أثر الانسحاب الأمريكي من العراق في أمن الخليج العربي

::cck::2599::/cck::
::introtext::

يحاول هذا المقال تقديم تحليل استراتيجي مستقبلي لأثر الانسحاب الأمريكي من العراق في أمن الخليج العربي خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، وتعود أهمية هذا التحليل خاصة لصناع القرار في ضوء الاستراتيجيات الأمريكية التي (تطبخ) في الولايات المتحدة الأمريكية، وتؤيدها نسبة كبيرة من الرأي العام الأمريكي حسب العدد الأخير من الأجندة الأمريكية التي تقيس نسبة الثقة بالسياسة الخارجية الذي صدر عن مجلة (الفورن أفيرز).

::/introtext::
::fulltext::

يحاول هذا المقال تقديم تحليل استراتيجي مستقبلي لأثر الانسحاب الأمريكي من العراق في أمن الخليج العربي خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، وتعود أهمية هذا التحليل خاصة لصناع القرار في ضوء الاستراتيجيات الأمريكية التي (تطبخ) في الولايات المتحدة الأمريكية، وتؤيدها نسبة كبيرة من الرأي العام الأمريكي حسب العدد الأخير من الأجندة الأمريكية التي تقيس نسبة الثقة بالسياسة الخارجية الذي صدر عن مجلة (الفورن أفيرز). (إذ كان هناك 19 في المائة يطالبون بانسحاب فوري، و 51 في المائة يطالبون بانسحاب خلال 12 شهراً) والرأي العام العراقي حسب استطلاع (PEW)، كنتيجة حتمية لاستمرار الفشل في الوصول إلى نوع من إيجاد استقرار نسبي في ظل مقاومة شرسة ضد القوات المحتلة الأمريكية التي لم تف في أي من وعودها في العراق إلا إذا تعلق الأمر بإرجاع العراق إلى العصر الحجري وتهجير أكثر من 4 ملايين عراقي داخل العراق والدول المجاورة.
لقد أثبت هذا الاحتلال أن السياسة الخارجية التي لا تقوم على شرعية دولية يتنصل من مسؤوليتها الجميع في العالم على المستويين الرسمي والشعبي، ولم يعد أحد يتحدث عن استمرار الوجود الأمريكي في العراق إلا الإدارة الأمريكية الحالية ومرشحو الحزب الجمهوري، جون ماكين، الداعم (لاستمرار الاحتلال حتى النصر)، وبدأ يطالب بأن تقدم (نتائج حقيقة) للشعب الأمريكي. وفي ظل كل هذا أصبح من بديهيات التخطيط الاستراتيجي التفكير في دول الخليج العربية لمرحلة انسحاب القوات الأمريكية من العراق وما (بعد الانسحاب) وكيفية تأثير ما ينتج عنه في الأمن القومي الخليجي.
ويقصد بالانسحاب الأمريكي من العراق هو وصول قوات الاحتلال الأمريكية إلى مرحلة عدم القدرة على تحقيق الأهداف المرجوة والمعلنة من وجودها في العراق وهي الأمن في بغداد، وإعادة الاستقرار النسبي إلى مناطق التوتر الذي سيؤدي بصناع القرار إلى اتخاذ قرار يبدأ بجدولة انسحاب القوات الأمريكية وصولاً إلى انسحاب آخر جندي من العراق في ظل ضغط شعبي عراقي وضغط من داخل الولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن أن يحصل ذلك خلال أقل من عام حسب مشروع قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الذي حدد جدول الانسحاب في مارس 2008 وحسب قرار مجلس النواب الذي حدد موعده في أغسطس 2008. وباختصار فإن الانسحاب سيحصل قبل أن تحقق الولايات المتحدة الأمريكية الاستقرار في العراق. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما مدى تأثير ذلك في أمن الخليج؟ والذي يرتبط إلى حد كبير بالدور الأمريكي، وإدراك القوة الأمريكية في العالم -التي يمكن أن تتأثر سلباً في حالة الانسحاب. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كل دول مجلس التعاون الخليجي ترتبط باتفاقيات أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك فإن أمنها يعتمد على الدور الأمريكي والتطمينات الأمريكية من خلال الوجود العسكري لها في هذه الدول، ومن خلال وجود القوات الأمريكية في مياه الخليج العربي لردع أي قوة إقليمية تفكر بزعزعة أمن هذه الدول، ومن خلال مبيعات الأسلحة لتقوية القوات العسكرية لهذه الدول، بالإضافة إلى الجهود الذاتية التي تقوم بها هذه الدول.
الخريطة السياسية الاستراتيجية في الخليج العربي
لابد من النظر إلى الخريطة السياسية والاستراتيجية في منطقة الخليج العربي قبل مناقشة أثر الاحتلال الأمريكي للعراق وانسحابه فيها. وتشتمل على ما يلي:
• خطر انتقال عدوى عدم الاستقرار وغياب الأمن العراقي إلى دول الخليج العربية، مما قد يؤدي إلى زعزعة الأمن الداخلي فيها، حيث يمكن أن يمثل ذلك أهم التحديات الأمنية لهذه الدول التي يشهد بعضها نوعاً من المشاركة السياسية غير الطبيعية مثل: المظاهرات والاحتجاجات، بالإضافة إلى العمليات الإرهابية، والمواجهات مع قوات الشرطة والأمن.
• ضعف التنمية السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي نظراً للتركيز على قضايا (الأمن الخشنة) بدلاً من التوازن بين الأمن الناعم (الإصلاح السياسي) والأمن الخشن (مشتريات الأسلحة). وهو ما يشكل عائقاً أمام صناع القرار في هذه الدول من حيث قدرتها على ضبط الجبهة الداخلية في ظل مطالبات مستمرة بالانفتاح والشفافية السياسية.• الخوف من (الخطر الإيراني) بالهيمنة على المنطقة في ظل عدم توازن القوة في منطقة الخليج العربي، وللتناقض في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد تهميش دور العراق العسكري والسياسي. ويمكن أن يمثل ذلك أهم التحديات الأمنية الخارجية بالنسبة لهذه الدول.
• تنامي الدور السعودي الإقليمي والدولي وانتقاله من مرحلة الدبلوماسية الهادئة إلى مرحلة التدخل في كل شؤون المنطقة والشرق الأوسط بشكل عام، والذي توج في الخطاب التاريخي للعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في افتتاح مؤتمر القمة العربية في الرياض.
• توجه دول مجلس التعاون إلى التفكير ببرامج نووية (سلمية). مع العلم بأن معظم البرامج النووية بطبيعتها سلمية، إذا ما كان الهدف منها هو الردع، حيث لا يمكن لدول الخليج العربية أن تقدم حجة مقنعة بالاعتماد على تبرير الحاجة إلى الطاقة وتحلية المياه نظراً لتوفر الطاقة لديها وبأسعار رخيصة.
• احتمال قيام الولايات المتحدة الأمريكية بضربة عسكرية إلى إيران لتدمير برنامجها النووي؛ لأنه إذا ما تم تطويره إلى مستوى عسكري فسيقود إيران إلى هيمنة إقليمية في المنطقة غير مقبولة عربياً وأمريكياً وإسرائيلياً. ولذلك يمكن القول إن أي حرب على إيران، وإن كانت تدعمها الدول العربية المعتدلة (سراً)، ستشكل تحدياً أمنياً لدول الخليج العربية لما لها من تأثيرات داخلية وإقليمية في المنطقة، والتي قد تحدد بناء على رد الفعل الإيراني، الذي قد يتمثل في أدوار سلبية لزعزعة أمن كل المنطقة.
إن هذه المكونات تشير بوضوح إلى وجود تخوفات أمنية خليجية منبثقة من التطورات السياسية في الإقليم والناتجة عن الممارسات الأمريكية مثل الوضع في العراق وإيران، بالإضافة إلى تحديات داخلية ناتجة عن سلوكيات الدول العربية الخليجية ذاتها؛ لذا يمكن القول إن التحديات الأمنية في ازدياد وهي محط تفكير صناع القرار في هذه المنطقة. لكن (التبعية الأمنية) الخليجية للدور الأمريكي هي الشيء (المفيد والمحير) في الوقت نفسه بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، ويجب أن تتعلم درس العلاقات الدولية بأن مبدأ الدفاع عن الذات والمساعدة الذاتية هما أحد أهم شروط وطبيعة العلاقات الدولية. أما السؤال المطروح فهو ماذا يمكن أن يحدث لأمن الخليج العربي لو انسحبت القوات الأمريكية من العراق؟
نتائج الانسحاب الأمريكي من العراق:
• زيادة تدهور الوضع الأمني في العراق وحصول حرب أهلية قد تستمر لفترة ممتدة ينتصر فيها الشيعة نظراً للتجارب العلمية في هذا المجال كونهم يشكلون الأغلبية ويتحكمون بالسلطة، وهذا سيضع دول الخليج العربية أمام مزيد من التحديات الأمنية نظراً لعدم الاستقرار في المنطقة وعدم قدرتهم على (التفرج) على وضع السنة في العراق وعدم القدرة على التحرك نظراً للحرج من الشيعة المتواجدين في بلدانهم. ولذلك فإن دول مجلس التعاون ستواجه معضلة أمنية من الصعب التعامل معها بحرية سياسية.
• تحسن الوضع الأمني في العراق، حيث ستغيب حجة مقاومة الاحتلال في العراق، وهذا بدوره سيضع ضغطاً كبيراً على أي وجود عسكري أمريكي في دول الخليج، إذا ما فكرت الولايات المتحدة الأمريكية بإعادة وضع قواتها في الدول المجاورة، كما اقترح السيناتور ريد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي. ويمكن أن يمثل وجود القوات الأمريكية في هذه الدول هدفاً للقوى المعارضة للوجود الأمريكي في المنطقة سواء الرسمية منها أو الشعبية. أما إذا تحقق الأمن والاستقرار في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وبدأ تحسن الوضع السياسي فإن ذلك سيشكل تحدياً لدول الخليج من ناحية مطالبة هذه الشعوب بـ (العدوى الديمقراطية العراقية) وهي غير قادرة على تحقيقه في ظل الخطوات السابقة لها.
• إحساس الحكومة العراقية المسيطرة في العراق بالخطر واتجاهها إلى استخدام القوة حتى لا تضيع فرصة وصولها إلى الحكم، مما سيؤدي إلى زيادة الاقتتال الداخلي، حيث إن الحكومة الحالية هي الطرف الوحيد المستفيد من الاحتلال الأمريكي في العراق، وهو ما سيؤدي أيضاً إلى تعجيل انسحاب القوات الأمريكية من العراق في ظل تزايد قوة الحكومة العراقية وإلى فرض الأمن الداخلي من وجهة نظر طرف واحد وعلى حساب الطرف الآخر.
• تفكك الدولة العراقية إلى ثلاث دول (شيعية، وسنية، وكردية). مما سيشكل مزيداً من التدخلات الإقليمية من قبل إيران وتركيا وبعض دول العالم العربي السنية، حيث إن التدخل الإيراني سيعطيها مزيداً من القوة، كما أن التدخل التركي، حسب تصريحات الجنرالات الأتراك، سيزيد من حجم المشكلات الإقليمية.نتائج الانسحاب الأمريكي على الأمن الخليجي
• عدم تأثير ذلك في أمن دول الخليج العربية والتعامل مع الوضع في العراق على أنه شأن داخلي، حيث يمكن أن تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بدعم قواتها العسكرية لمنع أي تسلسل إلى أراضيها، كما فعلت المملكة العربية السعودية.
• تغيير موازين القوة في المنطقة لصالح إيران: قد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح بين الدول العربية من جهة وإيران من جهة أخرى. وبدأت ملامح ذلك بالظهور من خلال صفقات الأسلحة التي قامت دول مجلس التعاون بالتفاوض حولها وهي تصل إلى 60-100 مليار دولار. ويمكن ذلك أن يؤدي إلى حرب باردة تستغل فيها قدرات العالم العربي في سباق تسلح مع إيران لا يمكن أن تتحقق فيه موازنة عربية خاصة إذا ما امتلكت إيران قنبلة نووية.
• تغيير الاهتمام من (القضية الفلسطينية) إلى (القضية الإيرانية) وهيمنة إسرائيل على مجريات المنطقة من خلال التوصل إلى حل سلمي بواسطة المبادرة العربية بعد تعديلها من قبل إسرائيل والذي سيتضمن عدم الاعتراف بحق العودة لفلسطينيي الشتات ودخول إسرائيل كشريك وطرف للدول العربية المعتدلة في حرب باردة مع إيران. وبذلك تكون أمريكا قد خرجت من المنطقة بعد أن أعادت ترتيبها بما يخدم المصالح الإسرائيلية، مما يعني بالفعل إنهاء بناء (شرق أوسط جديد)، ويمكن أن تصور ذلك للعالم بأنها خرجت بطريقة مشرفة.
أخيراً نقول إن الانسحاب الأمريكي ستكون له تأثيرات سلبية وإيجابية في أمن الخليج العربي لا بد من أن تعد نفسها له، فالوجود العسكري الأمريكي لن يستمر في المنطقة، ولن تستطيع أمريكا الوصول إلى أهدافها في العراق، وسيكون انسحابها نتيجة حتمية نظراً لعدد كبير من العوامل الموضوعية منها الرأي العام الأمريكي، وتوجهات الحزب الديمقراطي، ومطالبة الشعب العراقي، وعدم تحقيق أي أهداف على مستوى الاستقرار والأمن، ووعود الرئيس الأمريكي بالانسحاب السريع للقوات الأمريكية بعد الانتصار. فلن يتحقق الانتصار إلا إذا تمت إعادة صياغة (الأهداف الأمريكية) في العراق وفي المنطقة. أما في العراق فلا بد من إعادة إعادة النظر بالخطة الأمريكية لتشتمل على تقوية الحكومة العراقية، وإعادة الجيش العراقي، وبناء حكومة عسكرية لفترة انتقالية، وتعليق الديمقراطية لمرحلة انتقالية، لأن الاستقرار لا يتحقق إلا في ظل دول ديمقراطية أو دول أوتوقراطية. أما في المنطقة فيتمثل في إيجاد (حرب باردة) بين العرب وإيران تضمن الاستقرار النسبي في المنطقة بما يخدم مصالح الولايات المتحدة ومصلحة إسرائيل، وعلى الدول العربية التعامل مع هذه الظروف الإقليمية والدولية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2599::/cck::
::introtext::

يحاول هذا المقال تقديم تحليل استراتيجي مستقبلي لأثر الانسحاب الأمريكي من العراق في أمن الخليج العربي خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، وتعود أهمية هذا التحليل خاصة لصناع القرار في ضوء الاستراتيجيات الأمريكية التي (تطبخ) في الولايات المتحدة الأمريكية، وتؤيدها نسبة كبيرة من الرأي العام الأمريكي حسب العدد الأخير من الأجندة الأمريكية التي تقيس نسبة الثقة بالسياسة الخارجية الذي صدر عن مجلة (الفورن أفيرز).

::/introtext::
::fulltext::

يحاول هذا المقال تقديم تحليل استراتيجي مستقبلي لأثر الانسحاب الأمريكي من العراق في أمن الخليج العربي خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، وتعود أهمية هذا التحليل خاصة لصناع القرار في ضوء الاستراتيجيات الأمريكية التي (تطبخ) في الولايات المتحدة الأمريكية، وتؤيدها نسبة كبيرة من الرأي العام الأمريكي حسب العدد الأخير من الأجندة الأمريكية التي تقيس نسبة الثقة بالسياسة الخارجية الذي صدر عن مجلة (الفورن أفيرز). (إذ كان هناك 19 في المائة يطالبون بانسحاب فوري، و 51 في المائة يطالبون بانسحاب خلال 12 شهراً) والرأي العام العراقي حسب استطلاع (PEW)، كنتيجة حتمية لاستمرار الفشل في الوصول إلى نوع من إيجاد استقرار نسبي في ظل مقاومة شرسة ضد القوات المحتلة الأمريكية التي لم تف في أي من وعودها في العراق إلا إذا تعلق الأمر بإرجاع العراق إلى العصر الحجري وتهجير أكثر من 4 ملايين عراقي داخل العراق والدول المجاورة.
لقد أثبت هذا الاحتلال أن السياسة الخارجية التي لا تقوم على شرعية دولية يتنصل من مسؤوليتها الجميع في العالم على المستويين الرسمي والشعبي، ولم يعد أحد يتحدث عن استمرار الوجود الأمريكي في العراق إلا الإدارة الأمريكية الحالية ومرشحو الحزب الجمهوري، جون ماكين، الداعم (لاستمرار الاحتلال حتى النصر)، وبدأ يطالب بأن تقدم (نتائج حقيقة) للشعب الأمريكي. وفي ظل كل هذا أصبح من بديهيات التخطيط الاستراتيجي التفكير في دول الخليج العربية لمرحلة انسحاب القوات الأمريكية من العراق وما (بعد الانسحاب) وكيفية تأثير ما ينتج عنه في الأمن القومي الخليجي.
ويقصد بالانسحاب الأمريكي من العراق هو وصول قوات الاحتلال الأمريكية إلى مرحلة عدم القدرة على تحقيق الأهداف المرجوة والمعلنة من وجودها في العراق وهي الأمن في بغداد، وإعادة الاستقرار النسبي إلى مناطق التوتر الذي سيؤدي بصناع القرار إلى اتخاذ قرار يبدأ بجدولة انسحاب القوات الأمريكية وصولاً إلى انسحاب آخر جندي من العراق في ظل ضغط شعبي عراقي وضغط من داخل الولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن أن يحصل ذلك خلال أقل من عام حسب مشروع قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الذي حدد جدول الانسحاب في مارس 2008 وحسب قرار مجلس النواب الذي حدد موعده في أغسطس 2008. وباختصار فإن الانسحاب سيحصل قبل أن تحقق الولايات المتحدة الأمريكية الاستقرار في العراق. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما مدى تأثير ذلك في أمن الخليج؟ والذي يرتبط إلى حد كبير بالدور الأمريكي، وإدراك القوة الأمريكية في العالم -التي يمكن أن تتأثر سلباً في حالة الانسحاب. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كل دول مجلس التعاون الخليجي ترتبط باتفاقيات أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك فإن أمنها يعتمد على الدور الأمريكي والتطمينات الأمريكية من خلال الوجود العسكري لها في هذه الدول، ومن خلال وجود القوات الأمريكية في مياه الخليج العربي لردع أي قوة إقليمية تفكر بزعزعة أمن هذه الدول، ومن خلال مبيعات الأسلحة لتقوية القوات العسكرية لهذه الدول، بالإضافة إلى الجهود الذاتية التي تقوم بها هذه الدول.
الخريطة السياسية الاستراتيجية في الخليج العربي
لابد من النظر إلى الخريطة السياسية والاستراتيجية في منطقة الخليج العربي قبل مناقشة أثر الاحتلال الأمريكي للعراق وانسحابه فيها. وتشتمل على ما يلي:
• خطر انتقال عدوى عدم الاستقرار وغياب الأمن العراقي إلى دول الخليج العربية، مما قد يؤدي إلى زعزعة الأمن الداخلي فيها، حيث يمكن أن يمثل ذلك أهم التحديات الأمنية لهذه الدول التي يشهد بعضها نوعاً من المشاركة السياسية غير الطبيعية مثل: المظاهرات والاحتجاجات، بالإضافة إلى العمليات الإرهابية، والمواجهات مع قوات الشرطة والأمن.
• ضعف التنمية السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي نظراً للتركيز على قضايا (الأمن الخشنة) بدلاً من التوازن بين الأمن الناعم (الإصلاح السياسي) والأمن الخشن (مشتريات الأسلحة). وهو ما يشكل عائقاً أمام صناع القرار في هذه الدول من حيث قدرتها على ضبط الجبهة الداخلية في ظل مطالبات مستمرة بالانفتاح والشفافية السياسية.• الخوف من (الخطر الإيراني) بالهيمنة على المنطقة في ظل عدم توازن القوة في منطقة الخليج العربي، وللتناقض في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد تهميش دور العراق العسكري والسياسي. ويمكن أن يمثل ذلك أهم التحديات الأمنية الخارجية بالنسبة لهذه الدول.
• تنامي الدور السعودي الإقليمي والدولي وانتقاله من مرحلة الدبلوماسية الهادئة إلى مرحلة التدخل في كل شؤون المنطقة والشرق الأوسط بشكل عام، والذي توج في الخطاب التاريخي للعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في افتتاح مؤتمر القمة العربية في الرياض.
• توجه دول مجلس التعاون إلى التفكير ببرامج نووية (سلمية). مع العلم بأن معظم البرامج النووية بطبيعتها سلمية، إذا ما كان الهدف منها هو الردع، حيث لا يمكن لدول الخليج العربية أن تقدم حجة مقنعة بالاعتماد على تبرير الحاجة إلى الطاقة وتحلية المياه نظراً لتوفر الطاقة لديها وبأسعار رخيصة.
• احتمال قيام الولايات المتحدة الأمريكية بضربة عسكرية إلى إيران لتدمير برنامجها النووي؛ لأنه إذا ما تم تطويره إلى مستوى عسكري فسيقود إيران إلى هيمنة إقليمية في المنطقة غير مقبولة عربياً وأمريكياً وإسرائيلياً. ولذلك يمكن القول إن أي حرب على إيران، وإن كانت تدعمها الدول العربية المعتدلة (سراً)، ستشكل تحدياً أمنياً لدول الخليج العربية لما لها من تأثيرات داخلية وإقليمية في المنطقة، والتي قد تحدد بناء على رد الفعل الإيراني، الذي قد يتمثل في أدوار سلبية لزعزعة أمن كل المنطقة.
إن هذه المكونات تشير بوضوح إلى وجود تخوفات أمنية خليجية منبثقة من التطورات السياسية في الإقليم والناتجة عن الممارسات الأمريكية مثل الوضع في العراق وإيران، بالإضافة إلى تحديات داخلية ناتجة عن سلوكيات الدول العربية الخليجية ذاتها؛ لذا يمكن القول إن التحديات الأمنية في ازدياد وهي محط تفكير صناع القرار في هذه المنطقة. لكن (التبعية الأمنية) الخليجية للدور الأمريكي هي الشيء (المفيد والمحير) في الوقت نفسه بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، ويجب أن تتعلم درس العلاقات الدولية بأن مبدأ الدفاع عن الذات والمساعدة الذاتية هما أحد أهم شروط وطبيعة العلاقات الدولية. أما السؤال المطروح فهو ماذا يمكن أن يحدث لأمن الخليج العربي لو انسحبت القوات الأمريكية من العراق؟
نتائج الانسحاب الأمريكي من العراق:
• زيادة تدهور الوضع الأمني في العراق وحصول حرب أهلية قد تستمر لفترة ممتدة ينتصر فيها الشيعة نظراً للتجارب العلمية في هذا المجال كونهم يشكلون الأغلبية ويتحكمون بالسلطة، وهذا سيضع دول الخليج العربية أمام مزيد من التحديات الأمنية نظراً لعدم الاستقرار في المنطقة وعدم قدرتهم على (التفرج) على وضع السنة في العراق وعدم القدرة على التحرك نظراً للحرج من الشيعة المتواجدين في بلدانهم. ولذلك فإن دول مجلس التعاون ستواجه معضلة أمنية من الصعب التعامل معها بحرية سياسية.
• تحسن الوضع الأمني في العراق، حيث ستغيب حجة مقاومة الاحتلال في العراق، وهذا بدوره سيضع ضغطاً كبيراً على أي وجود عسكري أمريكي في دول الخليج، إذا ما فكرت الولايات المتحدة الأمريكية بإعادة وضع قواتها في الدول المجاورة، كما اقترح السيناتور ريد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي. ويمكن أن يمثل وجود القوات الأمريكية في هذه الدول هدفاً للقوى المعارضة للوجود الأمريكي في المنطقة سواء الرسمية منها أو الشعبية. أما إذا تحقق الأمن والاستقرار في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وبدأ تحسن الوضع السياسي فإن ذلك سيشكل تحدياً لدول الخليج من ناحية مطالبة هذه الشعوب بـ (العدوى الديمقراطية العراقية) وهي غير قادرة على تحقيقه في ظل الخطوات السابقة لها.
• إحساس الحكومة العراقية المسيطرة في العراق بالخطر واتجاهها إلى استخدام القوة حتى لا تضيع فرصة وصولها إلى الحكم، مما سيؤدي إلى زيادة الاقتتال الداخلي، حيث إن الحكومة الحالية هي الطرف الوحيد المستفيد من الاحتلال الأمريكي في العراق، وهو ما سيؤدي أيضاً إلى تعجيل انسحاب القوات الأمريكية من العراق في ظل تزايد قوة الحكومة العراقية وإلى فرض الأمن الداخلي من وجهة نظر طرف واحد وعلى حساب الطرف الآخر.
• تفكك الدولة العراقية إلى ثلاث دول (شيعية، وسنية، وكردية). مما سيشكل مزيداً من التدخلات الإقليمية من قبل إيران وتركيا وبعض دول العالم العربي السنية، حيث إن التدخل الإيراني سيعطيها مزيداً من القوة، كما أن التدخل التركي، حسب تصريحات الجنرالات الأتراك، سيزيد من حجم المشكلات الإقليمية.نتائج الانسحاب الأمريكي على الأمن الخليجي
• عدم تأثير ذلك في أمن دول الخليج العربية والتعامل مع الوضع في العراق على أنه شأن داخلي، حيث يمكن أن تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بدعم قواتها العسكرية لمنع أي تسلسل إلى أراضيها، كما فعلت المملكة العربية السعودية.
• تغيير موازين القوة في المنطقة لصالح إيران: قد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح بين الدول العربية من جهة وإيران من جهة أخرى. وبدأت ملامح ذلك بالظهور من خلال صفقات الأسلحة التي قامت دول مجلس التعاون بالتفاوض حولها وهي تصل إلى 60-100 مليار دولار. ويمكن ذلك أن يؤدي إلى حرب باردة تستغل فيها قدرات العالم العربي في سباق تسلح مع إيران لا يمكن أن تتحقق فيه موازنة عربية خاصة إذا ما امتلكت إيران قنبلة نووية.
• تغيير الاهتمام من (القضية الفلسطينية) إلى (القضية الإيرانية) وهيمنة إسرائيل على مجريات المنطقة من خلال التوصل إلى حل سلمي بواسطة المبادرة العربية بعد تعديلها من قبل إسرائيل والذي سيتضمن عدم الاعتراف بحق العودة لفلسطينيي الشتات ودخول إسرائيل كشريك وطرف للدول العربية المعتدلة في حرب باردة مع إيران. وبذلك تكون أمريكا قد خرجت من المنطقة بعد أن أعادت ترتيبها بما يخدم المصالح الإسرائيلية، مما يعني بالفعل إنهاء بناء (شرق أوسط جديد)، ويمكن أن تصور ذلك للعالم بأنها خرجت بطريقة مشرفة.
أخيراً نقول إن الانسحاب الأمريكي ستكون له تأثيرات سلبية وإيجابية في أمن الخليج العربي لا بد من أن تعد نفسها له، فالوجود العسكري الأمريكي لن يستمر في المنطقة، ولن تستطيع أمريكا الوصول إلى أهدافها في العراق، وسيكون انسحابها نتيجة حتمية نظراً لعدد كبير من العوامل الموضوعية منها الرأي العام الأمريكي، وتوجهات الحزب الديمقراطي، ومطالبة الشعب العراقي، وعدم تحقيق أي أهداف على مستوى الاستقرار والأمن، ووعود الرئيس الأمريكي بالانسحاب السريع للقوات الأمريكية بعد الانتصار. فلن يتحقق الانتصار إلا إذا تمت إعادة صياغة (الأهداف الأمريكية) في العراق وفي المنطقة. أما في العراق فلا بد من إعادة إعادة النظر بالخطة الأمريكية لتشتمل على تقوية الحكومة العراقية، وإعادة الجيش العراقي، وبناء حكومة عسكرية لفترة انتقالية، وتعليق الديمقراطية لمرحلة انتقالية، لأن الاستقرار لا يتحقق إلا في ظل دول ديمقراطية أو دول أوتوقراطية. أما في المنطقة فيتمثل في إيجاد (حرب باردة) بين العرب وإيران تضمن الاستقرار النسبي في المنطقة بما يخدم مصالح الولايات المتحدة ومصلحة إسرائيل، وعلى الدول العربية التعامل مع هذه الظروف الإقليمية والدولية.

::/fulltext::
::cck::2599::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *