آليات البنك المركزي في توظيف الفوائض المالية

::cck::2632::/cck::
::introtext::

“إن  تحقق فوائض مالية كبيرة جراء ارتفاع أسعار النفط يعطي ثماراً جيدة لشعوب هذه المنطقة، كونه يتجه إلى ربط مصالحها بشكل جيد في ظل هذه الفوائض المالية العالية، والتي نعتبرها فرصة لدول مجلس التعاون كي تبني اقتصادها، وتستكمل بنيتها التحتية، وتقيم اقتصاداً مترابطاً يسمح بإشاعة الرفاهية في سائر مجتمعات الخليج). مقولة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ترجمت إلى واقع عملي عندما عقدت الاتفاقيات الإعمارية مع دولة الإمارات بخصوص إنجاز المدينة الاقتصادية، وهي اتفاقيات تدلل على اتجاه إلى ربط المصالح على أعلى مستوى، ويشمل كل دول مجلس التعاون.

::/introtext::
::fulltext::

“إن تحقق فوائض مالية كبيرة جراء ارتفاع أسعار النفط يعطي ثماراً جيدة لشعوب هذه المنطقة، كونه يتجه إلى ربط مصالحها بشكل جيد في ظل هذه الفوائض المالية العالية، والتي نعتبرها فرصة لدول مجلس التعاون كي تبني اقتصادها، وتستكمل بنيتها التحتية، وتقيم اقتصاداً مترابطاً يسمح بإشاعة الرفاهية في سائر مجتمعات الخليج). مقولة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ترجمت إلى واقع عملي عندما عقدت الاتفاقيات الإعمارية مع دولة الإمارات بخصوص إنجاز المدينة الاقتصادية، وهي اتفاقيات تدلل على اتجاه إلى ربط المصالح على أعلى مستوى، ويشمل كل دول مجلس التعاون.
إن التحوط النقدي والخشية من ارتفاع نسب التضخم جراء هذه الفوائض النقدية – والتي قدرها صندوق النقد الدولي بـ 600 مليار دولار حصلت عليها الدول المصدرة للبترول في الشرق الأوسط وآسيا من مبيعات البترول نهاية العام 2006 – يقعان على عاتق مهندسي السياسات النقدية في البنوك المركزية، وبنظري فإن حجم هذا الفائض النقدي لا يثير الدهشة في سوق النقد الأجنبي، حيث لا غرابة ولا دهشة في هذا الحجم من الفائض النقدي، فالبنوك المركزية الآسيوية الضخمة تمتلك أصولاً تقترب قيمتها ثلاثة تريليونات من الدولارات، ويمتلك البنك المركزي الصيني وحده أصولاً تبلغ قيمتها حوالي تريليون دولار، وهذا من شأنه أن يوفر لهذه البنوك قاعدة رأسمالية مماثلة للأصول المجمعة لكافة الشركات الاستثمارية العالمية الكبرى. وطبقاً لدراسة لصندوق النقد الدولي يتوقع فيها أن دول النفط في دول مجلس التعاون الخليجي سوف تتفوق على النمور الآسيوية بحلول نهاية العام الحالي في هذا المجال، حيث تصبح إيداعات هذه الدول هي المصدر الرئيسي للعجز الأمريكي، ويقدر مركز دراسات الطاقة العالمي أن إجمالي عائدات مبيعات أرامكو السعودية للبترول سيصل إلى 139 مليار دولار في العام الحالي مقابل 91 مليار دولار العام الماضي، وبالتالي يتراكم فائض نحو 65 مليار دولار لدى المملكة العربية السعودية، كما أن لديها خطة خمسية بحدود 30 ـ 40 مليار دولار في مجالات البترول والبنية التحتية والإسكان. ومع ذلك فإن استثمار 6 ـ 8 مليارات دولار لن يؤثر في هذا الفائض النقدي الكبير.
ويعتمد البنك المركزي والمؤسسات النقدية على استخدام الوسائل والمعلومات المستخدمة ضمن جهازه وآلياته بالتحكم بالسيولة النقدية لمواكبة حالات التضخم، إذ يقوم بتنظيم أعمال البنوك وفرض سياستها النقدية من خلال تلك البنوك، فبالإضافة إلى إصدار النقد والعملات وترخيص البنوك والمصارف والمؤسسات المالية وتنظيم أعمالها والرقابة عليها، فإن البنوك المركزية تمتلك سلطة رئيسية في رسم السياسات النقدية، والتحكم بمقدار السيولة النقدية المتوافرة في البنوك والمؤسسات والأسواق المالية، فهي قادرة على زيادة وخفض نسبة الاحتياطي المودع لديها والتي تؤدي بالنتيجة إلى زيادة أو تقليل السيولة النقدية المتوافرة في البنوك لغرض الوصول إلى تنظيم الكتلة النقدية في الأسواق، ويلعب البنك المركزي دوراً مهماً في التأثير في المجريات الاقتصادية لهذه الفوائض منها سوق الأوراق المالية، وذلك بتوجيهه لسياسة الائتمان كوسيلة للارتقاء بالاقتصاد الوطني، فإذا كان التضييق في إصدار الائتمان من البنوك يضعف قدرة السوق على الحصول على السيولة اللازمة للاستمرار في عمليات الإنتاج والاستيراد والتصدير، فإن في التوسع في منح الائتمان مخاطر على الاقتصاد وسبيلاً إلى ارتفاع الأسعار نتيجة للفائض المالي وفق النمط الاستهلاكي. ففي إطار المحافظة على درجة متوازية من الائتمان المتاح في الدولة، يقوم البنك المركزي باستعمال وسائل متعددة لتصحيح ثبات القوة الشرائية للنقود، فهو يراقب البنوك العاملة في الدولة، وطنية كانت أم أجنبية، بما يجب أن يتوافر لها من سيولة، ومدى التزامها بأشكال الاستثمار التي يمكن أن تشارك فيها، فضلاً عن احتفاظه بودائع لهذه البنوك لديه بما يعزز دوره الرقابي عليها، كما يزود البنك المركزي الإدارة الحكومية بكل ما تحتاج إليه من مشورة واقتراحات وآراء تمكنها من اتخاذ القرارات السليمة للتعامل مع العناصر المختلفة للاقتصاد.
ولعل أهم ما يضطلع به البنك المركزي في ما يتعلق بحماية سوق الأوراق المالية هو مراقبة النشاط الائتماني في الدولة، بل لقد ذهب البعض إلى اعتبار هذا الالتزام أكبر المهام المنوط بها البنك نظراً لما يكتنف التوسع الكبير في منح الائتمان من مشكلات جمة على الدولة في شتى قطاعاتها وأجهزتها، ويتمتع البنك المركزي بعدة آليات تتيح له فرض رقابته على الائتمان، فهناك مراقبة نوعية الائتمان الممنوح من خلال توجيه مصادر الائتمان إلى قطاع معين، وتقليصه عن آخر بهدف تشجيع الأول وتقييد التعامل بالآخر، ويكون ذلك بإعادة تحديد سقف الفائدة زيادة للأنشطة المرغوبة، وتقليلاً للأخرى، كما أن في تحديد مواعيد استحقاق القروض سبيلاً إلى فرض الرقابة من البنك المركزي على سيولة الائتمان، أما إذا كان البنك المركزي يسعى إلى التقليل من الائتمان بغية سحب السيولة من السوق، فإنه سيعمد إلى وسائل توصله إلى هذا الهدف من دون تمييز في أوجه الصرف.
وتميل سياسة الائتمان المصرفي في دول مجلس التعاون نحو تفضيل الائتمان التجاري خاصة في قطاع التجارة الخارجية وذلك للسيولة العالية التي تتمتع بها البنوك في تلك البلدان، ما أدى إلى أن تحتفظ تلك البنوك باحتياطيات نقدية سائلة كبيرة ومتقلبة، كما أن مستوى أسعار الفائدة القصيرة الأجل السائدة في مراكز النقد الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة واليابان (خاصة سعر الإقراض في سوق اليورو/ دولار)،والناجم عن وجود بنوك أجنبية كثيرة في هذه البلدان يجعل حركة الائتمان وحركة رؤوس الأموال متصلة بشكل وثيق بالأوضاع السائدة في أسواق النقد والمال الغربية، لذلك فإن كثيراً من التقلبات الاقتصادية في أسعار الفائدة مثلاً، وفي الريوع على الأوراق المالية وفي الطلب الأجنبي على الصادرات يتم نقلها إلى الاقتصادات المحلية من خلال القطاع المالي، مما يجعل من الصعب على البنك المركزي عزل الجهاز المصرفي المحلي عن ظروف المراكز المالية الرئيسية ويمنعها من اتباع سياسة نقدية فعالة وحضور دائم لعمليات السوق المفتوحة، وبالتالي فإن البنوك المركزية تقوم بزيادة مقدار الاحتياطي من رأس المال للحد من السيولة في حالات التضخم، وتحد من الزيادة في حالات الكساد على معدل الفائدة الذي هو عبارة عن بوصلة تعطي إشارة للسوق عن سعر الفائدة الذي يستقبل فيه البنك المركزي ودائع المصارف، وعن معدل الفائدة الذي يمنح فيه المركزي المصارف قروضاً عند الحاجة.. إن كل هذه الآليات تقع في إطار ما يسمى إدارة السيولة النقدية للاقتصاد عبر تحقيق أهداف تشغيلية تؤدي إلى السيطرة على مناسيب السيولة وتصب في مسار غايات الاستقرار بعيدة الأجل فإدارة السيولة تتم من زاوية أن التدفقات النقدية يجب أن تنمو بما يوازي التدفقات الحقيقية من السلع والخدمات، وإذا ما توازن سوق النقد وسوق السلع والخدمات فسيتحقق التوازن العام في الاقتصاد الذي يعني أعلى معدلات نمو مرغوبة في الناتج المحلي الإجمالي بأدنى مستوى من التضخم السنوي الذي لا يتعدى في كل الأحوال 3 في المائة سنوياً.
إذاً نجاح السياسة الاقتصادية في تحقيق الاستقرار والنمو في الاقتصاد الخليجي يعتمد على تجانس حزمة من السياسات وأعني بها السياسة المالية والسياسة النقدية وسياسات التشغيل والسياسات الاستثمارية والمشجعة للاستثمار، فإذا لم تفعل وتستخدم مثل هذه الحزم فإنه من الصعب التكهن بأن السياسة النقدية وحدها قادرة على مواجهة التضخم أو الظروف المسببة له، ويكرس البنك المركزي في سياسته النقدية فلسفة ما يسمى ( القواعد والمؤشرات والبيانات) وعلى أساسها ينتهج سياسة نقدية يهدف من خلالها إلى تحقيق الاستقرار في السوق المالية، وهو منهج بديل عن التدخل المباشر في تلك السوق وما يتركه من انقسامات وانحرافات، وقد كان ذلك نتيجة للعلاقات الإيجابية مع معدلات الفائدة، حيث إن ارتفاع معدلات الفائدة دفع بالكثيرين إلى إيداع رؤوس أموالهم بالعملات الوطنية أو العملات الأجنبية، كما أن استمرار الطلب على قروض القطاع الخاص في الارتفاع خلال العام 2006 هو أحد العوامل الأساسية التي أدت إلى نمو عرض النقود، وارتفاع الديّن على القطاع الخاص بنسبة 19.9 في المائة خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام ذاته نتيجة لارتفاع التسهيلات الائتمانية للمقيمين بنسبة 23.2 في المائة، وعلى أساس سنوي، ازداد الدين على القطاع الخاص بنسبة 21.4 في المائة في نهاية أكتوبر 2006. ولا بد من الإشارة إلى أن نمو الطلب على القروض وبشكل مستمر في ظل ارتفاع معدلات الفائدة، هو دليل على تفاقم الطلب على اقتصادات دول مجلس التعاون، إذ يعتمد البنك المركزي بالإضافة إلى ما ذكر من آليات على وسائل متعددة كرفع معدلات الفائدة أو سندات الخزانة العائمة في سبيل تطبيق سياسته النقدية. ومن المتوقع أن يواصل الاقتراض الحكومي تراجعه مع متابعة خزائن المركزي مضاعفة محتوياتها في ظل حفاظ أسعار النفط على مستوياتها المرتفعة، وقد كان التصاعد الأخير في معدل الخصم في البنوك المركزية لدول مجلس التعاون متوقعاً وذلك بسبب ربط سعر صرف عملاتها بالدولار الأمريكي، الذي يتأرجح بهامش ±3.5 في المائة، مما يدعو إلى الموازنة بين معدلات الفائدة على عملات دول مجلس التعاون، والعملات الأجنبية العالمية، ونتيجة لارتفاع معدلات الخصم، شهد معدل الفرق بينها وبين الدولار الأمريكي هبوطاً في أدنى مستوياته وبنسبة 1.6 في المائة في العام 2006. فعلى سبيل المثال فإن حصول تضخم سنوي بنسبة 8 في المائة يؤدي إلى تراجع معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما لا يقل عن واحد في المائة، وباعتقادي أن دول مجلس التعاون سوف تعيد تدوير وتوظيف الأموال بسرعة من خلال تنفيذ برامج تتعلق بإصلاح ووضع السياسات لبناء القدرات وتقديم الخدمات اللازمة لإعادة تأهيل وتطوير البنى التحتية التي تساعد على الاستقرار البشري والمشتملة على التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والإسكان والكهرباء من دون تخوف من حدوث تضخم أو انكماش بعد أن خاضت بنوكها المركزية العديد من التجارب بدءاً من سبعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2632::/cck::
::introtext::

“إن  تحقق فوائض مالية كبيرة جراء ارتفاع أسعار النفط يعطي ثماراً جيدة لشعوب هذه المنطقة، كونه يتجه إلى ربط مصالحها بشكل جيد في ظل هذه الفوائض المالية العالية، والتي نعتبرها فرصة لدول مجلس التعاون كي تبني اقتصادها، وتستكمل بنيتها التحتية، وتقيم اقتصاداً مترابطاً يسمح بإشاعة الرفاهية في سائر مجتمعات الخليج). مقولة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ترجمت إلى واقع عملي عندما عقدت الاتفاقيات الإعمارية مع دولة الإمارات بخصوص إنجاز المدينة الاقتصادية، وهي اتفاقيات تدلل على اتجاه إلى ربط المصالح على أعلى مستوى، ويشمل كل دول مجلس التعاون.

::/introtext::
::fulltext::

“إن تحقق فوائض مالية كبيرة جراء ارتفاع أسعار النفط يعطي ثماراً جيدة لشعوب هذه المنطقة، كونه يتجه إلى ربط مصالحها بشكل جيد في ظل هذه الفوائض المالية العالية، والتي نعتبرها فرصة لدول مجلس التعاون كي تبني اقتصادها، وتستكمل بنيتها التحتية، وتقيم اقتصاداً مترابطاً يسمح بإشاعة الرفاهية في سائر مجتمعات الخليج). مقولة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ترجمت إلى واقع عملي عندما عقدت الاتفاقيات الإعمارية مع دولة الإمارات بخصوص إنجاز المدينة الاقتصادية، وهي اتفاقيات تدلل على اتجاه إلى ربط المصالح على أعلى مستوى، ويشمل كل دول مجلس التعاون.
إن التحوط النقدي والخشية من ارتفاع نسب التضخم جراء هذه الفوائض النقدية – والتي قدرها صندوق النقد الدولي بـ 600 مليار دولار حصلت عليها الدول المصدرة للبترول في الشرق الأوسط وآسيا من مبيعات البترول نهاية العام 2006 – يقعان على عاتق مهندسي السياسات النقدية في البنوك المركزية، وبنظري فإن حجم هذا الفائض النقدي لا يثير الدهشة في سوق النقد الأجنبي، حيث لا غرابة ولا دهشة في هذا الحجم من الفائض النقدي، فالبنوك المركزية الآسيوية الضخمة تمتلك أصولاً تقترب قيمتها ثلاثة تريليونات من الدولارات، ويمتلك البنك المركزي الصيني وحده أصولاً تبلغ قيمتها حوالي تريليون دولار، وهذا من شأنه أن يوفر لهذه البنوك قاعدة رأسمالية مماثلة للأصول المجمعة لكافة الشركات الاستثمارية العالمية الكبرى. وطبقاً لدراسة لصندوق النقد الدولي يتوقع فيها أن دول النفط في دول مجلس التعاون الخليجي سوف تتفوق على النمور الآسيوية بحلول نهاية العام الحالي في هذا المجال، حيث تصبح إيداعات هذه الدول هي المصدر الرئيسي للعجز الأمريكي، ويقدر مركز دراسات الطاقة العالمي أن إجمالي عائدات مبيعات أرامكو السعودية للبترول سيصل إلى 139 مليار دولار في العام الحالي مقابل 91 مليار دولار العام الماضي، وبالتالي يتراكم فائض نحو 65 مليار دولار لدى المملكة العربية السعودية، كما أن لديها خطة خمسية بحدود 30 ـ 40 مليار دولار في مجالات البترول والبنية التحتية والإسكان. ومع ذلك فإن استثمار 6 ـ 8 مليارات دولار لن يؤثر في هذا الفائض النقدي الكبير.
ويعتمد البنك المركزي والمؤسسات النقدية على استخدام الوسائل والمعلومات المستخدمة ضمن جهازه وآلياته بالتحكم بالسيولة النقدية لمواكبة حالات التضخم، إذ يقوم بتنظيم أعمال البنوك وفرض سياستها النقدية من خلال تلك البنوك، فبالإضافة إلى إصدار النقد والعملات وترخيص البنوك والمصارف والمؤسسات المالية وتنظيم أعمالها والرقابة عليها، فإن البنوك المركزية تمتلك سلطة رئيسية في رسم السياسات النقدية، والتحكم بمقدار السيولة النقدية المتوافرة في البنوك والمؤسسات والأسواق المالية، فهي قادرة على زيادة وخفض نسبة الاحتياطي المودع لديها والتي تؤدي بالنتيجة إلى زيادة أو تقليل السيولة النقدية المتوافرة في البنوك لغرض الوصول إلى تنظيم الكتلة النقدية في الأسواق، ويلعب البنك المركزي دوراً مهماً في التأثير في المجريات الاقتصادية لهذه الفوائض منها سوق الأوراق المالية، وذلك بتوجيهه لسياسة الائتمان كوسيلة للارتقاء بالاقتصاد الوطني، فإذا كان التضييق في إصدار الائتمان من البنوك يضعف قدرة السوق على الحصول على السيولة اللازمة للاستمرار في عمليات الإنتاج والاستيراد والتصدير، فإن في التوسع في منح الائتمان مخاطر على الاقتصاد وسبيلاً إلى ارتفاع الأسعار نتيجة للفائض المالي وفق النمط الاستهلاكي. ففي إطار المحافظة على درجة متوازية من الائتمان المتاح في الدولة، يقوم البنك المركزي باستعمال وسائل متعددة لتصحيح ثبات القوة الشرائية للنقود، فهو يراقب البنوك العاملة في الدولة، وطنية كانت أم أجنبية، بما يجب أن يتوافر لها من سيولة، ومدى التزامها بأشكال الاستثمار التي يمكن أن تشارك فيها، فضلاً عن احتفاظه بودائع لهذه البنوك لديه بما يعزز دوره الرقابي عليها، كما يزود البنك المركزي الإدارة الحكومية بكل ما تحتاج إليه من مشورة واقتراحات وآراء تمكنها من اتخاذ القرارات السليمة للتعامل مع العناصر المختلفة للاقتصاد.
ولعل أهم ما يضطلع به البنك المركزي في ما يتعلق بحماية سوق الأوراق المالية هو مراقبة النشاط الائتماني في الدولة، بل لقد ذهب البعض إلى اعتبار هذا الالتزام أكبر المهام المنوط بها البنك نظراً لما يكتنف التوسع الكبير في منح الائتمان من مشكلات جمة على الدولة في شتى قطاعاتها وأجهزتها، ويتمتع البنك المركزي بعدة آليات تتيح له فرض رقابته على الائتمان، فهناك مراقبة نوعية الائتمان الممنوح من خلال توجيه مصادر الائتمان إلى قطاع معين، وتقليصه عن آخر بهدف تشجيع الأول وتقييد التعامل بالآخر، ويكون ذلك بإعادة تحديد سقف الفائدة زيادة للأنشطة المرغوبة، وتقليلاً للأخرى، كما أن في تحديد مواعيد استحقاق القروض سبيلاً إلى فرض الرقابة من البنك المركزي على سيولة الائتمان، أما إذا كان البنك المركزي يسعى إلى التقليل من الائتمان بغية سحب السيولة من السوق، فإنه سيعمد إلى وسائل توصله إلى هذا الهدف من دون تمييز في أوجه الصرف.
وتميل سياسة الائتمان المصرفي في دول مجلس التعاون نحو تفضيل الائتمان التجاري خاصة في قطاع التجارة الخارجية وذلك للسيولة العالية التي تتمتع بها البنوك في تلك البلدان، ما أدى إلى أن تحتفظ تلك البنوك باحتياطيات نقدية سائلة كبيرة ومتقلبة، كما أن مستوى أسعار الفائدة القصيرة الأجل السائدة في مراكز النقد الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة واليابان (خاصة سعر الإقراض في سوق اليورو/ دولار)،والناجم عن وجود بنوك أجنبية كثيرة في هذه البلدان يجعل حركة الائتمان وحركة رؤوس الأموال متصلة بشكل وثيق بالأوضاع السائدة في أسواق النقد والمال الغربية، لذلك فإن كثيراً من التقلبات الاقتصادية في أسعار الفائدة مثلاً، وفي الريوع على الأوراق المالية وفي الطلب الأجنبي على الصادرات يتم نقلها إلى الاقتصادات المحلية من خلال القطاع المالي، مما يجعل من الصعب على البنك المركزي عزل الجهاز المصرفي المحلي عن ظروف المراكز المالية الرئيسية ويمنعها من اتباع سياسة نقدية فعالة وحضور دائم لعمليات السوق المفتوحة، وبالتالي فإن البنوك المركزية تقوم بزيادة مقدار الاحتياطي من رأس المال للحد من السيولة في حالات التضخم، وتحد من الزيادة في حالات الكساد على معدل الفائدة الذي هو عبارة عن بوصلة تعطي إشارة للسوق عن سعر الفائدة الذي يستقبل فيه البنك المركزي ودائع المصارف، وعن معدل الفائدة الذي يمنح فيه المركزي المصارف قروضاً عند الحاجة.. إن كل هذه الآليات تقع في إطار ما يسمى إدارة السيولة النقدية للاقتصاد عبر تحقيق أهداف تشغيلية تؤدي إلى السيطرة على مناسيب السيولة وتصب في مسار غايات الاستقرار بعيدة الأجل فإدارة السيولة تتم من زاوية أن التدفقات النقدية يجب أن تنمو بما يوازي التدفقات الحقيقية من السلع والخدمات، وإذا ما توازن سوق النقد وسوق السلع والخدمات فسيتحقق التوازن العام في الاقتصاد الذي يعني أعلى معدلات نمو مرغوبة في الناتج المحلي الإجمالي بأدنى مستوى من التضخم السنوي الذي لا يتعدى في كل الأحوال 3 في المائة سنوياً.
إذاً نجاح السياسة الاقتصادية في تحقيق الاستقرار والنمو في الاقتصاد الخليجي يعتمد على تجانس حزمة من السياسات وأعني بها السياسة المالية والسياسة النقدية وسياسات التشغيل والسياسات الاستثمارية والمشجعة للاستثمار، فإذا لم تفعل وتستخدم مثل هذه الحزم فإنه من الصعب التكهن بأن السياسة النقدية وحدها قادرة على مواجهة التضخم أو الظروف المسببة له، ويكرس البنك المركزي في سياسته النقدية فلسفة ما يسمى ( القواعد والمؤشرات والبيانات) وعلى أساسها ينتهج سياسة نقدية يهدف من خلالها إلى تحقيق الاستقرار في السوق المالية، وهو منهج بديل عن التدخل المباشر في تلك السوق وما يتركه من انقسامات وانحرافات، وقد كان ذلك نتيجة للعلاقات الإيجابية مع معدلات الفائدة، حيث إن ارتفاع معدلات الفائدة دفع بالكثيرين إلى إيداع رؤوس أموالهم بالعملات الوطنية أو العملات الأجنبية، كما أن استمرار الطلب على قروض القطاع الخاص في الارتفاع خلال العام 2006 هو أحد العوامل الأساسية التي أدت إلى نمو عرض النقود، وارتفاع الديّن على القطاع الخاص بنسبة 19.9 في المائة خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام ذاته نتيجة لارتفاع التسهيلات الائتمانية للمقيمين بنسبة 23.2 في المائة، وعلى أساس سنوي، ازداد الدين على القطاع الخاص بنسبة 21.4 في المائة في نهاية أكتوبر 2006. ولا بد من الإشارة إلى أن نمو الطلب على القروض وبشكل مستمر في ظل ارتفاع معدلات الفائدة، هو دليل على تفاقم الطلب على اقتصادات دول مجلس التعاون، إذ يعتمد البنك المركزي بالإضافة إلى ما ذكر من آليات على وسائل متعددة كرفع معدلات الفائدة أو سندات الخزانة العائمة في سبيل تطبيق سياسته النقدية. ومن المتوقع أن يواصل الاقتراض الحكومي تراجعه مع متابعة خزائن المركزي مضاعفة محتوياتها في ظل حفاظ أسعار النفط على مستوياتها المرتفعة، وقد كان التصاعد الأخير في معدل الخصم في البنوك المركزية لدول مجلس التعاون متوقعاً وذلك بسبب ربط سعر صرف عملاتها بالدولار الأمريكي، الذي يتأرجح بهامش ±3.5 في المائة، مما يدعو إلى الموازنة بين معدلات الفائدة على عملات دول مجلس التعاون، والعملات الأجنبية العالمية، ونتيجة لارتفاع معدلات الخصم، شهد معدل الفرق بينها وبين الدولار الأمريكي هبوطاً في أدنى مستوياته وبنسبة 1.6 في المائة في العام 2006. فعلى سبيل المثال فإن حصول تضخم سنوي بنسبة 8 في المائة يؤدي إلى تراجع معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما لا يقل عن واحد في المائة، وباعتقادي أن دول مجلس التعاون سوف تعيد تدوير وتوظيف الأموال بسرعة من خلال تنفيذ برامج تتعلق بإصلاح ووضع السياسات لبناء القدرات وتقديم الخدمات اللازمة لإعادة تأهيل وتطوير البنى التحتية التي تساعد على الاستقرار البشري والمشتملة على التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والإسكان والكهرباء من دون تخوف من حدوث تضخم أو انكماش بعد أن خاضت بنوكها المركزية العديد من التجارب بدءاً من سبعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

::/fulltext::
::cck::2632::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *