تركيا بين أزمة “الكمالية” وصعود القوى الإسلامية
::cck::2568::/cck::
::introtext::
بدت تركيا، في الآونة الأخيرة، وكأنها تتجه نحو اللحاق بركب الاضطراب السائد في المنطقة. أو كأن عدوى هذا الاضطراب والغليان، بدأت تتسلل إلى ساحاتها. ووضعها استحقاق انتخاب رئيس جمهورية جديد في هذه الأجواء، حيث كشف عن عمق الانقسام السياسي فيها، وأعاد إلى الواجهة الصراع المزمن بين العلمانية وحرّاسها وقواعدها، وبين من تزعم، أو ترى، أنه يشكل خطراً عليها، بين العسكر والإسلام السياسي، المتمثل هذه المرة بـ (حزب العدالة والتنمية) الحاكم.
::/introtext::
::fulltext::
بدت تركيا، في الآونة الأخيرة، وكأنها تتجه نحو اللحاق بركب الاضطراب السائد في المنطقة. أو كأن عدوى هذا الاضطراب والغليان، بدأت تتسلل إلى ساحاتها. ووضعها استحقاق انتخاب رئيس جمهورية جديد في هذه الأجواء، حيث كشف عن عمق الانقسام السياسي فيها، وأعاد إلى الواجهة الصراع المزمن بين العلمانية وحرّاسها وقواعدها، وبين من تزعم، أو ترى، أنه يشكل خطراً عليها، بين العسكر والإسلام السياسي، المتمثل هذه المرة بـ (حزب العدالة والتنمية) الحاكم. بقيت المواجهة بين الاثنين حول هذا الاستحقاق، حتى الآن في إطار الدستور والقانون، لكن ما نجم عنها من توتر واحتقان واستنفار استحضر معه شريط الانقلابات العسكرية التركية وما أدى إليه ذلك من تعليق للحياة السياسية في البلاد، مع كل ما صاحبه من سلبيات وتعثر في مسيرة الديمقراطية. أما الخشية هذه المرة فإن المواجهة التي لم تنته بعد والتي لا تزال تتأجل فقط، مفتوحة على احتمالات قد تكون أخطر مما أدت إليه أزمات مشابهة في السابق، ذلك أن الواقع التركي اليوم مختلف، ثم إن مناخات الجوار وتوازناته ، هي غير ما كانت عليه فيما مضى. فالمنطقة في حالة مخاض عسير، وتعيش صراعات قاسية وحاسمة، لا يبدو أن الساحة التركية قادرة على أن تبقى بمنأى عن تأثيراتها وتموجاتها. لاسيما أن أكثرها سخونة يدور على تخومها. وترجح المعادلة السياسية الداخلية في تركيا كفة ( حزب العدالة والتنمية) ذي الأصول الإسلامية بقوة، إذ يمتلك الأغلبية في البرلمان، ورئاسة الحكومة بيده. وفي المنطقة القوى الإسلامية الأصولية صاعدة وتحتل مواقع نافذة وفاعلة. وسط هذا المشهد الداخلي والإقليمي، جاء موعد انتخابات الرئاسة التركية أواخر إبريل الماضي، وكان من الطبيعي أن يدخل حزب (العدالة والتنمية) المعركة، إذ إن قاعدته في البرلمان – الذي ينتخب الرئيس – وازنة، وكذلك قاعدته الشعبية. وقد فاجأ أردوغان الجميع بإعلان ترشيح وزير خارجيته عبد الله غول للمنصب. في حين كان قد سبق له أن أوحى بأنه يميل إلى ترشيح وزيرة غير محجبة أو وزير زوجته غير محجبة للرئاسة، لكن الوزير كانت زوجته تلبس الحجاب، وفاز بالتصويت إلا أن المحكمة العليا قررت أن جلسة الانتخاب كانت غير قانونية لعدم اكتمال النصاب المطلوب (الثلثين). وأصر الحزب على إعادة ترشيحه، وفي الجلسة الثانية لم يكتمل النصاب، وتراجع غول وسحب ترشيحه. وعلى الأثر تقرر إجراء انتخابات مبكرة في يوليو. وفي هذه الأثناء كان الجيش قد أصدر تحذيراً ينبَه فيه (من مغبة المساس بالقيم العلمانية)، وأخذ من حجاب زوجة غول ذريعة، على أساس أن وجودها في القصر الجمهوري بهذا الزي فيه مساس غير مقبول بالعلمانية، كما استند الجيش في ذلك إلى الدستور الذي جعل منه الناطور على نظام مصطفى كمال أتاتورك، الذي تأسس عام 1923، ومنذ ذلك الحين وهو يلعب دور الوصي على ( الكمالية ) واستمراريتها. وفي إطار هذا الدور وخلال الخمسين سنة الماضية قام العسكر بأربعة انقلابات وتدخلات لإزاحة حكومات رأى فيها خروجاً على خط جمهورية أتاتورك العلمانية، وبالتالي تهديداً لها، كان آخرها هو تدخل غير انقلابي حصل عام 1997م، عندما أجبر زعيم الإسلاميين الأتراك، آنذاك، نجم الدين أربكان، على الاستقالة من رئاسة الحكومة. وفي ضوء هذه السوابق كان لتحذيره الأخير أصداء واسعة، وفي الوقت نفسه كان تعامل حكومة أردوغان مع التحذير لافتاً، عندما ردت بأنها هي (المسؤولة عن حماية النظام العلماني، وأن الجيش يتبع لها وليس العكس). وفي هذا الصدد استقوت بالموقف الأوروبي الذي دعا الجيش إلى ( البقاء في ثكناته) وعدم التدخل في السياسة. ومن جانبه العسكر استقوى بشارعه العلماني الذي قام بتنظيم مظاهرات كبيرة انتصاراً لجمهورية أتاتورك ورفضاً لخصومها.وبدا حزب أردوغان باقتحامه معركة الرئاسة أنه يسعى إلى الإمساك بكافة مواقع السلطة ومفاتيح القرار. صحيح أن منصب الرئيس في تركيا أقرب إلى الرمز وسلطاته محدودة، لكنه يعتبر (الحامي الأول) للتقاليد العلمانية التركية. وترى فيه المؤسسة (الكمالية) المعقل الأخير لها. والعسكر من جهته متوجس من حزب العدالة منذ مجيئه إلى الحكم، مع أن هذا الأخير يندرج في خانة الاعتدال أو على الأقل هكذا ينظر إليه في الداخل والخارج. لقد زاوج أردوغان وبنجاح مشهود له بين الإسلام الثقافي وبين إرث نظام علماني، وعمل بجدية غير مسبوقة على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وفي عهده ازداد تدفق الاستثمارات على البلد، ودخل إليه حوالي 20 مليار دولار العام الماضي، و اعتمد الخصخصة، وارتفع في زمن حكومته دخل الفرد التركي إلى الضعف أكثر من 5 آلاف دولار. ومع ذلك بقي العسكر على شكوكه وهبّ إلى التحذير. لكن الوضع غلب عليه الهدوء الآن حيث تم ترحيل الأزمة إلى ما بعد الانتخابات النيابية بعد حوالي شهرين، عند ذاك فإنها مرشحة للتصعيد، وربما للانفجار، بصورة أو أخرى، ذلك أن حزب العدالة والتنمية مرشح للفوز بقوة في الانتخابات البرلمانية، و رصيده الكبير في أوساط الناخبين قد يعيده إلى المجلس بغالبية الثلثين، الكافية لتوفير النصاب القانوني المطلوب في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، حسب تقديرات المراقبين والعارفين بتوازنات الساحة التركية. وعندئذ يصبح فوز عبد الله غول أو أي مرشح آخر للحزب بمنصب الرئاسة عملية تحصيل حاصل. أما الجيش فتعمدت مصادره التلميح إلى أنه قد لا يقبل بمثل هذه النتائج الانتخابية، قطعاً للطريق على وصول ( العدالة والتنمية) إلى القصر الجمهوري. وفي كل حال هو أعلن عدم قبوله برئيس ذي خلفية إسلامية. وفي حال لقي هذا السيناريو ترجمته على الأرض، تكون تركيا أمام احتمالين: إما لجوء العسكر إلى شطب الانتخابات على الطريقة الجزائرية المعروفة، أو الانقلاب، كما في السابق، على حكومة أردوغان، بحيث تلقى المصير نفسه الذي انتهت إليه حكومة أستاذه أربكان. ولا يشك أحد في قدرة الجيش على تنفيذ إحدى هاتين الخطوتين، فهو يملك القوة والتماسك بقدر ما هي راسخة أيديولوجيته العلمانية الأتاتوركية، لكن السؤال ماذا عن اليوم التالي؟
يتذرع الجيش في تحذيره بـ(القلق) والارتياب من (أجندة مخفية) يحملها (حزب العدالة والتنمية)، وتردد مصادره أنه لا يقوى على قبول قيام نظام سياسي في بلده يحاكي النظام الإيراني، ويستند في ذلك إلى الدستور الذي يخوله لعب دور الحارس، المانع لوصول مثل هكذا نظام إلى الحكم. ومن هذه الزاوية، قد يكون لديه الغطاء، لكن في هذا الغطاء بالذات تكمن أزمة العسكر ودوره السياسي، التي تعكس أزمة (الكمالية) التي تراكمت عواملها بعد نيف وثمانين سنة على تأسيسها. فلبّ الأزمة أن علمانية أتاتورك بقيت وصية، وعجزت عن التحول إلى ثقافة، وحكم تكليف العسكر بهذه الوصية ووضعها أمانة في يديه عليها بالجمود والضنمية، ثم إنها للمواطن التركي عامة – أو على الأقل بالنسبة للأغلبية التي تترجمها شعبية أردوغان وحزبه- صارت أشبه بصيغة مفروضة عليه من جانب الحارس العسكري، بالإضافة إلى أن حصر الوصاية عليها بالجيش جعل منها أشبه بالامتياز الاستثنائي المفتوح على الزمن للمؤسسة العسكرية، أو جعل منها مفتاحاً بيد هذه الأخيرة يعطيها القدرة على ضبط شؤون السلطة واللعبة السياسية وفق مشيئتها. لقد احتفظ الجيش لمدة طويلة بهذه الورقة التي بدأت تفترس حالها، أي علمانية بلا ديمقراطية، وبدأت تتحول مع الوقت إلى طعنة ضد هذه الأخيرة، وأدت إلى تجويفها، وبصرف النظر عما في جعبة ( حزب العدالة والتنمية)، إلا أنه وبشهادة حتى الجيش التركي، تسلق إلى السلطة وفق الأصول المعمول بها ومن خلال صندوق الاقتراع. وفي هذا الإطار فإن تعطيل العملية ومنعها من أخذ مجراها، أديا– ولو بالاستناد إلى الدستور – إلى الأزمة الراهنة، التي يبدو أنها سائرة نحو التفاقم، فالتناقض فيها بلغ مداه. وإذا وصل هذا الحزب إلى الإمساك بكل مفاتيح السلطة – بما فيها رئاسة الجمهورية- وعلى الأرجح هو واصل إذا ما أتيحت له ممارسة اللعبة وفق قانون التصويت – فإن ذلك يكون بسبب تكلس العلمانية والقصور في ترجمتها، وليس في الاعتداء عليها.لقد باتت حقائق الوضع التركي واضحة، حيث شكّل (حزب العدالة والتنمية)، حتى هذه اللحظة تجربة جديدة وفريدة في المنطقة، إذ إن توجهاته وسياساته تتسم بالوسطية والانفتاح والاعتدال، ويمتلك قاعدة شعبية واسعة، وهو لا يتنكر لأصوله الإسلامية. وفي المقابل يبدي الجيش التركي توجسه من صعود هذه القوة السياسية، وينظر إلى الجوار، ويخشى من وصول رياحه إلى تركيا، وهو تخوف مشروع. ثم أن يتحرك متسلحاً بما منحه إياه الدستور، وهذا صحيح، ولو أنه قابل للاجتهاد في التفسير، حسب الحالات والظروف، لكن الأمور نسبية. وإذا كان حراس العلمانية يخشون من هبوب رياح الأصولية على جمهورية أتاتورك، فعليهم بالقدر نفسه من الخشية والحكمة التأمل في العواقب والتداعيات المحتملة للسباحة العسفية ضد التيار. إن التجربة الجزائرية عبرة واضحة، والمنطقة نصفها مشتعل ونصفها الآخر على برميل بارود . وتركيا التي نعمت بالاستقرار المتميز، في محيطها، باتت أمام استحقاق عليها مواجهته، إذ بدأت العلمانية الكمالية تفقد صلاحيتها كعنوان، وصار مطلوباً تحويلها إلى طريقة تفكير وحياة، وفرضها لا يضمن استمرارها على العكس يؤدي إلى ترهلها، والإمعان في إملائها محكوم بالانفجار. والآن هناك فرصة للبدء في عملية التحول هذه إذا ما اختار الأتراك هذا الطريق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2568::/cck::
::introtext::
بدت تركيا، في الآونة الأخيرة، وكأنها تتجه نحو اللحاق بركب الاضطراب السائد في المنطقة. أو كأن عدوى هذا الاضطراب والغليان، بدأت تتسلل إلى ساحاتها. ووضعها استحقاق انتخاب رئيس جمهورية جديد في هذه الأجواء، حيث كشف عن عمق الانقسام السياسي فيها، وأعاد إلى الواجهة الصراع المزمن بين العلمانية وحرّاسها وقواعدها، وبين من تزعم، أو ترى، أنه يشكل خطراً عليها، بين العسكر والإسلام السياسي، المتمثل هذه المرة بـ (حزب العدالة والتنمية) الحاكم.
::/introtext::
::fulltext::
بدت تركيا، في الآونة الأخيرة، وكأنها تتجه نحو اللحاق بركب الاضطراب السائد في المنطقة. أو كأن عدوى هذا الاضطراب والغليان، بدأت تتسلل إلى ساحاتها. ووضعها استحقاق انتخاب رئيس جمهورية جديد في هذه الأجواء، حيث كشف عن عمق الانقسام السياسي فيها، وأعاد إلى الواجهة الصراع المزمن بين العلمانية وحرّاسها وقواعدها، وبين من تزعم، أو ترى، أنه يشكل خطراً عليها، بين العسكر والإسلام السياسي، المتمثل هذه المرة بـ (حزب العدالة والتنمية) الحاكم. بقيت المواجهة بين الاثنين حول هذا الاستحقاق، حتى الآن في إطار الدستور والقانون، لكن ما نجم عنها من توتر واحتقان واستنفار استحضر معه شريط الانقلابات العسكرية التركية وما أدى إليه ذلك من تعليق للحياة السياسية في البلاد، مع كل ما صاحبه من سلبيات وتعثر في مسيرة الديمقراطية. أما الخشية هذه المرة فإن المواجهة التي لم تنته بعد والتي لا تزال تتأجل فقط، مفتوحة على احتمالات قد تكون أخطر مما أدت إليه أزمات مشابهة في السابق، ذلك أن الواقع التركي اليوم مختلف، ثم إن مناخات الجوار وتوازناته ، هي غير ما كانت عليه فيما مضى. فالمنطقة في حالة مخاض عسير، وتعيش صراعات قاسية وحاسمة، لا يبدو أن الساحة التركية قادرة على أن تبقى بمنأى عن تأثيراتها وتموجاتها. لاسيما أن أكثرها سخونة يدور على تخومها. وترجح المعادلة السياسية الداخلية في تركيا كفة ( حزب العدالة والتنمية) ذي الأصول الإسلامية بقوة، إذ يمتلك الأغلبية في البرلمان، ورئاسة الحكومة بيده. وفي المنطقة القوى الإسلامية الأصولية صاعدة وتحتل مواقع نافذة وفاعلة. وسط هذا المشهد الداخلي والإقليمي، جاء موعد انتخابات الرئاسة التركية أواخر إبريل الماضي، وكان من الطبيعي أن يدخل حزب (العدالة والتنمية) المعركة، إذ إن قاعدته في البرلمان – الذي ينتخب الرئيس – وازنة، وكذلك قاعدته الشعبية. وقد فاجأ أردوغان الجميع بإعلان ترشيح وزير خارجيته عبد الله غول للمنصب. في حين كان قد سبق له أن أوحى بأنه يميل إلى ترشيح وزيرة غير محجبة أو وزير زوجته غير محجبة للرئاسة، لكن الوزير كانت زوجته تلبس الحجاب، وفاز بالتصويت إلا أن المحكمة العليا قررت أن جلسة الانتخاب كانت غير قانونية لعدم اكتمال النصاب المطلوب (الثلثين). وأصر الحزب على إعادة ترشيحه، وفي الجلسة الثانية لم يكتمل النصاب، وتراجع غول وسحب ترشيحه. وعلى الأثر تقرر إجراء انتخابات مبكرة في يوليو. وفي هذه الأثناء كان الجيش قد أصدر تحذيراً ينبَه فيه (من مغبة المساس بالقيم العلمانية)، وأخذ من حجاب زوجة غول ذريعة، على أساس أن وجودها في القصر الجمهوري بهذا الزي فيه مساس غير مقبول بالعلمانية، كما استند الجيش في ذلك إلى الدستور الذي جعل منه الناطور على نظام مصطفى كمال أتاتورك، الذي تأسس عام 1923، ومنذ ذلك الحين وهو يلعب دور الوصي على ( الكمالية ) واستمراريتها. وفي إطار هذا الدور وخلال الخمسين سنة الماضية قام العسكر بأربعة انقلابات وتدخلات لإزاحة حكومات رأى فيها خروجاً على خط جمهورية أتاتورك العلمانية، وبالتالي تهديداً لها، كان آخرها هو تدخل غير انقلابي حصل عام 1997م، عندما أجبر زعيم الإسلاميين الأتراك، آنذاك، نجم الدين أربكان، على الاستقالة من رئاسة الحكومة. وفي ضوء هذه السوابق كان لتحذيره الأخير أصداء واسعة، وفي الوقت نفسه كان تعامل حكومة أردوغان مع التحذير لافتاً، عندما ردت بأنها هي (المسؤولة عن حماية النظام العلماني، وأن الجيش يتبع لها وليس العكس). وفي هذا الصدد استقوت بالموقف الأوروبي الذي دعا الجيش إلى ( البقاء في ثكناته) وعدم التدخل في السياسة. ومن جانبه العسكر استقوى بشارعه العلماني الذي قام بتنظيم مظاهرات كبيرة انتصاراً لجمهورية أتاتورك ورفضاً لخصومها.وبدا حزب أردوغان باقتحامه معركة الرئاسة أنه يسعى إلى الإمساك بكافة مواقع السلطة ومفاتيح القرار. صحيح أن منصب الرئيس في تركيا أقرب إلى الرمز وسلطاته محدودة، لكنه يعتبر (الحامي الأول) للتقاليد العلمانية التركية. وترى فيه المؤسسة (الكمالية) المعقل الأخير لها. والعسكر من جهته متوجس من حزب العدالة منذ مجيئه إلى الحكم، مع أن هذا الأخير يندرج في خانة الاعتدال أو على الأقل هكذا ينظر إليه في الداخل والخارج. لقد زاوج أردوغان وبنجاح مشهود له بين الإسلام الثقافي وبين إرث نظام علماني، وعمل بجدية غير مسبوقة على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وفي عهده ازداد تدفق الاستثمارات على البلد، ودخل إليه حوالي 20 مليار دولار العام الماضي، و اعتمد الخصخصة، وارتفع في زمن حكومته دخل الفرد التركي إلى الضعف أكثر من 5 آلاف دولار. ومع ذلك بقي العسكر على شكوكه وهبّ إلى التحذير. لكن الوضع غلب عليه الهدوء الآن حيث تم ترحيل الأزمة إلى ما بعد الانتخابات النيابية بعد حوالي شهرين، عند ذاك فإنها مرشحة للتصعيد، وربما للانفجار، بصورة أو أخرى، ذلك أن حزب العدالة والتنمية مرشح للفوز بقوة في الانتخابات البرلمانية، و رصيده الكبير في أوساط الناخبين قد يعيده إلى المجلس بغالبية الثلثين، الكافية لتوفير النصاب القانوني المطلوب في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، حسب تقديرات المراقبين والعارفين بتوازنات الساحة التركية. وعندئذ يصبح فوز عبد الله غول أو أي مرشح آخر للحزب بمنصب الرئاسة عملية تحصيل حاصل. أما الجيش فتعمدت مصادره التلميح إلى أنه قد لا يقبل بمثل هذه النتائج الانتخابية، قطعاً للطريق على وصول ( العدالة والتنمية) إلى القصر الجمهوري. وفي كل حال هو أعلن عدم قبوله برئيس ذي خلفية إسلامية. وفي حال لقي هذا السيناريو ترجمته على الأرض، تكون تركيا أمام احتمالين: إما لجوء العسكر إلى شطب الانتخابات على الطريقة الجزائرية المعروفة، أو الانقلاب، كما في السابق، على حكومة أردوغان، بحيث تلقى المصير نفسه الذي انتهت إليه حكومة أستاذه أربكان. ولا يشك أحد في قدرة الجيش على تنفيذ إحدى هاتين الخطوتين، فهو يملك القوة والتماسك بقدر ما هي راسخة أيديولوجيته العلمانية الأتاتوركية، لكن السؤال ماذا عن اليوم التالي؟
يتذرع الجيش في تحذيره بـ(القلق) والارتياب من (أجندة مخفية) يحملها (حزب العدالة والتنمية)، وتردد مصادره أنه لا يقوى على قبول قيام نظام سياسي في بلده يحاكي النظام الإيراني، ويستند في ذلك إلى الدستور الذي يخوله لعب دور الحارس، المانع لوصول مثل هكذا نظام إلى الحكم. ومن هذه الزاوية، قد يكون لديه الغطاء، لكن في هذا الغطاء بالذات تكمن أزمة العسكر ودوره السياسي، التي تعكس أزمة (الكمالية) التي تراكمت عواملها بعد نيف وثمانين سنة على تأسيسها. فلبّ الأزمة أن علمانية أتاتورك بقيت وصية، وعجزت عن التحول إلى ثقافة، وحكم تكليف العسكر بهذه الوصية ووضعها أمانة في يديه عليها بالجمود والضنمية، ثم إنها للمواطن التركي عامة – أو على الأقل بالنسبة للأغلبية التي تترجمها شعبية أردوغان وحزبه- صارت أشبه بصيغة مفروضة عليه من جانب الحارس العسكري، بالإضافة إلى أن حصر الوصاية عليها بالجيش جعل منها أشبه بالامتياز الاستثنائي المفتوح على الزمن للمؤسسة العسكرية، أو جعل منها مفتاحاً بيد هذه الأخيرة يعطيها القدرة على ضبط شؤون السلطة واللعبة السياسية وفق مشيئتها. لقد احتفظ الجيش لمدة طويلة بهذه الورقة التي بدأت تفترس حالها، أي علمانية بلا ديمقراطية، وبدأت تتحول مع الوقت إلى طعنة ضد هذه الأخيرة، وأدت إلى تجويفها، وبصرف النظر عما في جعبة ( حزب العدالة والتنمية)، إلا أنه وبشهادة حتى الجيش التركي، تسلق إلى السلطة وفق الأصول المعمول بها ومن خلال صندوق الاقتراع. وفي هذا الإطار فإن تعطيل العملية ومنعها من أخذ مجراها، أديا– ولو بالاستناد إلى الدستور – إلى الأزمة الراهنة، التي يبدو أنها سائرة نحو التفاقم، فالتناقض فيها بلغ مداه. وإذا وصل هذا الحزب إلى الإمساك بكل مفاتيح السلطة – بما فيها رئاسة الجمهورية- وعلى الأرجح هو واصل إذا ما أتيحت له ممارسة اللعبة وفق قانون التصويت – فإن ذلك يكون بسبب تكلس العلمانية والقصور في ترجمتها، وليس في الاعتداء عليها.لقد باتت حقائق الوضع التركي واضحة، حيث شكّل (حزب العدالة والتنمية)، حتى هذه اللحظة تجربة جديدة وفريدة في المنطقة، إذ إن توجهاته وسياساته تتسم بالوسطية والانفتاح والاعتدال، ويمتلك قاعدة شعبية واسعة، وهو لا يتنكر لأصوله الإسلامية. وفي المقابل يبدي الجيش التركي توجسه من صعود هذه القوة السياسية، وينظر إلى الجوار، ويخشى من وصول رياحه إلى تركيا، وهو تخوف مشروع. ثم أن يتحرك متسلحاً بما منحه إياه الدستور، وهذا صحيح، ولو أنه قابل للاجتهاد في التفسير، حسب الحالات والظروف، لكن الأمور نسبية. وإذا كان حراس العلمانية يخشون من هبوب رياح الأصولية على جمهورية أتاتورك، فعليهم بالقدر نفسه من الخشية والحكمة التأمل في العواقب والتداعيات المحتملة للسباحة العسفية ضد التيار. إن التجربة الجزائرية عبرة واضحة، والمنطقة نصفها مشتعل ونصفها الآخر على برميل بارود . وتركيا التي نعمت بالاستقرار المتميز، في محيطها، باتت أمام استحقاق عليها مواجهته، إذ بدأت العلمانية الكمالية تفقد صلاحيتها كعنوان، وصار مطلوباً تحويلها إلى طريقة تفكير وحياة، وفرضها لا يضمن استمرارها على العكس يؤدي إلى ترهلها، والإمعان في إملائها محكوم بالانفجار. والآن هناك فرصة للبدء في عملية التحول هذه إذا ما اختار الأتراك هذا الطريق.
::/fulltext::
::cck::2568::/cck::
