الخليج والمسألة الإيرانية
::cck::2570::/cck::
::introtext::
في إطاره الأكثر مرجعية، يجد النقاش الخاص بالعلاقات الخليجية – الإيرانية خلفياته في السجال الدائر حول علاقة الوطن العربي بجواره المتمايز عنه قومياً، وحيث برز منذ نصف قرن السؤال التالي: هل هذا الجوار يمثل طوقاً على العرب أم عمقاً استراتيجياً لهم؟
::/introtext::
::fulltext::
في إطاره الأكثر مرجعية، يجد النقاش الخاص بالعلاقات الخليجية – الإيرانية خلفياته في السجال الدائر حول علاقة الوطن العربي بجواره المتمايز عنه قومياً، وحيث برز منذ نصف قرن السؤال التالي: هل هذا الجوار يمثل طوقاً على العرب أم عمقاً استراتيجياً لهم؟
إن نصف قرن من السجال لم يجب عن هذا السؤال، بيد أن مقولة الطوق أخذت طريقها ضمنا للخطاب القومي العربي في خمسينات وستينات القرن العشرين.
والحقيقة، أن مصطلحي الطوق والعمق يعبران في الأصل عن مفاهيم جيو-استراتيجية، ولدت في الأصل في ألمانيا، وهي لا علاقة لها بالقضايا الأيديولوجية القيمية أو التمايزات القومية، وهذا ما لم يلحظه الخطاب القومي حينها. وهكذا بدا التأزم هو الأصل في العلاقة مع هذا الجوار، وبدت الحرب الباردة عامل إذكاء آخر لهذا التأزم، وبدت أيضاً العلاقات الإيرانية – الخليجية (والعربية عموماً) في طليعة المعنيين بهذه المقولة.
بيد أن ثمة تحولاً أخذ يشق طريقه إلى الخطاب العربي الخاص بدول الجوار الجغرافي منذ سبعينات القرن الماضي، وأخذت مفاهيم الواقعية السياسية تفرض نفسها تدريجياً على هذا الخطاب، كما أن المفاهيم الجديدة الخاصة بالنظم الإقليمية (أو النظم الدولية الفرعية)، أخذت تفرض نفسها على الباحثين والدارسين العرب. وصدرت في البلاد العربية بعض من الدراسات والكتب التي عبرت عن هذا التطور في المفاهيم. يضاف إلى ذلك أن مراكز أبحاث، أو وحدات متكاملة في مؤسسات بحث عربية، خصصت لدراسة العلاقات العربية مع دول الجوار، فرادى أو مجتمعة.
وفي وقت لاحق، جاء انتهاء الحرب الباردة ليهدم بعضاً من الجدران والأسوار النفسية والسياسية بين العرب وجيرانهم. واليوم، شكلت العولمة مدخلاً جديداً لمقاربة العلاقات العربية مع دول الجوار، حيث بدت ثورة الاتصالات وقد فرضت نفسها على مجمل تفاعلات النظام الدولي، وبدت النظم الإقليمية شديدة التأثر بهذا التحول الكوني.
وعلى صعيد التوصيف الأكثر تحديداً للعلاقات الخليجية – الإيرانية، يمكن القول إن التقارب الخليجي-الإيراني، الذي تزايد الاهتمام به خلال العقد السابع من القرن العشرين، جاء تقارباً مشبعاً بالشكوك والهواجس المتبادلة، فقد كانت الخيارات الدولية لكل من إيران ودول الخليج متماثلة على مستوى المخرجات، لكنها متباينة على مستوى منظور الطرف الآخر إليها، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كانت طبيعة الوظيفة الجيوبوليتيكية للأطراف الإقليمية متباعدة إلى حد كبير في المدرك الاستراتيجي الأمريكي، الأمر الذي خلق تخلخلاً ظاهراً في الاقتراب الخليجي الإيراني، بل وسطح هذا الاقتراب.
وفي الأخير، انتهى العقد السبعيني من القرن العشرين دون أن تكون هناك مقاربة واضحة لهذا الأمن على صعيد قمة النظام الدولي، أو لنقل على صعيد السياسة الأمريكية في المنطقة، ولم يكن مبدأ غوام، (الذي يعرف أيضاً بمبدأ نيكسون) يرقى إلى حد رسم صورة استراتيجية واضحة لأمن المنطقة.
وبعد سقوط الشاه في العام 1979، وبعد ثماني سنوات من الحرب بين إيران والعراق جاءت حرب الخليج الثانية لتطيح بالتوازن الاستراتيجي الهش في النظام الإقليمي الخليجي. وبدا للوهلة الأولى أنّ الحرب ستقود باتجاه اقتراب خليجي – إيراني، وهذا ما حدث بالفعل. بيد أنّ هذا الاقتراب أتى فاقداً للأرضية السياسية المشتركة، وبعيداً عن أية بوصلة استراتيجية، ذلك أن انهيار التوازن الاستراتيجي في المنطقة عمّق من هواجس الخليجيين تجاه قوة طهران العسكرية، وهذه هي المعضلة الأكثر مركزية على صعيد مقاربة العلاقات الإيرانية – الخليجية.
كذلك، فإنّ التوترات الأمريكية – الإيرانية المستمرة والمتصاعدة، والنزاع الإماراتي – الإيراني المديد، وأحداث البحرين في التسعينات، بدت عوامل طرد لفرص الاقتراب الاستراتيجي الخليجي – الإيراني.
وفي المسارات اللاحقة، برز عراق ما بعد صدام حسين باعتباره عامل ضغط كبيراً في مناخ العلاقة بين طهران وعواصم الداخل الخليجي.
وفي خلفيات المشهد، يمكن ملاحظة أنّ إيران عارضت خيار الحرب الأمريكية على العراق في العام 2003، ليس فقط إدراكاً منها لطبيعة الخطر الأمني الذي ستكون عرضة له كنتاج لهذه الحرب، بل لاعتقادها بأنّ ضرب بغداد قد يكون مقدمة لضرب طهران نفسها.
وربما كان سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين حلماً مديداً راود ساسة إيران ومواطنيها على حد سواء، بيد أنّ سقوطه بدبابة أمريكية لم يجلب لهم عيداً أو سروراً.
ولكن أياً تكن المسارات التي قادت إلى سقوط صدام حسين ونظام البعث في العراق، فإنّ طهران باتت أمام واقع جديد عليها التعامل معه. وهنا بدت التحديات متعاظمة، وبدت أيضاً الهواجس الأمنية وقد وصلت ذروتها .
ولا ريب في أنّ طهران المتوجسة من التطورات الدائرة حولها، بدت في الوقت نفسه لاعباً أساسياً في مسار هذه التطورات. وتلك قضية ربما لم تكن واضحة تماماً في حسابات واشنطن، أو هي على الأقل لم تتصور المدى الذي قد يصل إليه الحضور الإيراني في معادلة العراق الجديد.
إنّ الإيرانيين والأمريكيين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه في عراق ما بعد صدام حسين، حيث بات بيئة تفاعلات مشتركة بين الطرفين، بيئة تنطوي على حاجة متبادلة أمريكية – إيرانية. هذا مع ضرورة التشديد، بطبيعة الحال، على نسبية هذه المقولة وعدم استبعاد طابعها التحليلي بصورة نهائية. ويدرك الأمريكيون، دون ريب هذه المعادلة، لكنها معادلة يمكن تطويعها في صالحهم في لحظة ما، حتى إن كانت نتيجتها الفرعية مزيداً من الحضور الإيراني في العراق، فهذه قوانين اللعبة. وهي ببساطة قوانين يصعب تغييرها، ما دام العراق منقسماً على نفسه، على نحو يبدو نصفه البعيد عن واشنطن هو ذاته البعيد عن طهران، أو لنقل بعيداً عن سياق تفاعلاتها.
بيد أنّ هذه المعادلة، على الرغم من نسبيتها، تفرض تحدٍ من نوع آخر، تحدٍ يرتبط بالجوار العراقي، وتحديداً بالأردن ودول الخليج العربية.إذ كيف سوف تتعامل هذه الدول مع عراقٍ أضحى حاضنة للقوة العسكرية الأمريكية والنفوذ الإيراني في آن معاً؟ إنّ إيران باتت، بمعيار النفوذ، مجاورة للأردن، بقدر مجاورتها لدول الخليج، هذا الجوار الذي أضحى متضخماً على نحو غير مسبوق.
ومن جهتها، فإن دول الخليج العربية، وعلى الرغم من كل تصريحاتها الداعية إلى خلق الاستقرار في العراق، لم تبلور حتى اليوم استراتيجية واضحة للتعامل مع الوضع هناك، وهي قد بدأت بالفعل في مد الجسور مع بعض القوى السياسية الفاعلة في الساحة العراقية، لكن هذا التحرك لا يزال في بداياته الأولى.
وثمة عدة خيارات يمكن افتراضها اليوم للسيطرة على مناخ التوتر في البيئة الأمنية للنظام الإقليمي الخليجي، وضمناً في بيئة العلاقات الخليجية – الإيرانية. وقد يكون أبرز هذه الخيارات معاهدة للأمن الجماعي تعمل وفق مجموعة تفصيلية من الاتفاقيات الخاصة بالترتيبات الأمنية، والضبط الأمني بين الدول المكونة للنظام الإقليمي الخليجي، حيث يترتب عليها عدد واسع من الالتزامات. بيد أن هذا المقال لا يدعو إلى الأخذ بهذا الخيار، لأنه لا يعد خياراً واقعياً، أو لنقل لا يمتلك الأرضية السياسية اللازمة لتنفيذه، وذلك بسبب تفاوت خيارات دول الإقليم على الصعيدين المحلي والخارجي.
وكذلك، يصعب إقامة نظام توازن للقوى داخل النظام الإقليمي الخليجي. وبافتراض إقامته، فإنه سيكون غير مستقر بسبب الاختلال الكبير في التوزيع النسبي للقوة. ويشير تاريخ المنطقة القريب إلى أن نظام توازن القوى الهش وغير المستقر، والذي غابت فيه مفاهيم الردع الواضحة، قاد إلى حربين مدمرتين، كما أن الحرب الأمريكية على العراق أتت في أحد أبعادها مرتكزة على مناخ ما بعد حرب الخليج الثانية، وكانت أحد التداعيات الكبرى لها.
في المقابل، يدعو هذا المقال إلى عقد مؤتمر دولي للأمن في الخليج ، على غرار مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط (1991)، تدعى إليه، إضافة لدول النظام الإقليمي الخليجي واليمن، منظمات إقليمية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ودول ذات علاقة بواقع الأمن في المنطقة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد الأوروبي والصين وأستراليا واليابان، وكذلك الهند وباكستان، فضلاً عن جامعة الدول العربية.
ويمكن لهذا المؤتمر أن يناقش مستويين اثنين من القضايا، الأول يرتبط بنزاعات محددة، مثل العراق، والملف النووي الإيراني، وقضايا السيادة الإقليمية.
ويرتبط الثاني بالإطار الكلي لقضايا الدفاع والتسلح في منطقة الخليج، مثل التأكيد على ضرورة التوجه البنّاء والإيجابي للعقيدة العسكرية المعتمدة من قبل دول الإقليم.
وترتبط بهذا الأمر ثلاثة عناصر رئيسية: الأول نوعية وحجم التسلح، بحيث لا يخرج عن نطاق الأغراض الدفاعية، ولا يتصاعد بحيث يشكل سبباً لدخول المنطقة في سباق محموم للتسلح.
والعنصر الثاني هو حجم القوات المسلحة لدول الإقليم ومواقع انتشارها في الداخل وعلى التخوم وهيكلية هذا الانتشار.
والعنصر الثالث هو ما يمكن أن نصطلح عليه بالشفافية العسكرية، التي تشير إلى تقاسم المعلومات والتصرف فيها بطريقة مكشوفة. ومن الناحية التطبيقية، يعني ذلك التبادل السنوي للمعلومات العسكرية الخاصة بحجم الإنفاق العسكري برامج تنمية وتطوير القدرات العسكرية، وطبيعة هذه القدرات وما إذا كانت تقليدية أو غير تقليدية. ويتم ربط ذلك بإجراءات إقليمية لمراقبة صناعة الأسلحة، تشريعات وطنية لسياسة التصدير والاستيراد العسكري، وسبل السيطرة على سمسرة الأسلحة الدولية.
ومن ميزات هذا الطرح أنه لا يفترض توافقاً سياسياً مسبقاً، ولا يمس بالترتيبات الأمنية القائمة حاليا، كما أنه لا يتعارض مع الالتزامات الدولية لأي من أعضاء النظام الإقليمي.
ولو افترضنا أن دول النظام الإقليمي الخليجي أخذت بهذا الخيار منذ سنوات، لما وصلنا اليوم إلى أزمة الملف النووي الإيراني، ولما ثار السجال حول ما إذا كان خيار إيران النووي خياراً مدنياً أم عسكرياً.
من جهة أخرى، يمكن التشديد على حقيقة أن العلاقات الخليجية – الإيرانية لا يمكن أن تغدو مستقرة، غير مضطربة أو وجلة، من دون مقاربة خليجية واضحة للواقع العراقي، مقاربة تجيب عما يريد الخليجيون فعله وما بمقدورهم تحقيقه، وتحدد بجلاء خطوط الالتقاء بينهم وبين بقية الفرقاء، وفي الطليعة منهم القوى السياسية العراقية ذاتها.
وبعد ذلك، لا بد لدول الخليج أن تحدد رؤيتها للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه في ضبط سياستها الإقليمية على إيقاع الحدث العراقي، وما هي طبيعة تقديرها لمحصلة ذلك على مناخ الأمن الإقليمي، كما على مناخ الداخل العراقي ذاته، إذ لم يعد بالمقدور اليوم الفصل بين الأمرين.
إن دول الخليج معنية،على صعيد ثالث، بتحديد موقع علاقتها بطهران من قضية التوترات العرقية والمذهبية العابرة للدول،والتي قد تمثل في وقت ما التحدي الأكثر مركزية للأمن الإقليمي الخليجي، كما للأمن القومي العربي بصفة عامة.
وثمة خياران أمام دول الخليج على هذا الصعيد، الأول تحييد العلاقات الإيرانية – الخليجية عن مناخ التوترات العرقية المذهبية، والتحرك بها من دون الالتفات إليه.
والثاني تسخير هذه العلاقات للسيطرة على مظاهر الغلو العرقي والمذهبي في المنطقة، وفق سياسات واضحة ومحددة.
إن تجربة العقد الثامن من القرن العشرين، على وجه التحديد، توضح بجلاء أهمية الأخذ بالخيار الثاني، مع ضرورة التشديد على أن تحدي اليوم هو أكثر خطورة بما لا يقاس من التحدي الذي مثله ذلك العقد.
أخيراً إن العلاقات الخليجية – الإيرانية عليها أن تسترشد بدروس التاريخ بقدر استيعابها لطبيعة المتغيرات المتعاظمة، وهي معنية بالارتكاز على المصالح المشتركة بقدر استنادها إلى معطيات الجغرافيا وضرورات التعايش البشري.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2570::/cck::
::introtext::
في إطاره الأكثر مرجعية، يجد النقاش الخاص بالعلاقات الخليجية – الإيرانية خلفياته في السجال الدائر حول علاقة الوطن العربي بجواره المتمايز عنه قومياً، وحيث برز منذ نصف قرن السؤال التالي: هل هذا الجوار يمثل طوقاً على العرب أم عمقاً استراتيجياً لهم؟
::/introtext::
::fulltext::
في إطاره الأكثر مرجعية، يجد النقاش الخاص بالعلاقات الخليجية – الإيرانية خلفياته في السجال الدائر حول علاقة الوطن العربي بجواره المتمايز عنه قومياً، وحيث برز منذ نصف قرن السؤال التالي: هل هذا الجوار يمثل طوقاً على العرب أم عمقاً استراتيجياً لهم؟
إن نصف قرن من السجال لم يجب عن هذا السؤال، بيد أن مقولة الطوق أخذت طريقها ضمنا للخطاب القومي العربي في خمسينات وستينات القرن العشرين.
والحقيقة، أن مصطلحي الطوق والعمق يعبران في الأصل عن مفاهيم جيو-استراتيجية، ولدت في الأصل في ألمانيا، وهي لا علاقة لها بالقضايا الأيديولوجية القيمية أو التمايزات القومية، وهذا ما لم يلحظه الخطاب القومي حينها. وهكذا بدا التأزم هو الأصل في العلاقة مع هذا الجوار، وبدت الحرب الباردة عامل إذكاء آخر لهذا التأزم، وبدت أيضاً العلاقات الإيرانية – الخليجية (والعربية عموماً) في طليعة المعنيين بهذه المقولة.
بيد أن ثمة تحولاً أخذ يشق طريقه إلى الخطاب العربي الخاص بدول الجوار الجغرافي منذ سبعينات القرن الماضي، وأخذت مفاهيم الواقعية السياسية تفرض نفسها تدريجياً على هذا الخطاب، كما أن المفاهيم الجديدة الخاصة بالنظم الإقليمية (أو النظم الدولية الفرعية)، أخذت تفرض نفسها على الباحثين والدارسين العرب. وصدرت في البلاد العربية بعض من الدراسات والكتب التي عبرت عن هذا التطور في المفاهيم. يضاف إلى ذلك أن مراكز أبحاث، أو وحدات متكاملة في مؤسسات بحث عربية، خصصت لدراسة العلاقات العربية مع دول الجوار، فرادى أو مجتمعة.
وفي وقت لاحق، جاء انتهاء الحرب الباردة ليهدم بعضاً من الجدران والأسوار النفسية والسياسية بين العرب وجيرانهم. واليوم، شكلت العولمة مدخلاً جديداً لمقاربة العلاقات العربية مع دول الجوار، حيث بدت ثورة الاتصالات وقد فرضت نفسها على مجمل تفاعلات النظام الدولي، وبدت النظم الإقليمية شديدة التأثر بهذا التحول الكوني.
وعلى صعيد التوصيف الأكثر تحديداً للعلاقات الخليجية – الإيرانية، يمكن القول إن التقارب الخليجي-الإيراني، الذي تزايد الاهتمام به خلال العقد السابع من القرن العشرين، جاء تقارباً مشبعاً بالشكوك والهواجس المتبادلة، فقد كانت الخيارات الدولية لكل من إيران ودول الخليج متماثلة على مستوى المخرجات، لكنها متباينة على مستوى منظور الطرف الآخر إليها، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كانت طبيعة الوظيفة الجيوبوليتيكية للأطراف الإقليمية متباعدة إلى حد كبير في المدرك الاستراتيجي الأمريكي، الأمر الذي خلق تخلخلاً ظاهراً في الاقتراب الخليجي الإيراني، بل وسطح هذا الاقتراب.
وفي الأخير، انتهى العقد السبعيني من القرن العشرين دون أن تكون هناك مقاربة واضحة لهذا الأمن على صعيد قمة النظام الدولي، أو لنقل على صعيد السياسة الأمريكية في المنطقة، ولم يكن مبدأ غوام، (الذي يعرف أيضاً بمبدأ نيكسون) يرقى إلى حد رسم صورة استراتيجية واضحة لأمن المنطقة.
وبعد سقوط الشاه في العام 1979، وبعد ثماني سنوات من الحرب بين إيران والعراق جاءت حرب الخليج الثانية لتطيح بالتوازن الاستراتيجي الهش في النظام الإقليمي الخليجي. وبدا للوهلة الأولى أنّ الحرب ستقود باتجاه اقتراب خليجي – إيراني، وهذا ما حدث بالفعل. بيد أنّ هذا الاقتراب أتى فاقداً للأرضية السياسية المشتركة، وبعيداً عن أية بوصلة استراتيجية، ذلك أن انهيار التوازن الاستراتيجي في المنطقة عمّق من هواجس الخليجيين تجاه قوة طهران العسكرية، وهذه هي المعضلة الأكثر مركزية على صعيد مقاربة العلاقات الإيرانية – الخليجية.
كذلك، فإنّ التوترات الأمريكية – الإيرانية المستمرة والمتصاعدة، والنزاع الإماراتي – الإيراني المديد، وأحداث البحرين في التسعينات، بدت عوامل طرد لفرص الاقتراب الاستراتيجي الخليجي – الإيراني.
وفي المسارات اللاحقة، برز عراق ما بعد صدام حسين باعتباره عامل ضغط كبيراً في مناخ العلاقة بين طهران وعواصم الداخل الخليجي.
وفي خلفيات المشهد، يمكن ملاحظة أنّ إيران عارضت خيار الحرب الأمريكية على العراق في العام 2003، ليس فقط إدراكاً منها لطبيعة الخطر الأمني الذي ستكون عرضة له كنتاج لهذه الحرب، بل لاعتقادها بأنّ ضرب بغداد قد يكون مقدمة لضرب طهران نفسها.
وربما كان سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين حلماً مديداً راود ساسة إيران ومواطنيها على حد سواء، بيد أنّ سقوطه بدبابة أمريكية لم يجلب لهم عيداً أو سروراً.
ولكن أياً تكن المسارات التي قادت إلى سقوط صدام حسين ونظام البعث في العراق، فإنّ طهران باتت أمام واقع جديد عليها التعامل معه. وهنا بدت التحديات متعاظمة، وبدت أيضاً الهواجس الأمنية وقد وصلت ذروتها .
ولا ريب في أنّ طهران المتوجسة من التطورات الدائرة حولها، بدت في الوقت نفسه لاعباً أساسياً في مسار هذه التطورات. وتلك قضية ربما لم تكن واضحة تماماً في حسابات واشنطن، أو هي على الأقل لم تتصور المدى الذي قد يصل إليه الحضور الإيراني في معادلة العراق الجديد.
إنّ الإيرانيين والأمريكيين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه في عراق ما بعد صدام حسين، حيث بات بيئة تفاعلات مشتركة بين الطرفين، بيئة تنطوي على حاجة متبادلة أمريكية – إيرانية. هذا مع ضرورة التشديد، بطبيعة الحال، على نسبية هذه المقولة وعدم استبعاد طابعها التحليلي بصورة نهائية. ويدرك الأمريكيون، دون ريب هذه المعادلة، لكنها معادلة يمكن تطويعها في صالحهم في لحظة ما، حتى إن كانت نتيجتها الفرعية مزيداً من الحضور الإيراني في العراق، فهذه قوانين اللعبة. وهي ببساطة قوانين يصعب تغييرها، ما دام العراق منقسماً على نفسه، على نحو يبدو نصفه البعيد عن واشنطن هو ذاته البعيد عن طهران، أو لنقل بعيداً عن سياق تفاعلاتها.
بيد أنّ هذه المعادلة، على الرغم من نسبيتها، تفرض تحدٍ من نوع آخر، تحدٍ يرتبط بالجوار العراقي، وتحديداً بالأردن ودول الخليج العربية.إذ كيف سوف تتعامل هذه الدول مع عراقٍ أضحى حاضنة للقوة العسكرية الأمريكية والنفوذ الإيراني في آن معاً؟ إنّ إيران باتت، بمعيار النفوذ، مجاورة للأردن، بقدر مجاورتها لدول الخليج، هذا الجوار الذي أضحى متضخماً على نحو غير مسبوق.
ومن جهتها، فإن دول الخليج العربية، وعلى الرغم من كل تصريحاتها الداعية إلى خلق الاستقرار في العراق، لم تبلور حتى اليوم استراتيجية واضحة للتعامل مع الوضع هناك، وهي قد بدأت بالفعل في مد الجسور مع بعض القوى السياسية الفاعلة في الساحة العراقية، لكن هذا التحرك لا يزال في بداياته الأولى.
وثمة عدة خيارات يمكن افتراضها اليوم للسيطرة على مناخ التوتر في البيئة الأمنية للنظام الإقليمي الخليجي، وضمناً في بيئة العلاقات الخليجية – الإيرانية. وقد يكون أبرز هذه الخيارات معاهدة للأمن الجماعي تعمل وفق مجموعة تفصيلية من الاتفاقيات الخاصة بالترتيبات الأمنية، والضبط الأمني بين الدول المكونة للنظام الإقليمي الخليجي، حيث يترتب عليها عدد واسع من الالتزامات. بيد أن هذا المقال لا يدعو إلى الأخذ بهذا الخيار، لأنه لا يعد خياراً واقعياً، أو لنقل لا يمتلك الأرضية السياسية اللازمة لتنفيذه، وذلك بسبب تفاوت خيارات دول الإقليم على الصعيدين المحلي والخارجي.
وكذلك، يصعب إقامة نظام توازن للقوى داخل النظام الإقليمي الخليجي. وبافتراض إقامته، فإنه سيكون غير مستقر بسبب الاختلال الكبير في التوزيع النسبي للقوة. ويشير تاريخ المنطقة القريب إلى أن نظام توازن القوى الهش وغير المستقر، والذي غابت فيه مفاهيم الردع الواضحة، قاد إلى حربين مدمرتين، كما أن الحرب الأمريكية على العراق أتت في أحد أبعادها مرتكزة على مناخ ما بعد حرب الخليج الثانية، وكانت أحد التداعيات الكبرى لها.
في المقابل، يدعو هذا المقال إلى عقد مؤتمر دولي للأمن في الخليج ، على غرار مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط (1991)، تدعى إليه، إضافة لدول النظام الإقليمي الخليجي واليمن، منظمات إقليمية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ودول ذات علاقة بواقع الأمن في المنطقة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد الأوروبي والصين وأستراليا واليابان، وكذلك الهند وباكستان، فضلاً عن جامعة الدول العربية.
ويمكن لهذا المؤتمر أن يناقش مستويين اثنين من القضايا، الأول يرتبط بنزاعات محددة، مثل العراق، والملف النووي الإيراني، وقضايا السيادة الإقليمية.
ويرتبط الثاني بالإطار الكلي لقضايا الدفاع والتسلح في منطقة الخليج، مثل التأكيد على ضرورة التوجه البنّاء والإيجابي للعقيدة العسكرية المعتمدة من قبل دول الإقليم.
وترتبط بهذا الأمر ثلاثة عناصر رئيسية: الأول نوعية وحجم التسلح، بحيث لا يخرج عن نطاق الأغراض الدفاعية، ولا يتصاعد بحيث يشكل سبباً لدخول المنطقة في سباق محموم للتسلح.
والعنصر الثاني هو حجم القوات المسلحة لدول الإقليم ومواقع انتشارها في الداخل وعلى التخوم وهيكلية هذا الانتشار.
والعنصر الثالث هو ما يمكن أن نصطلح عليه بالشفافية العسكرية، التي تشير إلى تقاسم المعلومات والتصرف فيها بطريقة مكشوفة. ومن الناحية التطبيقية، يعني ذلك التبادل السنوي للمعلومات العسكرية الخاصة بحجم الإنفاق العسكري برامج تنمية وتطوير القدرات العسكرية، وطبيعة هذه القدرات وما إذا كانت تقليدية أو غير تقليدية. ويتم ربط ذلك بإجراءات إقليمية لمراقبة صناعة الأسلحة، تشريعات وطنية لسياسة التصدير والاستيراد العسكري، وسبل السيطرة على سمسرة الأسلحة الدولية.
ومن ميزات هذا الطرح أنه لا يفترض توافقاً سياسياً مسبقاً، ولا يمس بالترتيبات الأمنية القائمة حاليا، كما أنه لا يتعارض مع الالتزامات الدولية لأي من أعضاء النظام الإقليمي.
ولو افترضنا أن دول النظام الإقليمي الخليجي أخذت بهذا الخيار منذ سنوات، لما وصلنا اليوم إلى أزمة الملف النووي الإيراني، ولما ثار السجال حول ما إذا كان خيار إيران النووي خياراً مدنياً أم عسكرياً.
من جهة أخرى، يمكن التشديد على حقيقة أن العلاقات الخليجية – الإيرانية لا يمكن أن تغدو مستقرة، غير مضطربة أو وجلة، من دون مقاربة خليجية واضحة للواقع العراقي، مقاربة تجيب عما يريد الخليجيون فعله وما بمقدورهم تحقيقه، وتحدد بجلاء خطوط الالتقاء بينهم وبين بقية الفرقاء، وفي الطليعة منهم القوى السياسية العراقية ذاتها.
وبعد ذلك، لا بد لدول الخليج أن تحدد رؤيتها للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه في ضبط سياستها الإقليمية على إيقاع الحدث العراقي، وما هي طبيعة تقديرها لمحصلة ذلك على مناخ الأمن الإقليمي، كما على مناخ الداخل العراقي ذاته، إذ لم يعد بالمقدور اليوم الفصل بين الأمرين.
إن دول الخليج معنية،على صعيد ثالث، بتحديد موقع علاقتها بطهران من قضية التوترات العرقية والمذهبية العابرة للدول،والتي قد تمثل في وقت ما التحدي الأكثر مركزية للأمن الإقليمي الخليجي، كما للأمن القومي العربي بصفة عامة.
وثمة خياران أمام دول الخليج على هذا الصعيد، الأول تحييد العلاقات الإيرانية – الخليجية عن مناخ التوترات العرقية المذهبية، والتحرك بها من دون الالتفات إليه.
والثاني تسخير هذه العلاقات للسيطرة على مظاهر الغلو العرقي والمذهبي في المنطقة، وفق سياسات واضحة ومحددة.
إن تجربة العقد الثامن من القرن العشرين، على وجه التحديد، توضح بجلاء أهمية الأخذ بالخيار الثاني، مع ضرورة التشديد على أن تحدي اليوم هو أكثر خطورة بما لا يقاس من التحدي الذي مثله ذلك العقد.
أخيراً إن العلاقات الخليجية – الإيرانية عليها أن تسترشد بدروس التاريخ بقدر استيعابها لطبيعة المتغيرات المتعاظمة، وهي معنية بالارتكاز على المصالح المشتركة بقدر استنادها إلى معطيات الجغرافيا وضرورات التعايش البشري.
::/fulltext::
::cck::2570::/cck::
