسه من العالم، والتي لا توليها أجهزة الإعلام الغربي أهمية. فإذا أرادت القناة أن تحقق عالميتها، فإن عليها أن تحدد تلك المواقع من الكرة الأرضية التي يمكن أن تكون لها الريادة فيها من ناحية، ويمكن أن تجذب المشاهد الراغب في معرفة تلك الكتل الجغرافية المهملة وفهمها من ناحية أخرى.
وفي هذا الإطار، يحتاج الخليج لأن يُعاد تقديمه بشكل بالغ المحلية من خلال منظور يتوخى الآخر الغربي والمشاهد العالمي، بحيث يبدو الخليج ليس مجرد واقع جغرافي مُتخمم بالنفط، كما يتصوره ويشكله الغرب. ولكن على العكس من ذلك، يجب أن يُقدّم الخليج من خلال التاريخ والجغرافيا الحقيقيين والمعيشين، ويجب أن يُقدّم أيضاً من خلال المواطنين الخليجيين كما هم، وكما يعيشون، كبشر ومشاعر وطموحات وعلاقات ونساء ورجال وأطفال وأحداث، وليس مجرد حجم إنتاجي في دائرة الصراعات الاقتصادية العالمية النفطية المعاصرة فقط.
ويقع على عاتق قناة الجزيرة الدولية الإسهام بدرجة أو بأخرى في تخليص المشاهد الغربي من أدران وخبائث التنميطات التي يتصورها ويستدمجها بخصوص الإنسان المسلم عامة، والإنسان العربي خاصة. وهنا يجب التأكيد على أن أهمية قناة الجزيرة الدولية، وتحقيقها لمصداقية عالميتها، سواء بين المشاهدين العرب والمسلمين أو بين المشاهدين الغربيين، لن تتم من خلال التركيز على الجانب الخبري للقناة، وتتبعها للأحداث العالمية، رغم الأهمية المنقطعة النظير لذلك، بل إنها ستتحقق من خلال ابتكار وإبداع برامج جديدة تخص القناة ذاتها، وتنطلق من منظورها وفكرها وأيديولوجيتها الخاصة بها، بما يساعد على تقديم صورة جيدة وموضوعية للعرب وللمسلمين من جانب، وعلى مناقشة وتحليل وتفنيد تلك التنميطات الجامدة والسلبية الموجهة لهم من جانب آخر.
ورغم الأدوار المهمة التي قامت بها قناة الجزيرة الدولية حتى الآن، فإن أمامها أشواطاً عديدة عليها أن تقطعها حتى تثبت جدارتها الدولية، وأهميتها في عيون المشاهد الغربي. وفي كلمة، فإن نجاح قناة الجزيرة الدولية يتم من خلال توسيع وتعميق الرؤية الدولية عبر إكسابها منظوراً محلياً يرتبط بالقضايا المصيرية للشعوب العربية والشعوب الأخرى الفقيرة وصاحبة القضايا السياسية التواقة للتقدم والازدهار والحرية.
::/fulltext::
::cck::2699::/cck::
