قانون الفيدرالية.. عامل تفرقة أم توحيد؟
::cck::2608::/cck::
::introtext::
الفيدرالية كنظام حكم تشكل عادة إطاراً لتوحيد الكيانات السياسية مع الاحتفاظ بقدر معين من الاستقلالية لكل منها يختلف مداها من نظام فيدرالي إلى آخر، وهو نظام توحيد بالرغم من الاختلاف، ولكن بشرط أن يكون النظام الفيدرالي المتبع مبنياً على العدالة وإلا أصبح عاملاً للتفرقة والانحلال والصراعات الدموية.
::/introtext::
::fulltext::
الفيدرالية كنظام حكم تشكل عادة إطاراً لتوحيد الكيانات السياسية مع الاحتفاظ بقدر معين من الاستقلالية لكل منها يختلف مداها من نظام فيدرالي إلى آخر، وهو نظام توحيد بالرغم من الاختلاف، ولكن بشرط أن يكون النظام الفيدرالي المتبع مبنياً على العدالة وإلا أصبح عاملاً للتفرقة والانحلال والصراعات الدموية.
الأمثلة الإيجابية للأنظمة الفيدرالية كما نراها في حالة الولايات المتحدة الأمريكية، والإمارات العربية المتحدة، وسويسرا وبلجيكا، تواجهها الأمثلة الفاشلة في الاتحاد السوفييتي، ويوغسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا السابقة. والسر وراء نجاح النموذج الأول هو مبدأ العدالة الذي بنيت عليه هذه الأنظمة الناجحة، والعكس هو الصحيح بالنسبة لفشل النموذج الثاني، حيث تم فرض النظام الفيدرالي على شعوب وطوائف مختلفة بشروط وضعتها أكثرية طائفية معينة بشتى أنواع طرق الإكراه والاحتيال.
ولهذا فإن النظام الفيدرالي المنتظر تطبيقه في العراق لن يكتب له النجاح إلا إذا بني على أسس عادلة وثابتة تشترك في وضعها وتتفق عليها كل الطوائف المعنية في العراق على أساس المساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الأقلية والأكثرية العددية.
وبما أن إقرار الدستور العراقي الدائم بالنظام الفيدرالي للعراق كان خطوة في الاتجاه الصحيح، لا يمكن ادعاء الشيء نفسه في ما يتعلق بإصدار ما يسمى قانون الفيدرالية من قبل البرلمان العراقي في شهر أكتوبر الماضي.
إن هذا القانون سبب جدلاً واسعاً بين ممثلي الطوائف العراقية والأوساط السياسية والأكاديمية داخل العراق وخارجه، وهو اهتمام لا يستحقه هذا القانون حسب رأيي نظراً لضعف شرعيته وغموضه وقلة قابليته التطبيقية.
صحيح أن هذا القانون من حيث إجراءات إصداره ومضمونه يستند إلى الدستور العراقي وخاصة المواد (1، و57، و112-121) لكنه يفتقر إلى الإجماع المطلوب توفره في سن قوانين بهذه الدرجة من الحساسية في دولة متعددة الطوائف والمذاهب التي سوف تتأثر مباشرة بتنفيذ محتمل لهذا القانون. والقانون رفضه ممثلو السنة العرب والتركمان والمسيحيين، وحتى داخل الكتلة الشيعية والكردية كانت هناك حالات رفض وانتقاد للقانون، حيث رفضه التيار الصدري ومعه حزب الفضيلة من الكتلة الشيعية، وانتقده عضو فعال في التحالف الكردستاني بأن صدوره كان متسرعاً، ولم يصّوت لصالحه إلا الحد الأدنى المطلوب من الأصوات حسب المادة السابعة والخمسين من الدستور العراقي مما يقلل من شرعيته.
هذا بالإضافة إلى أن هذا القانون لا ينفذ إلا بعد مرور ثمانية عشر شهراً على إصداره، والكل يعرف كيف أن الأحداث تجري متسرعة في العراق، حيث من الممكن جداً إلغاء هذا القانون بنفس السهولة التي تم بها إصداره وخاصة أن الدستور العراقي هو نفسه الآن قيد المراجعة وإجراء تعديلات محتملة عليه وحسب المادة 142 من هذا الدستور لكي يرضي جميع الأطراف.
إن قانون الفيدرالية كأي قانون آخر يمكن تفسيره بطرق مختلفة تختلط فيها غالباً النظرة الذاتية للمفسر بحيث إن الطرف المؤيد لهذا القانون يمكن أن يدعي أن القانون تم إصداره على أساس الدستور والغرض الرئيسي من ورائه ليس إلا تطبيق بنود الدستور الذي اتفقت عليه جميع الطوائف في الاستفتاء الشعبي العام، ولكن المعارضين له يمكن أن يفسروه بطريقة بأنه يمكن أن يؤدي إلى تقسيم العراق إلى كيانات طائفية وهذا بدوره سوف يؤدي إلى صراعات طائفية دموية حسب قولهم. فتفسير قانون الفيدرالية من حيث المضمون فقط يؤيد ما يدعي به المؤيدون لهذا القانون، لأن القانون لا يشير بأي شكل من الأشكال في مضمونه إلى تقسيم العراق على أسس طائفية، كما جاء من المادة الأولى لهذا القانون حيث تعرّف الإقليم بأنها تتكون من محافظة أو أكثر، ومن حيث إجراءات تكوين الأقاليم فإن القانون يوفر ضمانات كافية للمحافظات للبقاء كمحافظة أو التحول إلى إقليم فيدرالي بعد إجراء استفتاء ناجح على مشروع الفيدرالية من قبل سكان المحافظة المعنية كأداة لإضفاء الشرعية عليه. ولكن تفسير قانون ما على أساس مضمونه فقط يكون تفسيراً ناقصاً، لهذا فإن الطرق الحديثة لتفسير القوانين تركز على نوايا الأطراف الداعمة للقانون المعني.
في حالة استعمال طريقة التفسير هذه، فإن رأي الطرف المعادي للقانون الفيدرالي القائل بأنه يؤدي إلى تقسيم العراق على أسس طائفية سيكون هو السائد، لأن تصريحات ممثلي طوائف معينة تطالب بوضوح تقسيم العراق على أسس طائفية على شكل أقاليم في الجنوب والوسط والشمال.
ومهما كانت طريقة تفسير هذا القانون ونتائج التفسير، فإنه يمكن التكهن بنتيجة واحدة لتنفيذ محتمل له، ألا وهو القضاء على النظام الفيدرالي نفسه أو العراق ككل ككيان سياسي موحد، لكونه قانوناً يفتقر إلى العدالة حسب رأيي، لأنه:
1- القانون يأخذ الحدود الحالية للمحافظات أساساً لتحديد حدود الأقاليم وبما أن أكثرية المحافظات العراقية هي محافظات مختلطة مذهبياً وطائفياً مع تشكيل مذهب أو طائفة معينة أكثرية في كل واحدة منها، وعلى ضوء الاحتقان الطائفي الذي يشهده العرق حالياً، فلا بد أن تشكيل أقاليم على أسس طائفية أن يؤدي إلى عمليات دموية للتطهير الطائفي في كافة أنحاء العراق، كما شاهدناها في يوغسلافيا السابقة وقبلها في عملية الفصل بين الهند وباكستان. إن نسبة السنة في بعض المحافظات ذات الأكثرية الشيعية كالبصرة مثلا تصل إلى حوالي 40 في المائة، فهؤلاء ربما يكون مصيرهم في حالة نشوء حرب طائفية إما الانصهار داخل الأكثرية أو التهجير القسري، والشيء نفسه هو الصحيح بالنسبة للأقلية الشيعية في المحافظات ذات الأكثرية السنية، أو بالنسبة للأكراد في بعض المحافظات ذات الأكثرية العربية كنينوى وديالى.
2- خطر الحرب الأهلية لا يأتي فقط من الصراع الطائفي، بل أيضاً من داخل الطوائف نفسها حيث تتصارع العوائل والقبائل الساعية إلى المزيد من السلطة السياسية والثروات داخل الطوائف نفسها، كما ظهرت بوادرها في محافظات ميسان والبصرة مؤخراً وإقليم كردستان قبلاً، حيث تحاول عوائل معينة الانفراد بالسلطة السياسية والاقتصادية مما لا ترضى به عوائل أخرى منافسة لها أتباعها وقوتها العسكرية.
3- الأقليات الدينية والعرقية في العراق هي المتضرر الأكبر من تقسيم العراق على أسس طائفية، إذ هي منتشرة في كافة أنحاء العراق من دون أن تشكل أكثرية في إقليم معين، ولهذا فإنها في حالة ارتكاب جرائم التطهير العرقي لا تجد مأوى لها. وبالفعل فإن أعداداً كبيرة من التابعين لهذه الأقليات اضطرت لمغادرة بعض مناطق سكناها أو حتى العراق.
4- بما أن العاصمة بغداد سوف ينظم وضعها قانون خاص، ولا يجوز ضمها إلى إقليم حسب الدستور العراقي، فإن هناك خطر تحويل بغداد إلى سراييفو ثانية نظراً لتمركز كافة الطوائف العراقية فيها من دون أن تشكل أي واحدة منها الأكثرية. كما أن أولى بوادر حرب التطهير العرقي بدأت فعلا في بغداد حيث إن هناك يومياً المئات من ضحايا العنف الطائفي.
5- على المستوى الاقتصادي، فإن تقسيم العراق على أسس طائفية من دون حصول توافق مسبق بين كافة الطوائف يمكن أن يؤدي إلى أكبر قدر ممكن من اللاعدالة في توزيع ثروات البلاد وخاصة الثروات النفطية، إذ إن حوالي 1000 بئر من مجموع حوالي 2500 بئر من آبار النفط العراقي تقع في الجنوب والبقية أكثرها في المناطق الكردية بحيث تصبح المناطق السنية العربية في الوسط شبه محرومة من الخيرات النفطية للعراق، إضافة إلى أن الدستور العراقي وضع في المادة (109) بسبب غموضه أساساً لتوزيع عوائد النفط على أسس طائفية، وما يمكن أن يسببه الصراع على عوائد النفط في دولة فيدرالية كما نرى في حالة نيجيريا الفيدرالية الغنية بالنفط حيث يشتد الصراع بين الولايات والطوائف المختلفة على خيرات النفط.
6- إن قانون الأقاليم وكل القوانين العادية الأخرى تم إصدارها عن طريق نظام الأكثرية وهو نظام لا يصلح لدول متعددة الطوائف والأعراق، لأن الأهداف الاستراتيجية لكل منها تختلف عن الأخرى ولهذا يجب إبدال هذا النظام بالنظام التوافقي، حيث يكون لكل طائفة حق النقض على القوانين التي تراها تمس مصالحها كما هو الحال في بلجيكا الفيدرالية مثلاً.
7- إذا كان هناك مبرر تاريخي وثقافي لإنشاء إقليم كردستان في العراق وهذا ما يعترف به السنة العرب أيضاً، فإن هذا المبرر لا وجود له لفصل العرب العراقيين على أسس طائفية.
وختاماً يمكن القول إن الصراع الطائفي في العراق والذي ظهرت ملامحه بوضوح في الآونة الأخيرة، يمكن أن يتحول بسرعة إلى صراع إقليمي، حيث إن السنة العرب هم كأقلية في العراق يتمتعون بدعم واسع من الأكثرية الساحقة العربية والمذهبية على المستويين العربي والإسلامي، كما أن إيران سوف لا تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرض شيعة العراق لخطر محتمل ولا تفتقر تركيا إلى ذرائع شتى للتدخل في شؤون العراق تحت ذريعة حماية تركمان العراق. كما أن احتكار ثروات النفط على أسس طائفية سيقلب موازين القوى في الشرق الأوسط لصالح دول معينة جارة للعراق نشأ دستورها على أسس مذهبية وهذا ما لا تقبل به أيضاً قوى دولية رئيسية. فالأمريكيون الذين لهم بلا شك قولهم في العراق أعلنوا مراراً وتكراراً رفضهم لفكرة تقسيم العراق على أسس طائفية وعلى لسان الرئيس الأمريكي نفسه.
إذاً، فإن العراق هو الآن في مرحلة انتقالية، فالأولوية يجب أن تكون لصالح المصالحة الوطنية وإعادة بناء البنية التحتية وتهيئة الأرضية الخصبة للحياة الديمقراطية وليس للتفرقة والتقسيم على أسس طائفية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2608::/cck::
::introtext::
الفيدرالية كنظام حكم تشكل عادة إطاراً لتوحيد الكيانات السياسية مع الاحتفاظ بقدر معين من الاستقلالية لكل منها يختلف مداها من نظام فيدرالي إلى آخر، وهو نظام توحيد بالرغم من الاختلاف، ولكن بشرط أن يكون النظام الفيدرالي المتبع مبنياً على العدالة وإلا أصبح عاملاً للتفرقة والانحلال والصراعات الدموية.
::/introtext::
::fulltext::
الفيدرالية كنظام حكم تشكل عادة إطاراً لتوحيد الكيانات السياسية مع الاحتفاظ بقدر معين من الاستقلالية لكل منها يختلف مداها من نظام فيدرالي إلى آخر، وهو نظام توحيد بالرغم من الاختلاف، ولكن بشرط أن يكون النظام الفيدرالي المتبع مبنياً على العدالة وإلا أصبح عاملاً للتفرقة والانحلال والصراعات الدموية.
الأمثلة الإيجابية للأنظمة الفيدرالية كما نراها في حالة الولايات المتحدة الأمريكية، والإمارات العربية المتحدة، وسويسرا وبلجيكا، تواجهها الأمثلة الفاشلة في الاتحاد السوفييتي، ويوغسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا السابقة. والسر وراء نجاح النموذج الأول هو مبدأ العدالة الذي بنيت عليه هذه الأنظمة الناجحة، والعكس هو الصحيح بالنسبة لفشل النموذج الثاني، حيث تم فرض النظام الفيدرالي على شعوب وطوائف مختلفة بشروط وضعتها أكثرية طائفية معينة بشتى أنواع طرق الإكراه والاحتيال.
ولهذا فإن النظام الفيدرالي المنتظر تطبيقه في العراق لن يكتب له النجاح إلا إذا بني على أسس عادلة وثابتة تشترك في وضعها وتتفق عليها كل الطوائف المعنية في العراق على أساس المساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الأقلية والأكثرية العددية.
وبما أن إقرار الدستور العراقي الدائم بالنظام الفيدرالي للعراق كان خطوة في الاتجاه الصحيح، لا يمكن ادعاء الشيء نفسه في ما يتعلق بإصدار ما يسمى قانون الفيدرالية من قبل البرلمان العراقي في شهر أكتوبر الماضي.
إن هذا القانون سبب جدلاً واسعاً بين ممثلي الطوائف العراقية والأوساط السياسية والأكاديمية داخل العراق وخارجه، وهو اهتمام لا يستحقه هذا القانون حسب رأيي نظراً لضعف شرعيته وغموضه وقلة قابليته التطبيقية.
صحيح أن هذا القانون من حيث إجراءات إصداره ومضمونه يستند إلى الدستور العراقي وخاصة المواد (1، و57، و112-121) لكنه يفتقر إلى الإجماع المطلوب توفره في سن قوانين بهذه الدرجة من الحساسية في دولة متعددة الطوائف والمذاهب التي سوف تتأثر مباشرة بتنفيذ محتمل لهذا القانون. والقانون رفضه ممثلو السنة العرب والتركمان والمسيحيين، وحتى داخل الكتلة الشيعية والكردية كانت هناك حالات رفض وانتقاد للقانون، حيث رفضه التيار الصدري ومعه حزب الفضيلة من الكتلة الشيعية، وانتقده عضو فعال في التحالف الكردستاني بأن صدوره كان متسرعاً، ولم يصّوت لصالحه إلا الحد الأدنى المطلوب من الأصوات حسب المادة السابعة والخمسين من الدستور العراقي مما يقلل من شرعيته.
هذا بالإضافة إلى أن هذا القانون لا ينفذ إلا بعد مرور ثمانية عشر شهراً على إصداره، والكل يعرف كيف أن الأحداث تجري متسرعة في العراق، حيث من الممكن جداً إلغاء هذا القانون بنفس السهولة التي تم بها إصداره وخاصة أن الدستور العراقي هو نفسه الآن قيد المراجعة وإجراء تعديلات محتملة عليه وحسب المادة 142 من هذا الدستور لكي يرضي جميع الأطراف.
إن قانون الفيدرالية كأي قانون آخر يمكن تفسيره بطرق مختلفة تختلط فيها غالباً النظرة الذاتية للمفسر بحيث إن الطرف المؤيد لهذا القانون يمكن أن يدعي أن القانون تم إصداره على أساس الدستور والغرض الرئيسي من ورائه ليس إلا تطبيق بنود الدستور الذي اتفقت عليه جميع الطوائف في الاستفتاء الشعبي العام، ولكن المعارضين له يمكن أن يفسروه بطريقة بأنه يمكن أن يؤدي إلى تقسيم العراق إلى كيانات طائفية وهذا بدوره سوف يؤدي إلى صراعات طائفية دموية حسب قولهم. فتفسير قانون الفيدرالية من حيث المضمون فقط يؤيد ما يدعي به المؤيدون لهذا القانون، لأن القانون لا يشير بأي شكل من الأشكال في مضمونه إلى تقسيم العراق على أسس طائفية، كما جاء من المادة الأولى لهذا القانون حيث تعرّف الإقليم بأنها تتكون من محافظة أو أكثر، ومن حيث إجراءات تكوين الأقاليم فإن القانون يوفر ضمانات كافية للمحافظات للبقاء كمحافظة أو التحول إلى إقليم فيدرالي بعد إجراء استفتاء ناجح على مشروع الفيدرالية من قبل سكان المحافظة المعنية كأداة لإضفاء الشرعية عليه. ولكن تفسير قانون ما على أساس مضمونه فقط يكون تفسيراً ناقصاً، لهذا فإن الطرق الحديثة لتفسير القوانين تركز على نوايا الأطراف الداعمة للقانون المعني.
في حالة استعمال طريقة التفسير هذه، فإن رأي الطرف المعادي للقانون الفيدرالي القائل بأنه يؤدي إلى تقسيم العراق على أسس طائفية سيكون هو السائد، لأن تصريحات ممثلي طوائف معينة تطالب بوضوح تقسيم العراق على أسس طائفية على شكل أقاليم في الجنوب والوسط والشمال.
ومهما كانت طريقة تفسير هذا القانون ونتائج التفسير، فإنه يمكن التكهن بنتيجة واحدة لتنفيذ محتمل له، ألا وهو القضاء على النظام الفيدرالي نفسه أو العراق ككل ككيان سياسي موحد، لكونه قانوناً يفتقر إلى العدالة حسب رأيي، لأنه:
1- القانون يأخذ الحدود الحالية للمحافظات أساساً لتحديد حدود الأقاليم وبما أن أكثرية المحافظات العراقية هي محافظات مختلطة مذهبياً وطائفياً مع تشكيل مذهب أو طائفة معينة أكثرية في كل واحدة منها، وعلى ضوء الاحتقان الطائفي الذي يشهده العرق حالياً، فلا بد أن تشكيل أقاليم على أسس طائفية أن يؤدي إلى عمليات دموية للتطهير الطائفي في كافة أنحاء العراق، كما شاهدناها في يوغسلافيا السابقة وقبلها في عملية الفصل بين الهند وباكستان. إن نسبة السنة في بعض المحافظات ذات الأكثرية الشيعية كالبصرة مثلا تصل إلى حوالي 40 في المائة، فهؤلاء ربما يكون مصيرهم في حالة نشوء حرب طائفية إما الانصهار داخل الأكثرية أو التهجير القسري، والشيء نفسه هو الصحيح بالنسبة للأقلية الشيعية في المحافظات ذات الأكثرية السنية، أو بالنسبة للأكراد في بعض المحافظات ذات الأكثرية العربية كنينوى وديالى.
2- خطر الحرب الأهلية لا يأتي فقط من الصراع الطائفي، بل أيضاً من داخل الطوائف نفسها حيث تتصارع العوائل والقبائل الساعية إلى المزيد من السلطة السياسية والثروات داخل الطوائف نفسها، كما ظهرت بوادرها في محافظات ميسان والبصرة مؤخراً وإقليم كردستان قبلاً، حيث تحاول عوائل معينة الانفراد بالسلطة السياسية والاقتصادية مما لا ترضى به عوائل أخرى منافسة لها أتباعها وقوتها العسكرية.
3- الأقليات الدينية والعرقية في العراق هي المتضرر الأكبر من تقسيم العراق على أسس طائفية، إذ هي منتشرة في كافة أنحاء العراق من دون أن تشكل أكثرية في إقليم معين، ولهذا فإنها في حالة ارتكاب جرائم التطهير العرقي لا تجد مأوى لها. وبالفعل فإن أعداداً كبيرة من التابعين لهذه الأقليات اضطرت لمغادرة بعض مناطق سكناها أو حتى العراق.
4- بما أن العاصمة بغداد سوف ينظم وضعها قانون خاص، ولا يجوز ضمها إلى إقليم حسب الدستور العراقي، فإن هناك خطر تحويل بغداد إلى سراييفو ثانية نظراً لتمركز كافة الطوائف العراقية فيها من دون أن تشكل أي واحدة منها الأكثرية. كما أن أولى بوادر حرب التطهير العرقي بدأت فعلا في بغداد حيث إن هناك يومياً المئات من ضحايا العنف الطائفي.
5- على المستوى الاقتصادي، فإن تقسيم العراق على أسس طائفية من دون حصول توافق مسبق بين كافة الطوائف يمكن أن يؤدي إلى أكبر قدر ممكن من اللاعدالة في توزيع ثروات البلاد وخاصة الثروات النفطية، إذ إن حوالي 1000 بئر من مجموع حوالي 2500 بئر من آبار النفط العراقي تقع في الجنوب والبقية أكثرها في المناطق الكردية بحيث تصبح المناطق السنية العربية في الوسط شبه محرومة من الخيرات النفطية للعراق، إضافة إلى أن الدستور العراقي وضع في المادة (109) بسبب غموضه أساساً لتوزيع عوائد النفط على أسس طائفية، وما يمكن أن يسببه الصراع على عوائد النفط في دولة فيدرالية كما نرى في حالة نيجيريا الفيدرالية الغنية بالنفط حيث يشتد الصراع بين الولايات والطوائف المختلفة على خيرات النفط.
6- إن قانون الأقاليم وكل القوانين العادية الأخرى تم إصدارها عن طريق نظام الأكثرية وهو نظام لا يصلح لدول متعددة الطوائف والأعراق، لأن الأهداف الاستراتيجية لكل منها تختلف عن الأخرى ولهذا يجب إبدال هذا النظام بالنظام التوافقي، حيث يكون لكل طائفة حق النقض على القوانين التي تراها تمس مصالحها كما هو الحال في بلجيكا الفيدرالية مثلاً.
7- إذا كان هناك مبرر تاريخي وثقافي لإنشاء إقليم كردستان في العراق وهذا ما يعترف به السنة العرب أيضاً، فإن هذا المبرر لا وجود له لفصل العرب العراقيين على أسس طائفية.
وختاماً يمكن القول إن الصراع الطائفي في العراق والذي ظهرت ملامحه بوضوح في الآونة الأخيرة، يمكن أن يتحول بسرعة إلى صراع إقليمي، حيث إن السنة العرب هم كأقلية في العراق يتمتعون بدعم واسع من الأكثرية الساحقة العربية والمذهبية على المستويين العربي والإسلامي، كما أن إيران سوف لا تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرض شيعة العراق لخطر محتمل ولا تفتقر تركيا إلى ذرائع شتى للتدخل في شؤون العراق تحت ذريعة حماية تركمان العراق. كما أن احتكار ثروات النفط على أسس طائفية سيقلب موازين القوى في الشرق الأوسط لصالح دول معينة جارة للعراق نشأ دستورها على أسس مذهبية وهذا ما لا تقبل به أيضاً قوى دولية رئيسية. فالأمريكيون الذين لهم بلا شك قولهم في العراق أعلنوا مراراً وتكراراً رفضهم لفكرة تقسيم العراق على أسس طائفية وعلى لسان الرئيس الأمريكي نفسه.
إذاً، فإن العراق هو الآن في مرحلة انتقالية، فالأولوية يجب أن تكون لصالح المصالحة الوطنية وإعادة بناء البنية التحتية وتهيئة الأرضية الخصبة للحياة الديمقراطية وليس للتفرقة والتقسيم على أسس طائفية.
::/fulltext::
::cck::2608::/cck::
