مع بداية العام الخامس للغزو الأمريكي.. إلى أين يمضي العراق وما هو مستقبله ما بعد الانسحاب الأمريكي؟

::cck::2567::/cck::
::introtext::

“يعيش العراق في هذه المرحلة أزمة عاصفة تكاد تمزقه شر تمزيق في ظل حرب أهلية وإن كانت لا تزال محددة في نطاقها إلا أنها في تصاعد مع حكومة معطلة يهيمن عليها الشيعة، يضاف إلى ذلك العدد الهائل من القتلى العراقيين الذين يصل عددهم إلى ثلاثة آلاف عراقي يسقطون في الشهر الواحد، 

::/introtext::
::fulltext::

“يعيش العراق في هذه المرحلة أزمة عاصفة تكاد تمزقه شر تمزيق في ظل حرب أهلية وإن كانت لا تزال محددة في نطاقها إلا أنها في تصاعد مع حكومة معطلة يهيمن عليها الشيعة، يضاف إلى ذلك العدد الهائل من القتلى العراقيين الذين يصل عددهم إلى ثلاثة آلاف عراقي يسقطون في الشهر الواحد، أما القوات الأمريكية فزاد عدد قتلاها على الثلاثة آلاف وجرحاها على العشرين ألفاً”.بهذه السطور الموجزة يستهل الخبير العسكري الأمريكي الجنرال باري ماكفري رؤيته لحال العراق في أوائل العام الخامس للغزو الأمريكي والذي جاء تحت رؤى ودعاوى متباينة بدأت في أول الأمر بالحديث عن أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق والتي يسعى إلى امتلاكها ولاحقاً باحتمال وجود علاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن ولاحقاً نحت المبررات جهة القول بتخليص العراق والعراقيين من دكتاتورية النظام السابق وأخيراً بالقول بنشر الحرية وتحويل العراق إلى ساحة من الديمقراطية وواحة من الأمن والأمان.غير أن الوضع الحالي يغني عن السؤال، إذ إن نظرة سريعة على واقع حال العراق اليوم تؤكد على عمق المأساة التي يعيشها والتي لا يستشرف لها أحد نهاية قريبة لا سيما أن أهداف الغزو لم تكتمل بعد وفي مقدمتها السيطرة على نفط العراق الذي كان السبب الرئيسي في تلك المغامرة وذلك لقطع الطريق على أي قطبية دولية أخرى قادمة لا سيما الصين، وحتى يصبح القرن الحادي والعشرون قرناً أمريكياً بامتياز على حد تطلعات جماعة المحافظين الجدد.غزو العراق والبيانات الإحصائية المؤكد أن حديث الأرقام يختلف كثيراً عن حديث التحليلات السياسية والمصدر الذي نعتمد عليه هنا هو مجلة (النيوزويك) الأمريكية الشهيرة في عددها الصادر بتاريخ الثالث من إبريل الماضي فماذا عن حصاد ذلك الغزو حتى الساعة؟تستهل المجلة تحقيقها بالقول إنه على امتداد أربع سنوات تحولت بغداد إلى منطقة حرب تقصف يومياً، وتقسم على أسس طائفية وقتل 747 جندياً أمريكياً على الأقل أثناء محاولات إعادة الأمن إلى العاصمة العراقية وحدها فقط، أما إجمالي عدد القتلى من الجنود الأمريكيين فقد وصل إلى 3200 عسكري خلال العملية وجرح 50 ألفاً على الأقل بطريقة ما، والملاحظ هنا أن تلك الأرقام لا تأخذ في الحسبان القتلى والجرحى من غير حملة الجنسية الأمريكية من المتطوعين والذين يطلق عليهم تعبير المتعاقدين، وبمعنى أوضح المرتزقة الذين تغريهم أمريكا بالتجنس بجنسيتها إذا ما شاركوا في تلك الحرب وفي مقابل كل عسكري قتل أصيب ما معدله 16 بنيران معادية أما كيف قتلوا فعبر العبوات الناسفة العشوائية أو المحلية الصنع والبيان كالتالي: 36 في المائة قتلى من خلال العبوات، 16 في المائة من خلال نيران مباشرة، 27 في المائة مفجر انتحاري، 4 في المائة سيارة ملغومة، 6 في المائة تحطم جوي، 6 في المائة هاون وآر بي جيه.وبحسب أرقام لمؤسسات أمريكية أخرى فإن حوالي 60674 مدنياً عراقياً قتلوا منذ عام 2003 إضافة إلى 140 بريطانياً و 124 عنصراً من التحالف، كما فر حوالي مليوني عراقي من البلاد و 1,8 مليون نزحوا داخل بلادهم بحسب المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، ويعيش ثلث السكان دون عتبة الفقر، ولم يعد العراق اليوم مجرد فوضى وحسب بالنسبة لسكانه، لكن النزاع قد يتحول إلى أزمة إقليمية بين الدول العربية السنية التي تحاول تقديم المساعدة للسنة وبين إيران التي تتهمها واشنطن بتسليح الميليشيات الشيعية وهذا ما دعا جوست هيلترمان مدير الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية لأن يعتبر أن (التحدي الحقيقي اليوم هو استيعاب العنف الطائفي في العراق أكثر منه وقفه).والمؤكد أن أفضل من عبّر عن حال العراق اليوم بأعين الفنان هو المخرج السينمائي باسم قهار الذي يرى العراق اليوم مجرد (عمامة كبيرة وملتحية) وما يتبعها من سياسيين أميين قادوا هذا البلد إلى مجاهل الأصولية التي غذتها بشكل كبير قوات الاحتلال الأمريكي، ويعبر عن حال بغداد بكلمات يمتزج فيها الأدب بالسياسة فيقول (إن الشخصية البغدادية التي كانت قادرة على النهوض بالوطن ثقافياً وعلمياً واقتصادياً انقرضت الآن، إن روح بغداد هجرتها، أخرجت من مكامنها ومن بيوتها ومن شوارعها، أزيحت هذه الشخصية ليحل بدلاً منها قانون لا ينتمي على الإطلاق للمدينة الحديثة وبالتالي نحن عدنا قروناً إلى الخلف).ويضيف أن قلة من النساء يملكن الجرأة حالياً على السير بشوارع بغداد من دون ارتداء الحجاب، وكان من السهل الحصول على المشروبات الكحولية قبل الغزو، غير أنه منذ ذلك الحين فجّر متشددون كثيراً من متاجر بيع الكحوليات، كما أصبح أساتذة الجامعات هدفاً مفضلاً لعمليات الاغتيال، كما أن بغداد اليوم تفقد تعدديتها، حيث غادرت أقليات من بينها الأقلية المسيحية في مجموعات كما دمر عدد من تماثيل الشعراء والشخصيات العلمانية الأخرى.وباختصار يمكن القول إن خسارة العراق تتجاوز بكثير القتلى والجرحى والأموال المنهوبة لتصل إلى ضياع روح العراق الثري العروبي الوثاب لتحل محله جماعات وفرق وميليشيات تنطلق في صراعاتها من مصالحها الذاتية لا من مصلحة العراق.الإعلام الأمريكي ومبررات الغزو الواهية في الذكرى الرابعة للغزو كان الإعلام الأمريكي المنقسم تجاه تلك الحرب يعيد من جديد التذكير بالأخطاء القاتلة لإدارة الرئيس بوش وأكاذيبها التي انطلقت منها. فصحيفة الـ(الواشنطن بوست) على سبيل المثال تذكر أن الاستجواب الذي خضع له صدام حسين والوثائق الرسمية التي عثر عليها في العراق بعد التدخل العسكري الأمريكي في 2003 تؤكد أن النظام العراقي لم يتعاون مع القاعدة، كما أن تقريراً صادراً عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) كان مصنفاً سرياً أفرج عنه مؤخراً أفاد بأن المعلومات التي جمعت إثر سقوط صدام حسين تؤكد المعلومات الاستخبارية التي جمعتها (البنتاجون) ووكالة الاستخبارات المركزية قبل مارس 2003 والتي أشارت إلى أن الحكومة العراقية لم تقم باتصالات مهمة مع القاعدة. وتضيف الصحيفة إن التقرير ذكر أن استجواب صدام حسين ومسؤولين كبار في النظام السابق أكد هذه الفرضية ويناقض التقرير أحد المبررات الرئيسية للإدارة الأمريكية للتدخل العسكري في العراق والذي أكد أن نظام صدام حسين على علاقة وثيقة بتنظيم القاعدة بزعامة ابن لادن وترى الـ (واشنطن بوست) أن التقرير يشير إلى أن المساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكي دوجلاس فيث أحد أهم المؤيدين للتدخل العسكري في العراق بعد اعتداءات 11/9 تجاهل رأي الـ (سي آي إيه) قائلا إن العلاقات بين النظام العراقي والقاعدة قديمة ومتينة في تقريره إلى مدير مكتب نائب الرئيس ديك تشيني في سبتمبر من عام 2002، وبحسب التقرير فإن أجهزة الاستخبارات الأمريكية خلصت في حينه إلى عدم وجود أدلة دامغة على علاقات محتملة بين النظام العراقي والقاعدة، وأنه تعذر إثبات وجود تعاون مباشر بينهما. ومنذ عام 2003 اتهم عملاء في الاستخبارات الأمريكية البيت الأبيض بتجاهل المعلومات التي جمعتها أجهزتهم وباختيار المعلومات المناسبة لتبرير تدخل عسكري في العراق وهذا يذكر بأحاديث وتصريحات مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق جورج تينت الذي أكد أن هناك أيادي خفية كانت تدفع دفعاً لدخول الولايات المتحدة في ذلك الغزو الفاشل حتى الساعة، ورغم هذه التقارير فإن ديك تشيني يصر حتى الساعة على فرضية وجود علاقات بين نظام صدام حسين والقاعدة، مؤكداً أن التنظيم الإرهابي كان ناشطاً في العراق قبل تدخل الولايات المتحدة في هذا البلد.وتستمر الـ (واشنطن بوست) في فضح سلسلة الذرائع التي كانت وراء الغزو، ففي الثالث من إبريل الماضي يكتب (بيتر آيزنر) تحقيقاً عن اعتماد بوش على وثائق إيطالية مزورة لشن الحرب على العراق، رغم أن فرنسا أكدت لمحققين أمريكيين أن النيجر لم تقم ببيع أي يورانيوم لصدام حسين ولم يصدقها أحد وتقول الصحيفة (لقد أظهرت عشرات المقابلات مع مسؤولي استخبارات حاليين وسابقين وصناع القرارات في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا أن الزعم بوجود اتفاق بين العراق والنيجر للحصول على اليورانيوم هو مثار شكوك وتساؤلات. ففي فبراير 2002 تسلمت الـ (سي آي إيه) نصاً مكتوباً بخط اليد لإحدى الوثائق مملوءاً بأخطاء يمكن اكتشافها بسهولة من خلال أي بحث بسيط عبر الإنترنت، كما أوضحت المقابلات الصحفية، وكان الكثير من مسؤولي الاستخبارات ذوي المراتب الوسطى والدنيا متشككين بأن العراق يسعى حقاً إلى الحصول على أسلحة نووية، وكذلك أظهرت المقابلات أن فرنسا التي تعرضت لتوبيخ قاس من قبل إدارة بوش لمعارضتها الحرب على العراق قامت بما يخص صفقة اليورانيوم، كما طلبت منها وكالة الاستخبارات الأمريكية، واتضح لديها أن مستعمرتها السابقة النيجر لم تقم بعقد أي صفقة للعراق.ماذا تبقى إذن من مبررات الغزو؟ ربما يمكن القول بإحلال الحرية بعد عهود طوال من الدكتاتورية وتحقيق الديمقراطية وإحلال فلسفة حقوق الإنسان في كافة إرجاء العراق، لكن واقع الحال يشير إلى زيف هذا الحديث وهو ما يعبر عنه الشعب العراقي اليوم الذي يرى أن كل تلك الوعود التي أطلقت بعد احتلال العراق من تطبيق للحرية والديمقراطية وزيادة فرص العمل وتحسين مستوى دخل الفرد ونقل العراق إلى مصاف الدول المتقدمة انقلبت رأساً على عقب، ولم يعد الشعب يرى إلا العكس من تلك الادعاءات، فالسجون الأمريكية في العراق مليئة بالعراقيين، والمقابر الجماعية اتسعت لتشمل الذين قتلتهم القوات الأمريكية، وآلاف العراقيين النازحين داخل البلد وخارجه هربوا بسبب الأعمال الطائفية التي زرعها الاحتلال وعدم وجود أبسط مستلزمات الخدمات اليومية التي يحتاجها المواطن العراقي من الكهرباء والغاز والنفط والماء الصالح للشرب، وكلها أمور بات الناس يحلمون بها بعد أن تبددت مع الاحتلال، أضف إلى ذلك أن الكثير من ضباط الجيش العراقي اعتبروا الحرب الأمريكية تشرف على الهاوية في ظل السياسة التي اتبعتها منذ غزوها للعراق، مؤكدين أن الخطأ الكبير لهذه القوات تمثل بحل الجيش السابق والأجهزة الأمنية، ويقول أحدهم للإذاعة البريطانية (كنت على يقين منذ أن ساهم بول بريمر الحاكم المدني للعراق في بداية الاحتلال بقرارات مجحفة تمثلت بحل الجيش العراقي، وكذلك بقية الأجهزة الأمنية والعسكرية وما تبعه من إصدار قانون لاجتثاث البعث بأنهم يهدفون إلى مطاردة الشعب العراقي بأكمله وبجميع أطيافه).والنتيجة المؤكدة هي أن احتلال العراق جاء دون شرعية دولية كون العالم بأسره من خلال التظاهرات غير مؤيد أصلاً لشن الحرب على العراق، والدليل على فشل المشروع الأمريكي في العراق هو المؤتمرات التي تطلب من دول الجوار التدخل، وكذلك الأصوات الأمريكية الداعية للانسحاب، وفي مقدمة هؤلاء الديمقراطيون الذين يسيطرون اليوم على الكونغرس الأمريكي، وكذلك يضاف للفشل الأمريكي فشل الحكومة العراقية الحالية التي تتعامل من منطلقات طائفية مع السياسة والسياسيين داخل العراق في قدرتها على إدارة البلاد وإرساء الأمن وتوفير فرص عيش كريمة للمواطن العراقي وكلها مؤشرات يلمسها الإنسان العراقي البسيط بشكل يومي.العراق بين الانسحاب الأمريكي والمقاومةوالحاصل أن العراق اليوم بات بين شقي الرحى، أي بين حديث الانسحاب من جهة وما يستتبعه من احتمالات انهيار الأوضاع الداخلية بما فيها سيناريو التقسيم بين مناطق شيعية وسنية وكردية وبين بقاء قوات الاحتلال واستمرار نزيف الدم وتصاعد موجات العنف التي تضرب من دون هوادة، وعلى الصعيد الرسمي العراقي بدأت أصوات عراقية في تغيير موقفها فبعد أن كانت ترحب بقوات الاحتلال باتت ترى أنها سبب رئيسي في استمرار أعمال العنف ومن بينها رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي الذي اعتبر أن الحل في العراق سياسي في المقام الأول والذي انتقد مؤخراً الخطة الأمنية التي يطبقها الجيش الأمريكي في بغداد لأنها تفتقد البعد السياسي، وكان علاوي قد صرح في أثناء زيارته الأخيرة للمنامة بأنه ليست هناك خطة بالمعنى الشامل، بل هناك خطة أمنية تقضي بزيادة عدد القوات في بغداد. والشق الثاني هو مجموعة من النقاط التي طالب الأمريكيون الحكومة العراقية بتطبيقها، مضيفاً أننا نعتقد أن زيادة عدد القوات ليس هو الحل، فالحل سياسي بالدرجة الأولى، معتبراً أن لا حل من دون مصالحة وطنية حقيقية وإلغاء الميليشيات غير القانونية والتخلص من سياسة المحاصصة الطائفية. غير أن واشنطن بدورها تشهد صراعاً حاداً حول خيار الانسحاب، فالديمقراطيون يشنون حرباً شعواء على الرئيس وإدارته مطالبين بجدول للانسحاب ومهددين في الوقت ذاته بعرقلة مشروعات بوش لزيادة القوات في العراق والتمويل اللازم لما هو موجود بالفعل من قوات، فيما يرى الرئيس ونائبه وبعض غلاة المحافظين الجدد أن الانسحاب إنما يعني خسارة فادحة لأمريكا، وعند بوش تعني عدم تحقيق الأهداف الرئيسية وأولها الديمقراطية والحرية، وإن كان يتحدث من الجانب السلبي، بمعنى عدم ذكره للقيم الإيجابية والتذكير فقط بكل ما يخيف ويدعو إلى الفزع بالقول إن العراق سيعود من جديد إلى دائرة الدكتاتورية، وإن المنظمات الإرهابية ستسيطر عليه وفي مقدمتها القاعدة إضافة إلى الخوف من انتشار العنف الطائفي خارج العراق. أما وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس فقد أثار منذ أيام احتمال خفض القوات الأمريكية بحلول أواخر العام الحالي أو أوائل العام المقبل، وقد سئل غيتس إن كان يعتقد أن خفضاً للقوات بحلول الشتاء المقبل هو احتمال حقيقي فأجاب قائلاً نعم. مضيفاً للصحفيين على متن الطائرة في طريق العودة إلى واشنطن من اجتماع لوزراء دفاع حلف شمالي الأطلسي في كندا (أعتقد أنه احتمال)، وعند غيتس أن أي قرار بشأن مستويات القوات ستمليه الأوضاع على الأرض في العراق. وجاءت تعليقات غيتس بعد ساعات من تفجير انتحاري في المنطقة الخضراء الشديدة التحصين في بغداد والذي أودى بحياة ثمانية أشخاص في مبنى البرلمان العراقي.وفي تحليل عرضته (النيويورك تايمز) الأمريكية لرئيس المعهد العربي الأمريكي في واشنطن العربي الأصل الأمريكي الجنسية جيمس زغبي تحت عنوان (العراق … هاجس الأمريكيين والعرب) يرى أن الولايات المتحدة بغزوها للعراق من دون خطة ولا فهم واضحاً للعواقب والتداعيات المترتبة على الحرب فرضت قيداً على نفسها وعلى الشرق الأوسط، فهناك أغلبيات عراقية وأمريكية معتبرة تريد للقوات الأمريكية مغادرة العراق بسبب أن استمرار وجودها أصبح مصدراً رئيسياً لاشتعال نار التمرد الجاري حالياً. لكن وعلى الرغم من إلحاح هذه الرغبة على جانبي الرأي العام الأمريكي فإن هناك هاجساً مشتركاً أيضاً إزاء المغادرة المبكرة وغير المحسوبة لهذه القوات، فالخوف من أن ينحدر العراق إلى هوة سحيقة وأكثر عمقاً من الحرب الأهلية التي لا يستبعد أن تمتد تأثيراتها السلبية لتشمل المنطقة بأسرها، إضافة إلى تنامي الخوف من أن يؤدي كل هذا إلى تقوية شوكة طهران التي تعد الرابح الأول من هذه الحرب، يجعل من فكرة الانسحاب أمراً غير مرحب به من قبل مجموعات أخرى ترى أن منطقة الخليج العربي كلها في مواجهة مطامع النفوذ الإيراني.ويبقى التساؤل المهم ماذا عن رأي العالم العربي تجاه بقاء أو رحيل القوات الأمريكية من العراق؟العراق واستطلاع للرأي في العالم العربيفي استطلاع للرأي أجرته مؤسسة زغبي إنترناشيونال في واشنطن شمل خمس دول عربية هي المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والأردن ولبنان، وجرى على عينه 3400 شخص من الدول الخمس التي تعد كلها حليفة للولايات المتحدة عبرت الأغلبيات عن مشاعر سلبية إزاء الدور الذي تؤديه كل من أمريكا وإيران حالياً في العراق وتراوحت هذه النسب السلبية بين 96 في المائة في الأردن و 83 في المائة في مصر و 68 في المائة سلباً في المملكة العربية السعودية، أما نصيب طهران فلم يكن حظه أفضل حالاً في النتائج السلبية، إذ تراوحت هذه النسب بين 78 في المائة من الرأي العام السعودي وأكثر من ثلثي الرأي العام الأردني والإماراتي واللبناني والمصري.
وقد تجلت المخاوف من المستقبل في العراق، فقد قال نحو 50 في المائة إن مخاوفهم من أن يتم تقسيم العراق وتمزيقه إلى ثلاثة أقاليم مستقلة ذاتياً أو ينحدر إلى حرب أهلية شاملة تمتد تأثيراتها إلى خارج حدوده مؤدية إلى نشوء أزمة إقليمية، واحتل الخوف من احتمال احتلال أمريكي دائم للعراق المرتبة الثانية من هواجس وقلق المستطلعين، وعن هذه الهواجس الأخيرة جاءت النسب المعبرة عنها كما يلي: 47 في المائة في الأردن و 38 في المائة في مصر ثم 25 في المائة في السعودية، وطرح المعهد ذاته سؤالاً جوهرياً على المستطلعة آراؤهم وهو ماذا يجب على أمريكا أن تفعل؟ وكانت الإجابة من قبل 75 في المائة من المصريين والأردنيين بأن على واشنطن الانسحاب الفوري من العراق، وهي وجهة النظر التي أيدها 40 في المائة في بقية الدول الأخرى التي شملها الاستطلاع. وفي المقابل فإن مواصلة الدور الدبلوماسي إلى جانب مواصلة الجهود من أجل الحفاظ على وحدة العراق هما الخيار المفضل لدى السعوديين والإماراتيين واللبنانيين. كما أظهرت نتائج استطلاع الرأي هذه ضعف التأييد الشعبي العربي لخطة بوش الرامية إلى زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق والمحصلة النهائية لاستطلاع الرأي هذا هي أنه طالما أن كل الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة تنتقد وجودها العسكري فكيف تمضي في تعزيز وجودها العسكري هناك إن لم يكن الهدف حرباً جديدة مع إيران تعد لها العدة من خلال حشد قواتها في العراق تحت دعاوى تعزيز الأمن هناك؟ والشاهد أن أفضل الطروحات التي وضعت على مائدة الحديث عن المستنقع العراقي والخلاص من خطيئة إدارة بوش بغزوها للعراق هي توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون التي قدمت رؤى عقلانية ومتزنة لإيجاد حل لا ينأى عن دول الجوار بين جهة، ولا يهمل الخسائر التي ترتبت على الغزو، ومن جهة أخرى فإن الامتعاض الذي يبديه كل من بوش وتشيني للتقرير لا يجعل الناظر للمشهد يطمئن إلى مستقبل قريب أفضل أو لإنهاء حالة الاضطراب القائمة هناك منذ أربع سنوات، بل يرشح أنها يمكن أن تستمر لسنوات طوال طالما بقي تعنت إدارة بوش على حاله، وبقيت الطوائف العراقية مقتنعة بأن لغة السلاح والقتل هي الحل.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2567::/cck::
::introtext::

“يعيش العراق في هذه المرحلة أزمة عاصفة تكاد تمزقه شر تمزيق في ظل حرب أهلية وإن كانت لا تزال محددة في نطاقها إلا أنها في تصاعد مع حكومة معطلة يهيمن عليها الشيعة، يضاف إلى ذلك العدد الهائل من القتلى العراقيين الذين يصل عددهم إلى ثلاثة آلاف عراقي يسقطون في الشهر الواحد، 

::/introtext::
::fulltext::

“يعيش العراق في هذه المرحلة أزمة عاصفة تكاد تمزقه شر تمزيق في ظل حرب أهلية وإن كانت لا تزال محددة في نطاقها إلا أنها في تصاعد مع حكومة معطلة يهيمن عليها الشيعة، يضاف إلى ذلك العدد الهائل من القتلى العراقيين الذين يصل عددهم إلى ثلاثة آلاف عراقي يسقطون في الشهر الواحد، أما القوات الأمريكية فزاد عدد قتلاها على الثلاثة آلاف وجرحاها على العشرين ألفاً”.بهذه السطور الموجزة يستهل الخبير العسكري الأمريكي الجنرال باري ماكفري رؤيته لحال العراق في أوائل العام الخامس للغزو الأمريكي والذي جاء تحت رؤى ودعاوى متباينة بدأت في أول الأمر بالحديث عن أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق والتي يسعى إلى امتلاكها ولاحقاً باحتمال وجود علاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن ولاحقاً نحت المبررات جهة القول بتخليص العراق والعراقيين من دكتاتورية النظام السابق وأخيراً بالقول بنشر الحرية وتحويل العراق إلى ساحة من الديمقراطية وواحة من الأمن والأمان.غير أن الوضع الحالي يغني عن السؤال، إذ إن نظرة سريعة على واقع حال العراق اليوم تؤكد على عمق المأساة التي يعيشها والتي لا يستشرف لها أحد نهاية قريبة لا سيما أن أهداف الغزو لم تكتمل بعد وفي مقدمتها السيطرة على نفط العراق الذي كان السبب الرئيسي في تلك المغامرة وذلك لقطع الطريق على أي قطبية دولية أخرى قادمة لا سيما الصين، وحتى يصبح القرن الحادي والعشرون قرناً أمريكياً بامتياز على حد تطلعات جماعة المحافظين الجدد.غزو العراق والبيانات الإحصائية المؤكد أن حديث الأرقام يختلف كثيراً عن حديث التحليلات السياسية والمصدر الذي نعتمد عليه هنا هو مجلة (النيوزويك) الأمريكية الشهيرة في عددها الصادر بتاريخ الثالث من إبريل الماضي فماذا عن حصاد ذلك الغزو حتى الساعة؟تستهل المجلة تحقيقها بالقول إنه على امتداد أربع سنوات تحولت بغداد إلى منطقة حرب تقصف يومياً، وتقسم على أسس طائفية وقتل 747 جندياً أمريكياً على الأقل أثناء محاولات إعادة الأمن إلى العاصمة العراقية وحدها فقط، أما إجمالي عدد القتلى من الجنود الأمريكيين فقد وصل إلى 3200 عسكري خلال العملية وجرح 50 ألفاً على الأقل بطريقة ما، والملاحظ هنا أن تلك الأرقام لا تأخذ في الحسبان القتلى والجرحى من غير حملة الجنسية الأمريكية من المتطوعين والذين يطلق عليهم تعبير المتعاقدين، وبمعنى أوضح المرتزقة الذين تغريهم أمريكا بالتجنس بجنسيتها إذا ما شاركوا في تلك الحرب وفي مقابل كل عسكري قتل أصيب ما معدله 16 بنيران معادية أما كيف قتلوا فعبر العبوات الناسفة العشوائية أو المحلية الصنع والبيان كالتالي: 36 في المائة قتلى من خلال العبوات، 16 في المائة من خلال نيران مباشرة، 27 في المائة مفجر انتحاري، 4 في المائة سيارة ملغومة، 6 في المائة تحطم جوي، 6 في المائة هاون وآر بي جيه.وبحسب أرقام لمؤسسات أمريكية أخرى فإن حوالي 60674 مدنياً عراقياً قتلوا منذ عام 2003 إضافة إلى 140 بريطانياً و 124 عنصراً من التحالف، كما فر حوالي مليوني عراقي من البلاد و 1,8 مليون نزحوا داخل بلادهم بحسب المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، ويعيش ثلث السكان دون عتبة الفقر، ولم يعد العراق اليوم مجرد فوضى وحسب بالنسبة لسكانه، لكن النزاع قد يتحول إلى أزمة إقليمية بين الدول العربية السنية التي تحاول تقديم المساعدة للسنة وبين إيران التي تتهمها واشنطن بتسليح الميليشيات الشيعية وهذا ما دعا جوست هيلترمان مدير الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية لأن يعتبر أن (التحدي الحقيقي اليوم هو استيعاب العنف الطائفي في العراق أكثر منه وقفه).والمؤكد أن أفضل من عبّر عن حال العراق اليوم بأعين الفنان هو المخرج السينمائي باسم قهار الذي يرى العراق اليوم مجرد (عمامة كبيرة وملتحية) وما يتبعها من سياسيين أميين قادوا هذا البلد إلى مجاهل الأصولية التي غذتها بشكل كبير قوات الاحتلال الأمريكي، ويعبر عن حال بغداد بكلمات يمتزج فيها الأدب بالسياسة فيقول (إن الشخصية البغدادية التي كانت قادرة على النهوض بالوطن ثقافياً وعلمياً واقتصادياً انقرضت الآن، إن روح بغداد هجرتها، أخرجت من مكامنها ومن بيوتها ومن شوارعها، أزيحت هذه الشخصية ليحل بدلاً منها قانون لا ينتمي على الإطلاق للمدينة الحديثة وبالتالي نحن عدنا قروناً إلى الخلف).ويضيف أن قلة من النساء يملكن الجرأة حالياً على السير بشوارع بغداد من دون ارتداء الحجاب، وكان من السهل الحصول على المشروبات الكحولية قبل الغزو، غير أنه منذ ذلك الحين فجّر متشددون كثيراً من متاجر بيع الكحوليات، كما أصبح أساتذة الجامعات هدفاً مفضلاً لعمليات الاغتيال، كما أن بغداد اليوم تفقد تعدديتها، حيث غادرت أقليات من بينها الأقلية المسيحية في مجموعات كما دمر عدد من تماثيل الشعراء والشخصيات العلمانية الأخرى.وباختصار يمكن القول إن خسارة العراق تتجاوز بكثير القتلى والجرحى والأموال المنهوبة لتصل إلى ضياع روح العراق الثري العروبي الوثاب لتحل محله جماعات وفرق وميليشيات تنطلق في صراعاتها من مصالحها الذاتية لا من مصلحة العراق.الإعلام الأمريكي ومبررات الغزو الواهية في الذكرى الرابعة للغزو كان الإعلام الأمريكي المنقسم تجاه تلك الحرب يعيد من جديد التذكير بالأخطاء القاتلة لإدارة الرئيس بوش وأكاذيبها التي انطلقت منها. فصحيفة الـ(الواشنطن بوست) على سبيل المثال تذكر أن الاستجواب الذي خضع له صدام حسين والوثائق الرسمية التي عثر عليها في العراق بعد التدخل العسكري الأمريكي في 2003 تؤكد أن النظام العراقي لم يتعاون مع القاعدة، كما أن تقريراً صادراً عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) كان مصنفاً سرياً أفرج عنه مؤخراً أفاد بأن المعلومات التي جمعت إثر سقوط صدام حسين تؤكد المعلومات الاستخبارية التي جمعتها (البنتاجون) ووكالة الاستخبارات المركزية قبل مارس 2003 والتي أشارت إلى أن الحكومة العراقية لم تقم باتصالات مهمة مع القاعدة. وتضيف الصحيفة إن التقرير ذكر أن استجواب صدام حسين ومسؤولين كبار في النظام السابق أكد هذه الفرضية ويناقض التقرير أحد المبررات الرئيسية للإدارة الأمريكية للتدخل العسكري في العراق والذي أكد أن نظام صدام حسين على علاقة وثيقة بتنظيم القاعدة بزعامة ابن لادن وترى الـ (واشنطن بوست) أن التقرير يشير إلى أن المساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكي دوجلاس فيث أحد أهم المؤيدين للتدخل العسكري في العراق بعد اعتداءات 11/9 تجاهل رأي الـ (سي آي إيه) قائلا إن العلاقات بين النظام العراقي والقاعدة قديمة ومتينة في تقريره إلى مدير مكتب نائب الرئيس ديك تشيني في سبتمبر من عام 2002، وبحسب التقرير فإن أجهزة الاستخبارات الأمريكية خلصت في حينه إلى عدم وجود أدلة دامغة على علاقات محتملة بين النظام العراقي والقاعدة، وأنه تعذر إثبات وجود تعاون مباشر بينهما. ومنذ عام 2003 اتهم عملاء في الاستخبارات الأمريكية البيت الأبيض بتجاهل المعلومات التي جمعتها أجهزتهم وباختيار المعلومات المناسبة لتبرير تدخل عسكري في العراق وهذا يذكر بأحاديث وتصريحات مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق جورج تينت الذي أكد أن هناك أيادي خفية كانت تدفع دفعاً لدخول الولايات المتحدة في ذلك الغزو الفاشل حتى الساعة، ورغم هذه التقارير فإن ديك تشيني يصر حتى الساعة على فرضية وجود علاقات بين نظام صدام حسين والقاعدة، مؤكداً أن التنظيم الإرهابي كان ناشطاً في العراق قبل تدخل الولايات المتحدة في هذا البلد.وتستمر الـ (واشنطن بوست) في فضح سلسلة الذرائع التي كانت وراء الغزو، ففي الثالث من إبريل الماضي يكتب (بيتر آيزنر) تحقيقاً عن اعتماد بوش على وثائق إيطالية مزورة لشن الحرب على العراق، رغم أن فرنسا أكدت لمحققين أمريكيين أن النيجر لم تقم ببيع أي يورانيوم لصدام حسين ولم يصدقها أحد وتقول الصحيفة (لقد أظهرت عشرات المقابلات مع مسؤولي استخبارات حاليين وسابقين وصناع القرارات في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا أن الزعم بوجود اتفاق بين العراق والنيجر للحصول على اليورانيوم هو مثار شكوك وتساؤلات. ففي فبراير 2002 تسلمت الـ (سي آي إيه) نصاً مكتوباً بخط اليد لإحدى الوثائق مملوءاً بأخطاء يمكن اكتشافها بسهولة من خلال أي بحث بسيط عبر الإنترنت، كما أوضحت المقابلات الصحفية، وكان الكثير من مسؤولي الاستخبارات ذوي المراتب الوسطى والدنيا متشككين بأن العراق يسعى حقاً إلى الحصول على أسلحة نووية، وكذلك أظهرت المقابلات أن فرنسا التي تعرضت لتوبيخ قاس من قبل إدارة بوش لمعارضتها الحرب على العراق قامت بما يخص صفقة اليورانيوم، كما طلبت منها وكالة الاستخبارات الأمريكية، واتضح لديها أن مستعمرتها السابقة النيجر لم تقم بعقد أي صفقة للعراق.ماذا تبقى إذن من مبررات الغزو؟ ربما يمكن القول بإحلال الحرية بعد عهود طوال من الدكتاتورية وتحقيق الديمقراطية وإحلال فلسفة حقوق الإنسان في كافة إرجاء العراق، لكن واقع الحال يشير إلى زيف هذا الحديث وهو ما يعبر عنه الشعب العراقي اليوم الذي يرى أن كل تلك الوعود التي أطلقت بعد احتلال العراق من تطبيق للحرية والديمقراطية وزيادة فرص العمل وتحسين مستوى دخل الفرد ونقل العراق إلى مصاف الدول المتقدمة انقلبت رأساً على عقب، ولم يعد الشعب يرى إلا العكس من تلك الادعاءات، فالسجون الأمريكية في العراق مليئة بالعراقيين، والمقابر الجماعية اتسعت لتشمل الذين قتلتهم القوات الأمريكية، وآلاف العراقيين النازحين داخل البلد وخارجه هربوا بسبب الأعمال الطائفية التي زرعها الاحتلال وعدم وجود أبسط مستلزمات الخدمات اليومية التي يحتاجها المواطن العراقي من الكهرباء والغاز والنفط والماء الصالح للشرب، وكلها أمور بات الناس يحلمون بها بعد أن تبددت مع الاحتلال، أضف إلى ذلك أن الكثير من ضباط الجيش العراقي اعتبروا الحرب الأمريكية تشرف على الهاوية في ظل السياسة التي اتبعتها منذ غزوها للعراق، مؤكدين أن الخطأ الكبير لهذه القوات تمثل بحل الجيش السابق والأجهزة الأمنية، ويقول أحدهم للإذاعة البريطانية (كنت على يقين منذ أن ساهم بول بريمر الحاكم المدني للعراق في بداية الاحتلال بقرارات مجحفة تمثلت بحل الجيش العراقي، وكذلك بقية الأجهزة الأمنية والعسكرية وما تبعه من إصدار قانون لاجتثاث البعث بأنهم يهدفون إلى مطاردة الشعب العراقي بأكمله وبجميع أطيافه).والنتيجة المؤكدة هي أن احتلال العراق جاء دون شرعية دولية كون العالم بأسره من خلال التظاهرات غير مؤيد أصلاً لشن الحرب على العراق، والدليل على فشل المشروع الأمريكي في العراق هو المؤتمرات التي تطلب من دول الجوار التدخل، وكذلك الأصوات الأمريكية الداعية للانسحاب، وفي مقدمة هؤلاء الديمقراطيون الذين يسيطرون اليوم على الكونغرس الأمريكي، وكذلك يضاف للفشل الأمريكي فشل الحكومة العراقية الحالية التي تتعامل من منطلقات طائفية مع السياسة والسياسيين داخل العراق في قدرتها على إدارة البلاد وإرساء الأمن وتوفير فرص عيش كريمة للمواطن العراقي وكلها مؤشرات يلمسها الإنسان العراقي البسيط بشكل يومي.العراق بين الانسحاب الأمريكي والمقاومةوالحاصل أن العراق اليوم بات بين شقي الرحى، أي بين حديث الانسحاب من جهة وما يستتبعه من احتمالات انهيار الأوضاع الداخلية بما فيها سيناريو التقسيم بين مناطق شيعية وسنية وكردية وبين بقاء قوات الاحتلال واستمرار نزيف الدم وتصاعد موجات العنف التي تضرب من دون هوادة، وعلى الصعيد الرسمي العراقي بدأت أصوات عراقية في تغيير موقفها فبعد أن كانت ترحب بقوات الاحتلال باتت ترى أنها سبب رئيسي في استمرار أعمال العنف ومن بينها رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي الذي اعتبر أن الحل في العراق سياسي في المقام الأول والذي انتقد مؤخراً الخطة الأمنية التي يطبقها الجيش الأمريكي في بغداد لأنها تفتقد البعد السياسي، وكان علاوي قد صرح في أثناء زيارته الأخيرة للمنامة بأنه ليست هناك خطة بالمعنى الشامل، بل هناك خطة أمنية تقضي بزيادة عدد القوات في بغداد. والشق الثاني هو مجموعة من النقاط التي طالب الأمريكيون الحكومة العراقية بتطبيقها، مضيفاً أننا نعتقد أن زيادة عدد القوات ليس هو الحل، فالحل سياسي بالدرجة الأولى، معتبراً أن لا حل من دون مصالحة وطنية حقيقية وإلغاء الميليشيات غير القانونية والتخلص من سياسة المحاصصة الطائفية. غير أن واشنطن بدورها تشهد صراعاً حاداً حول خيار الانسحاب، فالديمقراطيون يشنون حرباً شعواء على الرئيس وإدارته مطالبين بجدول للانسحاب ومهددين في الوقت ذاته بعرقلة مشروعات بوش لزيادة القوات في العراق والتمويل اللازم لما هو موجود بالفعل من قوات، فيما يرى الرئيس ونائبه وبعض غلاة المحافظين الجدد أن الانسحاب إنما يعني خسارة فادحة لأمريكا، وعند بوش تعني عدم تحقيق الأهداف الرئيسية وأولها الديمقراطية والحرية، وإن كان يتحدث من الجانب السلبي، بمعنى عدم ذكره للقيم الإيجابية والتذكير فقط بكل ما يخيف ويدعو إلى الفزع بالقول إن العراق سيعود من جديد إلى دائرة الدكتاتورية، وإن المنظمات الإرهابية ستسيطر عليه وفي مقدمتها القاعدة إضافة إلى الخوف من انتشار العنف الطائفي خارج العراق. أما وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس فقد أثار منذ أيام احتمال خفض القوات الأمريكية بحلول أواخر العام الحالي أو أوائل العام المقبل، وقد سئل غيتس إن كان يعتقد أن خفضاً للقوات بحلول الشتاء المقبل هو احتمال حقيقي فأجاب قائلاً نعم. مضيفاً للصحفيين على متن الطائرة في طريق العودة إلى واشنطن من اجتماع لوزراء دفاع حلف شمالي الأطلسي في كندا (أعتقد أنه احتمال)، وعند غيتس أن أي قرار بشأن مستويات القوات ستمليه الأوضاع على الأرض في العراق. وجاءت تعليقات غيتس بعد ساعات من تفجير انتحاري في المنطقة الخضراء الشديدة التحصين في بغداد والذي أودى بحياة ثمانية أشخاص في مبنى البرلمان العراقي.وفي تحليل عرضته (النيويورك تايمز) الأمريكية لرئيس المعهد العربي الأمريكي في واشنطن العربي الأصل الأمريكي الجنسية جيمس زغبي تحت عنوان (العراق … هاجس الأمريكيين والعرب) يرى أن الولايات المتحدة بغزوها للعراق من دون خطة ولا فهم واضحاً للعواقب والتداعيات المترتبة على الحرب فرضت قيداً على نفسها وعلى الشرق الأوسط، فهناك أغلبيات عراقية وأمريكية معتبرة تريد للقوات الأمريكية مغادرة العراق بسبب أن استمرار وجودها أصبح مصدراً رئيسياً لاشتعال نار التمرد الجاري حالياً. لكن وعلى الرغم من إلحاح هذه الرغبة على جانبي الرأي العام الأمريكي فإن هناك هاجساً مشتركاً أيضاً إزاء المغادرة المبكرة وغير المحسوبة لهذه القوات، فالخوف من أن ينحدر العراق إلى هوة سحيقة وأكثر عمقاً من الحرب الأهلية التي لا يستبعد أن تمتد تأثيراتها السلبية لتشمل المنطقة بأسرها، إضافة إلى تنامي الخوف من أن يؤدي كل هذا إلى تقوية شوكة طهران التي تعد الرابح الأول من هذه الحرب، يجعل من فكرة الانسحاب أمراً غير مرحب به من قبل مجموعات أخرى ترى أن منطقة الخليج العربي كلها في مواجهة مطامع النفوذ الإيراني.ويبقى التساؤل المهم ماذا عن رأي العالم العربي تجاه بقاء أو رحيل القوات الأمريكية من العراق؟العراق واستطلاع للرأي في العالم العربيفي استطلاع للرأي أجرته مؤسسة زغبي إنترناشيونال في واشنطن شمل خمس دول عربية هي المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والأردن ولبنان، وجرى على عينه 3400 شخص من الدول الخمس التي تعد كلها حليفة للولايات المتحدة عبرت الأغلبيات عن مشاعر سلبية إزاء الدور الذي تؤديه كل من أمريكا وإيران حالياً في العراق وتراوحت هذه النسب السلبية بين 96 في المائة في الأردن و 83 في المائة في مصر و 68 في المائة سلباً في المملكة العربية السعودية، أما نصيب طهران فلم يكن حظه أفضل حالاً في النتائج السلبية، إذ تراوحت هذه النسب بين 78 في المائة من الرأي العام السعودي وأكثر من ثلثي الرأي العام الأردني والإماراتي واللبناني والمصري.
وقد تجلت المخاوف من المستقبل في العراق، فقد قال نحو 50 في المائة إن مخاوفهم من أن يتم تقسيم العراق وتمزيقه إلى ثلاثة أقاليم مستقلة ذاتياً أو ينحدر إلى حرب أهلية شاملة تمتد تأثيراتها إلى خارج حدوده مؤدية إلى نشوء أزمة إقليمية، واحتل الخوف من احتمال احتلال أمريكي دائم للعراق المرتبة الثانية من هواجس وقلق المستطلعين، وعن هذه الهواجس الأخيرة جاءت النسب المعبرة عنها كما يلي: 47 في المائة في الأردن و 38 في المائة في مصر ثم 25 في المائة في السعودية، وطرح المعهد ذاته سؤالاً جوهرياً على المستطلعة آراؤهم وهو ماذا يجب على أمريكا أن تفعل؟ وكانت الإجابة من قبل 75 في المائة من المصريين والأردنيين بأن على واشنطن الانسحاب الفوري من العراق، وهي وجهة النظر التي أيدها 40 في المائة في بقية الدول الأخرى التي شملها الاستطلاع. وفي المقابل فإن مواصلة الدور الدبلوماسي إلى جانب مواصلة الجهود من أجل الحفاظ على وحدة العراق هما الخيار المفضل لدى السعوديين والإماراتيين واللبنانيين. كما أظهرت نتائج استطلاع الرأي هذه ضعف التأييد الشعبي العربي لخطة بوش الرامية إلى زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق والمحصلة النهائية لاستطلاع الرأي هذا هي أنه طالما أن كل الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة تنتقد وجودها العسكري فكيف تمضي في تعزيز وجودها العسكري هناك إن لم يكن الهدف حرباً جديدة مع إيران تعد لها العدة من خلال حشد قواتها في العراق تحت دعاوى تعزيز الأمن هناك؟ والشاهد أن أفضل الطروحات التي وضعت على مائدة الحديث عن المستنقع العراقي والخلاص من خطيئة إدارة بوش بغزوها للعراق هي توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون التي قدمت رؤى عقلانية ومتزنة لإيجاد حل لا ينأى عن دول الجوار بين جهة، ولا يهمل الخسائر التي ترتبت على الغزو، ومن جهة أخرى فإن الامتعاض الذي يبديه كل من بوش وتشيني للتقرير لا يجعل الناظر للمشهد يطمئن إلى مستقبل قريب أفضل أو لإنهاء حالة الاضطراب القائمة هناك منذ أربع سنوات، بل يرشح أنها يمكن أن تستمر لسنوات طوال طالما بقي تعنت إدارة بوش على حاله، وبقيت الطوائف العراقية مقتنعة بأن لغة السلاح والقتل هي الحل.

::/fulltext::
::cck::2567::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *