التنوع الاقتصادي والاقتصاد القائم على المعرفة
::cck::2651::/cck::
::introtext::
يتمثل هدف إنشاء مؤسسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من خلال هبة قدرها عشرة مليارات دولار بـ (المسـاهمة في تطوير مجتمع قـائم على المعرفة من خـلال دعم وصقل العقول الشـابـة والتركيز على البـحث والتعـليم والاسـتثمار في البنـية الأسـاسيـة للمـعرفـة)
::/introtext::
::fulltext::
يتمثل هدف إنشاء مؤسسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من خلال هبة قدرها عشرة مليارات دولار بـ (المسـاهمة في تطوير مجتمع قـائم على المعرفة من خـلال دعم وصقل العقول الشـابـة والتركيز على البـحث والتعـليم والاسـتثمار في البنـية الأسـاسيـة للمـعرفـة). وتمثل هذه المبادرة في واقع الأمر خطوة محفزة للعالم العربي، لكن يظل من المهم عدم إغفال المثل القائل (إن بضع زهرات لا تصنع حديقة).لا شك في أن اعتراف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأن (هناك فجوة معرفية شاسعة بيننا وبين العالم المتطور في الغرب وآسيا)، بداية طيبة جديرة بالثناء. ويجدر الثناء أيضاً على تأكيد سموه أن (خيارنا الوحيد هو جسر هذه الفجوة بأسرع ما يمكن، لأن عصرنا يتسم بأنه عصر المعرفة). لكن أصعب جزء في هذه العملية يكمن في وضع الاستراتيجية الصحيحة وتنفيذها.إنه لمن الصعب إنكار الحقيقة المتمثلة بأن منطقة الخليج الغنية بالنفط هي أيضاً منطقة متخلفة جداً من الناحية الاجتماعية. وخير دليل على ذلك هو أن معدل دخل الفرد في العالم العربي جاء في المرتبة ما قبل الأخيرة في العالم بأسره ليتقدم فقط على مستوى دخل الفرد في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وسجلت شعوب الدول العربية أعلى نسبة من الشباب في العالم ـ حيث تبلغ نسبة العرب الذين هم دون الرابعة عشرة 38 في المائة من إجمالي سكان العالم العربي. لكن الحقيقة الأكثر إثارة للقلق هي أن أكثر من 25 في المائة من شباب العالم العاطل عن العمل، والذين تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين موجودون في هذه المنطقة. كما تشير التوقعات إلى أنه بين عامي 2002 و2025، سيتضاعف عدد سكان المملكة العربية السعودية ليبلغ 48.500.000 نسمة، بينما قد يرتفع عدد سكان جمهورية مصر العربية في الفترة نفسها من 73 مليوناً إلى 103 ملايين نسمة، وعدد سكان العراق من 24 مليوناً إلى أكثر من 40 مليون نسمة. ولذلك ينبغي أن يكون الاهتمام بمعالجة البطالة وآثارها إحدى أبرز الأولويات.لقد أشار (تقرير التنمية العالمي) لعام 1999 إلى أنه (بالنسبة للدول التي تتصدر الاقتصاد العالمي تحولت الموازنة بين المعرفة والموارد مؤخراً نحو تبني الطرح الذي يرجّح أن تكون المعرفة قد أصبحت أهم عامل في تحديد مستوى المعيشة ـ أي أهم من الأرض والأدوات والعمل. وذلك استناداً إلى حقيقة أن الاقتصادات الحالية المتقدمة تكنولوجياً تقوم بالدرجة الأولى على المعرفة).من الواضح أن هذا المنطلق مغاير للنموذج التقليدي للاقتصاد الحديث الذي لم يعترف على مدى أكثر من قرنين من الزمن إلا بعاملين إنتاجيين فقط، هما العمل ورأس المال. وخلافاً لهذا النموذج، يشدد منظرو النمو الاقتصادي الجدد على دينامية ثالثة، هي التكنولوجيا؛ لأن المعرفة تزيد عائدات الاستثمار.وانطلاقاً من قناعة بعض دول مجلس التعاون الخليجي بأهمية التكنولوجيا وإدراكاً منها لضرورة تنويع عائداتها التي تعتمد على النفط، فإنها تحاول السير في درب (الاقتصاد القائم على المعرفة) ـ إنه (الدرب الذي يؤدي فيه إنتاج واستغلال المعرفة الدور الرئيسي في وجود الثروة)، وهو الإطار الذي يمثل الرصيد البشري فيه المصدر الرئيسي للقيمة الاقتصادية، على أن يكون التعليم والتدريب الأداتين الرئيسيتين للارتقاء بهذه القيمة.أما بخصوص التنويع الاقتصادي، فإن التقديرات تشير إلى استثمار أكثر من تريليون من الدولارات في مشروعات عقارية وأخرى لتطوير البنى التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي. ويجري حالياً تنفيذ أكثر من نصف هذه المشروعات، وهو ما يـُـعَـد إحدى أكثر الحركات العمرانية ازدهاراً في العالم. كما تخطط الحكومة السعودية لخصخصة عشرين شركة ومؤسسة مملوكة للدولة. ومن المتوقع أن تجتذب المرافق الاقتصادية الجديدة الضخمة في رابغ وحائل والمدينة المنورة وجيزان والمدينة الصناعية الجديدة في الجبيل استثمارات تفوق 100 مليار دولار، إلى جانب توفير نحو مليون فرصة عمل جديدة.وتُعـَـد إمارة دبي مثالاً جيداً على حقبة ما بعد النفط في منطقة الخليج ـ حيث تفيد بعض البيانات الإحصائية بأن مساهمة النفط في إجمالي الناتج المحلي للإمارة تراجعت من نسبة 50 في المائة في عام 1975، إلى نحو 4 في المائة فقط في الوقت الراهن. وعلى الرغم من إعلان (خطة أبوظبـي 2030) التي تُقـدَّر قيمة المشروعات المعلنة، والتي هي قيد الإنجاز بنحو 400 مليار دولار. وتعمل إمارة أبوظبـي على تطوير نفسها كمرفق صناعي من خلال خطط يجري تنفيذها حالياً لبناء منشآت لصهر الألمنيوم، بالإضافة إلى مشروعات أخرى ترمي لتصنيع مكونات فضائية وبناء السفن. أما دولة قطر، فقد قررت استثمار 130 مليار دولار خلال السنوات الست المقبلة، وسوف يتم استثمار نحو نصف هذا المبلغ في قطاعاتها غير النفطية.وبنفس القدر الذي تجتذب فيه دول مجلس التعاون الخليجي الاستثمارات الخارجية، تستثمر هي الأخرى مبالغ طائلة في الخارج. وتنوع المؤسسات المالية وهيئات الاستثمار الحكومي بدول المجلس أصناف ومجالات أصولها الخارجية ـ بينما تشير آخر التقديرات إلى أن أصول المملكة العربية السعودية في الخارج تبلغ 250 مليار دولار، وأن أصول الكويت الخارجية نمت من 60 مليار دولار في عام 1995 إلى أكثر من 200 مليار دولار حالياً؛ وقُدّرت أصول دولة الإمارات خارج حدودها بأكثر من 500 مليار دولار.ومن الواضح أن دول مجلس التعاون الخليجي استلهمت العبر من تجربتها في تبديد ثرواتها النفطية خلال فترة السبعينات. وهكذا، ترافقت أسعار النفط المرتفعة للمرة الأولى مع التنويع الاقتصادي في دول المجلس، كما أن الإصلاح الاقتصادي يشجع نمو القطاع الخاص الذي يوفر بدوره للمواطنين المتنافسين والكادحين فرص عمل جديدة زاخرة بالتحديات، بدلاً من الاعتماد حصرياً على العمل في القطاع العام.على أي حال، فإنه بينما يبدو أن خطة تنويع مصادر الدخل القومي تتقدم بسلاسة ويسر، لا بد من الإشارة إلى أن الطريق نحو بناء الاقتصاد القائم على المعرفة شاق جداً. ومع أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك الموارد المالية الكافية والقيادة الرشيدة، يظل من المهم ضمان استمرار النواة الإدارية لكل مشروع يتم بناؤه؛ وهو ما يتطلب توفير قوة عاملة وطنية كفؤة وفاعلة. لكن دول مجلس التعاون الخليجي تعاني حالياً نظاماً تعليمياً ناقصاً، وخاصة أن هذا النظام عاجز عن توفير الأساس المعرفي الكافي لتطوير الموارد البشرية. وبذلك، فقد أخفقت هذه المنطقة الاستراتيجية والغنية في بناء قوة عاملة محلية كفوءة وقادرة على مواكبة مسيرة تقدم المهارات والقدرات التقنية المطلوبة. وهكذا، فإن هذه المنطقة لا تزال تعتمد على التقنيات والعمالة الأجنبية.ونظراً إلى أن الربط بين النشاط الصناعي والبحث الأكاديمي يمثل قوة رئيسية في الاقتصاد القائم على المعرفة، ظهرت في منطقة مجلس التعاون الخليجي مؤخراً قناعة راسخة بأن الهيكل التعليمي سيوفر بيئة غنية بالأفكار والإبداع والخبرة، وهو ما سيحفز النمو الاستراتيجي للشركات.ولئن تعذرت المقارنة بين النموذجين الأكاديميين الآسيوي والغربي، هناك أمل في أن يفضي توسيع الجامعات التي تتبنى هذين النموذجين في كل من الإمارات وقطر والكويت في النهاية إلى دور مماثل للدور الذي قامت به جامعة ستانفورد بالنسبة لوادي السيليكون (Silicon Valley) أي توفير الموارد البشرية المناسبة. وربما يمثل هذا التوجه أيضاً محاولة للاستفادة من تاريخ اليابان الحديث، الذي أظهر منافع الاستثمار السخي في الإنسان.وعلى أي حال، يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي أن تقوم بتسريع عملية استقصاء التفاعل بين التحول التكنولوجي والموارد البشرية لضمان استدامة التنويع الاقتصادي. وهنا، سيكون من المجدي محاكاة النموذج السنغافوري كبداية.ففي معرض إبراز أهمية التعليم باللغة الإنجليزية كأحد عوامل النجاح الذي أحرزته هذه المدينة/ الدولة (سنغافورة)، قال مهندس سنغافورة الحديثة (لي كوان يوي) لمجموعة من القادة العرب والآسيويين الشباب مؤخراً (إن ما فعلناه كان التحول من التعليم باللغات المحلية إلى التعليم باللغة الإنجليزية وإبقاء اللغات المحلية كلغات ثانية. وكان إحداث ذلك التحول أمراً صعباً جداً من الناحية العاطفية. ولو أقدمنا على إصدار تشريع يجيز هذا التحول، لشهدنا أعمال شغب. لكن بدلاً من ذلك، تركنا السوق تقرر من الذي يحصل على أفضل الوظائف. وهكذا، بدأ الآباء ينقلون أطفالهم إلى مدارس اللغة الإنجليزية التي تصنف اللغة الأم كلغة ثانية. وبعد أربعين سنة، تواصلنا مع العالم، لأن العالم المعاصر يتكلم الإنجليزية). وفي الوقت نفسه، يجب على المرحلة التطويرية التالية في المنطقة أن تركز على جسر الهوة القائمة بين البحث والتطبيق. ويجب تزويد الشباب بالأدوات اللازمة للتغلب على تحديات الاقتصاد الجديد، ولعل التعلم والتعليم الإلكترونيين يعدان من العوامل الحاسمة التي يمكنها أن تساعد على تلبية هذه المتطلبات. وبإمكان إنتاج ونقل المعرفة داخل المجتمع الخليجي الاستفادة من الدعم المؤسساتي، كدعم المؤسسة التي تم إعلانها مؤخراً، والتي ستمثل حافزاً إضافياً للإنفاق الوطني في مجالي التعليم والتدريب، فضلاً عن تقديم المنح لدعم البحث والتطوير وتعزيز الأنظمة المعلوماتية. علاوة على ذلك، يمكن للشراكات البحثية التي تُقام بين مرافق التعليم العالي من جهة، ومؤسسات الصناعات العامة وشركات الأعمال الخاصة من جهة أخرى، يمكنها فعلاً تعزيز اقتصادات منطقة الخليج والارتقاء بقيمة مجتمعاتها.ومن خلال تفعيل كل ما تقدم، سيظل من المهم أن يتذكر المعنيون دائماً أن التعليم العالي والبحث العلمي في عالمنا المعاصر لا يمثلان نشاطاً أكاديمياً وحسب، إنما يمثلان منبعاً للفرص الاقتصادية والابتكار الصناعي والتقدم الاجتماعي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2651::/cck::
::introtext::
يتمثل هدف إنشاء مؤسسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من خلال هبة قدرها عشرة مليارات دولار بـ (المسـاهمة في تطوير مجتمع قـائم على المعرفة من خـلال دعم وصقل العقول الشـابـة والتركيز على البـحث والتعـليم والاسـتثمار في البنـية الأسـاسيـة للمـعرفـة)
::/introtext::
::fulltext::
يتمثل هدف إنشاء مؤسسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من خلال هبة قدرها عشرة مليارات دولار بـ (المسـاهمة في تطوير مجتمع قـائم على المعرفة من خـلال دعم وصقل العقول الشـابـة والتركيز على البـحث والتعـليم والاسـتثمار في البنـية الأسـاسيـة للمـعرفـة). وتمثل هذه المبادرة في واقع الأمر خطوة محفزة للعالم العربي، لكن يظل من المهم عدم إغفال المثل القائل (إن بضع زهرات لا تصنع حديقة).لا شك في أن اعتراف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأن (هناك فجوة معرفية شاسعة بيننا وبين العالم المتطور في الغرب وآسيا)، بداية طيبة جديرة بالثناء. ويجدر الثناء أيضاً على تأكيد سموه أن (خيارنا الوحيد هو جسر هذه الفجوة بأسرع ما يمكن، لأن عصرنا يتسم بأنه عصر المعرفة). لكن أصعب جزء في هذه العملية يكمن في وضع الاستراتيجية الصحيحة وتنفيذها.إنه لمن الصعب إنكار الحقيقة المتمثلة بأن منطقة الخليج الغنية بالنفط هي أيضاً منطقة متخلفة جداً من الناحية الاجتماعية. وخير دليل على ذلك هو أن معدل دخل الفرد في العالم العربي جاء في المرتبة ما قبل الأخيرة في العالم بأسره ليتقدم فقط على مستوى دخل الفرد في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وسجلت شعوب الدول العربية أعلى نسبة من الشباب في العالم ـ حيث تبلغ نسبة العرب الذين هم دون الرابعة عشرة 38 في المائة من إجمالي سكان العالم العربي. لكن الحقيقة الأكثر إثارة للقلق هي أن أكثر من 25 في المائة من شباب العالم العاطل عن العمل، والذين تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين موجودون في هذه المنطقة. كما تشير التوقعات إلى أنه بين عامي 2002 و2025، سيتضاعف عدد سكان المملكة العربية السعودية ليبلغ 48.500.000 نسمة، بينما قد يرتفع عدد سكان جمهورية مصر العربية في الفترة نفسها من 73 مليوناً إلى 103 ملايين نسمة، وعدد سكان العراق من 24 مليوناً إلى أكثر من 40 مليون نسمة. ولذلك ينبغي أن يكون الاهتمام بمعالجة البطالة وآثارها إحدى أبرز الأولويات.لقد أشار (تقرير التنمية العالمي) لعام 1999 إلى أنه (بالنسبة للدول التي تتصدر الاقتصاد العالمي تحولت الموازنة بين المعرفة والموارد مؤخراً نحو تبني الطرح الذي يرجّح أن تكون المعرفة قد أصبحت أهم عامل في تحديد مستوى المعيشة ـ أي أهم من الأرض والأدوات والعمل. وذلك استناداً إلى حقيقة أن الاقتصادات الحالية المتقدمة تكنولوجياً تقوم بالدرجة الأولى على المعرفة).من الواضح أن هذا المنطلق مغاير للنموذج التقليدي للاقتصاد الحديث الذي لم يعترف على مدى أكثر من قرنين من الزمن إلا بعاملين إنتاجيين فقط، هما العمل ورأس المال. وخلافاً لهذا النموذج، يشدد منظرو النمو الاقتصادي الجدد على دينامية ثالثة، هي التكنولوجيا؛ لأن المعرفة تزيد عائدات الاستثمار.وانطلاقاً من قناعة بعض دول مجلس التعاون الخليجي بأهمية التكنولوجيا وإدراكاً منها لضرورة تنويع عائداتها التي تعتمد على النفط، فإنها تحاول السير في درب (الاقتصاد القائم على المعرفة) ـ إنه (الدرب الذي يؤدي فيه إنتاج واستغلال المعرفة الدور الرئيسي في وجود الثروة)، وهو الإطار الذي يمثل الرصيد البشري فيه المصدر الرئيسي للقيمة الاقتصادية، على أن يكون التعليم والتدريب الأداتين الرئيسيتين للارتقاء بهذه القيمة.أما بخصوص التنويع الاقتصادي، فإن التقديرات تشير إلى استثمار أكثر من تريليون من الدولارات في مشروعات عقارية وأخرى لتطوير البنى التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي. ويجري حالياً تنفيذ أكثر من نصف هذه المشروعات، وهو ما يـُـعَـد إحدى أكثر الحركات العمرانية ازدهاراً في العالم. كما تخطط الحكومة السعودية لخصخصة عشرين شركة ومؤسسة مملوكة للدولة. ومن المتوقع أن تجتذب المرافق الاقتصادية الجديدة الضخمة في رابغ وحائل والمدينة المنورة وجيزان والمدينة الصناعية الجديدة في الجبيل استثمارات تفوق 100 مليار دولار، إلى جانب توفير نحو مليون فرصة عمل جديدة.وتُعـَـد إمارة دبي مثالاً جيداً على حقبة ما بعد النفط في منطقة الخليج ـ حيث تفيد بعض البيانات الإحصائية بأن مساهمة النفط في إجمالي الناتج المحلي للإمارة تراجعت من نسبة 50 في المائة في عام 1975، إلى نحو 4 في المائة فقط في الوقت الراهن. وعلى الرغم من إعلان (خطة أبوظبـي 2030) التي تُقـدَّر قيمة المشروعات المعلنة، والتي هي قيد الإنجاز بنحو 400 مليار دولار. وتعمل إمارة أبوظبـي على تطوير نفسها كمرفق صناعي من خلال خطط يجري تنفيذها حالياً لبناء منشآت لصهر الألمنيوم، بالإضافة إلى مشروعات أخرى ترمي لتصنيع مكونات فضائية وبناء السفن. أما دولة قطر، فقد قررت استثمار 130 مليار دولار خلال السنوات الست المقبلة، وسوف يتم استثمار نحو نصف هذا المبلغ في قطاعاتها غير النفطية.وبنفس القدر الذي تجتذب فيه دول مجلس التعاون الخليجي الاستثمارات الخارجية، تستثمر هي الأخرى مبالغ طائلة في الخارج. وتنوع المؤسسات المالية وهيئات الاستثمار الحكومي بدول المجلس أصناف ومجالات أصولها الخارجية ـ بينما تشير آخر التقديرات إلى أن أصول المملكة العربية السعودية في الخارج تبلغ 250 مليار دولار، وأن أصول الكويت الخارجية نمت من 60 مليار دولار في عام 1995 إلى أكثر من 200 مليار دولار حالياً؛ وقُدّرت أصول دولة الإمارات خارج حدودها بأكثر من 500 مليار دولار.ومن الواضح أن دول مجلس التعاون الخليجي استلهمت العبر من تجربتها في تبديد ثرواتها النفطية خلال فترة السبعينات. وهكذا، ترافقت أسعار النفط المرتفعة للمرة الأولى مع التنويع الاقتصادي في دول المجلس، كما أن الإصلاح الاقتصادي يشجع نمو القطاع الخاص الذي يوفر بدوره للمواطنين المتنافسين والكادحين فرص عمل جديدة زاخرة بالتحديات، بدلاً من الاعتماد حصرياً على العمل في القطاع العام.على أي حال، فإنه بينما يبدو أن خطة تنويع مصادر الدخل القومي تتقدم بسلاسة ويسر، لا بد من الإشارة إلى أن الطريق نحو بناء الاقتصاد القائم على المعرفة شاق جداً. ومع أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك الموارد المالية الكافية والقيادة الرشيدة، يظل من المهم ضمان استمرار النواة الإدارية لكل مشروع يتم بناؤه؛ وهو ما يتطلب توفير قوة عاملة وطنية كفؤة وفاعلة. لكن دول مجلس التعاون الخليجي تعاني حالياً نظاماً تعليمياً ناقصاً، وخاصة أن هذا النظام عاجز عن توفير الأساس المعرفي الكافي لتطوير الموارد البشرية. وبذلك، فقد أخفقت هذه المنطقة الاستراتيجية والغنية في بناء قوة عاملة محلية كفوءة وقادرة على مواكبة مسيرة تقدم المهارات والقدرات التقنية المطلوبة. وهكذا، فإن هذه المنطقة لا تزال تعتمد على التقنيات والعمالة الأجنبية.ونظراً إلى أن الربط بين النشاط الصناعي والبحث الأكاديمي يمثل قوة رئيسية في الاقتصاد القائم على المعرفة، ظهرت في منطقة مجلس التعاون الخليجي مؤخراً قناعة راسخة بأن الهيكل التعليمي سيوفر بيئة غنية بالأفكار والإبداع والخبرة، وهو ما سيحفز النمو الاستراتيجي للشركات.ولئن تعذرت المقارنة بين النموذجين الأكاديميين الآسيوي والغربي، هناك أمل في أن يفضي توسيع الجامعات التي تتبنى هذين النموذجين في كل من الإمارات وقطر والكويت في النهاية إلى دور مماثل للدور الذي قامت به جامعة ستانفورد بالنسبة لوادي السيليكون (Silicon Valley) أي توفير الموارد البشرية المناسبة. وربما يمثل هذا التوجه أيضاً محاولة للاستفادة من تاريخ اليابان الحديث، الذي أظهر منافع الاستثمار السخي في الإنسان.وعلى أي حال، يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي أن تقوم بتسريع عملية استقصاء التفاعل بين التحول التكنولوجي والموارد البشرية لضمان استدامة التنويع الاقتصادي. وهنا، سيكون من المجدي محاكاة النموذج السنغافوري كبداية.ففي معرض إبراز أهمية التعليم باللغة الإنجليزية كأحد عوامل النجاح الذي أحرزته هذه المدينة/ الدولة (سنغافورة)، قال مهندس سنغافورة الحديثة (لي كوان يوي) لمجموعة من القادة العرب والآسيويين الشباب مؤخراً (إن ما فعلناه كان التحول من التعليم باللغات المحلية إلى التعليم باللغة الإنجليزية وإبقاء اللغات المحلية كلغات ثانية. وكان إحداث ذلك التحول أمراً صعباً جداً من الناحية العاطفية. ولو أقدمنا على إصدار تشريع يجيز هذا التحول، لشهدنا أعمال شغب. لكن بدلاً من ذلك، تركنا السوق تقرر من الذي يحصل على أفضل الوظائف. وهكذا، بدأ الآباء ينقلون أطفالهم إلى مدارس اللغة الإنجليزية التي تصنف اللغة الأم كلغة ثانية. وبعد أربعين سنة، تواصلنا مع العالم، لأن العالم المعاصر يتكلم الإنجليزية). وفي الوقت نفسه، يجب على المرحلة التطويرية التالية في المنطقة أن تركز على جسر الهوة القائمة بين البحث والتطبيق. ويجب تزويد الشباب بالأدوات اللازمة للتغلب على تحديات الاقتصاد الجديد، ولعل التعلم والتعليم الإلكترونيين يعدان من العوامل الحاسمة التي يمكنها أن تساعد على تلبية هذه المتطلبات. وبإمكان إنتاج ونقل المعرفة داخل المجتمع الخليجي الاستفادة من الدعم المؤسساتي، كدعم المؤسسة التي تم إعلانها مؤخراً، والتي ستمثل حافزاً إضافياً للإنفاق الوطني في مجالي التعليم والتدريب، فضلاً عن تقديم المنح لدعم البحث والتطوير وتعزيز الأنظمة المعلوماتية. علاوة على ذلك، يمكن للشراكات البحثية التي تُقام بين مرافق التعليم العالي من جهة، ومؤسسات الصناعات العامة وشركات الأعمال الخاصة من جهة أخرى، يمكنها فعلاً تعزيز اقتصادات منطقة الخليج والارتقاء بقيمة مجتمعاتها.ومن خلال تفعيل كل ما تقدم، سيظل من المهم أن يتذكر المعنيون دائماً أن التعليم العالي والبحث العلمي في عالمنا المعاصر لا يمثلان نشاطاً أكاديمياً وحسب، إنما يمثلان منبعاً للفرص الاقتصادية والابتكار الصناعي والتقدم الاجتماعي.
::/fulltext::
::cck::2651::/cck::
