اليمنيات والسياسة.. مشاركة شكلية و(ديكور خادع) أم خطوة على الطريق الصحيح؟
::cck::2597::/cck::
::introtext::
باتت الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية للمرأة محطات واضحة المعالم في السياسة الدولية، ولقيت استجابة رسمية وشعبية في بعض البلدان العربية. ويعد اليمن أحد البلدان الذي يكثر فيه الحديث في هذا الصدد، حيث أصبح الحديث عن مشاركة المرأة في الحياة السياسية على رأس أجندة ناشطات ونشطاء الحقوق والحريات، فأثيرت العديد من القضايا المهمة في هذا الصدد حول ضعف حضور المرأة اليمنية سياسياً ومدى تمكنها من المشاركة في هذا المضمار ونسبة هذه المشاركة ومدى تقدم أو تراجع حضورها ومستوى أدائها وما إذا كانت مشاركتها حقيقية أم تكتيكاً مرحلياً وديكوراً تمليه ضرورات ومتغيرات دولية ومحلية والمعوقات التي تقف حائلاً دون أن يكون للنساء دور حقيقي وفاعل؟
::/introtext::
::fulltext::
باتت الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية للمرأة محطات واضحة المعالم في السياسة الدولية، ولقيت استجابة رسمية وشعبية في بعض البلدان العربية. ويعد اليمن أحد البلدان الذي يكثر فيه الحديث في هذا الصدد، حيث أصبح الحديث عن مشاركة المرأة في الحياة السياسية على رأس أجندة ناشطات ونشطاء الحقوق والحريات، فأثيرت العديد من القضايا المهمة في هذا الصدد حول ضعف حضور المرأة اليمنية سياسياً ومدى تمكنها من المشاركة في هذا المضمار ونسبة هذه المشاركة ومدى تقدم أو تراجع حضورها ومستوى أدائها وما إذا كانت مشاركتها حقيقية أم تكتيكاً مرحلياً وديكوراً تمليه ضرورات ومتغيرات دولية ومحلية والمعوقات التي تقف حائلاً دون أن يكون للنساء دور حقيقي وفاعل؟
يرى بعض المراقبين أن مشاركة المرأة اليمنية ناخبة ومرشحة وعضوة قيادية حققت تقدماً كبيراً في بلد نسبة أمية النساء فيه تفوق الـ65 في المائة منها 9, 39 في المائة في الحضر و2, 78 في المائة في الأرياف ذات الأغلبية السكانية. كما يعيش أكثر من 50 في المائة من سكانه تحت خط الفقر، ناهيك عن حداثة التجربة التعددية السياسية التي بدأت مع إعادة الوحدة الوطنية، إضافة إلى العادات والتقاليد التي تغذيها بعض الآراء الدينية المتشددة التي تعد المرأة عورة مطلقة يجب سترها.
مقابل ذلك كله يرى البعض الآخر أن مشاركة النساء لا تزال هزيلة ومتأخرة ولا تعدو كونها مكياجاً لتحسين صورة النظام الحاكم واستجلاب الدعم الخارجي الذي كثيراً ما يكون مصحوباً باشتراطات على رأسها المساواة وحقوق المرأة وتوسيع هامش الحريات وغير ذلك.
إن وجهة النظر الأخيرة تعزز موقفها بما تسميه واقع الحال بغض النظر عن الشعارات والوعود والأماني المستقبلية مستندة إلى قلة حضور النساء في المحافل السياسية اليمنية مقارنة بالرجال وتراجع مستوى حضورهن وفاعليتهن عاماً بعد عام والسعي من قبل بعض الجهات والمؤسسات القبلية والدينية لإقصائها رغم أن هذا الأخير غير متوقع التحقق وربما يكون مستحيلاً.
لكن لا يزال حضور أو مشاركة نساء سياسياً شحيحاً وشكلياً بالنظر إلى نسب وجودهن في المناصب القيادية في الدولة ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، فحزب المؤتمر الحاكم الذي يتمتع بالأغلبية المطلقة في مجلسي النواب والشورى والمجالس المحلية عدد عضوات لجنته الدائمة وأمانته العامة أقل من أصابع اليد الواحدة.
أما حزب الإصلاح ذو التوجه الإسلامي فإنه لا يزال يعيش معركة ساخنة بين شقيه – السلفي المتشدد والقبلي المحافظ من جهة والتيار المنفتح من جهة ثانية- حول جواز وحرمة تولي المرأة مناصب قيادية في الحزب والدولة باعتبار ذلك ولاية عامة لا يجوز إسنادها إلى المرأة بحسب بعض المذاهب الفقهية. لذا فإن حضور النساء في مؤسسات الحزب لا يزال شكلياً، ولم يسمح لهن بعضوية مجلس الشورى (اللجنة المركزية للحزب) إلا في المؤتمر العام الثالث عام2002م، حيث فازت 11 امرأة من أصل 15 مرشحة مقابل 119 عضواً، وفي آخر مؤتمر عام للحزب لم يتغير الأمر كثيراً إذ فازت 12 امرأة ضمن 130 مقعداً وهذه أعلى مرتبة قيادية وصلت إليها الإصلاحيات، في حين لا يزال الطريق إلى الصفوف الأولى في الحزب- الأمانة العامة والهيئة العليا- ضبابي الملامح بيد أن ما يحسب لهذا التنظيم هو التعدد الموجود فيه وإن كان غير معلن وهذا ما أعطى نوعاً من المدافعة بين الآراء المتشددة والمنفتحة في حركة تسفر باستمرار عن رؤى تجديدية متقدمة يصعب على الطرف الآخر إقصاؤها.
ويأتي على رأس تلك الآراء المتقدمة تصريح رئيس الدائرة السياسية السابق في الحزب محمد قحطان قبيل انتخابات سبتمبر 2006م حول عدم إمكانية تقديم امرأة للترشح لمنصب رئيس الجمهورية وقوله إن (المرأة الإصلاحية ستخوض الانتخابات البرلمانية في 2009م كمرشحة عن حزب الإصلاح) وما تلا ذلك من وصول ما يقارب 11 في المائة من النساء تقريباً إلى مقاعد مجلس شورى الحزب.
أما الحزب الاشتراكي اليمني وهو الحزب الحاكم للجنوب قبل قيام الوحدة وثاني أكبر أحزاب المعارضة حالياً بعد تجمع الإصلاح فلم يحصل في انتخابات 2003م النيابية على أي مقعد نسائي بعد أن كانت تمثله امرأتان في الفترة البرلمانية (1993- 2007م) كأول حزب تمثله نساء في البرلمان غير أن استحواذ حزب المؤتمر الحاكم على أغلب مقاعد الجنوب شكل إقصاءً للاشتراكي صاحب أكبر قدر من النساء المرشحات في الانتخابات البرلمانية والمحليات.
لقد شاركت المرأة اليمنية منذ أول انتخابات برلمانية في البلاد عام 1993 مشاركة كاملة مستفيدة مما أعطاه لها دستور دولة الوحدة الذي تم الاستفتاء عليه سنة 1991، حيث تمكنت من المشاركة الكاملة (ناخبة ومرشحة وعضواً أساسياً في لجان مراقبة الانتخابات والإشراف عليها)، وبلغ عدد من ترشحن في ذلك الوقت للبرلمان (41 امرأة) فازت منهن اثنتان وفي 1997م البرلمانية تراجع عدد المرشحات إلى (23 امرأة)، وبقي الفوز مقصوراً على اثنتين، أما آخر انتخابات نيابية في 2003م فقد ترشحت (11 امرأة) بنسبة تراجع تقارب الـ75 في المائة عن أول تجربة ولم تفز سوى نائبة واحدة فقط عن إحدى دوائر محافظة عدن مقابل 300 نائب كأقل تمثيل برلماني للمرأة على مستوى الدول العربية التي تجرى فيها انتخابات نيابية.
أما المجالس المحلية التي تم انتخابها لأول مرة في 2001م، فقد حصدت النساء 26 مقعداً أغلبها للمؤتمر الشعبي الحاكم مقابل (1731) وقبيل الانتخابات المحلية والرئاسية الأخيرة في أيلول 2006م أعلن المؤتمر الحاكم أنه سيخصص 15 في المائة من مرشحيه لمجلس النواب للنساء و30 في المائة للمجالس المحلية، لكن الواقع في المحليات جاء بخلاف ذلك إذ لم يقدم سوى نسبة ضئيلة فازت منهن ما نسبته 2 في المائة ما اعتبره البعض دليلاً على استخدام المرأة ورقة للمزايدات ودغدغة للعواطف وديكوراً لا غير.
وتمثل النساء حوالي 42 في المائة من إجمالي المسجلين رسمياً في سجلات الناخبين وهي النسبة الوحيدة التي شهدت تزايداً مطرداً في مواسم تسجيل ناخبين كمؤشر لارتفاع منسوب الوعي لدى المجتمع.
وقد تتعلل الأحزاب وتحديداً الحاكم بأن ضحالة الحضور النسائي في هذه المواقع نتاج للعوامل المذكورة سلفاً لكن ما هو الرد على تعيين امرأتين فقط في مجلس الشورى مقابل 109 من الذكور رغم أنها جهة يعينها رئيس الدولة؟
أما مجلس الوزراء المشكل أوائل إبريل 2007م فقد تم تطعيمه-كسابقه- بوزيرتي الشؤون الاجتماعية والعمل وحقوق الإنسان مقابل خمسة وثلاثين وزيراً وفيه خمس نساء بمنصب وكيل وزارة مقابل حوالي 45 وكيل وزارة وست نساء بدرجة وكيل وزارة مساعد ، وأكثر من 97 امرأة بدرجة مدير عام في الجهاز الحكومي, و123 امرأة في السلك الدبلوماسي وثلاث سفيرات، واحدة منهن تشغل الآن مدير المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كما توجد ثلاث يمنيات بدرجة سفير مفوض، وأربع مستشارات، و13 أخريات يتوزعن ما بين سكرتير أول وملحق دبلوماسي.
ولا يختلف الوضع كثيراً في مكتب رئاسة الجمهورية، إذ توجد فيه فقط (13) امرأة واحدة منهن بدرجة نائب وزير وأخرى بدرجة وكيل وزارة وأربع بدرجة وكيل وزارة مساعد وست بدرجة مدير عام وواحدة مستشارة وفي السلك القضائي توجد فقط 17 قاضية.
ويعيد بعض المحللين أسباب تدني الحضور النسائي في الحياة السياسية اليمنية إلى العديد من العوامل، فالنساء أنفسهن ما زلن عاجزات عن تقديم أنفسهن بالشكل المطلوب إما لضعف ثقتهن بقدراتهن بسبب الثقافة والتنشئة السائدة في المجتمع، كما ذكرنا آنفاً، أو لغياب الدور الإعلامي المناسب أو لضعف الثقافة الحقوقية لدى النساء وشح وجود ناشطات سياسيات يقدمن النساء كما يجب، أضف إلى ذلك غياب الإرادة الحقيقية لدى من بيدهم القرار ممثلاً بالسلطة والأحزاب السياسية في تهيئة المناخات الحقيقية لمشاركة نصف المجتمع في الحياة السياسية بجدية لا تتمترس وراء أي مبررات.
ويستشهد خصوم الحزب الحاكم على عدم جديته في ما يتعلق بتمكين النساء سياسياً بقلة مرشحاته في الدورات الانتخابية رغم أنه الوحيد الذي يمتلك القدرة على ضمان فوز مرشحيه إلى حد سيطرته الكاملة على مختلف مراكز القوة (المال والإعلام والجيش والأمن).
ويعتبر عدم تزكية المؤتمر ذي الأغلبية النيابية للمرشحة الوحيدة إلى كرسي الرئاسة رشيدة القيلي – بعد انسحاب رفيقتها سمية علي رجاء قبل بدأ الترشيح بسبب دعوى كيدية ضدها من أحد الفنادق الذي كانت تقيم فيها- من الدلائل على عدم جدية الحاكم، بيد أن هذه الأخيرة يشاركه فيها كل من الإصلاح والاشتراكي لأنهما يمتلكان النسبة المطلوبة لتزكية المرشح لرئاسة الجمهورية.
ويبدو منطقياً ترابط مكونات الحياة ببعضها، فكلما كان المجتمع ذا ثقافة ووعي كان أقدر على حل مشكلاته وفي مقدمتها المشكلات الاقتصادية كونها مشكلة الجميع بلا استثناء، ومن هنا فإن ضعف مشاركة النساء في الحياة السياسية ينعكس على كافة مناحي الحياة لأن العوامل ذاتها المانعة سياسياً تقف في طريق الانخراط في المهن والأعمال ما يتسبب في ضعف وتخلف الاقتصاد الوطني لأي بلد، وكلما استطاع شعب توظيف طاقات أبنائه تمكن من الرقي الاقتصادي وإن على حساب أشياء أخرى في بعض الأحيان.
وما يحول بين المرأة والبرلمان والمحليات والمشاركة في قيادة الحزب هو ذاته ما يحول بينها وبين إكمال تعليمها الثانوي في أغلب الريف اليمني وحتى في المدينة وإن بنسب أقل وهو ذاته أيضاً المانع من الوظيفة العامة.
ورغم التقدم الملحوظ في اندماج اليمنيات بسوق العمل، مقارنة بما كان عليه الوضع، إلا أن نسبة مشاركتهن في القوى العاملة لا تتجاوز (21.8 في المائة ) فنسبة المتعلمات العاطلات عن العمل (32 في المائة ) وحجمهن في قوة عمل المؤسسات الإعلامية تقارب ذلك منهن (12 في المائة ) وصلن مراكز تنفيذية وقيادية في المؤسسات الإعلامية.
ولا يعد الحضور الكبير للنساء في القطاع الزراعي مؤشر تحسن، بل هو دليل على السلبية، فنسبة (7, 94 في المائة ) في قطاع الزراعة حسب تعداد 2004 مؤشر إلى الأمية والخضوع لقسوة الثقافة الذكورة القائمة على تسخير المرأة فقط.
لكن ورغم ما سبق فإن المستقبل يبشر بالكثير، فالتوجه المحلي والخارجي هو الإصلاح الشامل الذي تعد المرأة جزءاً أساسياً فيه وكذلك مستوى الوعي المستمر في الصعود مقابل تقلص النظرة الدونية وتنحي الكثير من المعوقات وتلاشي بعض ظواهر التمييز ضد النساء وقبولهن بشكل اعتيادي هذه كلها عوامل جيدة على الطريق الصحيح، كما أن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني تتسابق في هذا الباب حتى تلك التي قامت على أيديولوجيا مغايرة لخطابها المعلن اليوم، فهي في النهاية تصنع وعياً يصعب التراجع عنه.
إن القوانين الوطنية والاتفاقيات والمعاهدات الدولية المصادق عليها والتي من شأنها ضمان حقوق المرأة ولو أن أغلبها حاضر لا يتعدى الشكلية تمثل محطات كبيرة للمستقبل المنظور وعلى رأسها اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وثلاث اتفاقيات مع منظمة العمل الدولية الأولى بشأن تكافؤ الفرص والمساواة بين الجنسين والثانية المساواة في الأجر والاتفاقية الثالثة حول تطبيق سياسة تكافؤ الفرص والمساواة في الاستخدام والمهنة بين الجنسين، كل ذلك أدى إلى ازدياد وتنامي منظمات المجتمع المدني خلال السنوات الأربع الأخيرة وبالتالي ازدياد الاهتمام بحقوق المرأة السياسية والثقافية والاجتماعية حيث تجاوزت المنظمات الحقوقية 100منظمة أهلية، في حين بلغ عدد الجمعيات والمنظمات النسائية العاملة في المجالات الخيرية والاجتماعية والتنموية والحرفية والمهنية والزراعية (300) جمعية ومنظمة لا تسلم من الكثير من المآخذ، منها أن أغلبها لا تزال بحاجة إلى التطوير في الآليات والأداء، كما يؤخذ عليها تركزها الكبير في المدن وقلة تنوع أنشطتها وبعضها ذات طابع أسري بعيد عن المؤسسية.
وأخيراً فإن الكثير من وجهات النظر المهتمة بدمج المرأة تنموياً واقتصادياً وسياسياً تذهب إلى ضرورة تبني الدولة والأحزاب السياسية اليمنية لنظام (الكوتا) ورفع مستوى الوعي الحقوقي في أوساط المجتمع عموماً والنساء بشكل خاص بحقوق النساء ومدى أهمية ذلك في التقدم الحضاري والسياسي والاقتصادي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2597::/cck::
::introtext::
باتت الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية للمرأة محطات واضحة المعالم في السياسة الدولية، ولقيت استجابة رسمية وشعبية في بعض البلدان العربية. ويعد اليمن أحد البلدان الذي يكثر فيه الحديث في هذا الصدد، حيث أصبح الحديث عن مشاركة المرأة في الحياة السياسية على رأس أجندة ناشطات ونشطاء الحقوق والحريات، فأثيرت العديد من القضايا المهمة في هذا الصدد حول ضعف حضور المرأة اليمنية سياسياً ومدى تمكنها من المشاركة في هذا المضمار ونسبة هذه المشاركة ومدى تقدم أو تراجع حضورها ومستوى أدائها وما إذا كانت مشاركتها حقيقية أم تكتيكاً مرحلياً وديكوراً تمليه ضرورات ومتغيرات دولية ومحلية والمعوقات التي تقف حائلاً دون أن يكون للنساء دور حقيقي وفاعل؟
::/introtext::
::fulltext::
باتت الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية للمرأة محطات واضحة المعالم في السياسة الدولية، ولقيت استجابة رسمية وشعبية في بعض البلدان العربية. ويعد اليمن أحد البلدان الذي يكثر فيه الحديث في هذا الصدد، حيث أصبح الحديث عن مشاركة المرأة في الحياة السياسية على رأس أجندة ناشطات ونشطاء الحقوق والحريات، فأثيرت العديد من القضايا المهمة في هذا الصدد حول ضعف حضور المرأة اليمنية سياسياً ومدى تمكنها من المشاركة في هذا المضمار ونسبة هذه المشاركة ومدى تقدم أو تراجع حضورها ومستوى أدائها وما إذا كانت مشاركتها حقيقية أم تكتيكاً مرحلياً وديكوراً تمليه ضرورات ومتغيرات دولية ومحلية والمعوقات التي تقف حائلاً دون أن يكون للنساء دور حقيقي وفاعل؟
يرى بعض المراقبين أن مشاركة المرأة اليمنية ناخبة ومرشحة وعضوة قيادية حققت تقدماً كبيراً في بلد نسبة أمية النساء فيه تفوق الـ65 في المائة منها 9, 39 في المائة في الحضر و2, 78 في المائة في الأرياف ذات الأغلبية السكانية. كما يعيش أكثر من 50 في المائة من سكانه تحت خط الفقر، ناهيك عن حداثة التجربة التعددية السياسية التي بدأت مع إعادة الوحدة الوطنية، إضافة إلى العادات والتقاليد التي تغذيها بعض الآراء الدينية المتشددة التي تعد المرأة عورة مطلقة يجب سترها.
مقابل ذلك كله يرى البعض الآخر أن مشاركة النساء لا تزال هزيلة ومتأخرة ولا تعدو كونها مكياجاً لتحسين صورة النظام الحاكم واستجلاب الدعم الخارجي الذي كثيراً ما يكون مصحوباً باشتراطات على رأسها المساواة وحقوق المرأة وتوسيع هامش الحريات وغير ذلك.
إن وجهة النظر الأخيرة تعزز موقفها بما تسميه واقع الحال بغض النظر عن الشعارات والوعود والأماني المستقبلية مستندة إلى قلة حضور النساء في المحافل السياسية اليمنية مقارنة بالرجال وتراجع مستوى حضورهن وفاعليتهن عاماً بعد عام والسعي من قبل بعض الجهات والمؤسسات القبلية والدينية لإقصائها رغم أن هذا الأخير غير متوقع التحقق وربما يكون مستحيلاً.
لكن لا يزال حضور أو مشاركة نساء سياسياً شحيحاً وشكلياً بالنظر إلى نسب وجودهن في المناصب القيادية في الدولة ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، فحزب المؤتمر الحاكم الذي يتمتع بالأغلبية المطلقة في مجلسي النواب والشورى والمجالس المحلية عدد عضوات لجنته الدائمة وأمانته العامة أقل من أصابع اليد الواحدة.
أما حزب الإصلاح ذو التوجه الإسلامي فإنه لا يزال يعيش معركة ساخنة بين شقيه – السلفي المتشدد والقبلي المحافظ من جهة والتيار المنفتح من جهة ثانية- حول جواز وحرمة تولي المرأة مناصب قيادية في الحزب والدولة باعتبار ذلك ولاية عامة لا يجوز إسنادها إلى المرأة بحسب بعض المذاهب الفقهية. لذا فإن حضور النساء في مؤسسات الحزب لا يزال شكلياً، ولم يسمح لهن بعضوية مجلس الشورى (اللجنة المركزية للحزب) إلا في المؤتمر العام الثالث عام2002م، حيث فازت 11 امرأة من أصل 15 مرشحة مقابل 119 عضواً، وفي آخر مؤتمر عام للحزب لم يتغير الأمر كثيراً إذ فازت 12 امرأة ضمن 130 مقعداً وهذه أعلى مرتبة قيادية وصلت إليها الإصلاحيات، في حين لا يزال الطريق إلى الصفوف الأولى في الحزب- الأمانة العامة والهيئة العليا- ضبابي الملامح بيد أن ما يحسب لهذا التنظيم هو التعدد الموجود فيه وإن كان غير معلن وهذا ما أعطى نوعاً من المدافعة بين الآراء المتشددة والمنفتحة في حركة تسفر باستمرار عن رؤى تجديدية متقدمة يصعب على الطرف الآخر إقصاؤها.
ويأتي على رأس تلك الآراء المتقدمة تصريح رئيس الدائرة السياسية السابق في الحزب محمد قحطان قبيل انتخابات سبتمبر 2006م حول عدم إمكانية تقديم امرأة للترشح لمنصب رئيس الجمهورية وقوله إن (المرأة الإصلاحية ستخوض الانتخابات البرلمانية في 2009م كمرشحة عن حزب الإصلاح) وما تلا ذلك من وصول ما يقارب 11 في المائة من النساء تقريباً إلى مقاعد مجلس شورى الحزب.
أما الحزب الاشتراكي اليمني وهو الحزب الحاكم للجنوب قبل قيام الوحدة وثاني أكبر أحزاب المعارضة حالياً بعد تجمع الإصلاح فلم يحصل في انتخابات 2003م النيابية على أي مقعد نسائي بعد أن كانت تمثله امرأتان في الفترة البرلمانية (1993- 2007م) كأول حزب تمثله نساء في البرلمان غير أن استحواذ حزب المؤتمر الحاكم على أغلب مقاعد الجنوب شكل إقصاءً للاشتراكي صاحب أكبر قدر من النساء المرشحات في الانتخابات البرلمانية والمحليات.
لقد شاركت المرأة اليمنية منذ أول انتخابات برلمانية في البلاد عام 1993 مشاركة كاملة مستفيدة مما أعطاه لها دستور دولة الوحدة الذي تم الاستفتاء عليه سنة 1991، حيث تمكنت من المشاركة الكاملة (ناخبة ومرشحة وعضواً أساسياً في لجان مراقبة الانتخابات والإشراف عليها)، وبلغ عدد من ترشحن في ذلك الوقت للبرلمان (41 امرأة) فازت منهن اثنتان وفي 1997م البرلمانية تراجع عدد المرشحات إلى (23 امرأة)، وبقي الفوز مقصوراً على اثنتين، أما آخر انتخابات نيابية في 2003م فقد ترشحت (11 امرأة) بنسبة تراجع تقارب الـ75 في المائة عن أول تجربة ولم تفز سوى نائبة واحدة فقط عن إحدى دوائر محافظة عدن مقابل 300 نائب كأقل تمثيل برلماني للمرأة على مستوى الدول العربية التي تجرى فيها انتخابات نيابية.
أما المجالس المحلية التي تم انتخابها لأول مرة في 2001م، فقد حصدت النساء 26 مقعداً أغلبها للمؤتمر الشعبي الحاكم مقابل (1731) وقبيل الانتخابات المحلية والرئاسية الأخيرة في أيلول 2006م أعلن المؤتمر الحاكم أنه سيخصص 15 في المائة من مرشحيه لمجلس النواب للنساء و30 في المائة للمجالس المحلية، لكن الواقع في المحليات جاء بخلاف ذلك إذ لم يقدم سوى نسبة ضئيلة فازت منهن ما نسبته 2 في المائة ما اعتبره البعض دليلاً على استخدام المرأة ورقة للمزايدات ودغدغة للعواطف وديكوراً لا غير.
وتمثل النساء حوالي 42 في المائة من إجمالي المسجلين رسمياً في سجلات الناخبين وهي النسبة الوحيدة التي شهدت تزايداً مطرداً في مواسم تسجيل ناخبين كمؤشر لارتفاع منسوب الوعي لدى المجتمع.
وقد تتعلل الأحزاب وتحديداً الحاكم بأن ضحالة الحضور النسائي في هذه المواقع نتاج للعوامل المذكورة سلفاً لكن ما هو الرد على تعيين امرأتين فقط في مجلس الشورى مقابل 109 من الذكور رغم أنها جهة يعينها رئيس الدولة؟
أما مجلس الوزراء المشكل أوائل إبريل 2007م فقد تم تطعيمه-كسابقه- بوزيرتي الشؤون الاجتماعية والعمل وحقوق الإنسان مقابل خمسة وثلاثين وزيراً وفيه خمس نساء بمنصب وكيل وزارة مقابل حوالي 45 وكيل وزارة وست نساء بدرجة وكيل وزارة مساعد ، وأكثر من 97 امرأة بدرجة مدير عام في الجهاز الحكومي, و123 امرأة في السلك الدبلوماسي وثلاث سفيرات، واحدة منهن تشغل الآن مدير المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كما توجد ثلاث يمنيات بدرجة سفير مفوض، وأربع مستشارات، و13 أخريات يتوزعن ما بين سكرتير أول وملحق دبلوماسي.
ولا يختلف الوضع كثيراً في مكتب رئاسة الجمهورية، إذ توجد فيه فقط (13) امرأة واحدة منهن بدرجة نائب وزير وأخرى بدرجة وكيل وزارة وأربع بدرجة وكيل وزارة مساعد وست بدرجة مدير عام وواحدة مستشارة وفي السلك القضائي توجد فقط 17 قاضية.
ويعيد بعض المحللين أسباب تدني الحضور النسائي في الحياة السياسية اليمنية إلى العديد من العوامل، فالنساء أنفسهن ما زلن عاجزات عن تقديم أنفسهن بالشكل المطلوب إما لضعف ثقتهن بقدراتهن بسبب الثقافة والتنشئة السائدة في المجتمع، كما ذكرنا آنفاً، أو لغياب الدور الإعلامي المناسب أو لضعف الثقافة الحقوقية لدى النساء وشح وجود ناشطات سياسيات يقدمن النساء كما يجب، أضف إلى ذلك غياب الإرادة الحقيقية لدى من بيدهم القرار ممثلاً بالسلطة والأحزاب السياسية في تهيئة المناخات الحقيقية لمشاركة نصف المجتمع في الحياة السياسية بجدية لا تتمترس وراء أي مبررات.
ويستشهد خصوم الحزب الحاكم على عدم جديته في ما يتعلق بتمكين النساء سياسياً بقلة مرشحاته في الدورات الانتخابية رغم أنه الوحيد الذي يمتلك القدرة على ضمان فوز مرشحيه إلى حد سيطرته الكاملة على مختلف مراكز القوة (المال والإعلام والجيش والأمن).
ويعتبر عدم تزكية المؤتمر ذي الأغلبية النيابية للمرشحة الوحيدة إلى كرسي الرئاسة رشيدة القيلي – بعد انسحاب رفيقتها سمية علي رجاء قبل بدأ الترشيح بسبب دعوى كيدية ضدها من أحد الفنادق الذي كانت تقيم فيها- من الدلائل على عدم جدية الحاكم، بيد أن هذه الأخيرة يشاركه فيها كل من الإصلاح والاشتراكي لأنهما يمتلكان النسبة المطلوبة لتزكية المرشح لرئاسة الجمهورية.
ويبدو منطقياً ترابط مكونات الحياة ببعضها، فكلما كان المجتمع ذا ثقافة ووعي كان أقدر على حل مشكلاته وفي مقدمتها المشكلات الاقتصادية كونها مشكلة الجميع بلا استثناء، ومن هنا فإن ضعف مشاركة النساء في الحياة السياسية ينعكس على كافة مناحي الحياة لأن العوامل ذاتها المانعة سياسياً تقف في طريق الانخراط في المهن والأعمال ما يتسبب في ضعف وتخلف الاقتصاد الوطني لأي بلد، وكلما استطاع شعب توظيف طاقات أبنائه تمكن من الرقي الاقتصادي وإن على حساب أشياء أخرى في بعض الأحيان.
وما يحول بين المرأة والبرلمان والمحليات والمشاركة في قيادة الحزب هو ذاته ما يحول بينها وبين إكمال تعليمها الثانوي في أغلب الريف اليمني وحتى في المدينة وإن بنسب أقل وهو ذاته أيضاً المانع من الوظيفة العامة.
ورغم التقدم الملحوظ في اندماج اليمنيات بسوق العمل، مقارنة بما كان عليه الوضع، إلا أن نسبة مشاركتهن في القوى العاملة لا تتجاوز (21.8 في المائة ) فنسبة المتعلمات العاطلات عن العمل (32 في المائة ) وحجمهن في قوة عمل المؤسسات الإعلامية تقارب ذلك منهن (12 في المائة ) وصلن مراكز تنفيذية وقيادية في المؤسسات الإعلامية.
ولا يعد الحضور الكبير للنساء في القطاع الزراعي مؤشر تحسن، بل هو دليل على السلبية، فنسبة (7, 94 في المائة ) في قطاع الزراعة حسب تعداد 2004 مؤشر إلى الأمية والخضوع لقسوة الثقافة الذكورة القائمة على تسخير المرأة فقط.
لكن ورغم ما سبق فإن المستقبل يبشر بالكثير، فالتوجه المحلي والخارجي هو الإصلاح الشامل الذي تعد المرأة جزءاً أساسياً فيه وكذلك مستوى الوعي المستمر في الصعود مقابل تقلص النظرة الدونية وتنحي الكثير من المعوقات وتلاشي بعض ظواهر التمييز ضد النساء وقبولهن بشكل اعتيادي هذه كلها عوامل جيدة على الطريق الصحيح، كما أن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني تتسابق في هذا الباب حتى تلك التي قامت على أيديولوجيا مغايرة لخطابها المعلن اليوم، فهي في النهاية تصنع وعياً يصعب التراجع عنه.
إن القوانين الوطنية والاتفاقيات والمعاهدات الدولية المصادق عليها والتي من شأنها ضمان حقوق المرأة ولو أن أغلبها حاضر لا يتعدى الشكلية تمثل محطات كبيرة للمستقبل المنظور وعلى رأسها اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وثلاث اتفاقيات مع منظمة العمل الدولية الأولى بشأن تكافؤ الفرص والمساواة بين الجنسين والثانية المساواة في الأجر والاتفاقية الثالثة حول تطبيق سياسة تكافؤ الفرص والمساواة في الاستخدام والمهنة بين الجنسين، كل ذلك أدى إلى ازدياد وتنامي منظمات المجتمع المدني خلال السنوات الأربع الأخيرة وبالتالي ازدياد الاهتمام بحقوق المرأة السياسية والثقافية والاجتماعية حيث تجاوزت المنظمات الحقوقية 100منظمة أهلية، في حين بلغ عدد الجمعيات والمنظمات النسائية العاملة في المجالات الخيرية والاجتماعية والتنموية والحرفية والمهنية والزراعية (300) جمعية ومنظمة لا تسلم من الكثير من المآخذ، منها أن أغلبها لا تزال بحاجة إلى التطوير في الآليات والأداء، كما يؤخذ عليها تركزها الكبير في المدن وقلة تنوع أنشطتها وبعضها ذات طابع أسري بعيد عن المؤسسية.
وأخيراً فإن الكثير من وجهات النظر المهتمة بدمج المرأة تنموياً واقتصادياً وسياسياً تذهب إلى ضرورة تبني الدولة والأحزاب السياسية اليمنية لنظام (الكوتا) ورفع مستوى الوعي الحقوقي في أوساط المجتمع عموماً والنساء بشكل خاص بحقوق النساء ومدى أهمية ذلك في التقدم الحضاري والسياسي والاقتصادي.
::/fulltext::
::cck::2597::/cck::
