التمويل الإسلامي بين تاريخ مالي بحريني وطموحات إماراتية
::cck::2641::/cck::
::introtext::
لا شك في أن التمويل الإسلامي أصبح واحداً من أهم النشاطات المالية التي تتزايد الأهمية النسبية لها في سوق التمويل عموماً، بل هناك العديد من الخبراء الذين يرون أن هذا النوع من التمويل والصيرفة الإسلامية عامة سيحصد نسبة كبيرة من أعمال التمويل في ظل ابتعاد المستثمرين المسلمين عن التمويل التقليدي والبحث عن مصادر تمويل إسلامية، كما تزداد الأهمية النسبية لهذا القطاع التمويلي مع وجود مؤشرات قوية لاستثمار نسبة كبيرة من أموال النفط وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.
::/introtext::
::fulltext::
لا شك في أن التمويل الإسلامي أصبح واحداً من أهم النشاطات المالية التي تتزايد الأهمية النسبية لها في سوق التمويل عموماً، بل هناك العديد من الخبراء الذين يرون أن هذا النوع من التمويل والصيرفة الإسلامية عامة سيحصد نسبة كبيرة من أعمال التمويل في ظل ابتعاد المستثمرين المسلمين عن التمويل التقليدي والبحث عن مصادر تمويل إسلامية، كما تزداد الأهمية النسبية لهذا القطاع التمويلي مع وجود مؤشرات قوية لاستثمار نسبة كبيرة من أموال النفط وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.
في أجواء مثل هذه سعت دول إلى أن تلعب دوراً رئيسياً في الصيرفة الإسلامية والتمويلات الإسلامية في القلب منها، وبدا هذا واضحاً بين البحرين والإمارات ودبي على وجه الخصوص، فالأولى تعتمد على تاريخ طويل لها في مجال الخدمات المالية، والإسلامية منها بشكل خاص، والثانية تعتمد على مستقبل واعد لها في الخدمات المالية، وعينها على استقطاب جانب من أموال وثروات النفط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط في الفترة الأخيرة والمتوقع أن يمتد لسنوات قادمة.
والمتتبع لمساعي كل من الإمارات والبحرين سيلاحظ أن السمة الرئيسية تتركز في الحصول على حصة من حركة النمو الكبيرة على التمويلات الإسلامية، بعيداً عن مساعي كلا الطرفين أن يأخذ دور الآخر، وبعيداً أيضاً عن طبيعة الخدمة، فالمنافسة غير معلنة، وإنما هناك رغبة في الاستفادة من هذا القطاع، وتدخل الإمارات ودبي على وجه الخصوص والبحرين بثقلهما في هذا المجال، مدعومين باستراتيجية حكومية تهدف إلى أن تصبح كل منهما المركز المالي المفضّل، وليس الأفضل، بين المستثمرين.
ولوحظ أيضا أن الدعم الحكومي لهذا التوجه نحو تهيئة المناخ المالي للتعامل مع التمويل الإسلامي وفتح مجال أوسع له اتخذا أشكالاً متعددة، فحتى وقت قريب ظل المصرف المركزي الإماراتي متحفظاً على افتتاح بنوك جديدة، وبدأ هذا التحفظ يقل تدريجياً وتمثل ذلك في موافقات على تأسيس بنوك إسلامية منها بنك نور والهلال، وسبق ذلك تحويل نشاط بنوك من النظام التقليدي إلى الإسلامي المتوافق مع الشريعة مثل بنك دبي الذي أصبح مصرف دبي، ومصرف الشارقة الوطني الذي أصبح مصرف الشارقة الإسلامي وتأسيس مصرف الإمارات الإسلامي الذي حل محل بنك الشرق الأوسط، وهناك مشروعات أخرى محل دراسة.
وفي مملكة البحرين تزايد الاهتمام بتعزيز المناخ المالي، فالبحرين تمثل مركزاً إقليمياً وعالمياً للخدمات المالية ويعمل على أرضها ما يقارب 40 بنكاً منها 18 مصرفاً وبيت تمويل إسلامي، علاوة على 48 وحدة مصرفية خارجية تصل أصولها إلى 100 مليار دولار.
وسعت ولا تزال مؤسسة نقد البحرين على مدار سنوات لتشجيع إنشاء العديد من المؤسسات المساعدة لصناعة الصيرفة الإسلامية منها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية المسؤولة عن تطوير معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بما يتوافق مع المعايير المحاسبية العالمية وتكييفها لتكون متوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
وقبل سنوات أصدر ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة مرسوماً بتأسيس السوق المالية الإسلامية في خطوة لتعزيز مكانة البحرين كمركز مالي. ولا يختلف أحد على أن البحرين صاحبة باع كبير في هذا الشأن، ولاشك في أن مستوى تطور وحجم نشاط المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية بمملكة البحرين يكشف بشكل واضح كيف أن البحرين أصبحت مركز جذب لهذه النوعية من الأنشطة المصرفية في ظل الأنظمة المتطورة التي تتبناها.
وفي الفترة الأخيرة شهدت البحرين حدثاً مهماً بإعلان مؤسسات مالية إنشاء أكبر بنك إسلامي يتخذ من البحرين مقراً برأسمال سيصل إلى 100 مليار دولار في غضون ما بين خمس إلى سبع سنوات، ويهدف المؤسسون للبنك الذي تم الاتفاق على تسميته بـ (إعمار) لسد الفجوة في سوق التمويل الإسلامي في وجود بنك قوي للتمويل، خاصة أن 25 في المائة من البنوك الإسلامية حول العالم يقل رأسمالها عن 25 مليون دولار.
ولا شك في أن التمويل الإسلامي شهد في السنوات الأخيرة نقلة كبيرة على مستوى الدول العربية والإسلامية عامة، والخليجية منها على وجه الخصوص، ودخل هذه الصناعة المصرفية لاعبون جدد، فإلى وقت قريب كان سوق الصيرفة الإسلامية قاصراً على عدد محدود للغاية ، إلا أن الخارطة تغيرت تماماً في السنوات الأولى من الألفية الثالثة ، ودخلت السوق مؤسسات جديدة، بعضها دخل حيز التنفيذ في العديد من الدول العربية وخاصة الإمارات، إلى جانب ما تشهده البحرين كما قلنا سلفاً، والبعض الآخر لا يزال حيز التنفيذ ومشروعات أخرى تحت الدراسة.
واللافت للنظر في مشهد الصيرفة الإسلامية أن دولة الإمارات العربية المتحدة تدخل هذا القطاع بقوة شديدة، وكأن هناك مخططاً لتصبح من أهم اللاعبين في المنطقة وربما عربياً في هذا القطاع المتنامي، في مسعى للوقوف إلى جانب البحرين التي ظلت ولسنوات الأرض الخصبة للقطاع المالي بصفة عامة ومنه التمويل الإسلامي، ولا شك في أن هناك خيطاً ما يربط بين هذا الاهتمام والنمو المتزايد على التعامل مع التمويل والصكوك الإسلامية، خاصة من مؤسسات اقتصادية كبيرة وناشطة خليجياً وعالمياً، مثل طيران الإمارات ودائرة الطيران المدني في دبي ودبي العالمية، والتي لجأت جميعها وغيرها إلى خيار التمويل الإسلامي بكل أنواعه لتمويل خطط توسعاتها داخلياً وخارجياً ولتمويل صفقات الاستحواذ مثل تلك التي قامت بها دبي العالمية أو لشراء طائرات مثلما قامت طيران الإمارات.والمؤكد أن خيار التمويل الإسلامي سيظل نشطاً في العديد من المؤسسات وهو ما دفع مؤسسة مثل دبي العالمية أن تدخل شريكاً قبل سنوات في تأسيس شركة تمويل التي تتخذ من مفهوم الصيرفة الإسلامية استراتيجية لنشاطها، ودفع هذا التوجه مؤسسات اقتصادية أخرى أن تبحث عن منظومة للتعاطي مع هذا القطاع الذي يمكن اعتباره واعداً، وكان تأسيس أول سوق مالية إسلامية في دبي خلال الأشهر القليلة الماضية.
وتترجم الأرقام الأهمية النسبية لهذا القطاع، فوفقاً لبيانات صادرة عن الأمين العام للمجلس العام للبنوك والمؤسسات الإسلامية فإن موجودات 300 مصرف إسلامي من صناعة الصيرفة الإسلامية تصل إلى ما بين 300 مليار و400 مليار دولار، وهذا الرقم مرشح أن يقترب من تريليون و850 مليار دولار خلال ثماني سنوات وبحلول عام 2013، وبمعدل نمو 24 في المائة، يضاف إلى ذلك أن حجم التمويل الإسلامي ينمو بشكل دائم ويشهد حالة من الفوران، ويقدر أن يصل إلى نحو تريليون دولار في غضون عشر سنوات، والى جانب ذلك ينمو قطاع التأمين التكافلي الإسلامي، والمقدر له أن يتجاوز سبعة مليارات دولار عالمياً خلال العام الجاري.
وتكشف الأرقام عن مدى تنامي هذا القطاع فتشير تقديرات إلى أن حجم أصول القطاع المصرفي الإسلامي تضاعف خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ليصل إلى 500 مليار دولار، إذا ما أخذنا في الاعتبار المؤسسات الجديدة التي دخلت السوق قي الشهور الستة الأخيرة، وفي الوقت ذاته فإن مسؤولاً سابقاً في صندوق النقد الدولي هو الدكتور محمد فنيش المدير التنفيذي الأسبق في صندوق النقد الدولي قدر أن حجم الصكوك الإسلامية نمت بشكل ملحوظ في السنوات الخمس الأخيرة لتصل إلى 701 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 100 مليار دولار بنهاية العقد الحالي أي بحلول العام 2010، ووصلت الصكوك بصفة عامة في العام الماضي إلى 60 مليار دولار منها 40 ملياراً في دول مجلس التعاون، واستحوذت دولة الإمارات منها على ما نسبته 43 في المائة.
في ضوء هذا النمو والإقبال على الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والذي جاء- وفقاً لما يفسره البعض- نتاجاً أو مواكباً لما يسميه السياسيون بحالة الصحوة الشعبية الإسلامية، بدأت حالة من التنافسية بين المؤسسات المصرفية بشكل خاص للتعاطي مع هذا الطلب، من جانب اقتصادي في الأساس والاستحواذ على حصة من سوق سيصبح في غضون سنوات قليلة رأس الحربة في صناعة التمويل المصرفي بصفة عامة.
وفي ظل حالة التنافس هذه، ومع توقعات مركز دبي المالي العالمي أن تستحوذ منطقة الخليج على 80 في المائة من إجمالي الصكوك سنوياً، كان التنافس قوياً، وإن كان غير معلن، بين الإمارات والبحرين بهدف الحصول على موقع الريادة في هذا المجال، وجاء إنشاء مركز دبي المالي العالمي خطوة في هذا الاتجاه، خاصة بعدما بدأت المراكز والمؤسسات المالية في الدول الغربية تتجه بقوة نحو تطوير منتجات مالية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، بما في ذلك الصكوك، وكانت الإمارات أسرع الدول التي تحركت في هذا الاتجاه بعد البحرين، بينما تباطأت الدول الإسلامية والعربية منها عن الإمارات كثيراً، التي أصبحت في غضون السنوات الثلاث الأخيرة أحد أهم اللاعبين عالمياً في قطاع التمويل والصيرفة الإسلامية عامة.
وخلال الـ 15 شهراً الماضية شهدت الإمارات إصدار صكوك بقيمة قاربت 8 مليارات دولار، أدار الجانب الأكبر منها بنك دبي الإسلامي، وجاء على رأسها إصدار صكوك موانئ دبي العالمية والتي زادت قيمتها الأساسية من 2.8 مليار إلى 3.5 مليار في يناير من عام 2006 بسبب الإقبال المتزايد على الاكتتاب فيها، حيث جمعت حينها 11.4 مليار دولار، كما أدار البنك نفسه إصدارين لصالح طيران الإمارات بقيمة قاربت 1.5 مليار دولار وبقيمة مليار لصالح مشروع توسعات مطار دبي، وآخر لمشروع مطار جبل علي (دبي وورلد سنترال) بقيمة 1.8 مليار دولار.
ويبقى التنافس في المرحلة المقبلة للطرف الذي ينجح في صياغة تشريعات ونظم مستقاة من الشريعة الإسلامية تساهم في توسيع قاعدة المتعاملين يوميا يلبي حاجاتهم اليومية والمستقبلية، ووضع خيارات وبدائل لما تقدمه البنوك التقليدية، بحيث لا يقتصر الأمر على المفاهيم الحالية، وتخرج عن نطاق المفهوم الضيق الحالي، علاوة على إعداد بحوث علمية حول المنتجات المصرفية وكيفية التعامل معها في ظل تنافس من المصارف الأجنبية على شرائح الراغبين في خدمات إسلامية، ولا شك في أن هذا يحتاج بدوره إلى كوادر بشرية مؤهلة لإدارة العمل المصرفي، وتوسيع قاعدة الهيئات الشرعية من العلماء المسلمين ذوي الرؤية الأكثر استنارة، بحيث لا يقتصر الأمر على مجموعة تتسم بالرؤية السلفية الضيقة. والعمل على توسيع قدرات المؤسسات المالية على معالجة مختلف الأمور والتعامل معها، خاصة في ظل اتساع نطاق عمل المؤسسات المالية الإسلامية في عمليات تمويل خارج حدود العالم الإسلامي، والتشابك غير المتناهي في المصالح مع الآخر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2641::/cck::
::introtext::
لا شك في أن التمويل الإسلامي أصبح واحداً من أهم النشاطات المالية التي تتزايد الأهمية النسبية لها في سوق التمويل عموماً، بل هناك العديد من الخبراء الذين يرون أن هذا النوع من التمويل والصيرفة الإسلامية عامة سيحصد نسبة كبيرة من أعمال التمويل في ظل ابتعاد المستثمرين المسلمين عن التمويل التقليدي والبحث عن مصادر تمويل إسلامية، كما تزداد الأهمية النسبية لهذا القطاع التمويلي مع وجود مؤشرات قوية لاستثمار نسبة كبيرة من أموال النفط وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.
::/introtext::
::fulltext::
لا شك في أن التمويل الإسلامي أصبح واحداً من أهم النشاطات المالية التي تتزايد الأهمية النسبية لها في سوق التمويل عموماً، بل هناك العديد من الخبراء الذين يرون أن هذا النوع من التمويل والصيرفة الإسلامية عامة سيحصد نسبة كبيرة من أعمال التمويل في ظل ابتعاد المستثمرين المسلمين عن التمويل التقليدي والبحث عن مصادر تمويل إسلامية، كما تزداد الأهمية النسبية لهذا القطاع التمويلي مع وجود مؤشرات قوية لاستثمار نسبة كبيرة من أموال النفط وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.
في أجواء مثل هذه سعت دول إلى أن تلعب دوراً رئيسياً في الصيرفة الإسلامية والتمويلات الإسلامية في القلب منها، وبدا هذا واضحاً بين البحرين والإمارات ودبي على وجه الخصوص، فالأولى تعتمد على تاريخ طويل لها في مجال الخدمات المالية، والإسلامية منها بشكل خاص، والثانية تعتمد على مستقبل واعد لها في الخدمات المالية، وعينها على استقطاب جانب من أموال وثروات النفط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط في الفترة الأخيرة والمتوقع أن يمتد لسنوات قادمة.
والمتتبع لمساعي كل من الإمارات والبحرين سيلاحظ أن السمة الرئيسية تتركز في الحصول على حصة من حركة النمو الكبيرة على التمويلات الإسلامية، بعيداً عن مساعي كلا الطرفين أن يأخذ دور الآخر، وبعيداً أيضاً عن طبيعة الخدمة، فالمنافسة غير معلنة، وإنما هناك رغبة في الاستفادة من هذا القطاع، وتدخل الإمارات ودبي على وجه الخصوص والبحرين بثقلهما في هذا المجال، مدعومين باستراتيجية حكومية تهدف إلى أن تصبح كل منهما المركز المالي المفضّل، وليس الأفضل، بين المستثمرين.
ولوحظ أيضا أن الدعم الحكومي لهذا التوجه نحو تهيئة المناخ المالي للتعامل مع التمويل الإسلامي وفتح مجال أوسع له اتخذا أشكالاً متعددة، فحتى وقت قريب ظل المصرف المركزي الإماراتي متحفظاً على افتتاح بنوك جديدة، وبدأ هذا التحفظ يقل تدريجياً وتمثل ذلك في موافقات على تأسيس بنوك إسلامية منها بنك نور والهلال، وسبق ذلك تحويل نشاط بنوك من النظام التقليدي إلى الإسلامي المتوافق مع الشريعة مثل بنك دبي الذي أصبح مصرف دبي، ومصرف الشارقة الوطني الذي أصبح مصرف الشارقة الإسلامي وتأسيس مصرف الإمارات الإسلامي الذي حل محل بنك الشرق الأوسط، وهناك مشروعات أخرى محل دراسة.
وفي مملكة البحرين تزايد الاهتمام بتعزيز المناخ المالي، فالبحرين تمثل مركزاً إقليمياً وعالمياً للخدمات المالية ويعمل على أرضها ما يقارب 40 بنكاً منها 18 مصرفاً وبيت تمويل إسلامي، علاوة على 48 وحدة مصرفية خارجية تصل أصولها إلى 100 مليار دولار.
وسعت ولا تزال مؤسسة نقد البحرين على مدار سنوات لتشجيع إنشاء العديد من المؤسسات المساعدة لصناعة الصيرفة الإسلامية منها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية المسؤولة عن تطوير معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بما يتوافق مع المعايير المحاسبية العالمية وتكييفها لتكون متوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
وقبل سنوات أصدر ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة مرسوماً بتأسيس السوق المالية الإسلامية في خطوة لتعزيز مكانة البحرين كمركز مالي. ولا يختلف أحد على أن البحرين صاحبة باع كبير في هذا الشأن، ولاشك في أن مستوى تطور وحجم نشاط المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية بمملكة البحرين يكشف بشكل واضح كيف أن البحرين أصبحت مركز جذب لهذه النوعية من الأنشطة المصرفية في ظل الأنظمة المتطورة التي تتبناها.
وفي الفترة الأخيرة شهدت البحرين حدثاً مهماً بإعلان مؤسسات مالية إنشاء أكبر بنك إسلامي يتخذ من البحرين مقراً برأسمال سيصل إلى 100 مليار دولار في غضون ما بين خمس إلى سبع سنوات، ويهدف المؤسسون للبنك الذي تم الاتفاق على تسميته بـ (إعمار) لسد الفجوة في سوق التمويل الإسلامي في وجود بنك قوي للتمويل، خاصة أن 25 في المائة من البنوك الإسلامية حول العالم يقل رأسمالها عن 25 مليون دولار.
ولا شك في أن التمويل الإسلامي شهد في السنوات الأخيرة نقلة كبيرة على مستوى الدول العربية والإسلامية عامة، والخليجية منها على وجه الخصوص، ودخل هذه الصناعة المصرفية لاعبون جدد، فإلى وقت قريب كان سوق الصيرفة الإسلامية قاصراً على عدد محدود للغاية ، إلا أن الخارطة تغيرت تماماً في السنوات الأولى من الألفية الثالثة ، ودخلت السوق مؤسسات جديدة، بعضها دخل حيز التنفيذ في العديد من الدول العربية وخاصة الإمارات، إلى جانب ما تشهده البحرين كما قلنا سلفاً، والبعض الآخر لا يزال حيز التنفيذ ومشروعات أخرى تحت الدراسة.
واللافت للنظر في مشهد الصيرفة الإسلامية أن دولة الإمارات العربية المتحدة تدخل هذا القطاع بقوة شديدة، وكأن هناك مخططاً لتصبح من أهم اللاعبين في المنطقة وربما عربياً في هذا القطاع المتنامي، في مسعى للوقوف إلى جانب البحرين التي ظلت ولسنوات الأرض الخصبة للقطاع المالي بصفة عامة ومنه التمويل الإسلامي، ولا شك في أن هناك خيطاً ما يربط بين هذا الاهتمام والنمو المتزايد على التعامل مع التمويل والصكوك الإسلامية، خاصة من مؤسسات اقتصادية كبيرة وناشطة خليجياً وعالمياً، مثل طيران الإمارات ودائرة الطيران المدني في دبي ودبي العالمية، والتي لجأت جميعها وغيرها إلى خيار التمويل الإسلامي بكل أنواعه لتمويل خطط توسعاتها داخلياً وخارجياً ولتمويل صفقات الاستحواذ مثل تلك التي قامت بها دبي العالمية أو لشراء طائرات مثلما قامت طيران الإمارات.والمؤكد أن خيار التمويل الإسلامي سيظل نشطاً في العديد من المؤسسات وهو ما دفع مؤسسة مثل دبي العالمية أن تدخل شريكاً قبل سنوات في تأسيس شركة تمويل التي تتخذ من مفهوم الصيرفة الإسلامية استراتيجية لنشاطها، ودفع هذا التوجه مؤسسات اقتصادية أخرى أن تبحث عن منظومة للتعاطي مع هذا القطاع الذي يمكن اعتباره واعداً، وكان تأسيس أول سوق مالية إسلامية في دبي خلال الأشهر القليلة الماضية.
وتترجم الأرقام الأهمية النسبية لهذا القطاع، فوفقاً لبيانات صادرة عن الأمين العام للمجلس العام للبنوك والمؤسسات الإسلامية فإن موجودات 300 مصرف إسلامي من صناعة الصيرفة الإسلامية تصل إلى ما بين 300 مليار و400 مليار دولار، وهذا الرقم مرشح أن يقترب من تريليون و850 مليار دولار خلال ثماني سنوات وبحلول عام 2013، وبمعدل نمو 24 في المائة، يضاف إلى ذلك أن حجم التمويل الإسلامي ينمو بشكل دائم ويشهد حالة من الفوران، ويقدر أن يصل إلى نحو تريليون دولار في غضون عشر سنوات، والى جانب ذلك ينمو قطاع التأمين التكافلي الإسلامي، والمقدر له أن يتجاوز سبعة مليارات دولار عالمياً خلال العام الجاري.
وتكشف الأرقام عن مدى تنامي هذا القطاع فتشير تقديرات إلى أن حجم أصول القطاع المصرفي الإسلامي تضاعف خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ليصل إلى 500 مليار دولار، إذا ما أخذنا في الاعتبار المؤسسات الجديدة التي دخلت السوق قي الشهور الستة الأخيرة، وفي الوقت ذاته فإن مسؤولاً سابقاً في صندوق النقد الدولي هو الدكتور محمد فنيش المدير التنفيذي الأسبق في صندوق النقد الدولي قدر أن حجم الصكوك الإسلامية نمت بشكل ملحوظ في السنوات الخمس الأخيرة لتصل إلى 701 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 100 مليار دولار بنهاية العقد الحالي أي بحلول العام 2010، ووصلت الصكوك بصفة عامة في العام الماضي إلى 60 مليار دولار منها 40 ملياراً في دول مجلس التعاون، واستحوذت دولة الإمارات منها على ما نسبته 43 في المائة.
في ضوء هذا النمو والإقبال على الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والذي جاء- وفقاً لما يفسره البعض- نتاجاً أو مواكباً لما يسميه السياسيون بحالة الصحوة الشعبية الإسلامية، بدأت حالة من التنافسية بين المؤسسات المصرفية بشكل خاص للتعاطي مع هذا الطلب، من جانب اقتصادي في الأساس والاستحواذ على حصة من سوق سيصبح في غضون سنوات قليلة رأس الحربة في صناعة التمويل المصرفي بصفة عامة.
وفي ظل حالة التنافس هذه، ومع توقعات مركز دبي المالي العالمي أن تستحوذ منطقة الخليج على 80 في المائة من إجمالي الصكوك سنوياً، كان التنافس قوياً، وإن كان غير معلن، بين الإمارات والبحرين بهدف الحصول على موقع الريادة في هذا المجال، وجاء إنشاء مركز دبي المالي العالمي خطوة في هذا الاتجاه، خاصة بعدما بدأت المراكز والمؤسسات المالية في الدول الغربية تتجه بقوة نحو تطوير منتجات مالية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، بما في ذلك الصكوك، وكانت الإمارات أسرع الدول التي تحركت في هذا الاتجاه بعد البحرين، بينما تباطأت الدول الإسلامية والعربية منها عن الإمارات كثيراً، التي أصبحت في غضون السنوات الثلاث الأخيرة أحد أهم اللاعبين عالمياً في قطاع التمويل والصيرفة الإسلامية عامة.
وخلال الـ 15 شهراً الماضية شهدت الإمارات إصدار صكوك بقيمة قاربت 8 مليارات دولار، أدار الجانب الأكبر منها بنك دبي الإسلامي، وجاء على رأسها إصدار صكوك موانئ دبي العالمية والتي زادت قيمتها الأساسية من 2.8 مليار إلى 3.5 مليار في يناير من عام 2006 بسبب الإقبال المتزايد على الاكتتاب فيها، حيث جمعت حينها 11.4 مليار دولار، كما أدار البنك نفسه إصدارين لصالح طيران الإمارات بقيمة قاربت 1.5 مليار دولار وبقيمة مليار لصالح مشروع توسعات مطار دبي، وآخر لمشروع مطار جبل علي (دبي وورلد سنترال) بقيمة 1.8 مليار دولار.
ويبقى التنافس في المرحلة المقبلة للطرف الذي ينجح في صياغة تشريعات ونظم مستقاة من الشريعة الإسلامية تساهم في توسيع قاعدة المتعاملين يوميا يلبي حاجاتهم اليومية والمستقبلية، ووضع خيارات وبدائل لما تقدمه البنوك التقليدية، بحيث لا يقتصر الأمر على المفاهيم الحالية، وتخرج عن نطاق المفهوم الضيق الحالي، علاوة على إعداد بحوث علمية حول المنتجات المصرفية وكيفية التعامل معها في ظل تنافس من المصارف الأجنبية على شرائح الراغبين في خدمات إسلامية، ولا شك في أن هذا يحتاج بدوره إلى كوادر بشرية مؤهلة لإدارة العمل المصرفي، وتوسيع قاعدة الهيئات الشرعية من العلماء المسلمين ذوي الرؤية الأكثر استنارة، بحيث لا يقتصر الأمر على مجموعة تتسم بالرؤية السلفية الضيقة. والعمل على توسيع قدرات المؤسسات المالية على معالجة مختلف الأمور والتعامل معها، خاصة في ظل اتساع نطاق عمل المؤسسات المالية الإسلامية في عمليات تمويل خارج حدود العالم الإسلامي، والتشابك غير المتناهي في المصالح مع الآخر.
::/fulltext::
::cck::2641::/cck::
