أسواق المال الخليجية بين التفسيرات الجزئية والكلية
::cck::2633::/cck::
::introtext::
ربما لا توجد ظاهرة مستجدة على الساحة الخليجية في العقد الأخير تضطرب فيها التفسيرات والتحليلات مثل ظاهرة الاتجار والمضاربة في سوق الأسهم. ولا يعود ذلك إلى حداثة نشأة أسواق المال الخليجية، التي بدأ معظمها العمل في أواخر القرن العشرين، بل إن البعض منها مثل الأسواق الإماراتية بدأت العمل مع بدايات القرن الواحد والعشرين، ولكنه يعود للتأثيرات المباشرة لهذه الظاهرة على المواطن العادي الذي يضارب في البورصة، ويتعامل مع أسواق المال المختلفة.
::/introtext::
::fulltext::
ربما لا توجد ظاهرة مستجدة على الساحة الخليجية في العقد الأخير تضطرب فيها التفسيرات والتحليلات مثل ظاهرة الاتجار والمضاربة في سوق الأسهم. ولا يعود ذلك إلى حداثة نشأة أسواق المال الخليجية، التي بدأ معظمها العمل في أواخر القرن العشرين، بل إن البعض منها مثل الأسواق الإماراتية بدأت العمل مع بدايات القرن الواحد والعشرين، ولكنه يعود للتأثيرات المباشرة لهذه الظاهرة على المواطن العادي الذي يضارب في البورصة، ويتعامل مع أسواق المال المختلفة. فمع فترة ازدهار أسواق المال الخليجية في الفترة من 2001 وحتى 2005، وهي الفترة التي يطلق عليها الكثيرون فترة الصعود، أصبحت الأسهم حديث كل الخليجيين وهمهم اليومي المعتاد. وربما لا توجد طبقة واحدة تعبر عن الانتماءات الخليجية المختلفة لم تتأثر بما يحدث في سوق الأسهم.
في ظل المكاسب الفلكية التي حصل عليها المواطنون الخليجيون في تلك الفترة لم يعد العائد المالي من وظائفهم الحكومية أو من أعمالهم الخاصة يُرضيهم أو يمثل بالنسبة لهم تلك الأهمية التي ارتضوها في الماضي. وهو الأمر الذي يفسر الأسباب التي من أجلها قدم البعض استقالاتهم من وظائفهم من أجل التفرغ لمتابعة حركة الأسهم وجني الأرباح. فهناك فرق كبير بين العمل طوال النهار من أجل مرتب ثابت معروف ومحدد مسبقاً وبين متابعة شاشات الكمبيوتر والتفرغ لها لمدة ساعتين مع ما يرتبط بذلك من جني للأرباح الهائلة. وهو الأمر الذي يكشف عن مدى تغلغل مسألة الأسهم في القضايا القيمية الحياتية المؤثرة مثل قضية العمل، وأهميته بالنسبة للمواطن. فالاتجار في الأسهم والمضاربة عليها، رغم المكاسب الهائلة التي قد يحققانها، إلا أنه يجب ألا يفوق ذلك في أهميته قيمة العمل والإشباع الذي يمثله بالنسبة للأفراد، وهو ما ثبت عكسه في ظل حمى الاتجار في الأسهم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى قيام البنوك ذاتها بتمويل الأفراد من أجل شراء الأسهم، وهو ما يعني أن البنوك ذاتها بديلاً عن تمويلها لمشروعات إنتاجية حقيقية آثرت أن تمول الأفراد من أجل تحقيق المكاسب السريعة التي تضر بالقطاع الإنتاجي على المدى البعيد. واللافت للنظر هنا أن من لم يستطع أن يحصل على قرض من البنوك لتمويل شراء الأسهم، اضطر إلى الاستدانة من أجل تمويل عمليات الشراء المتتابعة والمتواصلة.
ولأن سوق الأسهم تعني الهبوط مثلما تعني الصعود، وهو ما لم يتوقعه الخليجيون، أو توقعوه وأغمضوا الطرف عنه في ظل المكاسب المتصاعدة، فإن الخسائر الفادحة التي جاءت مصاحبة لعام 2006 قد أفقدتهم صوابهم، وأدت بالكثيرين إلى تحليل واقع أسواق المال الخليجية، والتأثيرات المتوقعة المرتبطة بها. وهي خسائر وصلت إلى ما مقداره 442 مليار دولار في عام 2006 وحده. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت أسواق المال الخليجية الشغل الشاغل لهؤلاء الخاسرين، ناهيك عن المحللين الاقتصاديين، الذين هبوا لتفسير وقائع عام 2006 الأسود وتبعاته على واقع أسواق الأسهم الخليجية.
إن ظاهرة الاتجار في الأسهم والمضاربة عليها، ليست ظاهرة اقتصادية فقط، كما يحلو للبعض أن يفسرها. فالظاهرة، رغم أبعادها الاقتصادية الواضحة والأكثر بروزاًً، هي ظاهرة مجتمعية عامة لها جوانبها الاقتصادية والسياسية والمجتمعية والقيمية. ومن دون الربط بين هذه الجوانب مجتمعة تستحيل الظاهرة إلى مجرد عرض وطلب، وربما إلى مجرد مكسب وخسارة. كما أن الاقتصار على جانب من هذه الجوانب دون الجوانب الأخرى يختزل الظاهرة في بُعد واحد، ويملي عليها تفسيراً واحداً أبعد ما يكون عن الفهم الحقيقي والشامل لها.
فالبعض يتحدث عن الأدوار السلبية التي قام بها المستثمرون الصغار في الهبوط الأخير لأسواق الأسهم الخليجية. فهؤلاء المستثمرون من وجهة نظر هؤلاء المحللين ليست لديهم خبرة كافية في التعامل مع أسواق الأسهم، وهم يتعاملون مع الجانب المالي المحدد لسعر الأسهم من دون الارتكان إلى جوانبه الاقتصادية والتيقن من مدى ثبات وضعية الشركات التي تطرحه. وهؤلاء هم أول من يلجأً للشراء عند انخفاض الأسعار رافعين أسعار الكثير من الأسهم التي لا تستحق هذا الارتفاع، كما أن هؤلاء هم أول من يبيعون الأسهم عند حدوث أي انخفاض، متسببين في تدهور أسعار الكثير من الأسهم التي لا تستحق وضعيتها هذا الانخفاض.
وهذا تحليل، رغم ما فيه من جوانب كبيرة من الصحة، فإنه يتناسى مسؤولية هيئات سوق المال والمؤسسات الرسمية والحكومية عن توعية الجماهير، وفرض عقوبات صارمة على المتلاعبين في أسواق المال، والمتسببين في خداع المواطنين العاديين. فالحديث عن أهمية شفافية الشركات وضرورة إعلانها عن حقيقة وضعية الأسهم التي تطرحها يظل حديثاً دعائياً يتزايد في أوقات الملمات والمصائب التي تحل بجمهور المتعاملين المتوسطين من دون أن تتم برمجته إلى قوانين محددة وعقوبات رادعة للشركات الزائفة والكاذبة. وهذه هي إحدى مآسي أسواق المال الخليجية أنها لا تتحرك فقط إلا في أوقات الأزمات في سبيل تعويض الخاسرين مادياً ومعنوياً في الوقت نفسه. أما في أوقات الرواج أو الثبات فإنه لا يتحرك أحد من أجل الوصول إلى المزيد من الثبات وتفعيل الاستقرار.
إن مسألة التمييز بين المستثمرين الصغار والمؤسسين الكبار، وإلقاء اللوم على أي منهما، مسألة خطيرة إلى حد بعيد. صحيح أن المستثمرين الصغار هم أول من يدفع الثمن، كما أن حجم التأثيرات الناجمة عن خسائرهم تتعاظم إلى جانب ما يواجهه المؤسسون الكبار. ولعل هذه الخسائر الفادحة التي واجهها هؤلاء المستثمرون الصغار هي ما دفع الكثير منهم للتظاهر في العديد من الدول الخليجية، مثال هذه التظاهرات التي حدثت في الكويت إبان الانهيارات الأخيرة لبورصة الكويت. ورغم ما يكابده هؤلاء المستثمرون الصغار فإنه لا يمكن هنا إغفال ما يواجهه المؤسسون الكبار أيضا،ً حيث يدفعون أثماناً باهظة أخرى تتمثل في عدم استقرار شركاتهم ومؤسساتهم، وربما انهيارها، إضافة للخسائر الهائلة المرتبطة بأسهم شركاتهم ومؤسساتهم، والتي ربما لا يستطيع البعض منهم أيضاً تحملها. وهنا تبرز مسألة أخرى على قدر كبير من الأهمية تتعلق بالنسيج الاجتماعي في الدول الخليجية والمشكلات الناجمة عنه سياسياً، نتيجة للتأثيرات السلبية الناجمة عن خسائر البورصة لصغار المستثمرين. فمعظم صغار المستثمرين ينتمون إلى الشرائح الواسعة من الطبقة الوسطى الخليجية الحديثة النشأة، التي اعتمدت في نشأتها على الدولة بشكل كبير، كما أنها وجدت في المضاربة في الأسهم فرصتها التاريخية لتعظيم مكاسبها.
وسواء أكان أبناء هذه الطبقة الجديدة يفهمون في البورصة أو لا يفهمون فإنهم قبلوا المقامرة، ودخلوا سوق الأسهم، مُسلحين بأخلاقيات الطبقة الوسطى المشحونة بالتطلعات الاستهلاكية وبالرغبة المريضة، في أحيان كثيرة، في التشبه بالطبقات العليا البالغة الثراء. وحينما واجه أبناء هذه الطبقة هذه الخسائر الفادحة والمدمرة فإن ذلك يجعلهم لا محالة يمثلون قنابل موقوتة تؤثر في النسيج الاجتماعي في الدول الخليجية، هذا النسيج الذي استطاعت النظم الخليجية الحاكمة، منذ ظهور النفط وحتى الآن، الحفاظ على تماسكه واستقراره بدرجة كبيرة من النجاح. كما أن المشاعر غير المُرضية التي تنتاب أبناء هذه الطبقة جراء الخسائر المرتبطة بسوق الأسهم، قد تقذف بهم لتيارات راديكالية تؤسس خطابها على القيم الأخلاقية والدينية، وإن كان ذلك لا يعكس حقيقة توجهاتها، لكنها طبيعة المعارك والصراعات الأيديولوجية التي تُبرر من خلالها كل الوسائل.
إن من الأهمية بمكان مراعاة هذا البعد الاجتماعي، شبه المُغفل في التحليلات الاقتصادية الخاصة بأسواق المال الخليجية، فالمسألة في النهاية ليست مجرد أموال يتم ضخها في جيوب المواطنين أو يتم (شفطها) منهم، وليست أيضاً مجرد مكسب وخسارة فقط، لكنها مسألة بنيات مجتمعية وعلاقات شرائح وطبقات اجتماعية مختلفة، يجب التيقن من شفافية علاقاتها وتماسك تفاعلها.
وفي هذا السياق لابد من التأكيد على أن التعامل مع أزمة أسواق المال الخليجية يجب ألا يتم من منطلق سن القوانين والتشريعات المختلفة، بل يجب أن يستند بالأساس إلى هذا القدر من الشفافية والثقة بين كافة المتعاملين في البورصة، شركات ومؤسسين ومستثمرين وحكومات. فالاستناد إلى هذا القدر من الشفافية والثقة سيغلق الباب أمام أي تفسيرات قد تكون صادقة أو مغرضة، كما سيقف بصلابة أمام أية شائعات تذبذب من مستوى الأسواق المالية، وربما تهدد بسقوطها.
ويرتبط بذلك أيضاً ضرورة توسيع دائرة الثقافة الاستثمارية، فالاستثمار في سوق المال يستدعي من المواطن العادي أن يكون ملماً بما هو مقدم عليه. فالمسألة ليست شراء أسهم ثم بيعها رغبة في مكسب سريع ووقتي، بل إنها أكبر من ذلك، حيث تتعلق بالاقتصاد القومي ككل، وهو ما يجهله معظم جمهور المستثمرين الصغار حتى الآن أو يعرفونه ويتجاهلونه. وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكد هنا أن المضاربة في الأسواق المالية مسألة أخلاقية، مثلها مثل كافة أشكال التجارة الأخرى. وعلى ما يبدو أن المجتمعات العربية عامة والخليجية على وجه الخصوص لا تزال بعيدة عن إدراك أهمية وخطور الاستثمار في أسواق المال حتى الآن.
ولا يقف الأمر عند نشر الثقافة الاستثمارية بين الجمهور العادي فقط ، بل يتعداه أيضاً إلى تعريف هذا الجمهور بحقيقة الوضع الاستثماري والأسباب الحقيقية للانهيارات الحادثة في أسواق المال الخليجية. فيجب عدم الوقوف فقط عند أن ما يحدث الآن هو دائرة الهبوط بالنظر لدائرة الصعود التي عايشتها الأسهم الخليجية لمدة خمس سنوات متتالية. فما الذي جعل الأسهم تتصاعد بمثل هذا الشكل طوال خمس سنوات؟ وما الذي جعلها تنهار الآن؟ بالتأكيد هذه من النوعية من التساؤلات تعتمل في أذهان الخاسرين الآن، وتحتاج إلى إجابات دقيقة وواضحة ومُقنعة في الوقت نفسه لهم من جانب المتخصصين في الأسواق المالية الخليجية. كما يجب عدم الفصل بين الوضع الاقتصادي العام وتدهور أسواق الأسهم، فمن غير المقنع اقتصادياً ومنطقياً القول إن الوضع الاقتصادي على ما يرام، بينما هناك تدهور في أسعار الأسهم المرتبطة بقيمة هذه المؤسسات الاقتصادية.
وفي ظل الوضعية الجيوسياسية للدول الخليجية عامة لا يمكن الفصل بين سوق الأسهم والتداعيات المرتبطة به والأجواء السياسية المحيطة، فلا يزال الاقتصاد الخليجي مشدوداً بكليته للتداعيات المحيطة به على المستوى السياسي. فما حدث إبان حرب الخليج الأولى، والتأثيرات الناجمة عنها، التي تمثلت في الخلل الحادث في ميزان المدفوعات لبعض الدول الخليجية لسنوات طويلة، يكشف عن ذلك الارتباط الحاد بين مسيرة الاقتصاد الخليجي وما يتعرض له من أحداث مفاجئة.
كما يكشف أن النفط لا يزال يلعب دوراً كبيراً في علاج المستجدات الاقتصادية، وعلى رأسها تدهور الأسهم. فبديلاً عن توجيه فوائض البترول الحالية نحو المزيد من المشروعات الإنتاجية اتجهت بعض الدول مثل المملكة العربية السعودية لإنشاء صنايق جديدة تمكن من تخفيف الآثار السلبية على صغار المستثمرين. وهو حل، رغم ما ينطوي عليه من جوانب اجتماعية (تخفيفية) جيدة، إلا أنه على المدى البعيد، يجعل من عامل النفط عاملاًً (تسكينياً) أكثر من كونه عاملاً إنتاجياً حقيقياً يصب في صالح الأجيال القادمة ومن أجل مستقبلها المنشود.
إن أزمة أسواق الأموال الخليجية ليست أزمة عابرة كما قد يظن البعض، لكنها تلك النوعية من الأزمات التي تتجسد من خلالها الطبيعة الاقتصادية المرتبطة بالمجتمعات الخليجية عامة، حيث ترتبط بالطابع الاستهلاكي بشكل عام وبالاعتماد المفرط على النفط كمصدر ريعي أساسي للدخل والتشابك مع المستجدات الإقليمية والعالمية السياسية المحيطة. من هنا فإن الوقوف عند التفسيرات الجزئية المرتبطة الصلة بكل هذه العوامل الداخلية الإقليمية والعالمية، سوف يقود إلى تفسيرات مجتزأة وحلول تسكينية، مُهملاً في الوقت نفسه التحليلات والتفسيرات الكلية الأكثر كفاءة والأكثر قدرة على وضع حلول جذرية لمسألة أسواق المال الخليجية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2633::/cck::
::introtext::
ربما لا توجد ظاهرة مستجدة على الساحة الخليجية في العقد الأخير تضطرب فيها التفسيرات والتحليلات مثل ظاهرة الاتجار والمضاربة في سوق الأسهم. ولا يعود ذلك إلى حداثة نشأة أسواق المال الخليجية، التي بدأ معظمها العمل في أواخر القرن العشرين، بل إن البعض منها مثل الأسواق الإماراتية بدأت العمل مع بدايات القرن الواحد والعشرين، ولكنه يعود للتأثيرات المباشرة لهذه الظاهرة على المواطن العادي الذي يضارب في البورصة، ويتعامل مع أسواق المال المختلفة.
::/introtext::
::fulltext::
ربما لا توجد ظاهرة مستجدة على الساحة الخليجية في العقد الأخير تضطرب فيها التفسيرات والتحليلات مثل ظاهرة الاتجار والمضاربة في سوق الأسهم. ولا يعود ذلك إلى حداثة نشأة أسواق المال الخليجية، التي بدأ معظمها العمل في أواخر القرن العشرين، بل إن البعض منها مثل الأسواق الإماراتية بدأت العمل مع بدايات القرن الواحد والعشرين، ولكنه يعود للتأثيرات المباشرة لهذه الظاهرة على المواطن العادي الذي يضارب في البورصة، ويتعامل مع أسواق المال المختلفة. فمع فترة ازدهار أسواق المال الخليجية في الفترة من 2001 وحتى 2005، وهي الفترة التي يطلق عليها الكثيرون فترة الصعود، أصبحت الأسهم حديث كل الخليجيين وهمهم اليومي المعتاد. وربما لا توجد طبقة واحدة تعبر عن الانتماءات الخليجية المختلفة لم تتأثر بما يحدث في سوق الأسهم.
في ظل المكاسب الفلكية التي حصل عليها المواطنون الخليجيون في تلك الفترة لم يعد العائد المالي من وظائفهم الحكومية أو من أعمالهم الخاصة يُرضيهم أو يمثل بالنسبة لهم تلك الأهمية التي ارتضوها في الماضي. وهو الأمر الذي يفسر الأسباب التي من أجلها قدم البعض استقالاتهم من وظائفهم من أجل التفرغ لمتابعة حركة الأسهم وجني الأرباح. فهناك فرق كبير بين العمل طوال النهار من أجل مرتب ثابت معروف ومحدد مسبقاً وبين متابعة شاشات الكمبيوتر والتفرغ لها لمدة ساعتين مع ما يرتبط بذلك من جني للأرباح الهائلة. وهو الأمر الذي يكشف عن مدى تغلغل مسألة الأسهم في القضايا القيمية الحياتية المؤثرة مثل قضية العمل، وأهميته بالنسبة للمواطن. فالاتجار في الأسهم والمضاربة عليها، رغم المكاسب الهائلة التي قد يحققانها، إلا أنه يجب ألا يفوق ذلك في أهميته قيمة العمل والإشباع الذي يمثله بالنسبة للأفراد، وهو ما ثبت عكسه في ظل حمى الاتجار في الأسهم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى قيام البنوك ذاتها بتمويل الأفراد من أجل شراء الأسهم، وهو ما يعني أن البنوك ذاتها بديلاً عن تمويلها لمشروعات إنتاجية حقيقية آثرت أن تمول الأفراد من أجل تحقيق المكاسب السريعة التي تضر بالقطاع الإنتاجي على المدى البعيد. واللافت للنظر هنا أن من لم يستطع أن يحصل على قرض من البنوك لتمويل شراء الأسهم، اضطر إلى الاستدانة من أجل تمويل عمليات الشراء المتتابعة والمتواصلة.
ولأن سوق الأسهم تعني الهبوط مثلما تعني الصعود، وهو ما لم يتوقعه الخليجيون، أو توقعوه وأغمضوا الطرف عنه في ظل المكاسب المتصاعدة، فإن الخسائر الفادحة التي جاءت مصاحبة لعام 2006 قد أفقدتهم صوابهم، وأدت بالكثيرين إلى تحليل واقع أسواق المال الخليجية، والتأثيرات المتوقعة المرتبطة بها. وهي خسائر وصلت إلى ما مقداره 442 مليار دولار في عام 2006 وحده. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت أسواق المال الخليجية الشغل الشاغل لهؤلاء الخاسرين، ناهيك عن المحللين الاقتصاديين، الذين هبوا لتفسير وقائع عام 2006 الأسود وتبعاته على واقع أسواق الأسهم الخليجية.
إن ظاهرة الاتجار في الأسهم والمضاربة عليها، ليست ظاهرة اقتصادية فقط، كما يحلو للبعض أن يفسرها. فالظاهرة، رغم أبعادها الاقتصادية الواضحة والأكثر بروزاًً، هي ظاهرة مجتمعية عامة لها جوانبها الاقتصادية والسياسية والمجتمعية والقيمية. ومن دون الربط بين هذه الجوانب مجتمعة تستحيل الظاهرة إلى مجرد عرض وطلب، وربما إلى مجرد مكسب وخسارة. كما أن الاقتصار على جانب من هذه الجوانب دون الجوانب الأخرى يختزل الظاهرة في بُعد واحد، ويملي عليها تفسيراً واحداً أبعد ما يكون عن الفهم الحقيقي والشامل لها.
فالبعض يتحدث عن الأدوار السلبية التي قام بها المستثمرون الصغار في الهبوط الأخير لأسواق الأسهم الخليجية. فهؤلاء المستثمرون من وجهة نظر هؤلاء المحللين ليست لديهم خبرة كافية في التعامل مع أسواق الأسهم، وهم يتعاملون مع الجانب المالي المحدد لسعر الأسهم من دون الارتكان إلى جوانبه الاقتصادية والتيقن من مدى ثبات وضعية الشركات التي تطرحه. وهؤلاء هم أول من يلجأً للشراء عند انخفاض الأسعار رافعين أسعار الكثير من الأسهم التي لا تستحق هذا الارتفاع، كما أن هؤلاء هم أول من يبيعون الأسهم عند حدوث أي انخفاض، متسببين في تدهور أسعار الكثير من الأسهم التي لا تستحق وضعيتها هذا الانخفاض.
وهذا تحليل، رغم ما فيه من جوانب كبيرة من الصحة، فإنه يتناسى مسؤولية هيئات سوق المال والمؤسسات الرسمية والحكومية عن توعية الجماهير، وفرض عقوبات صارمة على المتلاعبين في أسواق المال، والمتسببين في خداع المواطنين العاديين. فالحديث عن أهمية شفافية الشركات وضرورة إعلانها عن حقيقة وضعية الأسهم التي تطرحها يظل حديثاً دعائياً يتزايد في أوقات الملمات والمصائب التي تحل بجمهور المتعاملين المتوسطين من دون أن تتم برمجته إلى قوانين محددة وعقوبات رادعة للشركات الزائفة والكاذبة. وهذه هي إحدى مآسي أسواق المال الخليجية أنها لا تتحرك فقط إلا في أوقات الأزمات في سبيل تعويض الخاسرين مادياً ومعنوياً في الوقت نفسه. أما في أوقات الرواج أو الثبات فإنه لا يتحرك أحد من أجل الوصول إلى المزيد من الثبات وتفعيل الاستقرار.
إن مسألة التمييز بين المستثمرين الصغار والمؤسسين الكبار، وإلقاء اللوم على أي منهما، مسألة خطيرة إلى حد بعيد. صحيح أن المستثمرين الصغار هم أول من يدفع الثمن، كما أن حجم التأثيرات الناجمة عن خسائرهم تتعاظم إلى جانب ما يواجهه المؤسسون الكبار. ولعل هذه الخسائر الفادحة التي واجهها هؤلاء المستثمرون الصغار هي ما دفع الكثير منهم للتظاهر في العديد من الدول الخليجية، مثال هذه التظاهرات التي حدثت في الكويت إبان الانهيارات الأخيرة لبورصة الكويت. ورغم ما يكابده هؤلاء المستثمرون الصغار فإنه لا يمكن هنا إغفال ما يواجهه المؤسسون الكبار أيضا،ً حيث يدفعون أثماناً باهظة أخرى تتمثل في عدم استقرار شركاتهم ومؤسساتهم، وربما انهيارها، إضافة للخسائر الهائلة المرتبطة بأسهم شركاتهم ومؤسساتهم، والتي ربما لا يستطيع البعض منهم أيضاً تحملها. وهنا تبرز مسألة أخرى على قدر كبير من الأهمية تتعلق بالنسيج الاجتماعي في الدول الخليجية والمشكلات الناجمة عنه سياسياً، نتيجة للتأثيرات السلبية الناجمة عن خسائر البورصة لصغار المستثمرين. فمعظم صغار المستثمرين ينتمون إلى الشرائح الواسعة من الطبقة الوسطى الخليجية الحديثة النشأة، التي اعتمدت في نشأتها على الدولة بشكل كبير، كما أنها وجدت في المضاربة في الأسهم فرصتها التاريخية لتعظيم مكاسبها.
وسواء أكان أبناء هذه الطبقة الجديدة يفهمون في البورصة أو لا يفهمون فإنهم قبلوا المقامرة، ودخلوا سوق الأسهم، مُسلحين بأخلاقيات الطبقة الوسطى المشحونة بالتطلعات الاستهلاكية وبالرغبة المريضة، في أحيان كثيرة، في التشبه بالطبقات العليا البالغة الثراء. وحينما واجه أبناء هذه الطبقة هذه الخسائر الفادحة والمدمرة فإن ذلك يجعلهم لا محالة يمثلون قنابل موقوتة تؤثر في النسيج الاجتماعي في الدول الخليجية، هذا النسيج الذي استطاعت النظم الخليجية الحاكمة، منذ ظهور النفط وحتى الآن، الحفاظ على تماسكه واستقراره بدرجة كبيرة من النجاح. كما أن المشاعر غير المُرضية التي تنتاب أبناء هذه الطبقة جراء الخسائر المرتبطة بسوق الأسهم، قد تقذف بهم لتيارات راديكالية تؤسس خطابها على القيم الأخلاقية والدينية، وإن كان ذلك لا يعكس حقيقة توجهاتها، لكنها طبيعة المعارك والصراعات الأيديولوجية التي تُبرر من خلالها كل الوسائل.
إن من الأهمية بمكان مراعاة هذا البعد الاجتماعي، شبه المُغفل في التحليلات الاقتصادية الخاصة بأسواق المال الخليجية، فالمسألة في النهاية ليست مجرد أموال يتم ضخها في جيوب المواطنين أو يتم (شفطها) منهم، وليست أيضاً مجرد مكسب وخسارة فقط، لكنها مسألة بنيات مجتمعية وعلاقات شرائح وطبقات اجتماعية مختلفة، يجب التيقن من شفافية علاقاتها وتماسك تفاعلها.
وفي هذا السياق لابد من التأكيد على أن التعامل مع أزمة أسواق المال الخليجية يجب ألا يتم من منطلق سن القوانين والتشريعات المختلفة، بل يجب أن يستند بالأساس إلى هذا القدر من الشفافية والثقة بين كافة المتعاملين في البورصة، شركات ومؤسسين ومستثمرين وحكومات. فالاستناد إلى هذا القدر من الشفافية والثقة سيغلق الباب أمام أي تفسيرات قد تكون صادقة أو مغرضة، كما سيقف بصلابة أمام أية شائعات تذبذب من مستوى الأسواق المالية، وربما تهدد بسقوطها.
ويرتبط بذلك أيضاً ضرورة توسيع دائرة الثقافة الاستثمارية، فالاستثمار في سوق المال يستدعي من المواطن العادي أن يكون ملماً بما هو مقدم عليه. فالمسألة ليست شراء أسهم ثم بيعها رغبة في مكسب سريع ووقتي، بل إنها أكبر من ذلك، حيث تتعلق بالاقتصاد القومي ككل، وهو ما يجهله معظم جمهور المستثمرين الصغار حتى الآن أو يعرفونه ويتجاهلونه. وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكد هنا أن المضاربة في الأسواق المالية مسألة أخلاقية، مثلها مثل كافة أشكال التجارة الأخرى. وعلى ما يبدو أن المجتمعات العربية عامة والخليجية على وجه الخصوص لا تزال بعيدة عن إدراك أهمية وخطور الاستثمار في أسواق المال حتى الآن.
ولا يقف الأمر عند نشر الثقافة الاستثمارية بين الجمهور العادي فقط ، بل يتعداه أيضاً إلى تعريف هذا الجمهور بحقيقة الوضع الاستثماري والأسباب الحقيقية للانهيارات الحادثة في أسواق المال الخليجية. فيجب عدم الوقوف فقط عند أن ما يحدث الآن هو دائرة الهبوط بالنظر لدائرة الصعود التي عايشتها الأسهم الخليجية لمدة خمس سنوات متتالية. فما الذي جعل الأسهم تتصاعد بمثل هذا الشكل طوال خمس سنوات؟ وما الذي جعلها تنهار الآن؟ بالتأكيد هذه من النوعية من التساؤلات تعتمل في أذهان الخاسرين الآن، وتحتاج إلى إجابات دقيقة وواضحة ومُقنعة في الوقت نفسه لهم من جانب المتخصصين في الأسواق المالية الخليجية. كما يجب عدم الفصل بين الوضع الاقتصادي العام وتدهور أسواق الأسهم، فمن غير المقنع اقتصادياً ومنطقياً القول إن الوضع الاقتصادي على ما يرام، بينما هناك تدهور في أسعار الأسهم المرتبطة بقيمة هذه المؤسسات الاقتصادية.
وفي ظل الوضعية الجيوسياسية للدول الخليجية عامة لا يمكن الفصل بين سوق الأسهم والتداعيات المرتبطة به والأجواء السياسية المحيطة، فلا يزال الاقتصاد الخليجي مشدوداً بكليته للتداعيات المحيطة به على المستوى السياسي. فما حدث إبان حرب الخليج الأولى، والتأثيرات الناجمة عنها، التي تمثلت في الخلل الحادث في ميزان المدفوعات لبعض الدول الخليجية لسنوات طويلة، يكشف عن ذلك الارتباط الحاد بين مسيرة الاقتصاد الخليجي وما يتعرض له من أحداث مفاجئة.
كما يكشف أن النفط لا يزال يلعب دوراً كبيراً في علاج المستجدات الاقتصادية، وعلى رأسها تدهور الأسهم. فبديلاً عن توجيه فوائض البترول الحالية نحو المزيد من المشروعات الإنتاجية اتجهت بعض الدول مثل المملكة العربية السعودية لإنشاء صنايق جديدة تمكن من تخفيف الآثار السلبية على صغار المستثمرين. وهو حل، رغم ما ينطوي عليه من جوانب اجتماعية (تخفيفية) جيدة، إلا أنه على المدى البعيد، يجعل من عامل النفط عاملاًً (تسكينياً) أكثر من كونه عاملاً إنتاجياً حقيقياً يصب في صالح الأجيال القادمة ومن أجل مستقبلها المنشود.
إن أزمة أسواق الأموال الخليجية ليست أزمة عابرة كما قد يظن البعض، لكنها تلك النوعية من الأزمات التي تتجسد من خلالها الطبيعة الاقتصادية المرتبطة بالمجتمعات الخليجية عامة، حيث ترتبط بالطابع الاستهلاكي بشكل عام وبالاعتماد المفرط على النفط كمصدر ريعي أساسي للدخل والتشابك مع المستجدات الإقليمية والعالمية السياسية المحيطة. من هنا فإن الوقوف عند التفسيرات الجزئية المرتبطة الصلة بكل هذه العوامل الداخلية الإقليمية والعالمية، سوف يقود إلى تفسيرات مجتزأة وحلول تسكينية، مُهملاً في الوقت نفسه التحليلات والتفسيرات الكلية الأكثر كفاءة والأكثر قدرة على وضع حلول جذرية لمسألة أسواق المال الخليجية.
::/fulltext::
::cck::2633::/cck::
