الخليج والمراكز المالية
::cck::2631::/cck::
::introtext::
هل تعاني منطقة الخليج العربي من المنافسة بين مراكز مالية متعددة في بلدان هذه المنطقة؟ لا أتصور أن هناك منافسة حادة بين مثل هذه المراكز المالية، وقد يتوهم البعض وجودها، حيث إن توفر المراكز المالية قد يعزز التكامل الاقتصادي وتعدد الأدوار وتعزيز الخدمات المالية والمصرفية للمستثمرين ورجال الأعمال.
::/introtext::
::fulltext::
هل تعاني منطقة الخليج العربي من المنافسة بين مراكز مالية متعددة في بلدان هذه المنطقة؟ لا أتصور أن هناك منافسة حادة بين مثل هذه المراكز المالية، وقد يتوهم البعض وجودها، حيث إن توفر المراكز المالية قد يعزز التكامل الاقتصادي وتعدد الأدوار وتعزيز الخدمات المالية والمصرفية للمستثمرين ورجال الأعمال.
يتعين على أي بلد في هذا العالم الواسع يريد أن يتحول إلى مركز مالي أن يرفع من درجة الانفتاح الاقتصادي والقدرة على جذب الأعمال والاستثمار، فهل يمكن أن نوصف أياً من بلدان الخليج بهذه السمات؟ نعم يمكن أن نؤكد أن دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة تمكنت من تحقيق كفاءة عالية في الانفتاح الاقتصادي ووفرت بنية تحتية وبيئة مؤسسية ملائمة لتوطين الأعمال والأنشطة فيها، ويمكن لأي مستثمر أو مدير أعمال أن يحصل على ترخيص عمل في دبي من دون مشقة تذكر وخلال فترة زمنية معقولة.. وقد تدفقت مؤسسات عديدة مثل البنوك وشركات الاستثمار وشركات صناعية وأخرى تعمل في قطاع التصدير وإعادة التصدير، هذا ناهيك عن الشركات السياحية والفندقية التي أقامت لها صروحاً في هذه الإمارة المتألقة.. ولذلك ارتفع عدد سكان دبي إلى ما يقارب 1.5 مليون نسمة، وباتت تعاني من الازدحام وبطء حركة المرور مما يبدو أنه حتم على السلطات إنجاز مشاريع جديدة في البنية التحتية لمواجهة استحقاقات هذا التوسع الكبير في عدد السكان.
وفي مملكة البحرين هناك محاولات جديدة، وربما قديمة، لكي تصبح مركزاً للمؤسسات المالية والبنوك، وقد عمدت حكومة البحرين للترخيص للبنوك غير المقيمة off – shore)) لكي تزاول أعمالها من البحرين بموجب تراخيص محددة، لكن البحرين لم تتمكن من توسيع نطاق أعمال هذه الشركات وتحفيز الكثير منها للعمل من البحرين، بل إن عدداً منها قد انتقل إلى دبي أو إلى أماكن أخرى، وربما كان التوتر السياسي والاضطراب الأمني النسبي خلال السنوات الأخيرة من عقد التسعينات من القرن العشرين قد زادا من التساؤلات بشأن جدوى العمل الاستثماري في البحرين، وتمكنت القيادة السياسية في البحرين منذ مطلع هذا القرن من استرداد المبادرة وتحسين الظروف السياسية والأمنية وتشجيع المستثمرين الخليجيين وغيرهم على بناء صروح استثمارية وتحسين إمكانات استيعاب هذه المؤسسات في البلاد، بمعنى توفير المباني المكتبية وتطوير البنية التحتية ومباني السكن وأماكن الإقامة المؤقتة للزائرين من رجال الأعمال وممثليهم. وإذا كانت البحرين بلداً محدود الإمكانات المالية نتيجة لطبيعة أوضاعه الاقتصادية فإنه يملك قوى بشرية وطنية استطاعت أن تطور مهاراتها في قطاعات عمل عديدة، وخاصة في قطاع المصارف والخدمات المالية، وربما كان لتلك الأوضاع المالية المحدودة في البلاد دور أساسي في تكوين قوة العمل الماهرة والمؤهلة، كما أن تطور التعليم في البلاد منذ بداية القرن العشرين وتواصل البحرين مع مختلف البلدان المجاورة ومع القارة الهندية أوجدا فئات واسعة من المتعلمين، وارتقيا بالمجتمع المدني في البلاد.
وفي شمال الخليج تحاول الكويت أن تكون مركزاً اقتصادياً فاعلاً يمكن له أن يخدّم بلداناً مجاورة مثل العراق وإيران، وقد شهدت البلاد مؤتمرات وندوات لمناقشة كيفية تطوير مثل هذا المركز الاقتصادي أو المالي من دون أن يتحقق على الأرض أي شيء ملموس، وقد لا يكون الأمر بعيداً عن الحقيقة إذا زعمنا أن الكويت تمثل حالة صعبة نظراً لتكرس البيروقراطية فيها والتي تعاني من انغلاقها وعدائها لرجال الأعمال وتعقيد أمورهم بشكل قد لا يكون بعيداً عن التعمد. ولا شك في أن التطور الاقتصادي في الكويت بموجب فلسفة الرعاية الاجتماعية ودولة الرفاه وقيم الدولة الريعية أوجد منظومة قيم متماسكة في الاعتماد والاتكالية على الإنفاق العام، وحاولت أطراف حكومية فاعلة وأطراف عديدة في القطاع الخاص تحرير الكويت من هذه القيم، وتقدمت بمذكرات إلى السلطة السياسية، واقترحت تشريعات وقوانين وتعديلات على القوانين القائمة من أجل إيجاد الأرضية المناسبة لتحويل الكويت إلى مركز مالي وبيئة جذب استثماري، لكن كل هذه الجهود قوبلت بمقاومة شرسة من المجتمع السياسي الذي لا يزال يؤثر الاستمرار في النهج الريعي ونظام الاقتصاد الموجه وهيمنة الدولة على مختلف الأنشطة الاقتصادية الارتكازية. ولا يبدو أن الكويت تستطيع أن تتطور باتجاه التحول إلى مركز مالي ما لم تتعزز قيم التحرر الاقتصادي والانفتاح فيها وتتحرر الدولة من مسؤوليات اقتصادية عديدة.
وعند العودة إلى التساؤل بشأن هل نحن بحاجة إلى مراكز مالية عديدة أو إلى منافسة بين هذه المراكز فإن الإجابة المنطقية لابد أن تؤكد أهمية توفر مثل هذه المراكز المالية في أكثر من بلد خليجي، وبحيث تستطيع أن تكمل أعمالها وأنشطتها متطلبات التطور والتنمية في هذه المنطقة من العالم، ولا بد أن تستفيد هذه المراكز المالية من توفر رؤوس أموال مهمة تبحث عن فرص الاستثمار، ليس داخل بلدان المنطقة فقط، بل أيضاً في خارجها.. وعندما تتوفر المراكز المالية يمكن أن تجذب الشركات العربية والأجنبية التي يمكن لها أن تستفيد من توفر الأموال لزيادة رؤوس أموالها أو إصدار سندات لتمويل أعمالها بموجب شروط متقنة.
لقد تطورت الأسواق المالية في مختلف بلدان الخليج وأدرجت فيها العديد من الشركات العاملة في بلدان المنطقة وفي مختلف القطاعات الاقتصادية، وارتفعت القيمة الرأسمالية لهذه الأسواق إلى ما يفوق تريليون دولار أمريكي وتجري فيها عمليات تداول نشطة يومياً، بيد أن هذه الأسواق المالية لا تزال تفتقر للعمق ويجب إدراج المزيد من الشركات الوطنية العاملة في بلدان الخليج فيها وتشجيع أصحاب الشركات الخاصة والعائلية على التحول إلى شركات مساهمة قابلة للإدراج فيها. يضاف إلى ذلك أن هذه الأسواق أخذت تشهد في الآونة الأخيرة عمليات تملك واسعة من أطراف وطنية وخليجية عبر صفقات مهمة تزيد قيمة الواحدة على المليار دولار. وهكذا يمكن لهذه الأسواق أن تكرس ظاهرة المركز المالي من خلال جذب المزيد من الشركات العربية والعالمية للتعامل من خلالها. وإلى جانب الأسواق المالية يمكن أن تتطور المناطق الحرة والتي يمكن لها أن تستوعب أنشطة صناعية وخدمية وتصديرية مثلما فعلت دبي عندما طورت منطقة (جبل علي) التي أصبحت تضم الكثير من الشركات المتنوعة ذات الأنشطة العديدة. وكما هو معلوم فإن قيام منطقة حرة للأعمال يستلزم تسهيلات قانونية وإدارية وتوفير ظروف عمل مناسبة.. وربما نتيجة للتعقيدات البيروقراطية في بلد مثل الكويت لم تتمكن المنطقة الحرة المبنية على رقعة جغرافية محدودة من التطور، وواجهت الكثير من المشكلات القانونية والإدارية والنزاعات بين الحكومة والأطراف التي سبق أن رخص لها بالعمل فيها والجهات التي أوكل إليها بإدارتها.. وكما هو معلوم أيضاً فإن بلدان المنطقة تستطيع أن تتعامل بشكل جيد مع البلدان المجاورة مثل إيران والعراق عن طريق هذه المناطق الحرة، بحيث تصبح هذه المناطق من آليات التصدير وإعادة التصدير وتقديم الخدمات لاقتصادات البلدان المجاورة. ومما لا شك فيه أن الكويت تملك موقعاً جغرافياً مثالياً للتعامل مع كل من العراق وإيران في الظروف السياسية المستقرة، وهي قد أدت خدمات مهمة لاقتصاديات إيران والعراق قبل النفط وبعده. وإذا توفرت الإرادة في الكويت فإن تذليل المصاعب وتهيئة الأنظمة والبنية المؤسسية لكي توفر لمختلف الجهات ومؤسسات الأعمال التواصل مع الأطراف المعنية في البلدين بما يساهم في تحديث الأنظمة الاقتصادية في كليهما إذا ما تطورت الأوضاع السياسية فيهما على أسس إيجابية مناسبة للنظام الاقتصادي الحر المعتمد على المبادرات الخاصة.
وهناك قضايا أخرى يجب أن تحظى باهتمام من قبل المسؤولين في الإدارات الاقتصادية في بلدان الخليج ومن منظمات رجال الأعمال، ومن هذه القضايا التوافق على توزيع الاختصاصات بين المراكز المالية والاستفادة من الميزات النسبية في كل بلد خليجي، بمعنى يمكن توفير شروط أفضل للبنوك في البحرين أو دبي وتعزيز دور سوق الأوراق المالية في الكويت أو السعودية. وكذلك يجب الاستفادة من قطاع الخدمات وتأهيله في البلدان التي تتوافر فيها الظروف الملائمة. وغني عن البيان أن قضية الانفتاح الاقتصادي تتطلب قرارات سياسية ومعالجات لمنظومة القيم في كل بلدان الخليج بما يوفر البيئة الملائمة لجذب الاستثمار.. وفي هذا المضمار يجب أن تقوم الحكومات بإقناع أطراف المجتمع السياسي بأهمية التسهيل على البشر وعدم وضع أنظمة وقوانين تعطل النشاط الإنساني الذي يعزز القدرة على زيادة المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي. وهناك أيضاً مسألة القطاع النفطي وأهمية تحريره من قيود البيروقراطية الحكومية وإعادة النظر في خضوعه للملكية العامة والبحث عن بدائل واقعية للتعامل مع الشركات النفطية العالمية،
حيث إن تطوير الانفتاح في قطاع النفط لا بد أن يعزز القدرة على إقامة مراكز مالية فاعلة في دول الخليج.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2631::/cck::
::introtext::
هل تعاني منطقة الخليج العربي من المنافسة بين مراكز مالية متعددة في بلدان هذه المنطقة؟ لا أتصور أن هناك منافسة حادة بين مثل هذه المراكز المالية، وقد يتوهم البعض وجودها، حيث إن توفر المراكز المالية قد يعزز التكامل الاقتصادي وتعدد الأدوار وتعزيز الخدمات المالية والمصرفية للمستثمرين ورجال الأعمال.
::/introtext::
::fulltext::
هل تعاني منطقة الخليج العربي من المنافسة بين مراكز مالية متعددة في بلدان هذه المنطقة؟ لا أتصور أن هناك منافسة حادة بين مثل هذه المراكز المالية، وقد يتوهم البعض وجودها، حيث إن توفر المراكز المالية قد يعزز التكامل الاقتصادي وتعدد الأدوار وتعزيز الخدمات المالية والمصرفية للمستثمرين ورجال الأعمال.
يتعين على أي بلد في هذا العالم الواسع يريد أن يتحول إلى مركز مالي أن يرفع من درجة الانفتاح الاقتصادي والقدرة على جذب الأعمال والاستثمار، فهل يمكن أن نوصف أياً من بلدان الخليج بهذه السمات؟ نعم يمكن أن نؤكد أن دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة تمكنت من تحقيق كفاءة عالية في الانفتاح الاقتصادي ووفرت بنية تحتية وبيئة مؤسسية ملائمة لتوطين الأعمال والأنشطة فيها، ويمكن لأي مستثمر أو مدير أعمال أن يحصل على ترخيص عمل في دبي من دون مشقة تذكر وخلال فترة زمنية معقولة.. وقد تدفقت مؤسسات عديدة مثل البنوك وشركات الاستثمار وشركات صناعية وأخرى تعمل في قطاع التصدير وإعادة التصدير، هذا ناهيك عن الشركات السياحية والفندقية التي أقامت لها صروحاً في هذه الإمارة المتألقة.. ولذلك ارتفع عدد سكان دبي إلى ما يقارب 1.5 مليون نسمة، وباتت تعاني من الازدحام وبطء حركة المرور مما يبدو أنه حتم على السلطات إنجاز مشاريع جديدة في البنية التحتية لمواجهة استحقاقات هذا التوسع الكبير في عدد السكان.
وفي مملكة البحرين هناك محاولات جديدة، وربما قديمة، لكي تصبح مركزاً للمؤسسات المالية والبنوك، وقد عمدت حكومة البحرين للترخيص للبنوك غير المقيمة off – shore)) لكي تزاول أعمالها من البحرين بموجب تراخيص محددة، لكن البحرين لم تتمكن من توسيع نطاق أعمال هذه الشركات وتحفيز الكثير منها للعمل من البحرين، بل إن عدداً منها قد انتقل إلى دبي أو إلى أماكن أخرى، وربما كان التوتر السياسي والاضطراب الأمني النسبي خلال السنوات الأخيرة من عقد التسعينات من القرن العشرين قد زادا من التساؤلات بشأن جدوى العمل الاستثماري في البحرين، وتمكنت القيادة السياسية في البحرين منذ مطلع هذا القرن من استرداد المبادرة وتحسين الظروف السياسية والأمنية وتشجيع المستثمرين الخليجيين وغيرهم على بناء صروح استثمارية وتحسين إمكانات استيعاب هذه المؤسسات في البلاد، بمعنى توفير المباني المكتبية وتطوير البنية التحتية ومباني السكن وأماكن الإقامة المؤقتة للزائرين من رجال الأعمال وممثليهم. وإذا كانت البحرين بلداً محدود الإمكانات المالية نتيجة لطبيعة أوضاعه الاقتصادية فإنه يملك قوى بشرية وطنية استطاعت أن تطور مهاراتها في قطاعات عمل عديدة، وخاصة في قطاع المصارف والخدمات المالية، وربما كان لتلك الأوضاع المالية المحدودة في البلاد دور أساسي في تكوين قوة العمل الماهرة والمؤهلة، كما أن تطور التعليم في البلاد منذ بداية القرن العشرين وتواصل البحرين مع مختلف البلدان المجاورة ومع القارة الهندية أوجدا فئات واسعة من المتعلمين، وارتقيا بالمجتمع المدني في البلاد.
وفي شمال الخليج تحاول الكويت أن تكون مركزاً اقتصادياً فاعلاً يمكن له أن يخدّم بلداناً مجاورة مثل العراق وإيران، وقد شهدت البلاد مؤتمرات وندوات لمناقشة كيفية تطوير مثل هذا المركز الاقتصادي أو المالي من دون أن يتحقق على الأرض أي شيء ملموس، وقد لا يكون الأمر بعيداً عن الحقيقة إذا زعمنا أن الكويت تمثل حالة صعبة نظراً لتكرس البيروقراطية فيها والتي تعاني من انغلاقها وعدائها لرجال الأعمال وتعقيد أمورهم بشكل قد لا يكون بعيداً عن التعمد. ولا شك في أن التطور الاقتصادي في الكويت بموجب فلسفة الرعاية الاجتماعية ودولة الرفاه وقيم الدولة الريعية أوجد منظومة قيم متماسكة في الاعتماد والاتكالية على الإنفاق العام، وحاولت أطراف حكومية فاعلة وأطراف عديدة في القطاع الخاص تحرير الكويت من هذه القيم، وتقدمت بمذكرات إلى السلطة السياسية، واقترحت تشريعات وقوانين وتعديلات على القوانين القائمة من أجل إيجاد الأرضية المناسبة لتحويل الكويت إلى مركز مالي وبيئة جذب استثماري، لكن كل هذه الجهود قوبلت بمقاومة شرسة من المجتمع السياسي الذي لا يزال يؤثر الاستمرار في النهج الريعي ونظام الاقتصاد الموجه وهيمنة الدولة على مختلف الأنشطة الاقتصادية الارتكازية. ولا يبدو أن الكويت تستطيع أن تتطور باتجاه التحول إلى مركز مالي ما لم تتعزز قيم التحرر الاقتصادي والانفتاح فيها وتتحرر الدولة من مسؤوليات اقتصادية عديدة.
وعند العودة إلى التساؤل بشأن هل نحن بحاجة إلى مراكز مالية عديدة أو إلى منافسة بين هذه المراكز فإن الإجابة المنطقية لابد أن تؤكد أهمية توفر مثل هذه المراكز المالية في أكثر من بلد خليجي، وبحيث تستطيع أن تكمل أعمالها وأنشطتها متطلبات التطور والتنمية في هذه المنطقة من العالم، ولا بد أن تستفيد هذه المراكز المالية من توفر رؤوس أموال مهمة تبحث عن فرص الاستثمار، ليس داخل بلدان المنطقة فقط، بل أيضاً في خارجها.. وعندما تتوفر المراكز المالية يمكن أن تجذب الشركات العربية والأجنبية التي يمكن لها أن تستفيد من توفر الأموال لزيادة رؤوس أموالها أو إصدار سندات لتمويل أعمالها بموجب شروط متقنة.
لقد تطورت الأسواق المالية في مختلف بلدان الخليج وأدرجت فيها العديد من الشركات العاملة في بلدان المنطقة وفي مختلف القطاعات الاقتصادية، وارتفعت القيمة الرأسمالية لهذه الأسواق إلى ما يفوق تريليون دولار أمريكي وتجري فيها عمليات تداول نشطة يومياً، بيد أن هذه الأسواق المالية لا تزال تفتقر للعمق ويجب إدراج المزيد من الشركات الوطنية العاملة في بلدان الخليج فيها وتشجيع أصحاب الشركات الخاصة والعائلية على التحول إلى شركات مساهمة قابلة للإدراج فيها. يضاف إلى ذلك أن هذه الأسواق أخذت تشهد في الآونة الأخيرة عمليات تملك واسعة من أطراف وطنية وخليجية عبر صفقات مهمة تزيد قيمة الواحدة على المليار دولار. وهكذا يمكن لهذه الأسواق أن تكرس ظاهرة المركز المالي من خلال جذب المزيد من الشركات العربية والعالمية للتعامل من خلالها. وإلى جانب الأسواق المالية يمكن أن تتطور المناطق الحرة والتي يمكن لها أن تستوعب أنشطة صناعية وخدمية وتصديرية مثلما فعلت دبي عندما طورت منطقة (جبل علي) التي أصبحت تضم الكثير من الشركات المتنوعة ذات الأنشطة العديدة. وكما هو معلوم فإن قيام منطقة حرة للأعمال يستلزم تسهيلات قانونية وإدارية وتوفير ظروف عمل مناسبة.. وربما نتيجة للتعقيدات البيروقراطية في بلد مثل الكويت لم تتمكن المنطقة الحرة المبنية على رقعة جغرافية محدودة من التطور، وواجهت الكثير من المشكلات القانونية والإدارية والنزاعات بين الحكومة والأطراف التي سبق أن رخص لها بالعمل فيها والجهات التي أوكل إليها بإدارتها.. وكما هو معلوم أيضاً فإن بلدان المنطقة تستطيع أن تتعامل بشكل جيد مع البلدان المجاورة مثل إيران والعراق عن طريق هذه المناطق الحرة، بحيث تصبح هذه المناطق من آليات التصدير وإعادة التصدير وتقديم الخدمات لاقتصادات البلدان المجاورة. ومما لا شك فيه أن الكويت تملك موقعاً جغرافياً مثالياً للتعامل مع كل من العراق وإيران في الظروف السياسية المستقرة، وهي قد أدت خدمات مهمة لاقتصاديات إيران والعراق قبل النفط وبعده. وإذا توفرت الإرادة في الكويت فإن تذليل المصاعب وتهيئة الأنظمة والبنية المؤسسية لكي توفر لمختلف الجهات ومؤسسات الأعمال التواصل مع الأطراف المعنية في البلدين بما يساهم في تحديث الأنظمة الاقتصادية في كليهما إذا ما تطورت الأوضاع السياسية فيهما على أسس إيجابية مناسبة للنظام الاقتصادي الحر المعتمد على المبادرات الخاصة.
وهناك قضايا أخرى يجب أن تحظى باهتمام من قبل المسؤولين في الإدارات الاقتصادية في بلدان الخليج ومن منظمات رجال الأعمال، ومن هذه القضايا التوافق على توزيع الاختصاصات بين المراكز المالية والاستفادة من الميزات النسبية في كل بلد خليجي، بمعنى يمكن توفير شروط أفضل للبنوك في البحرين أو دبي وتعزيز دور سوق الأوراق المالية في الكويت أو السعودية. وكذلك يجب الاستفادة من قطاع الخدمات وتأهيله في البلدان التي تتوافر فيها الظروف الملائمة. وغني عن البيان أن قضية الانفتاح الاقتصادي تتطلب قرارات سياسية ومعالجات لمنظومة القيم في كل بلدان الخليج بما يوفر البيئة الملائمة لجذب الاستثمار.. وفي هذا المضمار يجب أن تقوم الحكومات بإقناع أطراف المجتمع السياسي بأهمية التسهيل على البشر وعدم وضع أنظمة وقوانين تعطل النشاط الإنساني الذي يعزز القدرة على زيادة المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي. وهناك أيضاً مسألة القطاع النفطي وأهمية تحريره من قيود البيروقراطية الحكومية وإعادة النظر في خضوعه للملكية العامة والبحث عن بدائل واقعية للتعامل مع الشركات النفطية العالمية،
حيث إن تطوير الانفتاح في قطاع النفط لا بد أن يعزز القدرة على إقامة مراكز مالية فاعلة في دول الخليج.
::/fulltext::
::cck::2631::/cck::
