دول الخليج ومسار “الاستثمار في البشر”
::cck::2660::/cck::
::introtext::
من يطالع التصريحات المتتالية التي تأتي على ألسنة مسؤولين رفيعي المستوى في دول مجلس التعاون الخليجي حول ضرورة الالتفات إلى الاستثمار في البشر يتذكر الحكمة ذائعة الصيت التي تقول (بناء المصانع يسير وبناء الرجال عسير)،
::/introtext::
::fulltext::
من يطالع التصريحات المتتالية التي تأتي على ألسنة مسؤولين رفيعي المستوى في دول مجلس التعاون الخليجي حول ضرورة الالتفات إلى الاستثمار في البشر يتذكر الحكمة ذائعة الصيت التي تقول (بناء المصانع يسير وبناء الرجال عسير)، فدول الخليج استفادت من الطفرات النفطية المتتابعة في تشييد أبنية شاهقة وأسواق مكتظة بمختلف ألوان السلع الاستهلاكية وتأسيس بنية تحتية ضخمة، وبناء مؤسسات خدمية للتعليم والصحة والأعمال المصرفية، وتوفير حياة مرفهة لقطاعات ملموسة من الشعوب الخليجية، لكنها لم تعط اهتماماً بالمقصد الأول لكل عمليات التنمية في أي زمان ومكان وهو الإنسان.لا يعني هذا بالطبع أن الحكومات الخليجية قد أهملت بناء البشر تماماً، لكنها لم تضع هذه الأولوية في صدارة اهتمامها، ولم تعتبرها الغاية الأسمى لاستغلال كل الوفورات المالية التي جنتها من حصيلة بيع النفط والغاز طيلة العقود التي خلت. ومثل هذا الاختيار كلف دول الخليج الكثير ـ حتى الآن ـ حيث نشأت أجيال لا تحوز القدرة الكافية على قيادة عملية التنمية والتطوير، ليس في جانبها العلوي المتعلق باتخاذ القرارات والتخطيط، بل في عملية التنفيذ، التي تحتاج إلى كوادر مدربة في كل المجالات.ومثل هذا الوضع المختل لا يمكن معه أن تنجح دول الخليج في تغيير أوضاعها الاقتصادية بشكل جذري وجوهري أصيل، يضع حداً للتغييرات الظاهرية القشرية، التي تضفي صبغة شكلية من التحديث والحداثة على ظواهر وتجمعات تقليدية أو شبه تقليدية. ولا يعني هذا في الوقت ذاته أن يستغني الخليجيون تماماً عن الكوادر المهنية المدربة تدريباً فائقاً وفي مجالات دقيقة ومهمة، فمثل هذا المسلك تتبعه أكثر دول العالم تقدماً، مثلما تفعل بريطانيا مع مهندسي الاتصالات من الهنود، وتفعل أمريكا مع كل العقول المتميزة القادرة على العطاء. إنما ما أعنيه في هذا المقام هو تقديم معالجة اجتماعية ـ قانونية تساهم في استيعاب كامل لأصحاب العقول المتميزة التي تستقدمها دول الخليج، جنباً إلى جنب مع بناء كوادر من المواطنين لديهم قدرة على المنافسة في أدق المجالات وأكثرها حيوية.إن تجارب التنمية الناجحة في كثير من دول العالم من أدناه إلى أقصاه، ركزت على الإنسان، ومنحته أولوية، ولم تضع جل تركيزها على الموارد الطبيعية أو حركة التصنيع بمختلف درجاتها وأنواعها. ومثل هذا التصور هو الذي يقف وراء نجاح اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا في أن تكون قوى اقتصادية مهمة في سنوات معدودة. فهذه الدول لا تمتلك مواد خام كبيرة، لكنها نجحت في تربية عقول ذكية، وبذلت جهداً فائقاً في بناء رأسمال بشري، ورأسمال إبداعي، عوضها عن افتقارها للموارد الطبيعية، ووضعها في مصاف الدول المتقدمة، بعد أن كانت ترزح في عداد الدول المتخلفة والنامية. إن التركيز على الإنسان في التنمية يتماشى مع الرؤية الإسلامية للمال والاقتصاد، والتي تختلف كثيراً عن بعض النظريات الاقتصادية التي نستوردها، ونرددها من دون التفكير في مدى ملاءمتها لمجتمعاتنا، فمن المنشأ ينظر الغربيون إلى الاقتصاد بصفته (مخدوماً) وليس (خادماً)، بمعنى أن كل شيء يهون ويوظف في سبيل تعظيم الربح وتراكم الوفورات المالية، فهذا هو أهم معيار يقاس به نجاح الشركة أو المؤسسة، إن لم يكن المعيار الوحيد لدى كثيرين. ولا يلتفت هؤلاء إلى (روح الشرق) المستمدة من صحيح الأديان السماوية، والتي تنظر إلى الاقتصاد بصفته خادماً، لأنها تؤمن بأن الإنسان له وظيفة في الحياة الدنيا أكبر بكثير من مجرد أن يأكل ويشرب ويتكاثر ويترفه، وتؤمن كذلك بالبعد الاجتماعي للمال، ففي الإسلام مثلاً يقوم الاقتصاد على أصل ثابت مفاده أن (المال مال الله ونحن وكلاؤه)، ومن ثم شرعت الزكاة والصدقة، ورأى بعض الفقهاء أن الدولة يمكنها أن تقدم على التأميم إن اختلت الأمور، فامتلكت القلة الضئيلة كل شيء، وحرمت الأغلبية العريضة من حيازة أدنى شيء. إن النظريات الاقتصادية الغربية تصلح في بلدان حققت حداً معقولاً من الكفاية لمواطنيها، أو تنفع بلاداً تريد أن تمد أياديها الاقتصادية إلى خارج الحدود، باحثة عن أسواق رائجة وأماكن طيعة للاستثمار. أما في بلاد الخليج، والدول العربية عامة، فإن الأولوية يجب أن تعطى إلى توفير حد الكفاية للناس، من غذاء وكساء وإيواء ودواء وترفيه مناسب، وإيجاد طبقة وسطى تحافظ على القيم وتحفظ التماسك الاجتماعي، وإيجاد رأسمالية وطنية، تنخرط في (تعميق التصنيع) وتحرص على منافسة المنتج الأجنبي في بلادنا فتهزمه، ثم تسعى إلى المنافسة في الأسواق الخارجية، خاصة في العالم العربي وآسيا المكتظة بالبشر، وإفريقيا جنوب الصحراء. لكن الحاصل هو عملية ولادة قيصرية لطبقة مصطنعة من رجال الأعمال الذين يسعون إلى حيازة احتكارات واسعة ، ويلهثون وراء مصانع السلع الخفيفة من قبيل ألعاب التسلية والحلوى والمرطبات، لأنها تدر عوائد سريعة. فإذا وجد هؤلاء أن الاستيراد أجدى في تحصيل مال بلا تعب فسيغلقون المصانع، ويتحولون إلى تجار، وفي أفضل الظروف إلى وكلاء في بلادنا للشركات الأجنبية الكبرى.ورغم عدم جدوى أو واقعية اختلاف اثنين على أن الحافز الفردي ذو تأثير بالغ في إيقاظ الهمم الاقتصادية، وتشجيع الناس على العمل والإنتاج، فإن ترك هذه الحوافز تتصارع من دون ضابط ولا رابط، أو عدم تبصيرها بما يجب أن يكون عليه السلوك الاقتصادي، يقود إلى نتائج عكسية من قبيل شيوع الفساد والرشوة وتوحش الاحتكارات، والجنوح إلى المشروعات السطحية، التي تقبل على إنتاج سلع ترفيهية محدودة الأهمية، فتستعر شهوة المجتمع إلى الاستهلاك. إن المشكلة في دول الخليج، كما هي في بلدان عربية عديدة، أن المسؤولين عن التخطيط الاقتصادي يطبقون نظريات وأفكاراً تتماشى مع اقتصادات قوية، وهذه آفة ليست بالجديدة، إذ إنها تعشش منذ زمن في عقول الكثير من الأكاديميين الاقتصاديين، ممن يعطون لتاريخ أوروبا وأمريكا الاقتصادي أولوية على تاريخنا نحن، ويتحمسون لتدريس نظريات عن (توازن المشروع في ظل المنافسة الحرة أو الاحتكارية) أكثر من تحمسهم لدراسة أفكار حول سبل تنظيم قطاعات الخدمات، وضرورة وجود الدولة في بعض الأنشطة الاقتصادية الكبيرة والحيوية والمرتبطة بالأمن القومي. وهؤلاء يتناولون بشغف نظريات الثمن والتوزيع والتوازن الكلي على حالها الذي وضعه مارشال أو كينز، مع أن هذين المفكرين الاقتصاديين كانا سيتوصلان إلى نتائج مغايرة لو وضعا هذه النظريات على أساس دراسة اقتصاد دول العالم الثالث التي ننتمي إليها. ويتم اقتطاع هذه النظريات والأفكار من سياقها لتدرس وتطبق في سياق مغاير، لكنها لن تفلح أبداً، فلا المشكلات التي تعاني منها حياتنا الاقتصادية هي المشكلات التي تعترض الغربيين، ولا الحلول التي تصلح لهم يمكن أن تنفعنا بصورتها المستوردة. فالخبرة الأوروبية اتكأت أساساً على الثورة الصناعية، التي فتحت الباب واسعاً أمام بناء المصانع وتشييد المدن على حساب الاقتصاد التقليدي وحياة الريف البسيطة. وهذه الطريقة الأوروبية بدت لكثيرين منا هي النموذج الأوحد لتحقيق التنمية، وأن الوصول إلى المجتمع الصناعي المتقدم تقنياً لا يكون إلا بالقضاء على النسق الاجتماعي المرتبط بالزراعة والرعي. وينسى هؤلاء أن النمط الأوروبي يحتاج إلى تراكم رأسمال كبير جداً، وهو ما تحقق من النهب الاستعماري، ويحتاج أيضاً إلى تقدم تقني وهو ما وفرته الثورات العلمية المتعاقبة، وتم تطعيمه بالاهتمام بعملية واعية للاستثمار في البشر، وهو ما ينقص دول الخليج، رغم امتلاكها وفورات مالية.إن الثمرة التي حصدتها بعض البلدان الخليجية رغم تخصيص ميزانية كبيرة للتعليم ضعيفة مقارنة بالنفقات التي تم ضخها، لكن لم يعد هناك بد من تعزيز هذا المسلك المهم من أجل بناء إنسان يمتلك قدرات كبيرة، ثم توظيف أصحاب هذه القدرات في العملية التنموية للوصول في خاتمة المطاف إلى مجتمع يتمتع أفراده بحياة أفضل، ويعيشون بحرية، ويمارسون من دون تمييز كافة حقوقهم، ويؤدون كل الالتزامات المعلقة في رقابهم حيال أوطانهم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2660::/cck::
::introtext::
من يطالع التصريحات المتتالية التي تأتي على ألسنة مسؤولين رفيعي المستوى في دول مجلس التعاون الخليجي حول ضرورة الالتفات إلى الاستثمار في البشر يتذكر الحكمة ذائعة الصيت التي تقول (بناء المصانع يسير وبناء الرجال عسير)،
::/introtext::
::fulltext::
من يطالع التصريحات المتتالية التي تأتي على ألسنة مسؤولين رفيعي المستوى في دول مجلس التعاون الخليجي حول ضرورة الالتفات إلى الاستثمار في البشر يتذكر الحكمة ذائعة الصيت التي تقول (بناء المصانع يسير وبناء الرجال عسير)، فدول الخليج استفادت من الطفرات النفطية المتتابعة في تشييد أبنية شاهقة وأسواق مكتظة بمختلف ألوان السلع الاستهلاكية وتأسيس بنية تحتية ضخمة، وبناء مؤسسات خدمية للتعليم والصحة والأعمال المصرفية، وتوفير حياة مرفهة لقطاعات ملموسة من الشعوب الخليجية، لكنها لم تعط اهتماماً بالمقصد الأول لكل عمليات التنمية في أي زمان ومكان وهو الإنسان.لا يعني هذا بالطبع أن الحكومات الخليجية قد أهملت بناء البشر تماماً، لكنها لم تضع هذه الأولوية في صدارة اهتمامها، ولم تعتبرها الغاية الأسمى لاستغلال كل الوفورات المالية التي جنتها من حصيلة بيع النفط والغاز طيلة العقود التي خلت. ومثل هذا الاختيار كلف دول الخليج الكثير ـ حتى الآن ـ حيث نشأت أجيال لا تحوز القدرة الكافية على قيادة عملية التنمية والتطوير، ليس في جانبها العلوي المتعلق باتخاذ القرارات والتخطيط، بل في عملية التنفيذ، التي تحتاج إلى كوادر مدربة في كل المجالات.ومثل هذا الوضع المختل لا يمكن معه أن تنجح دول الخليج في تغيير أوضاعها الاقتصادية بشكل جذري وجوهري أصيل، يضع حداً للتغييرات الظاهرية القشرية، التي تضفي صبغة شكلية من التحديث والحداثة على ظواهر وتجمعات تقليدية أو شبه تقليدية. ولا يعني هذا في الوقت ذاته أن يستغني الخليجيون تماماً عن الكوادر المهنية المدربة تدريباً فائقاً وفي مجالات دقيقة ومهمة، فمثل هذا المسلك تتبعه أكثر دول العالم تقدماً، مثلما تفعل بريطانيا مع مهندسي الاتصالات من الهنود، وتفعل أمريكا مع كل العقول المتميزة القادرة على العطاء. إنما ما أعنيه في هذا المقام هو تقديم معالجة اجتماعية ـ قانونية تساهم في استيعاب كامل لأصحاب العقول المتميزة التي تستقدمها دول الخليج، جنباً إلى جنب مع بناء كوادر من المواطنين لديهم قدرة على المنافسة في أدق المجالات وأكثرها حيوية.إن تجارب التنمية الناجحة في كثير من دول العالم من أدناه إلى أقصاه، ركزت على الإنسان، ومنحته أولوية، ولم تضع جل تركيزها على الموارد الطبيعية أو حركة التصنيع بمختلف درجاتها وأنواعها. ومثل هذا التصور هو الذي يقف وراء نجاح اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا في أن تكون قوى اقتصادية مهمة في سنوات معدودة. فهذه الدول لا تمتلك مواد خام كبيرة، لكنها نجحت في تربية عقول ذكية، وبذلت جهداً فائقاً في بناء رأسمال بشري، ورأسمال إبداعي، عوضها عن افتقارها للموارد الطبيعية، ووضعها في مصاف الدول المتقدمة، بعد أن كانت ترزح في عداد الدول المتخلفة والنامية. إن التركيز على الإنسان في التنمية يتماشى مع الرؤية الإسلامية للمال والاقتصاد، والتي تختلف كثيراً عن بعض النظريات الاقتصادية التي نستوردها، ونرددها من دون التفكير في مدى ملاءمتها لمجتمعاتنا، فمن المنشأ ينظر الغربيون إلى الاقتصاد بصفته (مخدوماً) وليس (خادماً)، بمعنى أن كل شيء يهون ويوظف في سبيل تعظيم الربح وتراكم الوفورات المالية، فهذا هو أهم معيار يقاس به نجاح الشركة أو المؤسسة، إن لم يكن المعيار الوحيد لدى كثيرين. ولا يلتفت هؤلاء إلى (روح الشرق) المستمدة من صحيح الأديان السماوية، والتي تنظر إلى الاقتصاد بصفته خادماً، لأنها تؤمن بأن الإنسان له وظيفة في الحياة الدنيا أكبر بكثير من مجرد أن يأكل ويشرب ويتكاثر ويترفه، وتؤمن كذلك بالبعد الاجتماعي للمال، ففي الإسلام مثلاً يقوم الاقتصاد على أصل ثابت مفاده أن (المال مال الله ونحن وكلاؤه)، ومن ثم شرعت الزكاة والصدقة، ورأى بعض الفقهاء أن الدولة يمكنها أن تقدم على التأميم إن اختلت الأمور، فامتلكت القلة الضئيلة كل شيء، وحرمت الأغلبية العريضة من حيازة أدنى شيء. إن النظريات الاقتصادية الغربية تصلح في بلدان حققت حداً معقولاً من الكفاية لمواطنيها، أو تنفع بلاداً تريد أن تمد أياديها الاقتصادية إلى خارج الحدود، باحثة عن أسواق رائجة وأماكن طيعة للاستثمار. أما في بلاد الخليج، والدول العربية عامة، فإن الأولوية يجب أن تعطى إلى توفير حد الكفاية للناس، من غذاء وكساء وإيواء ودواء وترفيه مناسب، وإيجاد طبقة وسطى تحافظ على القيم وتحفظ التماسك الاجتماعي، وإيجاد رأسمالية وطنية، تنخرط في (تعميق التصنيع) وتحرص على منافسة المنتج الأجنبي في بلادنا فتهزمه، ثم تسعى إلى المنافسة في الأسواق الخارجية، خاصة في العالم العربي وآسيا المكتظة بالبشر، وإفريقيا جنوب الصحراء. لكن الحاصل هو عملية ولادة قيصرية لطبقة مصطنعة من رجال الأعمال الذين يسعون إلى حيازة احتكارات واسعة ، ويلهثون وراء مصانع السلع الخفيفة من قبيل ألعاب التسلية والحلوى والمرطبات، لأنها تدر عوائد سريعة. فإذا وجد هؤلاء أن الاستيراد أجدى في تحصيل مال بلا تعب فسيغلقون المصانع، ويتحولون إلى تجار، وفي أفضل الظروف إلى وكلاء في بلادنا للشركات الأجنبية الكبرى.ورغم عدم جدوى أو واقعية اختلاف اثنين على أن الحافز الفردي ذو تأثير بالغ في إيقاظ الهمم الاقتصادية، وتشجيع الناس على العمل والإنتاج، فإن ترك هذه الحوافز تتصارع من دون ضابط ولا رابط، أو عدم تبصيرها بما يجب أن يكون عليه السلوك الاقتصادي، يقود إلى نتائج عكسية من قبيل شيوع الفساد والرشوة وتوحش الاحتكارات، والجنوح إلى المشروعات السطحية، التي تقبل على إنتاج سلع ترفيهية محدودة الأهمية، فتستعر شهوة المجتمع إلى الاستهلاك. إن المشكلة في دول الخليج، كما هي في بلدان عربية عديدة، أن المسؤولين عن التخطيط الاقتصادي يطبقون نظريات وأفكاراً تتماشى مع اقتصادات قوية، وهذه آفة ليست بالجديدة، إذ إنها تعشش منذ زمن في عقول الكثير من الأكاديميين الاقتصاديين، ممن يعطون لتاريخ أوروبا وأمريكا الاقتصادي أولوية على تاريخنا نحن، ويتحمسون لتدريس نظريات عن (توازن المشروع في ظل المنافسة الحرة أو الاحتكارية) أكثر من تحمسهم لدراسة أفكار حول سبل تنظيم قطاعات الخدمات، وضرورة وجود الدولة في بعض الأنشطة الاقتصادية الكبيرة والحيوية والمرتبطة بالأمن القومي. وهؤلاء يتناولون بشغف نظريات الثمن والتوزيع والتوازن الكلي على حالها الذي وضعه مارشال أو كينز، مع أن هذين المفكرين الاقتصاديين كانا سيتوصلان إلى نتائج مغايرة لو وضعا هذه النظريات على أساس دراسة اقتصاد دول العالم الثالث التي ننتمي إليها. ويتم اقتطاع هذه النظريات والأفكار من سياقها لتدرس وتطبق في سياق مغاير، لكنها لن تفلح أبداً، فلا المشكلات التي تعاني منها حياتنا الاقتصادية هي المشكلات التي تعترض الغربيين، ولا الحلول التي تصلح لهم يمكن أن تنفعنا بصورتها المستوردة. فالخبرة الأوروبية اتكأت أساساً على الثورة الصناعية، التي فتحت الباب واسعاً أمام بناء المصانع وتشييد المدن على حساب الاقتصاد التقليدي وحياة الريف البسيطة. وهذه الطريقة الأوروبية بدت لكثيرين منا هي النموذج الأوحد لتحقيق التنمية، وأن الوصول إلى المجتمع الصناعي المتقدم تقنياً لا يكون إلا بالقضاء على النسق الاجتماعي المرتبط بالزراعة والرعي. وينسى هؤلاء أن النمط الأوروبي يحتاج إلى تراكم رأسمال كبير جداً، وهو ما تحقق من النهب الاستعماري، ويحتاج أيضاً إلى تقدم تقني وهو ما وفرته الثورات العلمية المتعاقبة، وتم تطعيمه بالاهتمام بعملية واعية للاستثمار في البشر، وهو ما ينقص دول الخليج، رغم امتلاكها وفورات مالية.إن الثمرة التي حصدتها بعض البلدان الخليجية رغم تخصيص ميزانية كبيرة للتعليم ضعيفة مقارنة بالنفقات التي تم ضخها، لكن لم يعد هناك بد من تعزيز هذا المسلك المهم من أجل بناء إنسان يمتلك قدرات كبيرة، ثم توظيف أصحاب هذه القدرات في العملية التنموية للوصول في خاتمة المطاف إلى مجتمع يتمتع أفراده بحياة أفضل، ويعيشون بحرية، ويمارسون من دون تمييز كافة حقوقهم، ويؤدون كل الالتزامات المعلقة في رقابهم حيال أوطانهم.
::/fulltext::
::cck::2660::/cck::
